‏إظهار الرسائل ذات التسميات STUDIES. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات STUDIES. إظهار كافة الرسائل

2013/12/12

المحاكم الجنائية الدولية : انجازات واخفاقات

يبحث هذا الكتاب البحثي والعلمي في موضوع المحاكم الجنائية ويدرس بالتفصيل تجاربها ومدى تأثيرها على السلام والاستقرار في المجتمعات التي تخدمها.
إن ما دفع الباحثة لدراسة المحاكم الدولية هو المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بالتحديد، ففي آذار من العام 2009، باشرت المحكمة أعمالها، وكان الانقسام على أشدّه بين اللبنانيين حول المحكمة، فمنهم من يراها أداة ستمنع الإفلات من العقاب، ويعتبر أن إطلاق الضباط الأربعة هو دليل على عدم تسييسها، بينما يرى الآخرون أنها أداة لتجهيل الفاعل من خلال مؤامرة دولية تريد أن تلصق التهمة بـ"حزب الله"، بعد أن اتهمت النظام السوري. ويكشف الكتاب نقلاً عن وثائق فرنسية تفضح أن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك حدد للمحكمة مهمتها الأساسية بـ"قتل النظام السوري" وأنه قال لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أن "بشار الأسد سيسقط كثمرة ناضجة، يكفي الانتظار فقط.. سيتحوّل ديتليف ميليس إلى تجسيد للعدالة والديمقراطية في المنطقة".
أمام هذا الواقع اللبناني المنقسم، كان لا بد من دراسة تستطيع أن تعطي الرأي العام اللبناني والعربي رأياً موضوعياً علمياً، حول عمل وآلية تلك المحاكم، فلا تؤدي التوجهات السياسية إلى السير في ركاب التصفيق أو التأييد الأعمى لهذا الرأي أو ذاك.
يختلف هذا الكتاب عن سواه من الكتب الأخرى حول المحاكم الدولية المتوافرة باللغة العربية، فمعظم ما تحتويه المكتبة العربية من كتب حول المحاكم الجنائية يتحدث عن نظام أساسي، وشرح الآليات القانونية المعتمدة بطريقة قانونية جافّة، لكن يأتي هذا الكتاب الفريد من نوعه ليدرس مدى تأثير المحاكم على المجتمع من ناحية بناء السلام فيه.
يبدأ الكتاب بسرد التطور التاريخي للمحاكم الجنائية الدولية الذي بدأت مسيرته الفعلية مع محاكم نورمبرغ التي كرّست مفهوم المسؤولية الجنائية الفردية كبديل عن مسؤولية الدولة حول الجرائم المرتكبة من قِبل العاملين باسمها، ولكن البحث قاد إلى الاطلاع على مفهوم جديد طوّرته المحاكم الجنائية التي أنشئت بعد التسعينات، وهو المشروع الجنائي المشترك الذي توسّع إلى درجة كبيرة حتى بات بالإمكان اتهام أي كان، بجرم لم يعلم به، ولم يشارك فيه، بل بمجرد انتمائه إلى مجموعة ما لديها هدف مشترك، وحتى لو لم يكن هذا الهدف جرمياً بالأساس، وهو ما أوردته محكمة لبنان في فقرتها الثالثة، والتي يُخشى أن يكون وصفة لاتهام السيد حسن نصرالله وجميع الأفراد المنتمين إلى "حزب الله" بالمشاركة في جريمة اغتيال رفيق الحريري.
ثم ينتقل الكتاب إلى دراسة النتائج التي حققتها جميع أصناف المحاكم الدولية في بناء السلام في المجتمعات، فيبدأ بالمحكمة الجنائية الدولية الدائمة، ثم ينتقل لنموذجي المحاكم الخاصة والمختلطة.
اللافت في الكتاب، الإحصاءات الميدانية التي يستند إليها، والتي تورد بالأرقام حقيقة ثقة الناس بالمحاكم، ومدى تأثير عملها على المصالحة، وشرعية المحاكم في نظر المجتمعات التي تتعامل معها.
وقد يكون الفصل الثالث هو من الفصول المميزة في الكتاب، الذي تكشف فيه الباحثة بالوثائق كيف تمّ استغلال هذه المحاكم من قبل الدول الكبرى، ومن قبل الأطراف الداخليين الذين استعملوا آلية المحاكمات الجنائية الدولية كأداة سياسية للقضاء على خصومهم المهزومين، وتستفيض في نشر وثائق وتقارير عن التسويات والصفقات التي قام بها المدّعون العامون في المحاكم، وكيف فبركوا شهود الزور، ومارسوا الترهيب والترغيب على الشهود، لإثبات التهم على الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في القرار الاتهامي، وتقيم تصوراً لما ستكون عليه نتائج محكمة لبنان على صعيد تحقيق العدالة وبناء السلام في المجتمع اللبناني.
أما الفقرة الأخيرة في هذا الفصل، فتخصصها الكاتبة لشرح مستقبل محكمة لبنان والمحاكم الأخرى قياساً على التطورات الدولية الراهنة وتبدّل موازين القوى العالمية، خصوصاً الحرب الدائرة في سورية التي سينبثق على إثرها نظام دولي جديد، سيبدّل التحالفات ويغيّر في القواعد الدولية المعتمدة.
ومن جملة النتائج التي توصلت إليها الدراسة، أن المحاكم الدولية بمجملها بدت وكأنها أداة فوقية فرضها المجتمع الدولي على المجتمعات، وأنها أقرب إلى محاكم المنتصرين التي باتت تحتاج - فعلياً- إلى مَن يحاكمها، وإن أي مراهنة على دور إيجابي لهذه الآليات القضائية تفرض على المجتمع الدولي استخدام الكثير من الضوابط والآليات المرافقة وإلى الحيادية وعدم التحيّز والتسييس، ويجب أن تتوافر فيها كل سبل الإنصاف والشفافية ومعايير العدالة الحقيقية لكي يستجيب المجتمع إلى تحقيق العدالة الجنائية بطريقة إيجابية.
إنه كتاب قيّم وعلمي ومتقدم ويأتي تلبية لتطلعات الكثيرين من المثقفين ومن الذين لديهم شغف بمتابعة التطورات، وذلك لقراءة المستقبل الذي ينتظر المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بلبنان انطلاقًا من تجربة وسجل المحاكم الدولية التي سبقتها.

2013/11/21

الواقعة الكربلائية من منظور قانون الحرب

مداخلة قدمتها في ندوة بعنوان "كربلاء: رؤية مغايرة" بدعوة من مؤسسة الفكر الاسلامي المعاصر في 21 تشرين الثاني 2013

مقدمة
        لن أدخل في نقاش الواقعة الكربلائة من منظور ديني أو قيمي واخلاقي أو عاطفي، ولا من منظور المدرسة المثالية الأخلاقية والعاطفية، فأنا أنحاز بطبيعة الحال الى المظلوم صاحب الحق، وسأنتصر له في مقاربتي العلمية، ولن أستطيع أن أكون محايدة، فالحياد بين الحق والباطل لا يجوز، والساكت عن الحق شيطان أخرس.
        لهذا، ولكي أناقش الواقعة التاريخية بمنظار آخر، ومن موقع المحايد، علي أن آخذ مسافة قيمية واخلاقية وعاطفية منها، وأناقشها بعقل الباحث في القانون الدولي، فأتخذ من المقاربة القانونية البحت مقياسًا لتقييم تلك الأحداث وما حصل خلالها.
أولاً: قراءة كربلاء بصورة مجرّدة
  سأبدأ برسم صورة لتلك الواقعة التاريخية، مجرّدة منزّهة عن الأفكار الدينية والاخلاقية، والارتباط الثيولوجي، وهي تبدو كما يلي:
        بعد حروب أهلية ضمن الصراع على السلطة بين المسلمين، توفي الحاكم معاوية مورثًا الحكم لأبنه يزيد، في مخالفة واضحة لأصول الحكم والقانون المتبع في الدولة ومن غير ان يكون مستوفياً الشروط التي تفرضها الشريعة للقبول بالإمام الحاكم، والدولة لم تكن ملكية لتكون قاعدة الحكم فيها توريثًا من أب لأبن، يضاف الى ذلك أن الصفات الشخصية والقيادية ليزيد، لا تجعله مؤهلاً لحكم البلاد. لكل هذه الأسباب وغيرها، كان من الصعب جدًا عليه أن يقنع المواطنين بشرعية حكمه ووراثته للسلطة، فلا شرعية دستورية لتلك الوراثة، ولا شرعية تقليدية دينية، لذا حاول أن يفرض حكمه بالقوة، من خلال التخلص من معارضيه، وفرض مبدأ صارمًا، يعدّ سابقة في تاريخ تلك الدولة،  وهو مبدأ: القبول بالبيعة أو الموت.
        وكان الحسين بن علي، من طليعة المعترضين على هذا التوريث، رافضًا القبول بالبيعة، وبما أنه من "أحفاد الرسول"، فقد كان له مكانة خاصة بين المسلمين، وكان يزيد يحتاج الى أن يكسب منه - بشكل خاص- اعترافًا بشرعيته، لكي يستطيع أن يحكم البلاد، بدون معارضة كبرى تقوّض له حكمه.
        كان يزيد، يدرك تمامًا مدى تأثير الحسين على الأمة، لذا حاول أن يأخذ منه الاعتراف بشرعية حكمه بأي طريقة، وبأي ثمن. وبما أن الحسين  قد تربى في كنف جدّه وورث عن أبيه وأمه العنفوان وعدم الرضوخ للتهديد وعدم التراجع عن المهمة، وقد تعلّم منهم مقاومة الظالم مهما كلّف ذلك من أثمان معنوية ومادية، قد تصل الى التضحية بالنفس ( وهنا افتح نافذة لأشير الى مقاومة فاطمة الزهراء التي امتدت خلال حياتها وبعد مماتها) كان من المستحيل عليه أن يقبل بالاستسلام أو الخضوع للابتزاز، أو القبول بتسوية مجحفة، أو الخضوع للترهيب.
        وهكذا، تطورت الأمور لتحصل الواقعة في كربلاء، فكيف يمكن لنا أن ننظر لها ونقيّمها من ناحية قانونية مجرّدة. علمًا أنه من المنطقي أن لا نحكم على تلك الواقعة بمنظار القانون الدولي الانساني الحالي، انطلاقًا من مبدأ عدم رجعية القوانين، لذلك سيكون الحكم والتقييم، انطلاقًا من القانون السائد في الدولة آنذاك، أي القانون الاسلامي، وبالأخص قواعد الحرب في الاسلام.
ثانيًا: في حق الحسين بالمقاومة ورفض البيعة
        لقد أكد الاسلام على حقّ المقاومة ليس كحق فحسب، بل كواجب أيضًا وذلك في نصوص عدّة، ومنها في الحديث النبوي الشريف: من رأى منكم منكراً فليقوّمه بيده، فان لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
        يقول المفكرون إن خيار المقاومة يعكس انهيار ثقة المواطنين بالدولة، فاما أن تنشأ المقاومة لتقاعس السلطة عن أداء مهماتها في حفظ الارض والشعب من الاعتداءات الخارجية، فيقوم الشعب أو جزء منه بالدفاع عن الارض ومقاومة الاحتلال، او تنشأ لمقاومة استبداد السلطة وتعسفها فتطمح إلى بناء سلطة بديلة قادرة على تلبية مطالب المجتمع المتعلقة بالحرية الضامنة للكرامة والهوية.
        ومن البديهي القول ان المقاومة ليست اعتداء على الغير بل هي استعادة لحق مسلوب، وليست مجرد ممارسة للعنف، بل إنها فعل إنساني طبيعي للحفاظ على الوجود والعيش بكرامة وحرية. ولهذا تشمل المقاومة جميع جوانب الحياة المادية والمعنوية، فقد تكون عسكرية، ثقافية، سياسية، اقتصادية، تقنية وإعلامية كما تختلف أنماطها فتكون فردية أو جماعية، داخلية أوخارجية... لأنها دفاع عن الذات، عن الجماعة وعن الوطن .
       
        وبما أن البيعة ممارسة لإرادة حرّة وليست فرضًا وإملاء، نستطيع أن نقول أن ثورة الحسين وحركة مقاومته لم تكن خارجة عن القانون المعتمد والمعترف به في تلك الدولة، بل كانت تعتبر ثورة إصلاحية مشروعة من ضمن الأصول المعتمدة، والموصى بها من قبل جدّه.

ثالثًا: في مشروعية الحرب التي شنّها يزيد
        بداية، أريد أن أؤكد أن توصيف "حرب" لا ينطبق على ما حصل في كربلاء، فالحرب مواجهة تحصل بين طرفين يستخدمان فيها القوة العسكرية، وتفترض أن يكون جيش مقابل جيش أو قوة منظمة. انطلاقًا من هذا التعريف، لا يمكن الإدّعاء أن ما حصل في كربلاء كان حربًا، فالإمام الحسين لم يكن على رأس جيش بل كان الجمع مؤلفًا من 72  شخصًا مقابل جيش بكامل عتاده وعديده... لذا لا يمكن توصيفها أنها حرب، بل هي مجزرة فعلية.
        وحتى إن سلمّنا أنها حرب، فشن ّالحرب بموجب القانون الاسلامي السائد آنذاك، كان يفترض قواعد وشروط، فالاسلام لم يقرّ الحرب بوصفها سياسة وطنية أو وسيلة مفضلة لحسم النزاعات، بل لا تكون حرب إلا إن كانت هناك ضرورة ملّحة للجوء إاليها، أو إن فرضت فرضًا على المسلمين ولم يكن هناك من طريق لحل النزاع بوسيلة أخرى، ما يعني أن اللجوء الى القوة العسكرية، يجب أن يكون الخيار الأخير في حل النزاعات خاصة بين المسلمين أنفسهم.
وللحرب في الإسلام فلسفة يمكن إجمالها في النِّقاط التالية[1]:
أولاً: أما أن تكون حرب لإقرار الحق، ودَحْض الباطل.
ثانيًا: أو  لردِّ الاعتداء، لا لإبادة الأعداء.
ثالثًا: أو لنَشْر العقيدة الإسلامية وحمايتها، دونما إلزامٍ لأحدٍ بها.
رابعًا: أو لمَنْع الظلم والإفساد في الأرض.
خامسًا: أو حماية الدِّيانات الأخرى من أن تُمحى[2].
أيًا من هذه الشروط لم تكن متوافرة في حرب يزيد على الحسين وأصحابه، فيزيد كان هو مَن منتهك الحق، ولم تكن الحرب ضرورة ملّحة فالحسين لم يكن في حالة اعتداء عليه[3]، ولم يكنّ يزيد يحارب لمنع الظلم والإفساد في الأرض بل كان هو مصدرهما....
وحتى مبدأ الاستباق الذي يمكن أن يتمّ التذرع به للقول بالدفاع عن النفس ( أي أن الدولة تشنّ حربًا استباقية على خصم يتحضر لمقاتلتها) فلم يكن متوافرًا في الحالة هذه، لأنه يرتكز على وجود خطر حقيقي "جاهز وموجود، وهو ما لا تستطيع فرقة مؤلفة من 72 شخصًا تشكيله في معركة معروف سلفًا أنها ساقطة عسكريًا.
وهكذا، نجد أن العمل العسكري الذي قام به يزيد، كان عملاً عدوانيًا بامتياز، ولا يتصف بأي مشروعية قانونية، ولا يندرج ضمن الأصول والقوانين والأعراف المعتمدة في الدولة الاسلامية آنذاك، هو استعمال مفرط للقوة لم تفرضه الضرورة ولا قاعدة التناسب ولم يكن مبررًا في ظرفه ومكانه.

رابعًا: قانونية الأعمال العسكرية بموجب قواعد الحرب المعتمدة
عندما نتحدث عن قواعد الحرب، لا نتحدث بطبيعة الحال عن قانون النزاعات المسلحة الحديث، أو ما بات يطلق عليه اليوم القانون الدولي الإنساني، بل نقوم بتقييم الأعمال العكسرية في الواقعة الكربلائية من منطلق قانون وقواعد الحرب في الاسلام، والتي سبقت بكثير التطور الحديث في القانون الدولي الانساني الذي لم يبرز إلا في نهاية القرن التاسع عشر وتطور مع اتفاقيات جنيف وبروتوكلاتها خلال القرن العشرين.
تاريخيًا، ومنذ المعارك التي خاضها النبي محمد، وضع الإسلام واجبات شرعية على المقاتلين المسلمين ألا يتخطوها، وفرضت على العسكر المقاتل قواعد صارمة يجب أن يلتزموا بها قبل الحرب وخلالها وبعد انتهائها.
ولقد خالف يزيد وجيشه، قواعد وقوانين الحرب في الاسلام وأهمها ما يلي:

1- انتهاك صارخ لحق الإنسان في الحياة، الذي أقرّه الاسلام بشكل واضح، عندما نصّ القرآن الكريم في آية واضحة: }من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض كمن قتل الناس جميعًا{ (المائدة: 32).
وبما أن الحرب التي شنّها يزيد، لم تكن من أجل إصلاح أو  منع الفساد والمنكر، فيكون عمله العسكري خارقًا لهذا المبدأ الأساسي في القرآن، بصورة واضحة.

2- خرق فاضح لمبدأ التناسب الذي أتى به الاسلام، والذي يعني أن يكون الاعتداء بمثل نوع العدوان {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا انَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ }.
بداية لم يكن هناك اعتداء من قبل الحسين، وثم لم يكن هناك أي تناسب بين الفريقين المتقاتلين، ولم تكن الافعال المرتكبة من قبل جنود يزيد متناسبة مع الأفعال التي قام به فريق الإمام الحسين. طلب الحسين ان تفتح الطريق أمامه ليكون فردًا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم و لكن أصرّ الخصم على القتال.

 3-  خرق لمبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين
        كان للإسلام السبق في التمييز بين المقاتلين وغيرهم من المدنيين الذين لا يقاتلون. حيث يُروى عن النبي محمد أنه قال موصيًا زيدًا بن حارثة لما أرسله إلى مؤتة: "لا تقتلوا وليدًا ولا أمراة وكبيرًا ولا فانيًا ولا منعزلاً بصومعة".  وفي هذا الإطار، يكون الاستنتاج من مقارنة قوانين الشريعة الإسلامية وقوانين الفروسية الاوروبية في القرن الرابع عشر، أن قوانين الشريعة الإسلامية حمت المدنيين غير المشاركين في القتال كحق، بينما  شكّلت حمايتهم في قانون الفروسية التزامًا من جانب النبلاء أي إن الحماية أتت كهدية أو منحة من الأقوياء أو الرؤساء لمن هم أدنى درجة.
        لقد خالف عسكر يزيد هذا المبدأ الأساسي من قواعد الحرب في الاسلام، فلم يميّزوا بين المقاتلين والمدنيين، بل قاموا بقتل وإطلاق السهام بدون تمييز ما يجعلهم مجرمي حرب موصوفين.

4 - انتهاك لمبدأ عدم جواز قتل غير المشاركين في أعمال الحرب
        يُحكى أن النبي محمد رأى في إحدى الغزوات امرأة مقتولة فغضب كثيرًا، وقال: ما كانت هذه تقاتِل، لتقاتًل وتقتل. وأمر بأن ينطلق رسول من قبله الى خالد بن الوليد، ليقول له: إنَّ رسول الله يأمرك، ويقول: لاتقتلن ذريّة ولا عسيفاً.
        وهكذا، أقرّت قوانين الحرب في الاسلام أنه لا يجوز قتل غير المحاربين، إلا إذا اشتركوا في الحرب فعلاً برأي أو قول أو إمداد أو قتال أو تحريض. وهذا يتشابه مع قواعد قانون القانون الدولي الانساني الحالية، حول وجوب التمييز وحصانة غير المشاركين في الأعمال العدائية.
        من هنا، إن أعمال القتل التي قام بها جند يزيد، لمن لم يكونوا مشاركين في القتال، وقتل أولاد عائلة الحسين وأطفاله، يعدّ جريمة كبرى ومخالفة واضحة لقانون الحرب الاسلامي، ولها عقابها عند الله كما يقول الدين الاسلامي.



5-  مخالفة مبدأي لا تغدروا وارحموا
        لقد نهى النبي محمد عن الغدر واشترط على المقاتل المسلم أن يقاتل بشرف  وأن لا يقتنص عدوّه غدرًا وظلمًا وأن يرحم حين يستطيع. لم يمتثل المقاتلين التابعين ليزيد لهذه المبادئ، بل لقد تمّ غدر وقتل الذين ذهبوا للاستحصال على المياه للشرب للأطفال الرضّع، برميهم بالسهام. ولم يكن هناك رحمة بالأطفال ولا بالمرضى، بشكل لا يقبله قانون انساني أو ديني.

6- انتهاك لقاعدة واضحة جدًا: عدم التنكيل أو التمثيل بالجثث
        إن ما قام به جند يزيد بقطع رأس الحسين والتمثيل بجثته، أمر ترفضه كافة الشرائع السماوية والقانون والأعراف في أي دولة أو حضارة إنسانية.
        وفي الاسلام بالتحديد، نهى النبي محمد بشكل واضح وصارخ، عن التنكيل والتمثيل بالجثث، فالميت له حرمته، حتى لو كان كافرًا. ولقد قال النبي لاتباعه: إياكم والمثله ولو بالكلب العقور. وأمر بدفن قتلى الكفار في المعارك، ومنع ترك الجثث في الشوارع حتى لا تأكل منها الحيوانات.
لقد خرجت الأفعال التي قام بها جند يزيد عن كل معايير اخلاقية ودينية وقانونية، فالقواعد المتبعة آنذاك أكدّت على مبدأ عدم التمثيل بالجثث، وأمرت بأن يكون مصير الجثة أحد أمرين:
- أما دفنها لكي لا تبقى على وجه الأرض، كما فعل النبي مع قتلى قريش بعد معركة بدر.
-  أو تسليمها إلى العدو كما حصل في تسليم جثة نوفل بن عبد الله عقب معركة الخندق.

7- انتهاك صارخ لحرمة الأسرى
        وضع الإسلام منهاجًا في معاملة الأسرى جوهره التكريم والمحافظة على كرامة الأسير والمحافظة على حياته وذلك في آيات عدّة في القرآن الكريم. (البقرة:85، الأنفال: 67- 68، الأنفال 70-71، الخ...) وتتلخص مبادئ حرمة الأسير في الاسلام في: حسن المعاملة، عدم جواز قتله، الرفق بالأسير وإطعامه، وحتى وإن كان كافراً. ولو عجز الأسير عن المشي لا يجوز قتله، ولا يجوز تعذيب الأسير بالجوع والعطش وغيرهما من أنواع التعذيب. زد على ذلك، أن الشريعة الإسلامية كانت قد نهت عن وضع الأغلال في أيدي الأسرى، وأمرت بتركهم أحرارًا من دون تقييد أو تحديد لحركتهم.
فإذا كان الإسلام قد عامل الأسير - الرجل المقاتل- بهذه الطريقة الأخلاقية، فكيف بالنساء والإطفال الذين لم يشاركن بأعمال القتال؟.
        زد على ذلك، إن فعل السبي الذي حصل مع نساء عائلة الحسين- وهم أهل بيت النبي محمد- قد انتهك أولاً معايير السبي المعتمدة في الاسلام من ناحية أولى، ثم إن الاهانات وأعمال التعذيب والاذلال التي تعرضن لها، قد انتهكت كل المعايير القانونية التي وضعها الاسلام، بالاضافة الى انتهاكه لكل المعايير الاخلاقية والإنسانية من ناحية ثانية.

خاتمة
        لا شكّ أن ما حصل في كربلاء من قتل متعمد، وحرمان تعسفي للحياة، ومنع الأطفال والمدنيين من الوصول الى مياه الشرب، وتمثيل وتنكيل بالجثث، يمكن اعتباره جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان، بالاضافة الى الانتهاكات الجسيمة لقواعد وقانون الحرب في الاسلام. وقد حصل افلات من العقاب وعدم محاسبة المرتكبين في حينه.
        وبما أن التجارب دلّت أن المنتصر هو من يسنّ القانون، ويقيم المحاكم للمهزومين ويكتب التاريخ... فإن بقاء الثورة الحسينية لغاية الآن، وعدم قدرة يزيد ومن بعده على تزوير الحقائق، وكتابة تاريخ مشوّه حول الثورة الكربلائية، يعني أن ثورة الحسين قد انتصرت، وإن الظلم لم يستطع أن ينتصر على نور الحق المنبثق منها.
       
        لكن، وبالرغم من قسوة المأساة وفجاعتها، من المؤسف أن تبقى رسالة الحسين وقيم عاشوراء أسيرة داخل جدران الحسينيات، بدل أن تخرج منها وتفرد جناحيها لتنطلق الى رحاب الانسانية الأوسع، وتجعل من هذا الظلم التاريخي عجلة تدفع الاسلام الى نهضة تنويرية؛ تخرج الأحقاد من التاريخ فتفجّر قيمًا انسانية تدعو الى رفض الظلم والطغيان وتدعو الى الوقوف مع الحق مهما كان الثمن.
وهنا يتبادر الى الذهن تساؤلان مشروعان:
- متى يستطيع الفقهاء المسلمون، من شيعة وسنّة، إخراج الواقعة الكربلائية من المقاربة العاطفية الغرائزية الى المدى الإنساني الأرحب؟
- متى يخرج يزيد من حياة وفكر المسلمين، ليتأتى لهم بعدها القدرة على تأطير الواقعة الكربلائية في مشاكل الناس الحديثة، والاستفادة من الآثار الفكرية لثورة الحسين وقيم استشهاده؟
        أما آن الأوان لمصالحة تاريخية تقوم على الاعتراف بالظلم الذي حصل والاعتذار والمسامحة، فالحقد لا يورث الا الحقد، والمسامحة والغفران لا تعني النسيان، بل ببساطة إنها تعني وضع الحقد جانبًا للاستفادة من التاريخ وعبره، في بناء الحاضر ورسم طريق المستقبل.


1- أحمد حمدي أحمد، قيم الحرب في الإسلام، دراسة مقارنة مع القانون الدولي الإنساني، أطروحة دكتوراه، قسم الفلسفة الإسلاميَّة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، 2012.
[2]  إن هذه  النقطة بالذات، ليست محل توافق بين الفقهاء المسلمين، ولم تذكر إلا في المصدر السابق ذكره.
[3]  وخاصة أن الإمام الحسين اتبع المبادئ التي اعتمدها والده الإمام علي في الحروب، ومنها عدم البدء بالقتال، وذلك من أجل تلافي سفك الدماء وإعطاء الفرصة للخصم للتراجع عن موقفه بشنّ الحرب. 

2013/09/09

هل هناك فعلاً قيم إنسانية مشتركة؟

القيم الإنسانية المشتركة ودورها في تعزيز التضامن والسلام، عنوان جذاب ويُعتقد أنه سهل انطلاقًا من التصور السائد أن هناك معايير وقيم محددة قد اتفقت عليها الإنسانية وأنها باتت تشكّل شرعة موحّدة ومفهومها متطابق بنظر الجميع، والجميع مقصود به هنا، هو البشرية ذات الثقافات المتعددة والأديان المختلفة.
قبل أن أبدأ العمل على هذا البحث، كان لدي نفس هذا الاعتقاد، ولكن ما أن بدأت العملية البحثية حتى واجهتني الصعوبة الأساسية:
ما هي بالتحديد القيم الإنسانية المشتركة؟ وهل هناك لائحة قيم تمّ الاتفاق عليها وإقرارها كقيم إنسانية لديها نفس التفسير بالنسبة للجميع، لنحاول دراسة دورها في تحقيق التضامن والسلام؟.
        وبمحاولة للوصول الى تحديد القيم الإنسانية المشتركة، كان لا بد من العودة الى إطار إنساني جامع يتمّ التأسيس عليه، للوصول الى تحديد ماهية القيم المشتركة، وكيف يمكن لنا أن نعرّفها للوصول الى مقاربة إنسانية تلامس الاجماع. لا ندّعي بأن نصل الى مفهوم مشترك تجمع عليه الإنسانية، فخصوصية القيم الانسانية وحقوق الانسان وتعريفاتها التي تتباين بتباين الثقافات تجعل من الإجماع شيئًا من الإعجاز.
لذا، ستحاول هذه الورقة أن تبحث عن أسس مشتركة تستطيع معها أن تعدّ لائحة مقبولة من القيم المشتركة التي
 تتبناها جميع الثقافات والأديان، ويتقارب مفهومها ومعناها كما يفهمها كل من هؤلاء.

من مقدمة الورقة التي قدمتها في مؤتمر ايسيسكو، عمان 2- 4 أيلول 2013

2013/07/17

اشكالية التوازن بين العدالة وبناء السلام_ كتاب





إشكالية التوازن بين العدالة وبناء السلام: المحاكم الجنائية الدولية نموذجًا... هو عنوان الكتاب، وهو عنوان واسع وصعب بشهادة كثيرين، ويحتمل الكثير من التوسيع وعدم القدرة على ضبطه.
       ولعل ما حملني على اختيار هذا العنوان، هو المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بالتحديد. ففي آذار من العام 2009، باشرت المحكمة أعمالها، وكان الانقسام على أشدّه بين اللبنانيين حول المحكمة، فمنهم من يراها أداة ستمنع الافلات من العقاب، ويعتبر أن إطلاق الضباط الأربعة هو دليل على عدم تسييسها، بينما يرى الآخرون أنها آداة لتجهيل الفاعل من خلال مؤامرة دولية تريد أن تلصق التهمة بحزب الله.
       وأمام هذا الواقع اللبناني المنقسم، كنت أريد أن أكوّن رأيًا موضوعيًا علميًا أكاديميًا، حول عمل وآلية تلك المحاكم، فلا أجعل من التوجهات السياسية التي أملكها أو أميل اليها، بأن تجعلني أسير في ركاب التصفيق أو التأييد الأعمى لهذا الرأي أو ذاك.
      
الاشكالية الرئيسية التي بنيت عليها هذه الدراسة هي ببساطة كلية ما يلي:
       في متن قرار مجلس الأمن رقم 827، الصادر في 25 أيار 1993، يتحدث المجلس عن العزم على إنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة ومقاضاة الأشخاص المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني في يوغسلافيا السابقة، ومؤكدًا أن إنشاءها سيحقق العدالة ما يسهم في استعادة السلم وصونه( انظر نص القرار 827\ 1993، الديباجة، ص 1).
       هذه الدراسة تدرس مدى صحة هذه المقولة، بعد مرور عشرين عامًا على تأسيس تلك المحكمة وغيرها من المحاكم التي تلتها، والتي أضيف الى مهامها الأساسية بتحقيق العدالة، استعادة السلام وصونه، وبعضها حُدد لها مهمة المصالحة أيضًا.
       وكان لا بد من نقاش موسع، لآليات العدالة الانتقالية، ونظرياتها المختلفة والتي ناقشت نظريًا هذه الاشكالية حول أيهما أصلح لبناء السلام في المجتمعات الخارجة من إرث من الصراع: هل العدالة الجنائية هي الأنسب، أو العفو والتسامح والغفران يقود الى المصالحة، فالسلام؟.
       وكما في كل علم جديد متطور، لم تقدم الأطر النظرية إجابات شافية، حول نتيجة عمل تلك المحاكم على الأرض فيما خصّ بناء السلام، فمن النظريات من مجّدها كآلية هامة في مسيرة سلام الشعوب الخارجة من ارث من الانتهاكات، ومنهم من رجمها باعتبارها عائقًا أمام السلام معتبرًا أن العفو هو الاصلح للسلام والاستقرار، ومنهم من طالب باستبدالها بآليات أخرى كلجان الحقيقة والمصالحة وغيرها، علمًا أن خلاصة النظريات تلك وآخرها دعا الى مزج الآليات، واختيار ما هو الانسب والأصلح لكل مجتمع بذاته، وبحسب ثقافته وبيئته التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
       أما بالنسبة للاطار التطبيقي، فكان لا بد من القيام بتحديد مفهوم بناء السلام، من خلال متغيرات يمكن قياسها، فتمّ تحديده بما يلي:
إن بناء السلام يفترض:
أولاً: تأمين الاستقرار الأمني والتخفيف من العنف أو وقفه.
ثانيًا: تفعيل الديمقراطية، وحقوق الإنسان.
ثالثًا: التعايش وبناء الثقة بين المواطنين وبينهم وبين الدولة.
رابعًا: حكم القانون.
       وهكذا، تمّ الاستناد الى دراسات وتقارير ميدانية وتوصلنا الى النتائج متباينة، فحيث وجدنا تأثيرًا ايجابيًا للمحاكم تحدثنا عنه، وحيث وجدنا تأثيرًا سلبيًا أو حتى لا تأثير، أشرنا اليه.      
       علمًا أننا ندرك أن جذور الصراع  في البلدان محور المناقشة، هي متعددة ومتنوعة، وقد لا تستطيع - أو ليس من مهمة- المحاكم الجنائية حلّها، باعتبار أن المحاكم لها وظيفة أساسية هي تقديم المجرمين للعدالة، ولكن وكما أشرنا سابقًأ، إننا نريد أن ندرس مدى صحة القول السائد بأن المحاكم الجنائية هي المعبر لتحقيق واستعادة السلام وصونه.
       وهنا نشير الى أن أصحاب النظرية القصوى ومبشرّي حقوق الانسان والعدالة الدولية العالمية، ومنهم الأمين العام للأمم المتحدة قد أثقلوا المحاكم الجنائية الدولية بمهمات ليست من اختصاصها أساسًا.
وهنا يصح التساؤل: هل أضرّ هؤلاء بسمعة المحاكم الدولية بها من حيث لا يدرون عندما رفعوا سقف التوقعات المأمولة منها واعتبروها دواءً شافيًا لمجتمع عانى الابادات والتطهير وانتهاكات جسيمة لحقوق الانسان؟...
الأجابة، قد تكون نعم بالطبع، وبالاضافة الى هؤلاء، قام الموكلون بمهام العدالة بالاضرار بها من خلال التسييس والفساد الذي طبع بعض هذه المحاكم. هناك فصل كامل في الكتاب يتحدث عن تسييس تلك المحاكم، والانتهاكات وشهود الزور، بالاضافة الى البدع الفقهية التي أقرّتها ومنها المشروع الجنائي المشترك الذي يُعتبر وصفة لاتهام أي كان لمجرد الشبهة ب "النية الجرمية" أو "الحالة الذهنية" المشتركة مع الجناة.

النتائج
       وقبل ذكر النتائج التي توصلت اليها هذه الدراسة، أريد أن أشير الى ملاحظة هامة، هي أنه بعد التعمق والقراءة والبحث في الموضوع، ولحين الوصول الى دراسة نتائج عمل المحاكم الجنائية المختلطة، كانت قد تكونت قناعة لدي، بأن المحاكم الدولية هي آداة للتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأضعف، وأنها تضيف مزيدًا من المشاكل الى الأزمات المستفحلة في البلد المعني.
       لكن، تبدلت قناعتي تلك حين وصلت في الدراسة الى تجربة المحكمة الخاصة بكمبوديا الايجابية على المجتمع الكمبودي. وحينها، كان لا بد من البحث المعمق في جميع القضايا الأخرى، حتى لو لم يتسع الكتاب لعرضها جميعها، وقد توصلتُ على أثرها الى خلاصة موضوعية، مفادها أن المحاكم الدولية هي آلية إيجابية لتحقيق العدالة بشكل عام، ولكن تحتاج الى الكثير من الضوابط والآليات المرافقة والى الحيادية وعدم التحيّز والتسييس.  ويجب أن تتوافر فيها كل سبل الإنصاف والشفافية ومعايير العدالة الحقيقية لكي يستجيب المجتمع إلى تحقيق العدالة الجنائية بطريقة إيجابية.
يمكن القول، أن أبرز ما توصلت اليه الدراسة ما يلي:
- بالنسبة للاجابة على الاشكالية الرئيسية، وهل فعلاً أن تحقيق العدالة الجنائية هو الذي يحقق السلام؟ وهل استطاعت المحاكم الجنائية الدولية أن تحقق الأهداف المنوطة بها؟
       العدالة الجنائية ليست معبرًا أكيدًا للسلام، وليست شرطًا أساسيًا يجب توفرّه لكي يشعر المجتمع بالأمان والاستقرار ويبدأ مسيرته نحو بناء السلام.
بالعكس، إن تحقق السلام – ولو بمعناه السلبي- وتوفّر الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلد المعني قد يسمح بتحقيق العدالة – ولو بعد حين- وتقديم المرتكبين إلى القضاء وإنصاف الضحايا والاعتراف بحقوقهم ومعاناتهم.
- العدالة الجنائية كآلية يمكنها أن تسهم في مسيرة بناء السلام فقط إن ترافقت مع آليات سياسية أخرى، وبالتالي فإنها كآلية معزولة لا يمكنها وحدها أن تفعل ذلك.
كما بيّنت التجارب بشكل واضح، أن الحل الأمثل هو أن يقود الحل السياسي آليات العدالة، وليس العكس.

- بالنسبة لجدلية العفو والمساءلة ، أظهرت الدراسة أن كلًّا من المحاكمات وحدها أو العفو وحده، يبدو آلية غير حاسمة وغير قادرة على تحقيق السلام في بلد خارج من إرث الصراع، لا بل إن كلًّا منهما يحتاج إلى آليات أخرى مرافقة لتحقيق السلام أو على الأقل، لتحقيق مصالحة مقبولة في المجتمع. ويمكن القول إن "التوازن" يجب أن يكون العنصر الحاسم في اختيارات الدول من بين آليات العدالة الانتقالية المتعددة.
- قد تكون مفاهيم كالعدالة والسلام عالمية بجوهرها، لكن تبيّن أن تعريفها يختلف باختلاف البيئة الثقافية للمجتمع وحاجاته وتاريخه، لذا لا يمكن أن يكون هناك وصفة واحدة لتحقيق العدالة أو بناء السلام أو حتى إطار واحد لتعريفهما.
- لا "وصفة سحرية" لتحقيق السلام في البلد الخارج من ارث من الصراع، بالعكس إن استيراد التجارب وتعميمها يبدو مضرًا بمصلحة الشعوب والمجتمعات أكثر مما هو مفيد لها، إن أفضل سبل لاختيار آليات العدالة الانتقالية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار معايير ثلاث: المجتمع المخاطب، والأهداف المرجو تحقيقها، والآليات الأفضل لتحقيق تلك الأهداف.

في التصور المستقبلي:
- إن شهرة المحاكم الدولية واستمرار رواجها مرهون بنمط التغيير الحاصل في النظام الدولي الجديد الذي تتبلور أسسه رويدًا رويدًا منذ الازمة الاقتصادية العالمية 2008.
- لاسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية عديدة، التوقع بأن لا يقوم المجتمع الدولي بتأسيس محاكم "خاصة" دولية صرف مشابهة لمحكمتي يوغسلافيا ورواندا، ولن يكرر التجربة، بل ستكون المحاكم الجنائية الدولية كناية عن محاكم "مختلطة" تنشأ باتفاقية بين البلد المعني والأمم المتحدة.
- بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة: ستبقى الإشكالية الدائمة التي تعانيها المحكمة، هو مبدأ التكامل الذي يفرض حصول الكثير من المساومات والمقايضات مع الدول، وتقديم التنازلات لها – ما يظهرها وكأنها أداة بيدها- طالما استمرت السيادة جوهر العلاقات الدولية، وطالما نعيش في "نظام وستفالي" يجعل من الدول الفاعل الأهم في النظام الدولي القائم.

الحل الأمثل
·       أولاً: على الآليات السياسية والقضائية أن تتكامل، وذلك لكي لا تبدو المحاكم منذ تأسيسها كأدوات فوقية تمارس وصاية على المجتمعات، أو تبدو وكأنها أدوات انتقامية من طرف سياسي على آخر.
·       ثانيًا: يجب أن يأتي تشكيل المحكمة بعد إتمام الحل السياسي ونتيجة له وليس قبله أو خلاله، ما يؤدي الى عرقلته وإطالة أمد الأزمة وإهراق المزيد من الدماء في البلد المعني.
·       ثالثًا: الإطار الجغرافي الأمثل للمحاكم الجنائية الدولية، هو داخل البلد المعني وليس خارجه، ولهذا الأمر ايجابيات وفوائد هامة على صعيد نظرة المواطنين وتفعيل الهيكل القضائي المحلي وسواه.

الكتاب - الدراسة موجودة في مكتبة "قصر السلام" ومكتبة  "المحكمة الجنائية الدولية" في لاهاي، وسيتم ترجمة الدراسة الى اللغة الانكليزية ونشرها باللغتين العربية والانكليزية خلال خريف 2013.