2014/08/17

أردوغان وأبوبكر البغدادي وجهان لهدف واحد

د. ليلى نقولا الرحباني
كثر في الآونة الأخيرة، الحديث عن خرائط جديدة للعالم العربي، وانتشرت على المواقع الاخبارية المتعددة، منها ما يشير الى تقسيم وتفتيت هائل لكل دولة من الدول العربية، تقسم على أساس طائفي ومذهبي، ومنها ما هو إدماجي يشير الى رغبة لدى الاسلام السياسي بالعودة للسيطرة على مساحة الخلافة أو في ما عرف يومًا ما باسم الدولة الاسلامية.
واللافت أنه منذ بداية الحراك العربي ولغاية اليوم، لم تنفك قوى الاسلام السياسي بطرفيها الفاعلين، من التبشير بالقدرة على توحيد عالم اسلامي تحت راية واحدة، وإعادة عهد الخلافة الذي انتهى مع سقوط الامبراطوية العثمانية في بداية القرن العشرين.
ونلاحظ في خريطة كل من طرفي الاسلام السياسي بشقيه الأقوى حاليًا ( الأخوان المسلمون وداعش) ما يلي:
1- خريطة الاخوان المسلمين: وقد يكون أبرز من بشّر بهذه الخريطة وأعلنها على الملأ هو وزير الخارجية التركية داود أوغلو الذي قام خلال مؤتمر في اسطنبول في 3-4 آذار 2013، ضمّ جميع أحزاب الأخوان المسلمين في العالم، للتبشير بخريطة جديدة للعالم الاسلامي، حيث أكد أنه ولأول مرة منذ سقوط الامبراطورية العثمانية تقوم تركيا باستعادة أراضيها التي خسرتها، وإنه آن الأوان لتركيا بأن تضع نظامًا لهذه الأراضي وتعيد وربطها بعضها ببعض. ويتضح من الخريطة التي أظهرها داود أوغلو، أن الدولة الاسلامية الاخوانية الموعودة تضم جميع الدول العربية- بما فيها الدول الخليجية والشرق الأوسط والمغرب العربي- وتتوسع لتصل الى حدود البلقان وتضم دول آسيا الوسطى وتلامس حدود روسيا، أي أنها خريطة استعادة لكل الأراضي التي كان يحتلها العثمانيون حتى لو فقدوها في وقت من الأوقات قبل سقوط الامبراطورية العثمانية بقرون.
2- خريطة أبو بكر البغدادي: لا شكّ أنه بعد سقوط المشروع الأخواني العثماني، وفشل الاتراك في سياستهم المتجهة نحو إعادة رسم خريطة المنطقة كما كنت عليه الامبراطورية العثمانية وسقوط الاخوان في مصر وسوريا وبدء انهيار مشروعهم الأممي، تمّ ابراز فصيل جديد من الاسلام السياسي ينادي تقريبًا بنفس الخريطة التي نادى بها الأتراك عبر داود اوغلو. اللافت فقط أن أبو بكر البغدادي عندما أعلن عن الخريطة التي تريد "داعش"، كان واضحًا وصريحًا أكثر من الاتراك، الذين حاذروا ذكر اسبانيا، أو الاندلس، في خريطتهم لئلا يثيروا حفيظة الاتحاد الاوروبي أو حلف الناتو بمحاولتهم إعادة الاستيلاء على الاندلس، وإعادة التاريخ قرونًا عدة الى الوراء.
وهكذا، نجد أن الاسلام السياسي بمسمياته المختلفة، لا يختلف على الهدف النهائي من المعركة التي يخوضها على عالمنا العربي اليوم، وإنما - وكما كان خلال التاريخ الاسلامي برمّته- يختلفون "الأمراء" حول من يحكم هذه الخريطة الجغرافية الممتدة من حدود الصين الى حدود فرنسا، والتي تمّ احتلالها خلال القرنين السابع والثامن ميلادي، تحت مسمى "الفتوحات الاسلامية". لكن يختلف هؤلاء في الأسلوب واللغة المعتمدين لإخضاع هذه الدول وإزالة حدودها، فالأخوان المسلمون وقائدتهم تركيا، مزجوا نوعين من القوة أي "القوة الناعمة" وقوة "الارهاب الصادم"، وكان للقوة الناعمة وظيفتها في تسويق فكر الاخوان المسلمين بأنه فكر معتدل يقبل بالديمقراطية، ولكنهم في المقابل استخدموا العنف والارهاب كما ظهر في كل من مصر وسوريا على سبيل المثال لا الحصر، ولو أخفوا ذلك تحت أسماء تنظيمات ارهابية عدّة، لا تشير مباشرة الى حركة الأخوان المسلمين. هذا بالنسبة للأخوان المسلمين وقائدتهم تركيا، بينما اعتمد الأسلوب الداعشي على الارهاب المباشر وقطع الرؤوس والترهيب، وفي ذلك خدمة لمشروع الأخوان المسلمين في تسويقهم لأنفسهم كمعتدلين، والقول ان على العرب والغرب قبول النموذج الأخواني وإلا كان البديل النموذج الداعشي.
انطلاقًا من كل ما سبق، تتقاطع حركات الاسلام السياسي في وحدة الهدف، وهو إعادة زمن الفتوحات، وإلغاء التعددية في العالم العربي، والسيطرة بقوة الحديد والنار وفرض نظرة واحدة لا يمكن الخروج عنها للدين، واجتثاث الاقليات، وفي هذا الإطار يبدو الأسلوب الأخواني أخطر من الاسلوب الداعشي، فالاسلوب الداعشي في الفتح والغزوات، يثير الاشمئزاز ويدفع المجتمعات الى المقاومة والرفض، وقد يؤدي الى توحيد الجهود الاقليمية والدولية ضده، بينما يستعمل الفكر الاخواني ما استعملته أميركا سابقًا من محاولات "كسب العقول والقلوب" لتحقيق نفس الهدف الداعشي، وهو ما يشكّل خطرًا كبيرًا فيما لو استطاع التغلغل في صفوف النخب العربية واستطاع اقناع مجموعات عربية بدعمه ليصل الى السلطة ويتمكن منها، ليمارس فيها ارهابًا واقصاءً لا يختلف كثيرًا عن الممارسة الداعشية للحكم. يبدو الاثنان صنيعة واحدة، وأحدهما يخدم الآخر بالتأكيد.. إنها العثمانية تطل برأسها مجددًا على دولناـ فحاذروا تكرار التاريخ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق