2012/08/17

لماذا يفر المنشقون السوريون إلى قطر؟

الثبات في 9 آب 2012
كما بات معلوماً، تحوّل التحرك الشعبي في سورية، والذي بدأ على صيغة مطالبة بإصلاحات داخلية ومحاربة فساد، إلى عدوان مخطط له خارجياً، وبصورة واضحة المعالم، خصوصاً بعدما عجز المنظمون عن تحفيز الشعب السوري للنزول بمظاهرات مليونية تطيح بالنظام، في ثورة "سلمية" تشبه ثورتي مصر وتونس، وتقيم نوعاً من دومينو ثورات ملونة، كما حصل في الجمهوريات السوفياتية السابقة، كما عجزوا عن تكرار السيناريو الليبي، في ظل تماسك الجيش السوري وقيادته، وعجز الناتو عن التدخل العسكري في سورية، لما في ذلك من تكاليف باهظة وعجز عن الانتصار.. كل هذه الأسباب وغيرها جعلت المخططين ينتقلون وبسرعة قياسية ـ نوعاً ما ـ إلى عسكرة الثورة، وممارسة العنف والترهيب، من خلال عمليات قتل واغتيال الموالين للنظام أو أبنائهم، مع الاستمرار في محاولات إغراء القادة السياسيين والعسكريين والإعلاميين بالمال، أو ترهيبهم بالتصفية، للانقلاب على النظام أو الانشقاق عنه.

ولعل انشقاق رئيس الوزراء الجديد، وهروبه إلى الأردن، تمهيداً للانتقال إلى الدوحة، يعطي مؤشرات عدّة يمكن أن نذكر منها ما يلي:

-         إن عمليات الفرار التي تحصل تفيد بشكل جازم أن الجيش السوري ما زال يسيطر على جميع أنحاء البلاد، بعكس ما يشيعه المتمردون، فلو كان هناك بعض المناطق التي يسيطر عليها هؤلاء بشكل تام، ويفرضون سيطرتهم التامة عليها، لما اضطر المنشقون للفرار إلى خارج سورية، بل كانوا انشقوا وانتقلوا للسكن في المناطق التي يسيطر عليها  "الثوار".

-         إن انشقاق رئيس وزراء معيّن حديثاً يؤشّر إلى ضعف استخباراتي لدى النظام السوري، وهو أمر ظهر جلياً في وقت سابق؛ حين ظهر السلاح في الشوارع السورية، واكتُشف أن الخلايا النائمة كانت تتحضر وتدرب نفسها منذ سنوات للتحضير لعمليات ما في الداخل السوري، ويبرز هذا الضعف الاستخباري في ما نُقل عن بعض المصادر أن الرجل خطط منذ فترة طويلة لعملية الهروب، وأنه نقل أمواله خلسة، وكل محيطه العائلي، في عملية استمرت طويلاً، ربما قبل إعلانه رئيساً للحكومة في شهر حزيران الماضي.

-         هذا الفرار يبرز حاجة الدولة السورية إلى ضبط أكبر لحدودها، فعمليات تهريب السلاح والمال والعتاد والفارّين المنشقين والإرهابيين الحاصلة على الحدود، تفيد أن الحدود غير مضبوطة، بل و"فالتة" بشكل كبير، وبالرغم من أننا ندرك أن ضبط الحدود بشكل كامل هو أمر تعجيزي مستحيل، تعجز عنه أقوى الدول المستقرة، ومنها الولايات المتحدة الأميركية، التي لا تستطيع ضبط حدودها مع المكسيك، لكن يبقى على السلطة السورية التشدد أكثر، فهجرة عائلة رئيس الوزراء بكاملها كان من المفترض أن تثير الشكّ لدى الأجهزة المختصة، إلا إذا كانت غائبة تماماً.

-         إن عمليات الانشقاق التي تحصل، وفرار هؤلاء إلى الدوحة، يفيد أن الانشقاق حصل نتيجة عمليات إغراء مادية، وليس بناء على اقتناع بمطالب المتمردين أو تأييداً لثورة ما، بالعكس؛ فإن الفرار وما يعقبه من غياب عن الساحة الإعلامية والسياسية، أو حتى الميدانية، يفيد بأن عمليات الانشقاق هي عمليات خيانة وطنية لقاء بدل مالي.

-         إن الحديث بأن فرار رئيس الوزراء هو ضربة قاضية للنظام هو مجرد تمنيات لمطلقيها، فالرئيس السوري هو القائد الأعلى للقوى المسلحة، وليس رئيس الوزراء، ثم إن الاغتيال الذي أودى بحياة وزير الدفاع ونائبه، وهما من الرموز الأساسية للنظام، وهو الضربة الأقسى والأكثر إيلاماً للنظام السوري، لم تؤدِّ إلى انهيار النظام أو إضعافه، بل زادته عزماً وشدة، وجعلت من الشعب السوري يلتفّ أكثر حول قيادته، وهو ما ظهر في معارك حلب، حيث تشير التقارير إلى أن الأهالي يتعاونون مع الجيش على قتال المسلحين، ويمنعونهم من التمركز في أحيائهم، ويحرمونهم من البيئة الحاضنة، ويمنعون جعل الأهالي والمناطق السكنية دروعاً بشرية يتسترون بها لإحراج الجيش السوري وتكبيل يديه عن القيام بهجوم ساحق على الأحياء التي يتمركزون فيها، خوفاً من حصول مجازر في تلك المناطق.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن غالبية المنشقين، ولغاية اليوم، لم يؤثروا لا سلباً ولا إيجاباً على سير الصراع الدائر في سورية اليوم، فلا الضباط الذين انشقوا وقيل إنهم فرّوا إلى تركيا أثروا في سير المعركة الميدانية الدائرة، ولا السياسييين أو الدبلوماسيين الذين فرّوا إلى الدوحة أثروا في التوازن السياسي، أو استطاعوا أن يثبتوا أن النظام السياسي منهار بشكل يحرجه، أو يجعل كرة الفرار تتدحرج ككرة الثلج، بل إن من ينشق يفرّ لوحده وبثيابه، وبالوعد بقبض أموال من قطر، يحال بعدها إلى التقاعد ونهاية الخدمة بخيانة وطنية.

وهكذا يبدو من مسار الأحداث في الأزمة السورية، أن كافة الأوراق المتاحة التي استعملها المهاجم لم تؤدِّ الهدف المرجو منها بانهيار النظام، بينما ما زال المُدافع يتلقى الضربات السياسية والأمنية والعسكرية والإعلامية، ويصدّها محققاً نجاحات ميدانية وقدرة على التماسك وامتصاص الصدمات، محتفظاً بأوراق قوة إقليمية ودولية لم يستخدمها بعد.

في المحصلة، تشكّل استقالة رئيس الوزراء السوري السابق ضربة للنظام السوري، لكنها ضربة معنوية إعلامية، لا تؤثر في سير الصراع الدائر في سورية، ولا تؤثر في سير المواجهات الميدانية بين المسلحين والجيش السوري في مناطق عدة من سورية، خصوصاً بعد وصول الصراع إلى مرحلة الحسم العسكري بين الطرفين.

ليلى نقولا الرحباني


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق