2015/08/13

لماذا يريد المحور السعودي "كسر" العماد عون؟


د. ليلى نقولا الرحباني
تتدحرج الأمور في لبنان وتتجه إلى التصعيد، في ظل اصطفاف سياسي واضح، وانقسام عامودي أبعد من اختلاف على تعيينات أمنية هنا، وصلاحيات مكرّسة لطائفة هناك، بل إن الأمور بتعقيداتها وتشعباتها الإقليمية والدولية تعكس "كباشاً" يشبه إلى حد بعيد الحروب التي تخاض في الدول المجاورة.

ومن سخرية الأقدار اللبنانية، أنه عندما يحين أوان إيجاد حلول أو تسوية إقليمية معيّنة، الجميع يفتّش عن "كبش محرقة" يحمّلها أخطاء وموبقات الحرب الدائرة بين الأطراف المتصارعة، علّ مشاكلهم وحروبهم وسفك الدماء المتنقل بينهم ينتهي بتقديم "كبش فداء" يحرقونه في مشهدية احتفالية ويرقصون حوله مبشّرين بعهد جديد من السلام والوئام بين أعداء الأمس.

عشية 13 تشرين الأول 1990، اجتمع المتقاتلون الذين نهشوا جسد الوطن لمدة 15 عاماً، واتفقوا على التخلُّص من ظاهرة - كانت جديدة يومها - اسمها العماد ميشال عون، وبتكليف إقليمي ودولي، تولّى الجيش السوري مهمة التخلّص من تلك الظاهرة، مُنهياً 15 سنة من الاقتتال اللبناني، وكأنّ الجنرال الواقف في بعبدا آنذاك كان هو المشعّل لتلك الحرب المستمرة منذ سنوات، وبإنهاء ظاهرته ينتهي كل شيء ويعود السلام إلى لبنان.. واليوم، يحاول التاريخ أن يعيد نفسه، فيأتي الأضداد من كل حدب وصوب، ويتكاتف أمراء الميليشيات ومافيات رؤوس الأموال، ومصاصو الدماء من هواة التحريض المذهبي، للتصويب على الجنرال ميشال عون ولسان حالهم يقول: "اصلبوه".. وقد يخيَّل للمراقب من بعيد أن العماد عون هو من أشعل الصراع السُّني - الشيعي في المنطقة، وهو الذي ألّب المذاهب للتقاتل على المنابر، وهو الذي موّل الإرهاب وأشعل الساحات واستقدم الانتحاريين، وبسقوطه تزول كل الخلافات، وتسقط كل الحواجز، فيجتمع صقور "المستقبل" مع بعض خصومهم فيتبادلون التهاني.

لكن، وبالرغم من كل محاولات استنتساخ السيناريو السابق، تبقى بعض الملاحظات التي لا بدّ من لفت النظر إليها:

أولاً: إن محاولة كسر العماد عون اليوم هي بالضرورة من ضمن الحرب الدائرة في المنطقة بين محورين؛ فمع تحقيق انتصار إيراني بتوقيع الاتفاق النووي، ومع اتجاه للحل في سورية يبقي الرئيس الأسد من ضمن المعادلة السورية المستقبلية، مع ما يعني ذلك من انكسار لكل القوى التي اشترطت رحيله، ومع تقدّم "الحشد الشعبي" في العراق، يهدف السعوديون لتحقيق انتصار في ساحة من الساحات الشرق أوسطية، فيقع الخيار على لبنان، باعتبار أن لهم نفوذاً تاريخياً فيه، بعكس سورية، وبما أنهم يدركون أنه من المستحيل كسر حزب الله ميدانياً في الداخل، يصوّب هؤلاء بواسطة حلفائهم في لبنان على النقطة الأضعف في المحور المعادي لهم، فيقومون بكسرالمسيحيين المتحالفين مع المقاومة، فيحققون هدفاً في شباكها.

ثانياً: بالرغم من الأوهام التي تراود البعض بتكرار التجربة التاريخية لعام 1990، إلا أن اختلاف الظروف الإقليمية والدولية تمنع بالضرورة تكرار السيناريو التسعيني، فقد شهد عام 1990 سقوط الاتحاد السوفياتي وسيطرة الولايات المتحدة على عرش النظام الدولي، بالإضافة إلى حاجة الأميركيين إلى ضمّ العرب لتحالف دولي للتخلص من صدام حسين واستقدام القوات الأميركية إلى الخليج بذريعة تحرير الكويت، فكان أن حصلت تسوية إقليمية جعلت لبنان محكوماً بتقاسم نفوذ سعودي - سوري انخرطت فيها جميع قوى الأمر الواقع، باستثناء العماد عون، الذي بقي الصوت الوحيد "النشاز" الرافض لتلك الصفقة، مطالباً بالسيادة والاستقلال، فكان أن دفع المسيحيون ثمن "تمرُّدهم"، بأن كانوا "كبش الفداء" الذي قدِّم على مذبح التسوية، فخرجوا من السلطة والقرار، وتمّ تهميشهم.

أما اليوم فالأمور تبدّلت، وما يعيشه النظام الدولي الراهن هو بمنزلة انقلاب مرتدّ على الهيمنة والأحادية التي تمتّعت بها الولايات المتحدة منذ تلك الحقبة التسعينية، ولم يعد الأمر الأميركي هو "أمر اليوم" الذي يجب أن ينفّذه البشر على امتداد الكرة الأرضية، وإلا شُنّت الحرب عليهم وتحركت الأساطيل لقمع تمردهم.

أما أولئك المبشرون بقرب حصول تسوية إقليمية تجعل لبنان محكوماً بتقاسم نفوذ سعودي - إيراني، ويراهنون على أن التخلّص من العماد عون وإعادة تكريس تهميش المسيحيين سيكون نتيجتها، فهؤلاء بالتأكيد لم يدرسوا السلوك السياسي المتراكم لحزب الله، والذي يفيد بأن "حزب الله لم يتخلَّ يوماً عن حليف إلا إذا قرر هذا الحليف التخلي عن الحزب من تلقاء نفسه"، كما حصل مع حركة "حماس"، فكيف إذا كان هذا الحليف هو العماد عون، الذي أعطى حركة المقاومة بُعداً لبنانياً ووطنياً، والذي يتعرّض لحرب كونية بسبب تفاهمه مع حزب الله؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق