2015/11/11

الورقة الروسية: حل أم تخلٍ عن الأسد؟

د. ليلى نقولا
ترافق الانتصار الذي حققه الجيش السوري بقدرته على  فكّ الحصار عن مطار كويرس في ريف حلب، مع تسريب ما سمي "ورقة روسية" للحل في سوريا تتضمن نقاطًا سبعة؛ تشمل النقاط الخمس الاولى، الاتفاق على تحديد المجموعات الارهابية، ومحاربة تنظيم داعش الارهابي، ووقف التمويل وتطبيق قرارات مجلس الامن المرتبطة خاصة قرار مجلس الامن رقم 2199،؛ لجهة تجفيف منابع الارهاب ومنع شراء النفط من داعش وغيرها. أما النقطتين الأخيرتين، فتتحدثان عن التسوية السلمية كما تراها موسكو، وهي الأهم في مسار فيينا لغاية الآن.
تتحدث التسوية السلمية - كما تسربت من ورقة موسكو- عن عملية إصلاح دستوري يمتد 18 شهرًا، وعلى آلية تشكيل لجنة دستورية تراعي كافة أطياف المجتمع السوري، بما في ذلك المعارضة الداخلية والخارجية، ويتم الاتفاق على مرشح لرئاستها مقبول من قبل جميع المشاركين. وارتباطًا مع كل ما صرّحته موسكو في السابق حول محورية حق الشعب السوري في تقرير مصيره، تشير الورقة الروسية أنه يعود الى الشعب السوري قبول أو رفض الدستور، حيث يتم الانتقال بعد الاستفتاء الشعبي، الى تنظيم انتخابات رئاسية ونيابية مبكرة على أساس الدستور الجديد. ويتضمن البند الأخير من الوثيقة تشكيل الحكومة السورية على أساس حزب/ كتلة انتخابية، على أن يسيطر على الحكومة من يحصل على أعلى نسبة أصوات. وسيكون الرئيس المنتخب شعبياً القائد الأعلى للقوات المسلحة، ومسؤولاً عن السياسة الخارجية.
من البديهي أن تسريب الورقة الروسية سيدفع بعض الأصوات الموالية والمعارضة للنظام السوري الى الانتقاد، وستكثر التحليلات والتأويلات خاصة حول دور الرئيس السوري وصلاحياته، وحول حق الرئيس بشار الاسد بالترشح أو عدمه، ولكن- بغض النظر عن كثرة التأويلات حول الورقة - يمكن لفت النظر الى ما يلي:
1- إن أي مبادرة أو اتفاق أو تسوية يجب أن تلحظ في نهاية المطاف وجود قوى عدة على الارض وعلى طاولة المفاوضات، ويجب في نهاية المطاف إعطاء كل طرف إمكانية إدّعاء تحقيق انتصارٍ ما وإلا لن تحصل التسوية مطلقًا، وسيستمر القتال الى ما لا نهاية.
2- إن تباين التصريحات الروسية والايرانية حول الرؤية للحل في سوريا، لا يبدو مضرًا للدولة السورية، بالعكس فإن التصلب الايراني ورفع السقف يفيد المفاوض الروسي لتحقيق مكاسب أكبر للسوريين، في المقابل إن المرونة الروسية تبدو ضرورية وأساسية للوصول الى حل، وإنهاء مأساة السوريين المستمرة منذ سنوات خمس.
3- إن مسارعة الاعلام العربي المعادي للنظام السوري للاحتفاء بهذه المبادرة واعلانها بأنها تخلٍ عن الأسد، انطلاقا من عدم رئاسته للجنة الدستورية يبدو سخيفًا، فرئيس اللجنة الدستورية الملكفة وضع الدستور الجديد لا يرأس البلاد، ومهمته تنحصر في إدارة العملية التقنية لكتابة الدستور، ولا يفترض أن يكون مرشحًا للانتخابات في حال تمّ تكليف اللجنة الدستورية الاشراف على الانتخابات الرئاسية والنيابية، وهذا أساسي في أي بلد ديمقراطي، لئلا يتمّ استخدام المنصب لتحقيق غايات انتخابية.
4- يبدو من خلال التصريحات التركية أن الأتراك لن يقبلوا بالذهاب الى تسوية - مهما كانت التنازلات السورية فيها- إلا بعد تكبيدهم هزيمة كبرى في حلب، وكسر ميزان القوى في الجبهة الممتدة على الحدود الشمالية بين سوريا وتركيا، وما عودة حديث أردوغان عن المنطقة الآمنة، إلا جزء من الصراخ للاعلان بأنه مستعد لقلب الطاولة إن لم يلحظ الاتفاق في فيينا مصالحه في سوريا.
4- إن صح ما تمّ تسريبه من أن "دولة عربية مشتبه بقيامها بإصدار الأمر بتنفيذ العملية الارهابية ضد الطائرة الروسية في سيناء، لإرباك الروس، ومنعهم من المضي قدماً في عمليتهم السورية، وتدفيعهم الثمن مقدماً"، فإن تلك الدولة - سواء كان المقصود السعودية أو قطر- ستدفع ثمنًا باهظًا في سوريا وخارجها. ولكن، بكل الأحوال، قد يكون هذا التسريب متعمدًا لإخفاء تورط اسرائيلي في العملية، فالتصريحات الاسرائيلية المبشّرة بفشل "عاصفة السوخوي"، وبأن الانتقادات الداخلية للتورط العسكري الروسي في سوريا ستزداد حين يقتنع الروس أن الحادث الارهاب ما هو إلا نتيجة لتورطهم في سوريا، تشي بأن لاسرائيل مصلحة أكيدة في استمرار وإطالة أمد الحرب السورية وفي دعم المجموعات الارهابية في سوريا، وإفشال الحملة الروسية.
انطلاقًا من كل ما تقدم،  ومن خلال النظر الى بنود المبادرة الروسية ومسارعة الأميركيين الى تكذيب أردوغان حول المنطقة الآمنة، يبدو أن مسار الحل السوري قد بدأ فعلاً، ولكنه ما زال يحتاج الى وقت طويل، خاصة في ظل موازين القوى الحالية على الارض، ولن يكون حل إلا بتعديل كبير في موازين القوى خاصة في الجبهة الشمالية، وهو ما يدركه الروس جيدًا.. والى أن يحين الأوان، علينا مراقبة الحرب في الشمال السوري.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق