2012/06/06

أوهام الكونتون المسيحي في "وهّابستان" لبنان

لم يكن الهجوم على الجيش اللبناني، والاتهامات التي سيقت له وليدة ظرف طارئ أو نتيجة لحادث ما حصل صدفة، ولم تكن بالطبع وليده صدفة وأجواء مشحونة في بلد يعيش على وقع الأزمة السورية وتطوراتها وتأزمها، بل لطالما كان الجيش اللبناني دائماً عرضة لهجومات شرسة من ميليشيات تريد إلغاءه وإلغاء دوره، فكلما ظهرت ميليشيا هنا أو هناك، وكلما شعرت بفائض القوة في شارعها، عمدت مسرعة إما إلى الهجوم على الجيش، في محاولة لتقزيم دوره وتعطيل قوته في مناطق نفوذها، أو محاولة استمالته لاستخدامه أداة في ضرب مناوئيها وخصومها السياسيين في المناطق الأخرى.

وهكذا، عانى الجيش اللبناني ما لم تعانيه أي مؤسسة أخرى في الوطن، من نفاق وازدواجية امتهنها فريق 14 شباط بميليشياته المتعددة. ففي نفس الوقت الذي كانت تلك القوى تتغنى بالجيش وبقوته لتصويره قادراً على الدفاع عن لبنان في وجه "إسرائيل" لإحراج المقاومة أمام الرأي العام اللبناني، وللمطالبة بنزع سلاحها، كانت حكومات السنيورة المتعاقبة تضيّق عليه وتحرمه من السلاح والتهجير وزيادة العدد، ويتم إنشاء القوى الأمنية البديلة لاستخدامها أداة بيدها في مواجهة اللبنانيين الآخرين وتنفيذ أجندتها السياسية والأمنية في الوطن.

أما بالنسبة إلى مسيحيي 14 شباط، فالنفاق أكبر؛ تراهم يتحدثون عن مطالبتهم بتسليم سلاح المقاومة إلى الجيش اللبناني مع إبراز ثقتهم بهذا الجيش، وفي الوقت نفسه يُخرجون حقدهم على الجيش بواسطة منتمين سابقين إلى المؤسسة العسكرية، فضّلوا العمل الميليشوي والالتحاق بقطّاع طرق على رصانة وهيبة مؤسسة وطنية جامعة، ليتهموا الجيش بأنه مجموعة مجرمين مقوننين، وكما في الأيام الغابرة، وفي مديح للمؤسسة العسكرية ودعوتها لبسط سلطتها لم تنطلِ على أحد، وحين فشل هؤلاء بإلحاق الجيش بهم وتغيير عقيدته، شنوا عليه حروبهم، ومن ينسى حروب هؤلاء السابقة ضد الجيش اللبناني التي بدأت باغتيال ضباطه، والتضييق على عسكرييه، واستفزازهم على الحواجز، وقتلهم.. ثم التعاون مع الجيش السوري - المتهم من قبلهم الآن - على دكّ مناطق الجيش اللبناني بالمدفعية الثقيلة، ثم قتل ضباطه في عمشيت، بطلقات في رؤوسهم وهم أسرى.

وإذا كان هجوم تيار المستقبل وسلفييه، كخالد الضاهر وغيره، على الجيش اللبناني معروفاً ومفهوم المآرب والغايات، ومنطقياً من وجهة نظر سياسية مكيافيللية، حيث الغاية تبرر الوسيلة، فما الذي غيّر مفهوم دخول مسيحيي 14 شباط على خط الهجوم على الجيش في هذا الظرف بالذات؟
قد يُفهم هجوم تيار المستقبل على الجيش اللبناني في ظل توجه هؤلاء لاقتطاع منطقة لبنانية لتأسيس إمارة والتفرد بها وبأمنها، واستخدامها منصة للهجوم على سورية، وإن يفكر تيار المستقبل استراتيجياً، وبحسب الدور المرسوم له والمطلوب منه أداؤه، فهو يجد أن الجيش اللبناني بات عائقاً أمام الفرز المذهبي، وأمام قدرته على إخراج المارد المذهبي من عقاله، لإشعال فتنة مذهبية سنية - شيعية لن تبقي ولن تذر في الوطن والمنطقة، وهو أصلاً مكلّف بإشعالها، وعليه القيام بتذليل العوائق التي تمنع هذه الفتنة وهذه الفوضى المطلوبة، لذلك، فإن تكفير الجيش اللبناني، من قبل تكفيريين لا يؤمنون بالمشاركة ولا بالديمقراطية، ويقوم فكرهم على الإلغاء والإقصاء والقضاء على كل فكر مختلف، يبدو أمراً طبيعياً إذا ما عرفنا خطة هؤلاء واستراتيجتهم، وطموحهم بإقامة الإمارة الوهابية التي تبدأ من الشمال وتحاول التمدد من هناك لتربط بيروت وصولاً إلى صيدا، حيث تستطيع أن تشكّل تهديداً دائماً للمقاومة في الجنوب يلهيها في الداخل ويحجب أنظارها عن العدو في الناحية الأخرى.
أما تنطح بعض مسيحيي 14 شباط للمساهمة في الهجوم على الجيش اللبناني، فلا يمكن أن يُفهم إلا أن هؤلاء يعيشون أحلاماً بتأسيس كونتون مسيحي يحكمونه، ويعتقدون أن إقامة إمارة سلفية في الشمال، ستجعل من المنطقي تأسيس ذلك الكونتون، وأن التحالف بينهم وبين الوهابيين سيؤدي إلى أن يبارك الملك السعودي لجعجع كونتونه، لكن ما لا يعرفه هؤلاء، أن الإمارة الوهابية التي يُطمح إلى تأسيسها في الشمال، ستحاول الامتداد لربط بيروت وصيدا، ولن تقبل بكونتون مسيحي يشكّل خاصرة رخوة للإمارة، أو يقتطع الإمارة ويُفقد بيروت وصيدا العمق الاستراتيجي المطلوب في المواجهة مع المقاومة في الجنوب والبقاع.
وما لا يدركه هؤلاء أيضاً، أن نار الفتنة المذهبية السنية - الشيعية التي يحاولون إذكاءها، طمعاً منهم بإقامة كونتونهم المسيحي، سوف تحرق المسيحيين قبل غيرهم، وإن ما يحاولون القيام من إضعاف دور الجيش خدمة لحلفائهم الوهابيين، ولئلا يقف عائقاً أمام قدرتهم على تقسيم لبنان، سيترك المسيحيين في مهب الريح، ويكشفهم أمنياً أمام الأخطار التي ستحدق بهم، وسيجعل من هجرتهم الحل الأخير للحفاظ على وجودهم وحياتهم، فقوة الجيش وهيبته هي الضمانة الوحيدة للوجود المسيحي في لبنان.

واقعياً، تعيش المنطقة اليوم أخطر مرحلة في تاريخها الحديث، فإما أن يتم التنبه لما يحاك، أو تدخل المنطقة في فتنة مذهبية قاتلة، وتغرق في فوضى وحروب مذهبية تؤدي إلى تقسيمها، وفي التقسيم لن يكون للمسيحيين مكان هنا، وسيتحولون وقوداً للفتنة، وهدفاً للانتقام.

المسيحيون أمام مرحلة مفصلية في حياتهم ووجودهم في هذا الشرق، فهل يتعظون ويستفيقون لتحمل مسؤولياتهم التاريخية، أو يكون مصيرهم كمصير العراقيين المسيحيين، أو مصير مسيحيي القدس؟ الجواب رهن وعيهم.

ليلى نقولا الرحباني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق