2013/03/22

فرنسا وبريطانيا: زبائنية دولية جديدة

تعيش الساحة السورية سباقاً محموماً وتباين مصالح أطراف الصراع المتعددة اللاعبة في القضية السورية. فالولايات المتحدة الساعية إلى حل سلمي، لا يضيرها إعطاء حلفائها بعض الوقت لمحاولة الكسب الإضافي، بينما الساعون إلى تغيير النظام السوري بالعنف والقوة، لا يضيرهم إراقة المزيد من الدماء السورية، وتهديم ما تبقى من الدولة وتمزيق المجتمع السوري، مقابل بعض المكاسب الإضافية، ولعل ذلك السباق المحموم هو السبب وراء بعض التطورات التي حصلت في الفترة الأخيرة، وأبرزها ما يلي:
- استخدام السلاح الكيميائي لأول مرة في تاريخ الحرب في سورية، وهو إن دلّ على شيء، فعلى يأس من عدم إمكانية التغيير الميداني وفرض واقع جديد على الأرض، إلا من خلال استخدام وسائل غير تقليدية، علماً أن تغيير موازين القوى على الأرض هو حاجة مُلحّة للمعارضة ومَن يدعمها، بعدما سجل النظام انتصاراً هاماً في السباق نحو فرض القوة، بأن أقرّ الجميع بحقه في المشاركة بالمفاوضات، ووجوده لاعباً أساسياً في أي سلطة مقبلة، وإن كان الجميع قد تنصلوا من مسؤولية هذا الصاروخ، إلا أن الحي الذي سقط فيه، وسقوط العسكريين من الجيش السوري، بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية الروسية تشير إلى مصدره، على الرغم من أنه لا يمكن استثناء فرضية إطلاق الصاروخ من قبل فصائل "جهادية تكفيرية"، وعدم معرفة - أو عدم موافقة - الأطراف المعارضة الأخرى أو بعض رعاتهم الدوليين على استعمال هذا النوع من الأسلحة المحرمة دولياً، لما في ذلك من نتائج سلبية على صعيد القانون الدولي، وعلى صعيد الرأي العام الدولي أيضاً.
 - انتخاب المواطن الأميركي من أصل كردي - سوري، و"الإخواني" الهوى؛ "غسان هيتو" من قبل الهيئة العامة لـ"الائتلاف الوطني السوري"، لرئاسة حكومة الائتلاف المؤقتة التي من المنتظر أن "تدير المناطق التي هي تحت سيطرة المعارضة المسلحة"، وذلك على الرغم من كل الخلافات والمماطلة، والتحذيرات التي أطلقها معارضون من أن هذا سيسهم في تقسيم سورية، وتفتيت المعارضة أكثر فأكثر، بعد تحييد رئيس الائتلاف معاذ الخطيب، ومكوّنات أساسيّة من القوى والشخصيات المعارضة.
وقد ساهمت تركيا وقطر في إنضاج هذا الانتخاب، علماً أن محاولة تقليد النموذج الليبي بتأليف حكومة انتقالية سورية في المنفى، تقوم باستلام السفارات السورية في الخارج، دونه عقبات كثيرة، وقد لا يتم الاعتراف بتلك الحكومة من قبل الدول الداعمة للمعارضة، وذلك لصعوبة ضبط حركة المعارضين السوريين، ومعرفة توجهاتهم ومن سيسيطر على تلك السفارات، وهو ما لن تستطيع الدول الغربية أن تتحمله بسهولة؛ بأن تصبح السفارات السورية ملجأ لشتى أنواع الإرهابيين بذريعة محاربة النظام السوري.
- الاقتراحان الفرنسي والبريطاني بتسليح المعارضة السورية، ودعوة الاتحاد الأوروبي إلى رفع الحظر عن توريد الأسلحة إلى سورية، علماً أن هذين الاقتراحين يبدوان لزوم ما لا يلزم، ولهما خلفية اقتصادية لا تخفى على أحد.
بالنسبة إلى تسليح المعارضة، فإن الأوروبيين والأميركيين، وعلى الرغم من الحظر الأوروبي والأميركي المعلَن، يقومون منذ زمن بتدريب المعارضة السورية، وإمدادها بالأسلحة والعتاد والمال، وقد يكون البيان الاستنكاري الأميركي على "قصف مفترض" للطيران السوري على جرود عرسال - والذي نفته الخارجية السورية - هو بمنزلة خطوة استباقية لمنع الجيش السوري من القضاء على مجموعاتها في البقاع، خصوصاً بعد ما أشيع عن وجود خمسة عشر ألف مقاتل تدربوا في لبنان، ويستعدون لمهاجمة سورية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.
 واللافت أن التصريحات الفرنسية والبريطانية تزامنت مع تقارير صحفية عن استثمارات قطرية بقيمة عشرات مليارت الدولارات في البلدين، فقد كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" أن قطر بدأت محادثات مع حكومة المملكة المتحدة لاستثمار ما يصل إلى 10 مليارات جنيه استرليني في مشاريع حيوية للبنية التحتية في بريطانيا، بالإضافة إلى مشروع بقيمة 14 مليار استرليني، لإنشاء مفاعل نووي في "هينكلي بوينت" في سومرست، الذي تعتزم شركة "إي.دي.اف" الفرنسية للمرافق إنشاءه.
وتبلغ قيمة مساهمة قطر في الشركات الفرنسية الكبرى أكثر من ستة مليارات يورو، كما اشترت قطر فنادق فخمة عريقة في باريس، إضافة إلى نادي كرة القدم الباريسي الأشهر "باريس سان جرمان"، كما تستثمر بقوة في شراء حقوق تلفزيونية وفي سوق الفنون، وقد وعدت قطر، على لسان سفيرها في فرنسا، أنها سوف تخصص مبلغ عشرة مليارات يورو أخرى للاستثمار في مجموعات فرنسية كبيرة.
إذاً، هي خدمات سياسية دولية تقوم دولة قطر بشرائها بأموال النفط من دول عريقة وشهيرة بتاريخها الداعم لحقوق الإنسان والحريات العامة، وقد يكون الأميركيون أكثر المستفيدين من هذا التهويل الفرنسي - البريطاني - العربي الذي يجعل موقعهم أقوى في أي مفاوضات قادمة مع الروس لتقاسم النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.
وهكذا، وعلى الرغم من كل هذا التهويل، يستمر الحل السلمي بالتقدم ولو ببطء، فالمايسترو المسيطر على أطراف المعارضة السورية أي الولايات المتحدة الأميركية، تعطي هامشاً للدول الدائرة في فلكها للعب في الوقت الضائع، والقيام بكل ما من شأنه أن يزيد قدراتها التفاوضية وأوراق القوة لديها، ويبقى الشعب السوري هو الخاسر الأكبر من سباق الدول نحو النفوذ والقوة، ومحاولة الجلوس - ولو طرفاً ثانوياً - إلى طاولة المفاوضات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق