2020/02/18

معطيات خارجية وداخلية تعطي لبنان أملاً

ليلى نقولا
منذ بدء الحراك في 17 تشرين الأول / اكتوبر 2019، ولغاية اليوم، يعبّر اللبنانيون عن عمق أزماتهم الاقتصادية والاجتماعية على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام المحلية والعالمية، وينقسم الشارع اللبناني بين شعور بالغضب وشعور بالعجز واليأس، أو الاثنين معاً.
وبالرغم من المعارضة النيابية، استطاعت حكومة الرئيس حسان دياب أن تحصل على ثقة المجلس النيابي، ما يسمح لها بالمباشرة بالعمل فوراً على ما وصفه رئيسها بـ "المهمة الانتحارية" لإنقاذ لبنان من الحالة التي وصل إليها.
وبما أن الأسباب التي أوصلت البلاد الى هذه الحالة من الإنهيار، متعددة بينها الخارجي والداخلي، فإن القدرة على انتشال البلاد مما هي فيه، ستكون مرتبطة فعليًا بتجاوز تلك الأسباب نفسها والقدرة على تذليلها. وعليه، هل هناك أي معطيات داخلية أو خارجية يمكن أن تعطي أملاً للبنانيين بإمكانية السير في خطة انقاذ ونهوض ناجحة؟
أولاً- في المعطيات الخارجية:
لا شكّ أن لبنان ليس جزيرة معزولة عن محيطه، ولا عن العالم الخارجي. وبحسب الخبراء الاقتصاديين، إن الضغوط الاقتصادية التي مارسها الأميركيون على حزب الله وبيئته قد أضرّت كثيرًا بالاقتصاد اللبناني برمّته. زد على ذلك، انكفاء الخليجيين عن دعم لبنان، خاصة المملكة العربية السعودية التي شعرت بأن نفوذها في لبنان قد تضاءل لصالح الايرانيين وحلفائهم، فحمّلت المسؤولية - ولو بطريقة غير مباشرة - الى تيار المستقبل ورئيسه سعد الحريري لعدم قدرته على المواجهة.
بالتأكيد، لم تنتهِ الحرب الأميركية على حزب الله، ولم ينتهِ الحنق السعودي، لكن المعطيات المستجدة، قد تدفع الى تخفيف حدّة الضغوط التي يمارسها الطرفان.
- إن الأميركيين الذين يدركون أن نفوذهم في سوريا والعراق قد يتضاءل بفعل التطورات الميدانية والسياسية في البلدين، يحتاجون الى تثبيت نفوذهم في لبنان، الذي يشكّل - بالاضافة الى العراق- كماشة للنفوذ الروسي في المنطقة. وعليه، إن انهيار لبنان الكلي وتحوّله الى دولة فاشلة، لا يفيد الأميركيين بشيء. وكما سياساتهم الدائمة، سيعمد الأميركيون الى ترك لبنان في منتصف الهاوية، فلا يتركونه يقع كليًا، ولكنهم لن يساهموا في ايصاله الى الارض الصلبة، ليبقى  ضعيفًا قابلاً للرضوخ لضغوطهم.
-  يدرك الخليجيون، أن الفراغ الذي سيتركونه في الساحة السنيّة اللبنانية، قد يغري كل من قطر وتركيا الى الاستفادة منه وسدّه. لقد قام الأتراك سابقًا باستغلال التراجع الخليجي في سوريا، للقيام بتسويات مع الروس، سمحت لهم بالسيطرة الميدانية على جزء من الجغرافيا السورية، وبالتالي فرض التركي نفسه لاعبًا أساسيًا على طاولة الحلّ السياسي السوري النهائي.
راقب السعوديون والاماراتيون باهتمام، التمويل والدعم الذي قدمه الاتراك والقطريون لبعض القوى في الشمال اللبناني خلال الحراك وما بعده، واستوعبوا أهمية التقارير التي تحدثت عن استعداد قطري لتقديم المساعدة المالية لانقاذ لبنان... وعليه، قد يستشعر هؤلاء ضرورة تقديم الدعم لرئيس الحكومة اللبنانية حسان دياب، لأن إضعافه وحجب الدعم عنه قد يسهّل سقوط حكومته في دائرة نفوذ الأطراف التي ستقدم لها المساعدة والدعم أو التمويل.
- لقد أعرب الأوروبيون عن استعدادهم لمساعدة لبنان، ومدّه بالمساعدات اللازمة فيما لو قام بحزمة اصلاحات جدية وشفافة تنهي الاستنزاف الحاصل بموارد الخزينة. يخشى الاوروبيون انهيار لبنان كليًا، ما قد يؤدي الى عدم استقرار اقتصادي أو انفلات أمني. يكفي أن تخفّ رقابة الأمن اللبناني عن البحر الأبيض المتوسط، حتى يغرق الاوروبيون بموجات جديدة من الهجرة غير الشرعية.
ثانيًا - في المعطيات الداخلية:
- لا شكّ أن غياب الأحزاب السياسية عن الحكومة، سيسهم في زيادة انتاجيتها، لانها ستتخلص من التعطيل والكيدية التي مارستها الأحزاب ضد بعضها البعض.
- إن وجود معارضة نيابية فعّالة، ستسهم في تصحيح المسار البرلماني الديمقراطي اللبناني، وبالتالي تصبح الحكومة ووزراءها أمام رقابة فعلية من البرلمان، وهو ما يحتاجه لبنان بقوة.
- إن وجود شارع منتفض، لم يمنح الحكومة الثقة بالأساس، سيدفع هذه الحكومة للعمل على محاولة تنفيذ وعودها التي قطعتها للبنانيين.
كل هذه المعطيات، تدفع الى التفاؤل بعدم سقوط لبنان كليًا في الانهيار، وبأن امكانية المعالجة والانقاذ ممكنة، لكن، يبقى الأمر الأهم: كيف ستتعامل الحكومة مع ضغوط الدولة العميقة؟.
ستحاول الدولة العميقة أن تمنع أي مسّ بامتيازاتها، وستحاول منع المساءلة والمحاسبة وسقوط أي ركن من أركانها، لأن سقوطه قد يعني تهاويها... فكيف سيتعامل حسان دياب مع الخطوط الحمراء المذهبية والسياسية التي تمنع الاصلاح الفعلي واستعادة الأموال المنهوبة؟ كيف سيتعامل مع كارتيلات ومافيات قبضت على رقاب اللبنانيين كالأخطبوط؟. هنا يكمن المؤشر الفعلي لقدرة حكومة حسان دياب على اطلاق ورشة حقيقية لبناء لبنان الجديد، يطمح اليه بناته وأبناؤه، وليس مجرد إدارة للأزمة ومنع للانهيار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق