2014/03/13

أين لبنان من تشظيات الخلاف السعودي القطري؟

د. ليلى نقولا الرحباني

يعيش اللبنانيون على وقع الخلاف الحاصل في موضوع البيان الوزاري الذي يبدو أمرًا مفتعلاً أكثر منه طبيعيًا أو حقيقيًا، إذ إن الخلاف لا يمكن أن يكون بين اللبنانيين على مبدأ المقاومة، وحق لبنان في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي وهو أمر تكفله القوانين والمواثيق الدولية وتكفله الشرائع السماوية، وقد أيّده بيان وزراء الخارجية العرب، بالرغم من تباين العرب على كل شيء منها الموقف من اسرائيل، والموقف من حزب الله، والموقف من التطورات في الدول العربية التي شهدت انتفاضات وثورات.
وكان يمكن للبنانيين، استغلال الانفراج الحاصل على صعيد العلاقات مع المملكة العربية السعودية خاصة بعدما دفعت الرياض تيار المستقبل للقبول بالدخول الى الحكومة اللبنانية، والتنازل عن جميع الشروط التي وضعها سابقًا، ومنها خروج حزب الله من سوريا، وبعضهم من زايد فاشترط تسليم حزب الله لسلاحه ووضعه بأمرة الدولة اللبنانية، وبعضها سوّق لشرط تسليم المتهمين الخمسة الذين اتهمتهم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
وقد لا ينفصل الجدل حول البيان الوزاري لحكومة تمام سلام، عن التطورات على الساحة العربية وتبدّل المحاور، وبداية الحملة السعودية على الأرهاب، والتي تجّلت بقرار سعودي بإدراج تنظيمات عدّة ومنها الأخوان المسلمين والنصرة وداعش ضمن التنظيمات الارهابية المحظورة، وأقرنته بمحاولة فرض عزلة خليجية على أمارة قطر من خلال سحب السفراء والضغط على الموظفين الخليجيين للاستقالة من المؤسسات القطرية ومنها قناة الجزيرة. ويظهر أن القيادة القطرية قد قررت الردّ حيث تستطيع، وأرادت أن تفرض نفسها لاعبًا منافسًا للسعودية على الساحة العربية.
ويبدو أن الصراع الإخواني الوهابي، سيتمدد على مساحة العالم العربي، خاصة في البلدان التي تشهد نفوذًا للإثنين فيها، وقلّما نجد دولة عربية تخلو من نفوذ لإحدهما بشكل أو بآخر ولو اختلفت النسب. وقد يكون هذا الصراع، وخشية السعودية من عودة الارهابيين الى أرضها وتقويض استقرارها، بالإضافة الى خشيتها من تحالف اخواني - شيعي يطيح بنفوذها التقليدي في المنطقة، عاملاً مفجّرًا للأوضاع في بعض الأماكن، ومفيدًا لبعض القوى الأخرى، كالرئيس السوري بشار الأسد الذي أدّى صموده وصمود جيشه الى ظهور الخلافات بين حلفاء الأمس الذين تقاطعت مصالحهم ضده، ولكن ما أن فشلت حتى دخلت في حروب الغاء وإقصاء لبعضها البعض.
كل هذا قد يدفع الى إعادة خلط الأوراق في لبنان الذي لطالما دفع أثمانًا نتيجة الصراعات العربية العربية. فما الذي يمكّن توقّعه من الصراع العربي العربي، وتأثيراته على الساحة اللبنانية؟
أولاً: لا شكّ أن الحملة السعودية على الارهاب، ستفتح الباب أمام تيار المستقبل للدخول بقوة على خط احتواء القوى الراديكالية والتكفيرية في بيئته، والتي استفادت من الجو المأزوم بعد إقالة الحريري، والتسهيلات التي أمنّها لها الميقاتي، بالإضافة الى الصراع الدائر على مصراعيه في سوريا والذي لبس لبوسًا مذهبيًا وطائفيًا. وسيحاول تيار المستقبل استغلال هذه الحملة لاسترجاع قاعدته الانتخابية بعدما ظهر أن غياب الحريري عن الساحة، قد جعل تأييدها له يتضاءل لصالح قوى استطاعت اللعب على وتر الغرائز المذهبية، ومنها بعض المحسوبين عليه كاللواء أشرف ريفي وغيره.
ثانيًا: إن محاولة عزل قطر خليجيًا سيدفعها للهروب الى الإمام والانفتاح على النافذة المفتوحة لها اقليميًا، وهي النافذة الايرانية، التي ستشترط لفكّ العزلة القطرية أن يتمّ تغيير سياسة قطر السورية، وبدء تنسيق - ولو غير معلن في البداية- مع القيادة في سوريا.
 وقد تؤدي سياسة العزل الخليجية لقطر الى عودة الى سياسة الغزل القطرية - الشيعية التي سادت الساحة اللبنانية بعد حرب تموز 2006، وهذا قد يدفع قطر الى أن تضغط على المجموعات التابعة لها لعدم شنّ هجمات انتحارية في الداخل اللبناني، وهو ما سيؤدي الى إراحة الوضع الداخلي وتخفيف التشنج المذهبي الذي كانت تسببه تلك الهجمات خاصة بعد صدور تبريرات سياسية لها من هنا وهناك.
بكل الأحوال، ومهما كانت الذرائع الكامنة وراء القرار السعودي بمحاربة الأرهاب، أو جزء منه، فإن هذه الحرب السعودية على المجموعات الارهابية كالنصرة وداعش وغيرها، كما حاجة قطر الى الانفتاح على ايران وحزب الله، ستؤدي الى كشف الغطاء السياسي عن الارهابيين االذين يجدون من يحميهم في كثير من المناطق كعرسال والمخيمات الفلسطينية. وهكذا قد يكون الحصاد اللبناني من الصراعات العربية العربية، ولأول مرة، مفيدًا من الناحية الامنية، شرط تحلي اللبنانيين بالحكمة السياسية لتفادي تشظياته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق