2011/08/25

مسيحيو المشرق: مسؤولية تاريخية لافشال خطط الاقتلاع

في ظل الثورات والانتفاضات الحاصلة في انحاء العالم العربي اليوم، وفي خضم حديث عن تحولات كبرى تعيشها المنطقة ستؤدي الى تغيير وجهها لمئة سنة قادمة، يعيش المسيحيون اللبنانيون ومعهم مسيحيي المشرق ككل، هاجس وجودهم ودورهم ومستقبل ابنائهم أكثر من أي وقت مضى.

ولعل استشعار الخطر الذي بدا واضحًا خلال السنوات الماضية خاصة بعد تهجير مسيحيي العراق، ازداد حدة في ظل التطورات المتسارعة والازمات التي تعصف بالمنطقة، وبعد بروز شعارات طائفية في سوريا تهدد بترحيل المسيحيين الى بيروت مما جعل المسيحيين السوريين ومعهم اللبنانيين يعيشون هاجسًا يوميًا بخطر "الاقتلاع" كما حصل مع مسيحيي القدس الذين لم يتبقَ منهم الا الفًا او الفين كحد اقصى.

واللافت ان الحملة لتهجير المسيحيين من المشرق والتي تبدو منهجية ومنظمة، تترافق مع سياسيات صهيونية وغربية مواكبة، نوجزها بما يلي:
-          حديث اوروبي عن الاقليات المسيحية في الشرق، وضرورة منحهم اللجوء السياسي وتسهيل هجرتهم الى الغرب، بذريعة حمايتهم وحماية حقوق الانسان. ويبرز في هذا المجال، الاعلانات الرسمية التي اعلنتها الدول الاسكندنافية عن تساهل كبير في منح الاقليات المشرقية ومنها الاقليات في ايران، حق اللجوء السياسي وان اعداده هؤلاء اللاجئين في تزايد مستمر.
-          مقالات صدرت في صحف اسرائيلية ونشرتها الكثير من المواقع الصهيونية تحرّض على مسيحيي المشرق وتتهمهم بمعاداة السامية، وتعتبر ان العيش بين اليهود وهؤلاء صعب حتى في ظل سلام في المنطقة.

ولعل الاسباب التي تدفع الى معاداة المسيحيين ومحاولة تهجيرهم عديدة، وقد وعى لها التيار الوطني الحر مبكرًا، لذلك كان التفاهم بين التيار وحزب الله، جزء من حماية المسيحيين في الشرق وحفظ دورهم، من منطلق وطني قومي عربي وليس من منطلق طائفي مذهبي ضيق. ولعل السياسة التي يتبعها البطريرك الراعي اليوم تحت عنوان "شراكة ومحبة"، والتي تأتي بموافقة ومباركة من الفاتيكان، ما هي الا دليل ساطع على وعي هؤلاء خطورة الوضع، والقلق من أن سياسات الحكومات السابقة في لبنان، التي ناصرها البطريرك صفير ومن معه، ساهمت الى حد بعيد في ازدياد الشرخ بين المسيحيين والمسلمين، وبين المسيحيين والمسيحيين، مما أدى الى تيئيس المسيحيين وهجرتهم الى بلاد الله الواسعة والتخلي عن ارضهم ووطنهم.

ما زال هناك قسم من المسيحيين يحلمون تلك الاحلام البائدة بتقسيم لبنان، واقامة كونتون مسيحي فيه يكون منارة الشرق بحسب زعمهم، لذلك  يعادون البطريرك الراعي لانهم يجدون في سياسات الانفتاح البطريركي عائقًا أمام تحقيق طموحاتهم ومشاريعهم، لذا يدفعون الى اختراع "وهم" الخطر الشيعي المسلح على المسيحيين وهو ما لاحظناه في تضخيم حادثة انطلياس وغيرها من الاحداث السابقة، وكل ذلك من أجل تحقيق هدف من اثنين: اما  دفع المسيحيين الى التخلي طوعاً عن الهوية والأرض، فيفرون من خطر مجهول يتهدد وجودهم وكرامتهم واولادهم، واما دفعهم للمواجهة وحمل السلاح في وجه ابناء وطنهم الامر الذي يضرب صيغة العيش المشترك التي يتميز لبنان ويصبح مفهوم التقسيم سهل التحقيق.

اما  الاسباب التي تدفع الغرب الى تبنى خطة تهجير المسيحيين فتبدو عديدة واهمها:
-           من مصلحة الصهيونية ان تنشر ثقافة التهجير والاقتلاع و التغيير الديمغرافي في الشرق، واسقاط حق العودة للفلسطينين وابقائهم في اماكن تواجدهم وتوطين الفلسطينيين مكان المسيحيين المقتلعين.
-          من مصلحة اسرائيل ان تقطع التواصل الشرقي – الغربي، فتخلي الشرق من مسيحييه الذين هم القناة الطبيعية للتواصل بين الشرق الاسلامي والغرب المسيحي، لتحتل هي هذه المكانة وتقدم نفسها انها تلك الصلة فتفرض على الغرب الاعتماد عليها وحدها في تأمين مصالحه في الشرق، وبالتالي امدادها بكل ما يلزم لها من عناصر قوة البقاء والاستمرار.
-          في ظل ازدياد التطرف الاصولي في الغرب، يرى بعض المفكرين الغربيين ان اوروبا "العجوز" التي تحتاج الى شعوب الشرق للعمل فيها ولاعادة "شباب" المجتمعات، يجب ان تحد من هجرة المسلمين اليها، وتفتح الباب لمسيحيي المشرق، وذلك - بحسب رأيهم- لان المسيحيين أكثر قدرة على الاندماج في المجتمعات الاوروبية بسبب وحدة الدين والثقافة، ولأن وجود المسيحي المهاجر في اوروبا اقل إثارة للتطرف والعنصرية اليمينية من وجود المسلمين الذين تختلف عاداتهم وتقاليدهم ولباسهم عن الاوروبي المسيحي.

بلا شك، ان افراغ الشرق من مسيحييه، سيكون ضربة قاسية لكل مشاريع التطور والانفتاح فيه، فالخطة الغربية بتفتيت المنطقة من خلال تهجير المسيحيين واثارة الاقتتال المذهبي السني الشيعي، لن يبقي لهذا الشرق واهله الا التعاسة والدماء والدموع. لذلك يمكن اعتبار ان من يقف ضد "الشراكة والانفتاح" التي اعلنها البطريرك الراعي، وهم انفسهم الذين وقفوا ضد التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله قبل ان يقرأوه، يمكن اعتبارهم – من حيث يدرون او لا يدرون- مساهمين في المشاريع الغربية التقسيمية المعدة للمنطقة.

وفي هذا المجال، يتحمل المسيحيون أيضًا مسؤولية كبرى في الحال الذي وصلوا اليه، والذي قد يجدون انفسهم فيه في المستقبل. ان وعي المسيحيين المشرقيين ووقوفهم بوجه المخططات التي ترسم لتهجيرهم، هو الاساس الذي يمنع اقتلاعهم من ارضهم، وتشريدهم. وكما أعاق المسيحيون اللبنانيون سابقًا، من خلال وقوفهم الى جانب المقاومة في الدفاع عن لبنان، تمرير المشروع الاميركي في المنطقة وتحقيق حلم الشرق الاوسط الجديد الذي بشرتنا به كوندوليزا رايس خلال حرب تموز، يستطيع المسيحيون المشرقيون اليوم ايضًا ان يعيقوا تحقيق المشاريع التقسيمية والتفتيتية للمنطقة، من خلال التفاعل مع محيطهم وقضاياه والوقوف ضد أي تدخل اجنبي في شؤونهم، والقول باعلى صوت: ارضنا كرامتنا لن نتخلى عنها ولن نساوم على وجودنا ومصيرنا، فاما نكون في هذه الارض، او لا نكون.

*استاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية.

2011/08/18

الاصلاح في لبنان... أقل كلفة من موت وطن

الثبات - 18 آب 2011

تعيش عواصم العالم على وقع التظاهرات المتنقلة هنا وهناك، والتي بدأت بشرارة ما أسمي "الربيع العربي"، الذي اختلطت فيه العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بينما تعيش أأوروبا وأميركا على وقع أزمات اقتصادية عنيفة، دفعت بالشباب إلى الثورة والتعبير عن الغضب تحت عناوين عدة.
ولعل الانهيار الاقتصادي الأميركي والأوروبي، والتظاهرات في بريطانيا و"إسرائيل"، وقبلها في اليونان، وفي مناطق عدة من العالم، يشير إلى فشل النظام الاقتصادي الرأسمالي الحالي، أو ما يسمى بـ"النيوليبرالية" التي تحدثت عن آليات السوق كبديل عن الدولة، ما أدى إلى ازدياد التفاوت الاجتماعي والاقتصادي، وازدياد الهوة بين الفقراء والأغنياء، وتصاعد معدلات البطالة، ويأس الشباب وتضخم الأسعار، وبات الوضع الاقتصادي العالمي اليوم أشبه بالنظم الإقطاعية في بلدان عدة خلال قرون خلت، حيث كانت أقلية تملك الثروة والسلطة في حين يعيش غالبية الشعب في الفقر والمرض.
وبالرغم من الادعاءات البريطانية واتهام المحتجين بأنهم مخربين، لكن الاضطرابات تظهر أنها امتداد لحركة غليان شعبي سببه الفقر والتهميش، ففي نهاية شهر آذار الماضي خرج عشرات آلاف البريطانيين للاحتجاج على سياسة الحكومة الاقتصادية التي تشمل خفض الإنفاق في قطاع الخدمات العامة، وضمت المظاهرات التي نظمها اتحاد النقابات المهنية مدرسين وموظفين وطلاباً وشرائح أخرى من المجتمع البريطاني، طالبت بإيجاد فرص عمل وتحقيق النمو والعدالة.
قياساً على الوضع اللبناني، نجد أن من المستغرب لغاية الآن أن الشعب اللبناني، وبالرغم من كل المآسي الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها، والتي من المؤكد أنها أعمق بكثير وأكثر إلحاحاً وفظاعة من الحالات الأوروبية، لكنه ما زال محجماً عن الثورة أو التظاهر ضد من يمنع عنه لقمة العيش، ويسد أمامه كل سبل التطور والتحسن والإصلاح في هيكلية دولة باتت مهترئة ومنخورة بالفساد حتى العظم.
المديونية في لبنان لم تتأتى عن خسارة في البورصة، ولا بسبب حروب خيضت، كحروب بوش الاستباقية ومغامراته، بل ببساطة ووضوح كلّييْن، يعاني لبنان ما يعانيه من الخسارة والمديونية التي ترهق كاهل المواطنين، لأن الطبقة السياسية التي حكمته منذ التسعينات مارست السرقة والنهب وهدر المال العام.
ومن هنا نسأل: ما الذي يمنع المواطنين اللبنانين بأن يقتدوا بالحركات الاحتجاجية في العالم للنزول إلى الشارع لإعلاء الصوت، والمطالبة بالمحاسبة، والتحقيق في الأموال المهدورة والمسروقة من خزانة الدولة وجيوب المواطنين؟
ما الذي يمنع من أن تكون شرارة الكهرباء الممنوعة عن المواطنين، بأمر نيابي، سبباً لثورة تطيح بهذه الطبقة السياسية الفاسدة من المنتفعين، والذي يريدون أن يحرموا القطاعات الحياتية الضرورية من الأموال اللازمة لكي يفقروها فيخصخصوها، تماماً كما فعلوا في "سوليدير" وأكلوا حقوق المواطنين، وسيطروا على الوسط التجاري، وأقاموا مرافئ غير شرعية يستخدمونها الآن في تمويل العمليات الإرهابية في سورية؟ هل من يذكر أن تبرعات جُمعت لإصلاح الكهرباء عندما قصفت "إسرائيل" المحطات عام 1996؟ وهل من يعرف أين ذهبت هذه الأموال؟ ولماذا ما زال لبنان في القرن الحادي والعشرين محروماً من الكهرباء؟ وهل وضع في السابق أي خطط للكهرباء؟ ولماذا لم تنفذ؟ ولماذا تعرقل الخطة الإصلاحية اليوم للكهرباء؟ أليس لإفلاس القطاع وبيعه بأرخص الأسعار، وسرقة أموال الشعب، كما حصل في الخلوي سابقًاً، وخسرت من جرائه الدولة اللبنانية مليارات الدولارات؟
لماذا لا يثور هذا الشعب للقمة خبزه، وحقه في الكهرباء والماء وفي العيش بكرامة كما تثور الشعوب الأخرى؟ لماذا لا يثور من أجل حقه في شراء شقة بسعر مقبول يسمح له دخله بتقسيطها كما يفعل "الإسرائيليون"؟
كيف يؤخذ الشعب ببروباغندا إعلامية تشويهية هدفها الضغط للقول إن حقك في الماء والكهرباء والعيش الكريم تصان فقط إن عاد سعد الحريري إلى السلطة، وإلا سنمنع عنك أبسط حقوقك؟ وكيف يمكن لحكومة ادّعت أنها أتت لتعيش هاجس المواطنين وحاجاتهم أن تبقى بانتظار "أمر ملكي" يأتي من مشيخة سعد الحريري للمباشرة بالإصلاح؟
لماذا لم تنطلق بعد عجلة الإصلاح الحكومية؟ وما الذي ينتظره الوزراء لكي يطهروا ادارتهم من الفساد المعشش منذ التسعينات؟ ما الذي ينتظره وزراء ونواب الأمة لكي يفتحوا تحقيقات في ملفات الفساد التي تُكشف يوماً بعد يوم؟
كيف لحكومة أن تسير في الإصلاح بنفس الهيكل الإداري الفاسد القديم؟ ما الذي يمنع سهيل بوجي من أن يزوّر محاضر جلسات مجلس الوزراء ويخترع جلسات غير موجودة، وعلى من تقع المسؤولية في ذلك اليوم؟ وما الذي يمنع غيره من تخطي القوانين، والتذرع بحماية الطائفة وحرمانها وفقيدها "الغالي"، لكي يتخطى القانون والدستور وكل الأعراف النيابية والقانونية؟
أما من يسأل كيف يفرّ "الإسلاميون" من سجن رومية؟ وكيف أتلفت ملفات وزارة المالية؟ أما من يسأل ويسائل أين ذهبت أموال الهبات والصناديق؟
أسئلة كثيرة لا تنتظر أجوبة، لأن الاجوبة موجودة في الأداء الحكومي في المرحلة المقبلة.
اليوم الكهرباء، وغداً المياه والدواء ورغيف الخبز وغيرها.. حاجات حياتية حيوية ستبقى مرهونة برسم توافقات سياسية، وخشية "الوسطية" من كيد المعارضة وإعلامها. بات مصير لقمة عيش اللبناني، وحلمه بتحقيق دولة العدل والقانون والمواطنية، مرهوناً بموقف شارع هذا الزعيم أو ذاك، أو مؤجلة خشية موقف مذهبي من هذه الطائفة أو تلك.. فأي إصلاح سيتحقق؟ وأي حلم سيُبنى؟ وأي وطن، وأي حلم نتركه لأبنائنا ونحن نرى الإصلاح بعيد المنال، ولا يمكن تحقيقه إلا بثورة تطيح برؤوس الإقطاعيين والفاسدين المعششين في الدولة منذ زمن.
لن يكون عدل ولا دولة حق في هذا الوطن، إلا باقتلاع الفساد من جذوره.. قد يسبب الاقتلاع ألماً وخسارة للبعض، لكنه يبقى أقل كلفة من موت وطن.

2011/08/11

تدخل الاطلسي عسكرياً في سوريا..هل يبدو واقعياً؟

الثبات- الخميس 11 آب 2011
كما كان متوقعاً، طغت الأحداث الدموية على الوضع السوري خلال شهر رمضان، وقد أتت المآسي والأحزان وازدياد العنف والخيارات الأمنية، لترسم معالم الشهر الفضيل فتحوله عما يفترض أن يكون شهر الخير والبركات، فيعطي مجالاً للشعب السوري في هذا الشهر لالتقاط الأنفاس بعد أشهر صعبة من الضغوط السياسية وعدم الاستقرار الأمني والضغوط الاقتصادية التي تهدد بإفقار الشعب السوري بأكمله.
ومع تزايد الضغوط وحدة البيانات الشاجبة، يتحدث كثر في لبنان والعالم عن توجه لتدخل عسكري أطلسي أو تركي مباشر في سوريا، وذلك بعدما تيقن الجميع عدم إمكانية "المعارضة السورية" من الإطاحة بنظام الأسد من الداخل، كما صرحت كلينتون في وقت سابق. فقد أظهر الشعب السوري وحدة وتضامناً واستمراراً في تأييده للرئيس الأسد، كما فاجأ تماسك الجيش السوري الجميع أيضاً، وقد كشف عن محاولات لشق صفوف الجيش السوري أو تدبير انقلاب على الرئيس ولكنها باءت جميعها بالفشل، يضاف إلى هذه الأسباب البنيوية لقوة النظام، أن "المعارضين" أنفسهم لم يقدموا بديلاً مقبولاً للشعب السوري، وظهروا معارضات ضمن المعارضة، ولعل تخطي البعض منهم الخطوط الحمراء، قد خدم النظام السوري وأضر بالحركة "الإصلاحية" وضربها في الصميم.
وهكذا، وبعدما فشلت مراهنات التغيير من الداخل، تظهر مراهنات على سقوط النظام السوري من خلال تدخل عسكري خارجي يقال إنه سيمد الدعم للحركات المسلحة في الداخل، ويساعدها على فرض موازين قوى جديدة تجعل من إمكانية انقلاب العسكر أو السياسيين على نظامهم أمراً أسهل فتكر السبحة ويتهاوى النظام السوري كما تهاوت قبله أنظمة عربية، لكن من خلال دراسة موازين القوى على الأرض، وظهور قدرة الجيش السوري على الحسم في مناطق اعتبرت القلاع الأساسية لحركات المعارضة، فإن خيار التدخل العسكري الخارجي المباشر في سوريا، يبدو صعباً للغاية، فبالرغم من كل ما يقال ويشاع، عن احتمالات تدخل عسكري أطلسي أو سواه في سوريا، إننا نرى أن هذا الخيار مستبعد – أقله في الفترة الحالية، وذلك لأسباب عدة أهمها:
-         التجربة الليبية: لقد تحولت ليبيا – كما عبر أحد الباحثين الأوروبيين- إلى العاصفة المثالية للإطاحة بأوروبا الاتحادية، فقد أظهرت التجربة أن كل الآليات الأوروبية الاتحادية ما زالت غير ناضجة، لقد ظهر من التجربة الليبية والخلافات التي سادت في أوروبا خلال التحضير للحرب وما بعدها والانقسامات التي سادت حول الأسلوب الأنجع للتعامل مع ليبيا، وتهافت كل دولة أوروبية على تحقيق مصالحها الوطنية القومية على حساب وحدة الاتحاد الأوروبي، ظهر أن آليات لشبونة أضافت تعقيدات إلى سياسة الاتحاد الخارجية ولم تسهلها، وأن الأحلام بتحول أوروبا إلى قوة عسكرية ضخمة تفرض نفسها على الواقع الدولي كاتحاد قد تبخرت، كما تبين أن الأوروبيين كـ"اتحاد" لا يصلحون إلا للأعمال الإنسانية، بدليل فشلهم – حتى الآن- في تحقيق الأهداف التي وضعوها لتدخلهم في ليبيا.
-         وضع حلف شمالي الأطلسي، الذي تسيطر عليه الولايات الأميركية، وقد تأثرت موازنة الأطلسي بالأزمات الاقتصادية التي تعيشها دوله، وقد أتهم روبرت غيتس الحلفاء الأوروبيين في الأطلسي، بأنهم فقراء في الإنفاق الدفاعي والقدرات العسكرية، وحذر من مستقبل قاتم إن لم يكن كئيباً لمستقبل حلف شمالي الأطلسي إن استمر الوضع على ما هو عليه.
-         الأزمات الاقتصادية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية والتي تدفع الأطراف جميعاً إلى تخفيض موازنات الدفاع بالإضافة إلى اقتطاع أجزاء مهمة من الخدمات الاجتماعية، فكيف سيبرر الأوروبيون والأميركيون خياراتهم الحربية أمام شعوبهم مهما عظمت الذرائع الإنسانية، وهي خيارات ستؤدي إلى إنفاق ضخم وإرهاق الخزينة واستهلاك أموال دافعي الضرائب، في وقت يطلب من مواطني هذه الدول "شد الأحزمة" والتكيف مع تناقص التقديمات الاجتماعية بسبب الإفلاس.
-          خشية الدول من دخول إيراني إلى الجبهة في حال نشوب حرب على الحليف الاستراتيجي السوري بموجب استراتيجية "وحدة الجبهة" التي أعلنت من دمشق في شباط 2010، ويدرك حلف شمال الأطلسي أن لدى الإيرانيين القدرة على استهداف الأميركيين في العراق، وقوات الحلف الأطلسي في أفغانستان وغيرها من المناطق، كما يملك القدرة على استهداف تركيا في حال غامر الأتراك بتدخل عسكري مباشر في سوريا.
-         إن اندلاع حرب إقليمية تساهم فيها إيران، مدخلها تدخل عسكري في سوريا، ستلهب أسعار النفط العالمي، وبالتالي فإن عاصفة اقتصادية هائلة سوف تضرب اقتصاديات الدول الغربية والولايات المتحدة الأميركية، وسيكون الثمن المدفوع لتدخل عسكري غير مضمون النتائج كبيراً جداً.
-         هذا في ما خص الأطلسي، أما في الحديث عن قيام إسرائيل بهذه الحرب فلا يبدو واقعياً أيضاً، فالوضع الإسرائيلي لا يسمح لإسرائيل الآن في الدخول في حرب لا تعرف نتيجتها، ولا تستطيع أن تضبط إيقاعها، فالإسرائيليون مشغولون بأزماتهم الداخلية، ويدركون هشاشة جبهتهم الداخلية، لذا لن يذهبوا إلى خيار تدخل عسكري في سوريا غير مضمون النتائج.
-         أما تركيا، فهي تدرك أيضاً أن الدخول العسكري المباشر في سوريا لن يكون نزهة كما أن السوريين والإيرانيين يملكون من الإمكانيات والأوراق التي تجعل من المغامرة التركية مكلفة جداً.
هكذا إذاً، تبدو الطريق مقفلة أما تغيير النظام السوري بالقوة، فالدروس المستفادة غربياً من التجربتين الليبية والعراقية، بالإضافة إلى ما تملكه سوريا من أوراق استراتيجية هامة، تجعل من هذه الرهانات، غير واقعية لا بل أقرب إلى سراب وأوهام تبقى في تمنيات مطلقيها وخيالاتهم، لذلك ما على السوريين إلا الجلوس للحوار فيما بينهم، للسير ببلدهم نحو طريق الإصلاح والتغيير الديمقراطي الصحيح، وعدم الاتكال على الخارج ولهم في التجربة العراقية وتهجير الشعب العراقي وتشتته في بقاع الأرض ونهب ثروات العراق بذريعة "دمقرطته"، عبرة ودرس لا يجب إغفاله.
  • أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية.

2011/07/30

في تفشي عنصرية "الأنا" ضد "الآخر" : أي دور للبنان؟

نشر هذا المقال في مجلة لبجورنال الالكترونية
لم تأتِ حادثة النروج الارهابية خارجة عن نطاق السياق العنصري الذي يعم العالم منذ بداية تأريخ البشرية، وبالتحديد منذ حادثة قايين وهابيل. لكن عنصرية اليوم، والتي ظهرت جليًا في العلاقات الدولية بعد أحداث 11 ايلول الارهابية، أشّرت الى عودة بارزة للمقدس الى ساحة العلاقات الدولية بقوة من خلال استخدام مفردات دينية عنصرية “تحلّل” الغاء الآخر وابادته، تحت شعارات “نحن” و”هم” التي لبست طابعًا ثقافيًا ودينيًا، وأظهرت عمق الحقد الثقافي الذي تزرعه السياسات العنصرية، والتي جعلت من الدين متراسًا لمصالح دولتية وصولية فزجت الشعوب بحملات قتال على ملكية الله، وجعلت من حروب الامم وصراعها حروبًا للالهة على الارض.
لعل أبلغ من عبّر بوضوح عن عمق العنصرية الضارب في الذات الانسانية كانت سارتر بعبارته الوجودية الشهيرة:”الجحيم هم الآخرون”. فتاريخياً، تتكون الحضارات عادة عبر مواقف اقتباس وتفاعل مع الحضارات التي سبقتها، ورفض وقطيعة مع ما أتاها من الاخرين أو مما حاولوا فرضه عليها. وبالتأكيد، لم يكن التاريخ الحضاري للشعوب يومًا منقطعًا عن ذاته أو عن الآخرين ولا حتى عن الدين. فالدين استخدم الثقافة الموجودة، بأدبياتها ولغتها وتقاليدها ليدخل نفسه في نسيج ثقافة سائدة حاربته بداية، ثم ما ان استتب له المجال حتى طوّر عناصرها وازاح مكوناتها الاضعف، ففرض نفسه بديلاً حقيقيًا وفاعلاً لما كان سائدًا، وأصبح نواة الثقافة التي تستمد قيمها من تعاليمه و”تكفر” كل ما هو خارجه.
اذا، لطالما ترابط الدين والثقافة ولطالما كانت العلاقة بينهما علاقة جدلية، يأخذ الدين من الثقافة ليصيغ مفرداته وسلوكياته ثم ما يلبث ان يتحول نواة الثقافة فيفرض عليها مفردات وسلوكيات أخرى. من هنا، نرى الترابط الواضح بين عنصرية “الانا” ضد “الآخر” الثقافية، وعنصرية “الانا” الدينية ضد “الآخر” المختلف دينيًا. و
هكذا يجد قارئ التاريخ البشري نفسه، أمام كم هائل من صور حروب يعكسها مزيج من عنصرية “الانا” الثقافية والدينية والحضارية في قتال وتحدٍ مع “الآخر” الذي يصوّر دائمًا بشكل “عدو” مجرد من الصفات الانسانية، أو بدرجة أقل، كـ “بربري” همجي لا يعرف قيمة الحضارة التي تمتلكها الـ “نحن”. فبالنسبة لارسطو، مثلاً، كان الاخر هو الغريب الذي لم يتمكن من فهم واستخدام اللغة المشتركة اليونانية ونتيجة لذلك اصبح هذا ” الآخر” البربري هدفاً للمطاردة أي أصبح عبداً.
وتكمن المشكلة البشرية، عندما يجنح التمييز بين “نحن” والآخر” لياخذ منحى عنفيًا، ترفده عوامل قوة وهيمنة، فهذا يقود بسرعة الى تمييز خطير قد يؤدي الى ادعاء “حق” او بالاحرى “واجب” الغاء الآخر وابادته، ضمن نظرية (نحن= الخير” وهم = الشر)، وهي بالتحديد النظرية التي قسّم جورج بوش العالم من خلالها، وأقام مغامراته العسكرية على أساسها، والتي تعني فيما تعنيه، ان الصراع الازلي بين الخير والشر يفترض ان يحارب الخير الشر ويتغلب عليه ويزيله من الوجود… أي أن بوش كان يدعو الى “ابادة” تامة لذلك “الآخر” ضمن اطار الدعوة الى محاربة الشر، ومن هنا يمكن لنا ان نفهم المعيار القيمي الذي استند اليه “سفاح النروج” في قتل ضحاياه ضمن ما اعتبره “الواجب الوطني” او الانساني.
انطلاقًا من كل هذا، يبدو “لبنان” التعددي اليوم حاجة تاريخية وانسانية كونية. وعلى اللبنانيين أن يعوا أن على عاتقهم، لا بل من واجبهم الاطلاع بدور حضاري انساني عالمي يتجلى في بث روح تقديس حق الاختلاف بين الشعوب، وبذر بذور التسامح الديني والثقافي والحضاري بين ضفتي المتوسط، هذا البحر المقدس الذي انطلقت من ضفافه أديان الارض السماوية وانتشرت في أصقاع الارض.
نعم، هي رسالة لبنان الذي لم يكن مبرر وجوده يوماً نابعاً من حجم كيانه السياسي أو الجغرافي بل من كونه معجنًا لقيم التعدد الحضاري، ومن كونه رسالة، وصورة سماوية منحها الخالق زهو الوان باهية مزج فيها الحب اليسوعي مع الحكمة المحمدية تحت راية أرز الرب لتكون الاشعاع المضيء في ظلمات قرون من الجهل والتكفير والتعصب الاعمى.
في زمن التكفير الذي يقضي على كل امكانية لحرية التفكير، ان دول وشعوب العالم مدعوة اليوم أكثر من اي وقت مضى، إلى صياغة دستور جديد للسلوك الإنساني، يفصل بين العلاقات الافقية التي تقوم بين الأفراد وعلاقاتهم العامودية مع الله، والتي لا يجب أن تختلط وتتداخل باي شكل من الاشكال. فهل يكون اللبنانيون على قدر التحدي ويخطون بأنفسهم مدونة السلوك الانسانية تلك، ام سيتخلفون عن كتابة التاريخ كما فعلوا دائما فتحولوا الى متفرجين على تاريخ يكتب لهم وعنهم؟
اللبنانيون اليوم كما الانسانية جمعاء، بحاجة أكثر من أي وقت مضى، إلى صياغة رؤية انسانية جديدة: رؤية تضرب بجذورها في أرض التواضع والاعتدال ونقد الذات، رؤية ترنو إلى عالم أفضل يستند إلى الاحترام المتبادل، وتقديس حق الاختلاف، والتسامح، والشهادة للحق، وحيث لا قيمة الا للانسان ولا عدل الا باحترام كينونته كانسان.
لن يستطيع العالم معرفة طريق الله ولا رؤية وجهها الا بالادراك الفعلي لمعادلة بسيطة مفادها أننا:
نولد احراراً… نعيش مختلفين… نموت متساوين.

• استاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

2011/07/29

الحرب ضرورة إسرائيلية.. لكنها لن تحصل

قياساً إلى النبرة العالية والثقة بالانتصار التي طبعت خطاب السيد نصر الله بمناسبة الانتصار، لا يبدو خطاب السيد خارجاً عن السياق العام، وصورة فائض القوة التي راكمتها المقاومة منذ انتصار تموز ولغاية الآن، فلقد بدت رسائله التي وجهها إلى الداخل والخارج محترفة في الشكل والمضمون، واضحة وموجهة إلى من يعنيه الأمر بأعلى درجات الدقة لتلقى من الاهتمام ومن ردات الفعل ما يلائمها.
استفاد السيد نصرالله من المتغيرات التي فرضتها حرب تموز، ومن المعادلات الجديدة في المنطقة، وقوة الردع التي أرساها فائض القوة المتراكمة لدى المقاومة، ليعد بنصر أكيد مقبل فيما لو فكرت إسرائيل بتكرار تجربة تموز العدوانية على لبنان، وقد استند السيد في ثقته بالنصر، بالإضافة إلى الانتصار المحقق في تموز، إلى جملة من المعطيات الاستراتيجية التي فرضت نفسها وأفقدت إسرائيل تفوقها الاستراتيجي، وذلك كما يلي:
أولاً: قبل 2006، كانت إسرائيل تملك قرارين أساسيين: قرار الدخول في الحرب وقرار الخروج منها وإنهائها ساعة تشاء، وبالشكل الذي تريد، وبناء على تجاربها السابقة، كانت إسرائيل مقتنعة تماماً أن "نزهة تدميرية" إلى لبنان كافية لإخضاعه وإخضاع المجتمع اللبناني وسحب سلاح حزب الله، وبالتالي حصد النتائج والانتصارات، لكن عدوان تموز على لبنان أظهر أن قراراً واحداً فقط كان بيد إسرائيل، وهو قرار الدخول في الحرب، لكن قرارالخروج منها وبأي ثمن وبأي خسائر قد فقدته إسرائيل لأول مرة في تاريخها، ولم تستعده لغاية الآن.
ثانياً: فقدان القدرة على أخذ "الحرب إلى أرض العدو"، وهكذا فقد المجتمع الإسرائيلي الأفضلية التي لطالما تمتع بها على شعوب المنطقة، أي أن يبقى المواطن الإسرائيلي بمأمن من أي تداعيات محتملة للحرب، بينما يعيش المواطن العربي مآسي الحديد والنار والموت والدمار. لكن التجربة التي فرضتها حرب تموز، وقدرة المقاومة على قصف العمق الإسرائيلي خلال الحرب، وبعدها إعلان المقاومة مبدأ "الأهداف المتقابلة المتكافئة" أي عاصمة مقابل عاصمة، ومدينة مقابل مدينة.. حوّل الإسرائيلي كما كان اللبناني والعربي دائماً، إلى هدف للحرب ودافع لأثمان باهظة جراء خيارات دولته الحربية وعدوانيتها المستمرة على العرب.
ثالثاً: فقدت إسرائيل معياراً أساسياً من معايير القوة والنفوذ المعتمدة في العلاقات الدولية، وهي القدرة على التأثير على قرارات الغير، من خلال التهديد والتهويل بالحرب، التي تعني أن يقوم العدو بما تريده أن يقوم به، أو يمتنع عن القيام بما لا تريده أن يفعله، وذلك من دون أن تضطر إلى الحرب.
لقد كانت إسرائيل في السابق، وبمجرد التهويل بالحرب، تتدخل في قرارات عربية كبرى وتصيغها لصالحها وتخلق في ذهن العرب أن كلفة الاستسلام أخف من كلفة الحرب، لكن بعد تموز وما قدمته المقاومة خلاله، بات الجميع يدرك أن التهويل بالحرب لم يعد يجدي وأن إسرائيل تخشى الحرب كما يخشاها الطرف الآخر تماماً، إن لم يكن أكثر.
رابعاً: بعد مغامرات بوش التدميرية وحرب 2006، وفي ظل الأنباء عن الأزمات المالية العالمية المستمرة منذ عام 2008، فقدت إسرائيل "دافع الفواتير" الجاهز، فلطالما اعتمد الإسرائيليون على قدرتهم على شن الحرب، وإجبار الغرب على دفع فواتيرها وتكاليفها، لا بل قبض المكافآت السخية نتيجتها، والآن تفقد إسرائيل هذا الامتياز، ليس لعدم رغبة الغرب في استخدام إسرائيل عصا تأديبية لشعوب المنطقة المتمردة، بل ببساطة لعدم الإمكانية نتيجة الإفلاس المالي الذي يغرق فيه الاقتصاد الأميركي والأوروبي.
خامساً: بعكس الواقع الدولي السائد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، أدى فشل السياسات الأميركية في المنطقة، التي أعقبها فشل عدوان تموز على لبنان، بالإضافة إلى صعود قوى جديدة على المسرح الدولي، إلى إرسال إشارات بما يشبه اليقين أن القوة الإسرائيلية عاجزة عن تأمين غطاء دولي سياسي وإعلامي لأي عدوان جديد لها على لبنان، فها هم الأميركيون يظهرون في مجلس الأمن وعلى الساحة الدولية "كأول بين متساوين" وليس كقوة عظمى لا يمكن رد طلباتها.
هكذا إذاً، وبالرغم من كل التهديدات التي تطلق والايحاءات التي تتحدث عن حرب مقبلة على لبنان أو إيران في أيلول المقبل، يبدو من النتائج التراكمية ومن المعطيات التي فرضتها حرب تموز 2006، أن إسرائيل اليوم أكثر من أي وقت مضى أعجز من أن تقوم بحرب عسكرية مباشرة على لبنان، وبالرغم من أن الإسرائيليين يحضّرون للحرب منذ 15 آب 2006، كما تحضّروا لحرب تموز منذ انسحابهم من لبنان عام 2000، لكن الرغبة في الحرب شيء والقرار بالدخول فيها شيء آخر، وها هم الإسرائيليون يشعرون أن ما كانوا قد امتلكوه لغاية حرب تموز 2006 قد خسروه، فالقرار بشن الحرب لم يعد سهلاً كما في السابق، ببساطة لأن القدرة على الانتصار فيها لم تعد مؤكدة، للأسباب التي ذكرناها سابقاً، بالإضافة إلى ما دلت عليه تجارب المناورات السنوية، وقياس مؤشر المناعة الاجتماعية الذي يقام كل سنة.
هكذا إذاً، لا يبدو أن إسرائيل ستشن حرباً على لبنان، ليس لانعدام الرغبة، ولا لنقص في الأدوات التدميرية، وليس لتخليها عما أسمته "عقيدة الضاحية" أو سياسة الأرض المحروقة.. بل ببساطة لأنها تدرك عجزها عن إمكانية تشكيل ظروف موضوعية مناسبة للانتصار في الحرب، وكل ما يقال غير ذلك هو من باب الحرب النفسية التي يحاول العدو فرضها على اللبنانيين لكسر إرادتهم، وهي ستفشل هذه المرة كما فشلت سابقاً، ولن يكون نصيب اللبنانيين المراهنين على ضربة إسرائيلية والمروجين لها أفضل من مصير جيش لحد من العملاء.
*أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

2011/07/14

نصر تموز.. حفظ الحدود البحرية

في الذكرى الخامسة لحرب تموز 2006، يعيش اللبنانيون على وقع حديث عن محاولة إسرائيلية جديدة للاعتداء على السيادة اللبنانية من خلال التوقيع الإسرائيلي من جانب واحد على خريطة الحدود البحرية، والتي تقتطع فيها جزءاً من المياه الإقليمية اللبنانية، وهكذا يكون انتهاك إسرائيل للسيادة اللبنانية امتد بحراً ليقضم المياه الإقليمية ويغتصب حقوق لبنان بالغاز بعدما استمر طويلاً بالاعتداء عليه براً وجواً.

وبالرغم من مرور خمس سنوات على تلك الحرب العدوانية على لبنان، وعلى أبواب صراع جديد يفتح من بوابة المياه الإقليمية، يمكن لنا أن نرصد تشابه التصرفات العدوانية الإسرائيلية القائمة على اغتصاب الأراضي، فإسرائيل لا تتبدل، ولا يمكن أن تتخلى عن طبيعتها العدوانية، لكن ما تغير هو الجانب المقابل أي قدرة لبنان على كبح شهية الإسرائيليين المفتوحة دوماً على العدوان.

كما أظهرت لجنة فينوغراد، لم تكن الحرب على لبنان وليدة ظروف مستجدة أو نتيجة خطف الجنديين الإسرائيليين، بل كان القرار الإسرائيلي بالحرب على لبنان متخذ منذ انسحابهم من لبنان في أيار 2000، وينتظر أمرين: الجهوزية والظروف المكانية والزمانية.
وانطلاقاً مما كان بن غوريون قد أكده عند تأسيس الدولة العبرية أن "إسرائيل ممكن أن تهزم العرب مئة مرة، ولكن إن هُزمت مرة واحدة فذلك يعني نهايتها"، تقوم إسرائيل منذ انتهاء حرب تموز بالتحضير لشن حرب جديدة على لبنان وتجهد لاستعادة قوتها الردعية وهيبتها العسكرية التي تزعزعت، ما تسبب لها بكارثة استراتيجية لم تستطع أن تتخطاها حتى اللحظة، ويأتي في هذا الإطار، المناورات التي تقام كل سنة من أجل تحصين الجبهة الداخلية وتحسين أدائها خلال الحرب، ومنها المناورة الأخيرة "نقطة تحول ـ 5"، التي أكدت، باعتراف الإسرائيليين أنفسهم، عدم استعداد الجبهة الداخلية لمواجهة أي حرب محتملة، وعلى فشل إسرائيلي في ترميم المناعة الاجتماعية وفي إقناع الشعب بجدية المناورة والاستجابة لمتطلباتها والانخراط في العملية التدريبية التنفيذية التي تفرضها، حيث إن نسبة التجاوب الشعبية مع تلك المناورات تراوحت بين 15 و30% من السكان فقط.

لكن، ومع التأكيد أن طبيعة إسرائيل العدوانية ثابتة ولا تتغير، فإن المشهد على الطرف الآخر من الحدود قد تغير جذرياً عما كان عليه منذ عقود، بعد تجربة العدوان الفاشل على لبنان في تموز، باتت إسرائيل تتحسب جيداً لأي مغامرة جديدة يمكن أن تقدم عليها في العدوان على لبنان، كما باتت تدرك أن مبدأ "القتال على أرض العدو" لم يعد صالحاً، فالمقاومة تملك من القدرات القتالية والجهوزية لنقل القتال إلى داخل فلسطين المحتلة كما أعلن السيد حسن نصر الله، وصواريخ المقاومة ستطال جميع المنشآت والمدن الإسرائيلية في أي حرب جديدة بناء على سياسة "الأهداف المتكافئة والمتقابلة" التي أعلنتها المقاومة أيضاً.

وهكذا، وفي ظل التهديدات الإسرائيلية الدائمة للبنان، وفي ظل استمرار إسرائيل بسياساتها العدوانية والتي ظهرت مجدداً في محاولتها اغتصاب الحقوق اللبنانية في المياه الإقليمية والاستفادة من الغاز الطبيعي الموجود فيها، تبرز مدى أحقية الطرح الذي يطالب بنزع سلاح المقاومة والذي أمطرنا به نواب الأمة خلال مناقشة البيان الوزاري، وهنا يصح التساؤل: ماذا يمكن للبنان الرسمي أن يفعل الآن في ظل قضم إسرائيل لأرضه لو لم يكن لديه مقاومة أثبتت قدرتها وفعاليتها، وامتلكت من القوة ما يردع إسرائيل أو على الأقل يجعلها تدفع ثمنًا باهظاً جراء أي عدوان على لبنان؟ كيف يمكن للبنان منع إسرائيل من قضم حدوده البحرية في ظل موازين القوى الدولية المسيطرة على الأمم المتحدة وفي ظل ضرب إسرائيل عرض الحائط لكل القرارات والمواثيق والاتفاقيات الدولية؟ هل يكون الحل بالبكاء والنحيب كما فعل السنيورة يوماً؟

الأكيد، أنه بعد تجربة تموز 2006، لم تعد إسرائيل، كما في السابق، تتصور أنها يمكن أن تعتدي على لبنان وتقضم الأراضي وتشن الحروب وتضرب بالقانون الدولي عرض الحائط، من دون مساءلة ولا محاسبة، لم يعد بإمكانها الاتكال على مبدأ "القوة تفرض الشرعية" فقد امتلك لبنان قوة تستطيع أن تحمي حقوقه وتحافظ على سيادته، بعدما تخلى عن النظريات البالية التي نظر لها بعض اللبنانيين، مثل "قوة لبنان في ضعفه"، "الشرعية الدولية تحمي لبنان"وغيرها.

إن فائض القوة الذي راكمته المقاومة منذ عدوان تموز ولغاية الآن، يعد وجهاً من وجوه الدفاع السلبي، يمنع العدو من الهجوم ويمنع الخسارة في الوقت نفسه، من خلال جعل الإسرائيلي يتحسب لردة الفعل اللبنانية قبل أن يقدم على عدوانه أو يقضم الحدود البحرية اللبنانية، إن مجرد وجود المقاومة وقوتها وقدرتها على إلحاق الأذى بكل من تسول له نفسه الاعتداء على لبنان، يقوض أي مناخ استثماري في المنطقة المقابلة للشاطئ اللبناني، ويجعل شركات التنقيب عن النفط في مياهنا وأرضنا هدف لأعمال مقاومة مشروعة، وهي مغامرة لن يقدم عليها المستثمرون بالطبع، وهذا نوع من الردع للإسرائيليين يمنعهم من المغامرة بالتنقيب في أرضنا.

لذا، إن الحديث اليوم عن سحب سلاح المقاومة والقول بأن المقاومة أدت مهمتها ولا بد من انخراطها بالدولة هو في غير محله بتاتاً، بل يعد ضربًا من الجنون، ففي وقت لا تملك فيه الدولة القدرة على الدفاع، إضافة إلى عدم قدرة الأمم المتحدة على الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي المتبقية، ولكف عدوانها المستمر والمتكرر على لبنان وآخرها محاولة الاعتداء على المياه الإقليمية، تبقى المقاومة ضرورة وطنية لبنانية للاستمرار بالمطالبة بالحقوق، ولحماية الانجازات السابقة، ولحماية أرض لبنان وسيادته وشعبه ونفطه.
* أستاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية

2011/07/01

محكمة لبنان.. أداة عقاب جماعي!

مع صدور القرار الاتهامي في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، واتهام عناصر من حزب الله في الاغتيال، من المفيد التنبه إلى مسألة بالغة الأهمية والخطورة قد تنتج عن هذا الامر، بالرغم من التبسيط الذي تمارسه بعض الدول، والادعاء بأن اتهاماً كهذا لن يؤثر ولن يغير في مسار الأحداث، وبالرغم من التصريحات التي تحدثت عن تمثيل المتهمين لأنفسهم، لكن الامر ليس بهذه البساطة، ويمكن – بحسب القانون الجنائي الدولي- أن يؤدي إلى اتهام وإدانة "جميع من ينتمي إلى الحزب"، وذلك في سابقة أخرى تضاف إلى السوابق التي اعتمدت في إقرار المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
لعل أخطر ما ينتظر المتهمين القرار الاتهامي، بالإضافة إلى ما ورد في نظام المحكمة الأساسي حول مسؤولية الرئيس عن المرؤوس الواردة في المادة الثالثة من النظام الأساسي، هو الإدانة بموجب مبدأ قضائي مستحدث في القانون الجنائي الدولي يطلق عليه اسم "المشروع الجنائي المشترك" joint criminal enterprise، والذي تعتمده المحاكم الدولية منذ عام 1999، وبالتحديد منذ الحكم الذي أصدرته محكمة يوغسلافيا في قضية تاديتش، والذي اعتبر علامة فارقة في القضاء الجنائي الدولي، والسابقة التي اعتمدت عليها المحاكم الدولية الأخرى لإدانة المتهمين بموجب "القصد المشترك" أو "الهدف المشترك"، وهو ما ورد في النظام الأساسي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان صراحة أيضاً.
ما هو هذا المبدأ؟ وكيف يتم استعماله في المحاكم الدولية؟
بداية، يمكن تلخيص هذا المبدأ بما يلي: يعتبر كل عضو في "مجموعة منظمة" مسؤول مسؤولية جنائية فردية عن الجرائم التي ترتكبها المجموعة ضمن الخطة المشتركة أو الهدف المشترك، وهذه الإدانة مختلفة بالطبع عن الإدانة بالتحريض أو المساعدة.
ويميز القرار الذي اعتمدته محكمة يوغسلافيا في إدانتها لتاديتش، بين فئات ثلاث متمايزة من المسؤولية ضمن هذا المبدأ، وهي:
•- الفئة الأولى: تتمثل في الحالات التي يكون فيها جميع المتهمين يعملون بقصد مشترك، ويملكون نفس النية الجرمية، أي إنهم على سبيل المثال تشاركوا في خطة القتل، وحتى لو كان كل واحد منهم أدى دوراً مختلفاً، لكنهم جميعا يملكون النية الجرمية.
وهنا على الادعاء الإثبات أن المتهم اشترك طوعياً بطريقة أو بأخرى في القصد المشترك، أو أنه ولو لم يشارك مباشرة في القتل، إلا أنه كان يملك النية للوصول إلى هذه النتيجة.
•- الفئة الثانية: وهي تشبه تقريبا الفئة الأولى، وهي حالات "معسكرات الاعتقال"، وهي تعتمد أيضاً على مبدأ الهدف المشترك، حيث يدان كل العسكريين والإداريين الذين أداروا هذه المعتقلات، اي جميع الاشخاص الذين عملوا وفقاً لخطة منسقة.
•- الفئة الثالثة وهي الأخطر والأكثر إشكالية، والتي أخذت حيّزاً واسعاً من الانتقادات الفقهية القانونية على الصعيد الدولي، وهو الإطار الموسع من مبدأ القصد المشترك الذي يقول: يدان جزائياً جميع أعضاء "المجموعة المنظمة" في حال كانت الجريمة "نتيجة طبيعية ومتوقعة" للهدف المشترك الذي وضعته المجموعة لنفسها، حتى لو لم يكن هذا الهدف المشترك جرميا في الأساس.
وضمن هذه الفئة الثالثة تمّت إدانة تاديتش، فقد اعتبرت المحكمة أن الهدف المشترك للمجموعة وهو تحقيق"صربيا الكبرى"، فإن الجرائم المرتكبة بحق غير الصربيين كان نتيجة طبيعية ومتوقعة لهذا الهدف المشترك.
وفي حكم آخر أدانت المحكمة كاراديتش بموجب ست أهداف استراتيجية مشتركة للمجموعة التي يقودها، وقد اعتبرت ان من الأهداف المهمة والرئيسية "فصل الصرب عن المجموعات الوطنية الأخرى"، كما اعتبرت أن الهدف المشترك بـ"تقوية نفوذ الصرب وتوطيد سلطتهم في البلدية" أدى إلى الضغط على غير الصرب، من خلال بروباغندا إعلامية ساهمت في إشاعة جو من الرعب والترويع بين غير الصرب، وساهمت في تغذية الحقد الذي أدى فيما بعد إلى جرائم تطهير عرقي كـ"نتيجة طبيعية ومنطقية".
وبالرغم من أن النظام الأساسي للمحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة لم ينص صراحة على مبدأ "القصد المشترك"، بل تضمن مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية وليس الجماعية، وبالرغم من الانتقادات الحادة التي تعرض لها هذا المبدأ، خصوصاً الفئة الثالثة منه، لأنه يمس بابسط مبادئ القانون الجنائي التي تعتبر أن "لا إدانة من دون جرم"، ولانتهاكه لمبادئ حقوق الانسان، ويمس بمصداقية الاحكام، ويعطي المدعي العام للمحكمة سلطات استنسابية واسعة.. فقد استخدمته المحاكم الدولية كمحاكم كيوغسلافيا ورواندا وكمبوديا وتيمور الشرقية وغيرها، ولو بطريقة انتقائية.
من هنا، ينبغي الالتفات إلى أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أدرجت في (المادة الثالثة - البند الاول) من النظام الأساسي عبارة واضحة وصريحة حول "المجموعة ذات الهدف المشترك"، وهنا الخطر الأكبر، وهذا يعني أن المحكمة تتحضر لمساءلة جزء كبير أو "كل" من ينتمي إلى حزب الله، وتحميلهم مسؤولية جنائية فردية، لوجود هدف مشترك أو أهداف مشتركة، كفرض سيطرة حزب الله، أو تقوية نفوذه، أو غير ذلك من الأهداف التي قد تعتبر المحكمة أن "الاغتيال" يأتي "نتيجة طبيعية ومنطقية لها". كما أن التوصيف الذي أُطلق على جريمة اغتيال رفيق الحريري بأنها جريمة ارهابية يجعل الإشارة إلى الاتفاقيات الدولية لمكافحة الإرهاب أهون وأسهل بالنسبة إلى المحكمة لإدانة أعضاء حزب الله بموجب مبدأ "الهدف المشترك"، وعليه ستتم الاستدعاءات، وسيطلب من الحكومة اللبنانية التعاون وتسليم المطلوبين بموجب اتفاقيات "مكافحة الارهاب" التي وقعها لبنان سابقاً، إن لم يكن بموجب بروتوكول التعاون مع المحكمة.
يوماً بعد يوم تكشف المحاكم الدولية، ومثلها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، أنها أداة لتسييس العدالة واستخدامها لتصفية حسابات سياسية ودولية، وإذا لم تكن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قد بدأت المحاكمات بعد للحكم عليها، لكن تجارب تحقيقاتها، وطريقة إقرارها وقضية شهود الزور التي تنصلت منها وغيرها، تنبئ بأن لبنان قادم على تحديات كبيرة قد ترهن مستقبله ومستقبل الأجيال المقبلة، وستعرضه لضغوط كبيرة وتضعه تحت رحمة قضاة دوليين يتكشف يوماً بعد يوم مدى "مصداقيتهم"، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر القاضي ريتشارد غولدستون، الذي تراجع عن تقريره في مقال صحفي أطلق فيه أحكاماً وتراجع عن أخرى من دون تحقيق ولا تثبت؛ فقط لكسب الرضى الإسرائيلي!
·         استاذة مادة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدولية