2013/01/31

العرب... وسياسة التجربة والخطأ الأميركية


الثبات- الخميس 31 كانون الثاني 2013
ها هي وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تحزم حقائبها للمغادرة، معلنة عدم عودتها إلى العمل السياسي، تاركة وراءها "ثواراً" عرباً، لطالما انتشوا بتصريحاتها التغييرية عن حسمها لمصير شعوب، والإطاحة برؤوس، ولا شكّ بأن تفاقم الأحداث وتسارعها على ساحات الشرق الأوسط، باتت تفرض اليوم نمطاً مربكاً على الإدارة الأميركية الجديدة، التي راهنت على دعم قوى سمتها "إسلاماً معتدلاً"، لمحاولة احتواء إيران ونفوذها في المنطقة، وتكريس هيمنة "إسرائيل" وتفوقها على المشهد المتشكّل بعد "الثورات العربية".
استخدم الأميركيون في سياستهم الشرق الأوسطية مبدأ "التجربة والخطأ" trial and error، هو أسلوب يتميز بتكرار التجربة والتنويع المستمر في الأساليب حتى النجاح، ولعلمهم بعدم جاذبية النمط الوهابي التكفيري، راهن الأميركيون على تجربة "إخوانية" شبيهة بالتجربة التركية، تقوم بالسيطرة على منطقة ممتدة من تركيا حتى المغرب العربي، ما لبثوا أن اكتشفوا أن أدواتها استعجلوا نحرها وإضرام النار فيها قبل بلوغها.
ولعل الأخطاء القاتلة التي وقع فيها "الإخوان" بتشجيع دولي، ناتج عن سياسة "التجربة والخطأ" الأميركية تبدو كما يلي:
-  بالدرجة الأولى في تهافتهم لاستلام السلطة منفردين، بعد أن راهنوا على فائض قوة متحصل من تمثيل شعبي لا بأس به، وتنظيم احتكروه، بالإضافة إلى دعم دولي وأميركي واضح، علماً أن منطق الربح الاستراتيجي كان يفترض الإحجام عن تولي السلطة في الفترة الأولى لما بعد الثورة بسبب الإرث الهائل المتراكم، وحجم التوقعات الشعبية العالية جداً التي تجعل من أي مجموعة تستلم الحكم بعد الثورة تحترق بالمطالب الاقتصادية الاجتماعية الكبرى، والتي لا يمكن تحقيقها بالسرعة اللازمة أو المطلوبة شعبياً.
- أما الخطأ الثاني فهو عدم التواضع وصمّ الآذان عن الدعوات للمشاركة، وعدم احترام التعددية السياسية والثقافية المصرية، والذهاب إلى الخيار الأمني ودفع الشارع نحو العنف والعنف المضاد.
- أما الخطأ الثالث والأهم، فهو الاستعجال في محاولة فرض دوغما ثقافية اجتماعية موحدة وشاملة على مجتمع معروف بتنوعه، علماً أنه من المفترض على أي فصيل عقائدي أن ينتظر جيلين أو أكثر لمحاولة فرض عقيدته وإحلالها بشكل شمولي في مجتمع ما.
وهكذا، نرى نتيجة خطأ "التجربة" الأميركية، تزايد قوة إيران وقدرتها على الفكاك من محاولات وضعها بين فكي كماشة إقليمية ضلعها الأول "إخواني"، وضلعها الثاني وهابي خليجي، ولعل المؤشرات البارزة التي تؤشر على تفوق إيراني نوعي في التوازن في المنطقة يظهر في ما يلي:
- في الميدان السياسي، وبعد عزلة دولية طويلة، باتت إيران اليوم جزءاً من منظومة دولية أكبر، تمتلك نفس الهواجس والمصالح الاستراتيجية.
- انخفاض منسوب التهديد في التصريحات الأميركية، لدرجة أنه يمكن قراءة قبول أميركي بإيران نووية مع طلب ضمانات بسلمية البرنامج.
- على الصعيد العسكري، تسير إيران في خط تصاعدي متسارع، يظهرها ممتلكة درجة قوة ردعية هامّة تسقط أي تفكير بهجوم عسكري عليها.
- رحلة القرد إلى الفضاء والتي تبشّر بعهد جديد من التفوق الإيراني.
- انتقال إيران من منطق الدفاع إلى منطق الهجوم في مجال الحرب الالكترونية، فقد ردت إيران على استهدافها سابقاً بفيروسات الكترونية خرّبت جزءاً من نظامها الالكتروني النووي، باستهداف قواعد بيانات المصارف المالية الأميركية.
والنتيجة، إن ما تعيشه مجتمعات ما بعد "الثورات"، يشير إلى خيبة التجربة الأميركية الأولى، التي تبدو مزيجاً من التعصب التكفيري والاستئثار الانفرادي بالحكم باسم الدين، لذا سيعمد الأميركيون إلى تقييم حساباتهم ودراسة الخطأ لتكرار تجربة أخرى، ولكنهم سيأخذون بعين الاعتبار، عدم جاذبية الحكم الوهابي سلفاً، يضاف إليها خلاصة إضافية مفادها: حتى لو استطاع الحكم المصري أن يفرض قوته على الشارع، فقد خسر المشروع "الإخواني" جاذبيته مبكراً بالنسبة لكثير من الشعوب العربية التي كانت تطمح للتغيير.

2013/01/24

الصمود السوري.. وفك الحصار عن لبنان


الخميس24 كانون الثاني 2013


لم يكن الاستقبال السعودي للرئيس ميقاتي، والترحيب به، وإنهاء الحصار السعودي للحكومة اللبنانية، خارجاً عن السياق العام للتطورات الإقليمية الحاصلة في المنطقة، خصوصاً في الموضوع السوري وتداعياته، وبحث الأميركيين بمدى صحة الخيارات التي أدخلهم بها بعض العرب الخليجيين والأتراك، فقد ظهر أن التقارير التي تحدثت عن سقوط الأسد خلال فترة قصيرة، وإمكانية الحسم السهل في سورية، لم تكن على ذلك المستوى من المصداقية، كما أن التطورات المتسارعة التي تحصل في المنطقة، والصمود الذي أبداه السوريون، باتوا يفرضون مقاربات مختلفة وقراءات مستجدة على ضوء ما يحصل من تطورات على الأرض.
هي المؤشرات والتطورات نفسها التي جعلت الأتراك يخففون من وتيرة حماستهم واندفاعهم في المعركة السورية، وهي التي تجعل القوى اللبنانية ممن ادّعت الوسطية وراهنت على سقوط النظام السوري لقلب موازين القوى الداخلية، تدور على أعقابها، وتحاول الركض مهرولة إلى حزب الله، ليعيد احتضانها كما فعل في السابق مراراً.
وهكذا قرأ السعوديون واللبنانيون المستجدات، واستوعبوا الإشارات الدولية والأميركية، التي تشير إلى تبدّل المقاربة الأميركية للملف السوري، ومدى إمكانية إسقاط الأسد بالقوة، بالإضافة إلى مؤشرات دولية أخرى، فاستدركوا، ومن هذه المؤشرات يمكن لفت النظر إلى ما يلي:
دخول الرئيس الأميركي ولايته الثانية، التي عادة ما تحرر الرئيس من الضغوط، وتعطيه هامشاً أكبر للحركة، وتحثه على تنفيذ أجندته ومواجهة معرقليه، ومحاولة دخول التاريخ بعدما ارتاح من ضغوط محاولة تجديد الولاية، ولهذا سيعمد أوباما إلى تنفيذ برنامجه الذي دخل البيت الأبيض على أساسه، وستطغى على أجندة الرئيس ملفات داخلية كبرى، كالاقتصاد ومحاولة الحدّ من العنف المسلح، وخارجياً إنهاء الحرب على أفغانستان، والمفاوضات مع إيران، ومحاولة احتواء الصين وفرض النفوذ الأميركي في المحيط الهادي، والأهم من ذلك هو الحرب على الإرهاب.

وانطلاقاً من هذا التوجّه، نجد أن الإدارة الأميركية، وعلى الرغم من استمرارها في ممارسة الضغوط على النظام السوري، إلا أن تلك الضغوط لا تصل إلى مستوى قلب الموازين الدبلوماسية دولياً أو القطيعة التامّة، مع إمكانية التفاوض معه مستقبلاً، أو كونه طرفاً أساسياً في أي حل مرتقب، ومن ذلك اعتراف الإدارة الأميركية بـ"الائتلاف السوري المعارض" ممثلاً شرعياً للشعب السوري من دون أن تعلنه ممثلاً وحيداً للشعب السوري، بالإضافة إلى الواقعية الأميركية في مجلس الأمن، والتي تجلت في عدم خوض حملات إعلامية وسياسية تأييداً للمطالبة بإحالة الجرائم في سورية إلى المحكمة الجنائية الدولية، بعكس ما يقوم به الأوروبيون.
وقد يكون الأميركيون قد وعوا خطورة الخيارات التي اتخذوها بعد الحراك العربي، فما حصل في ليبيا وقتل السفير الأميركي هناك، بالإضافة إلى انتشار "القاعدة" في مالي والجزائر ونيجيريا، وزيادة تغلغلها في سورية، وسيطرتها على القوى المسلحة هناك، جميعها ملفات باتت تستوجب الحذر الأميركي الشديد من التماهي مع المقاربات الأوروبية التي يحفزها العامل الاقتصادي والمالي، والخليجية - التركية، والتي يحفزها ملف الهيمنة والبروز كقوى إقليمية كبرى من خلال استخدام الحركات الأصولية المتطرفة، علماً أن انتشار "القاعدة" في شمال أفريقيا، والعمليات التي قامت بها في مالي والجزائر، باتت تفرض قراءات غربية وأميركية ملحّة ومختلفة عن السابق، تجعل من سقوط النظام السوري وكأنه إسقاط لسورية في براثن "القاعدة"، ما قد ينتج عنه تفجير منطقة الشرق بكاملها، لما لـ"القاعدة" من امتدادات في لبنان والعراق ودول الجوار السوري، وهو ما عبّر عنه  العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني خلال استقباله في عمان وفداً من مجلس الشيوخ الأميركي برئاسة السيناتور الجمهوري جون ماكين من تداعيات الأوضاع الخطيرة في سورية على المنطقة، و"الفراغ الذي قد تستغله العناصر المتطرفة لتنفيذ أجنداتها".
ومن المؤشرات التي تستحق القراءة، والتي يدركها السعوديون واللبنانيون العائدون من معركة إسقاط النظام السوري خائبين، هي الأسماء التي اختارها أوباما لإدارته، والتي تعكس التوجهات الجديدة للإدارة وأولوياتها، ويمكن أن نشير في هذا الإطار إلى اختيار وزيري الخارجية والدفاع، والأهم اختيار جون برينان لمنصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وهو الذي شغل منصب "قيصر مكافحة الإرهاب"، والرئيس المشرف على برنامج الاغتيالات عبر طائرات من دون طيار، وهو من رسم مخطط حملة الوكالة لمكافحة الإرهاب، والتي دشنتها بشن غارات ضد مواقع المشتبه بهم في أعمال إرهابية عبر العالم.

في المحصلة، بات الوقت الآن يلعب في صالح النظام السوري، خصوصاً إذا ما استطاع النجاح في معركتين أساسيتين، بعد نجاحه والروس والصينيين في المعركة الدبلوماسية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهاتان المعركتان تتجسدان في نجاحه في منع المعارضة المسلحة من تحقيق اختراقات أمنية كبرى، أو السيطرة على مرافق أساسية وحيوية أو مناطق استراتيجية في المدن الكبرى، وثانياً والأهم، النجاح في إظهار نفسه إعلامياً وعالمياً بأنه يقاتل الإرهاب، وأنه عامل استقرار في المنطقة، كما صوّر نفسه سابقاً لسنين عديدة؛ قبل قدوم الأميركيين إلى المنطقة عام 2003.. فإن استطاع تحقيق ذلك، سيكون للانتخابات النيابية اللبنانية المقبلة نكهة مختلفة.

2013/01/17

المحكمة الجنائية في بازار الحرب السورية


في خطوة إضافية للضغط على سورية، قامت مجموعة مؤلفة من 57 دولة، على رأسها سويسرا، بإرسال رسالة إلى مجلس الأمن الدولي تطالبه فيها بتحويل الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية، وذلك للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبت في النزاع.

ومع التأكيد على أن المحاسبة والمساءلة عن الجرائم المرتكبة في النزاع السوري ضرورية ولا يمكن التنازل عنها إن أريد لهذا البلد أن ينعم بالسلام الفعلي، ويتقدم نحو عهد جديد من العدالة للجميع، لكن فعلياً وواقعياً لا يبدو أن لهذه الرسالة أفقاً مستقبلياً لإحقاق العدالة، وهي تظهر كأنها أداة إضافية من أدوات الحرب النفسية التي يقوم بها الغرب على النظام السوري، لعلم الموقّعين أن إمكانيات التقدم فيها تبدو ضئيلة جداً، وذلك للأسباب الآتية:

1- لم تنضم سورية إلى المحكمة الجنائية، لذا فإن إحالة القضية تتطلب قراراً من مجلس الأمن، وهو أمر متعذر باعتبار أن أبواب المجلس مقفلة أمام أي قرار يتخذ ضد النظام السوري منذ فترة.

2- ما يميّز عمل المحكمة الجنائية الدولية هو أن عملها مكمّل للقضاء المحلي، وليس بديلاً عنه، لذا إن نظام التكامل هذا يفرض على المحكمة أن تطلب التعاون من قبل الدول لكي تقوم بالمهام المطلوبة منها، والتحقيق في القضايا التي تنظر فيها، فالمحكمة لا تملك الأدوات التنفيذية التي تمكّنها من اعتقال المتهمين، أو الحصول على الأدلة، بل تعتمد بشكل كامل على تعاون كامل وفعّال من قبل الدول، وهذا التكامل المشروط بالتعاون يعني أنه يعود للدول الأطراف سلطة القرار في تمكين المدّعي العام للمحكمة من إجراء تحقيقات جدية وفعّالة في أقاليمها، وإتاحة المجال لفريق المحكمة من الحصول على الوثائق، ومعرفة الأصول التي يحوزها المتهم ومصادرتها، وإجراء التحريات وضبط الأدلة، والبحث عن الشهود وتوفير الحماية لهم، والقبض على الأشخاص الذين تتهمهم المحكمة بارتكاب جرائم تدخل في اختصاصها وتقديمهم إليها.

ما ورد أعلاه يعني أنه حتى لو استطاع مجلس الأمن التوصل إلى قرار بتحويل القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، فإن عمل المحكمة الفعّال مشروط بتعاون الدولة السورية للقيام بالتحقيق أو تسليم المتهمين، وإلا بقيت القضية حبراً على ورق، ومجرد أداة ابتزاز سياسي لا أكثر ولا أقل.

3- على الرغم من أن الرسالة أشارت إلى أن التحقيق يجب أن يكون "بلا استثناءات أياً كان المسؤولون" عن هذه الجرائم، لكن مرسلي الرسالة يعلمون أن فتح التحقيق بهذه الطريقة لن يكون في مصلحة من يدعمهم الغرب من المسلحين، وبالتالي سيُحرج الدول الغربية أمام الرأي العام العالمي، لأنها تقوم بدعم الذين ارتكبوا جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، موثقة من قبل منظمات وتقارير دولية، منها قطع الرؤوس وقتل الأبرياء، وتوثيق ذلك بنشرها عبر الإنترنت لترهيب المواطنين، ومنها تجنيد الأطفال القصر للقتال التي تعتبر جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي.

زد إلى ذلك التقارير الأخيرة، ومنها تقرير لجنة الإنقاذ الدولية، وهي منظمة دولية مقرها أميركا، وقد نشرت تقريراً بعنوان "سورية.. أزمة إقليمية"، تحدث عن "مستويات مروعة من العنف الجنسي"، ولفت إلى أن "العديد من النساء والفتيات تحدثن عن التعرض لاعتداءات في العلن أو في منازلهن، وبشكل أساسي من قبل المسلحين المقاتلين ضد السلطة"، ووصف التقرير الاغتصاب بأنه "سمة ملحوظة ومقلقة للحرب الأهلية السورية"، وقال إنه بالاعتماد على تقييمات في لبنان والأردن، حدد اللاجئون السوريون الاغتصاب سبباً أساسياً لهروب عائلاتهم من سورية.

من هنا يعلم داعمو تحويل القضية السورية إلى الجنائية الدولية، أن ما يقوم به هؤلاء المسلحون قد يرقى إلى جريمة الإبادة، وذلك بالاستناد إلى السوابق التي أقرّتها المحكمة الجنائية الخاصة برواندا، والتي اعتبرت الاغتصاب جرماً من جرائم الإبادة، بعد أن كان يُعتبر سابقاً جريمة حرب، وذلك في قضية جان بول أكايسو، وفي تصريح للقاضي الذي أصدر الحكم قال إن المحكمة اعتبرت أن "الاغتصاب في هذا الحكم عمل من أعمال الإبادة وليس جريمة حرب، لأنها تريد أن ترسل رسالة قوية بأن الاغتصاب لم يعد جائزة حرب".

انطلاقاً من كل ما سبق، ومن ناحية واقعية عملية، يبدو أن الرسالة المرسلة إلى مجلس الأمن لا تغدو كونها أداة من أدوات الحرب النفسية التي يريد الغربيون أن يمارسوها على النظام السوري، وقد تكون هذه الرسالة في هذا الوقت بالذات هي لدفع الرئيس الأسد إلى القبول بالتنازل عن حقه في الترشح لرئاسة ثانية عام 2014، أو لإرغامه على القيام بتنازلات هامة تجعل من الغرب منتصراً في أي مفاوضات لحل سلمي يريدون فرضه في سورية

2013/01/10

كيف تكون "خريطة طريق" الحل السوري؟

الثبات- الخميس 9 كانون الثاني 2013
كما كان متوقعاً، انهمرت الإشادات والاعتراضات والتحليلات للخطاب الأخير للرئيس السوري بشار الأسد، والذي اقترح فيه تصوّره للحل في سورية، وأطلق مبادرة من مراحل ثلاث. لكن بغض النظر عن وجهات النظر المؤيدة والشاجبة، وعما طرحه، لا شكّ أن أي تصور واقعي للحل في سورية عليه أن يأخذ عدم قدرة أي من الطرفين على الحسم العسكري السريع والناجز في وقت قصير، خصوصاً بعد مرور ما يقارب السنتين على نشوب الأزمة في سورية، والتي سرعان ما تحولت إلى حروب بالوكالة على الأراضي السورية، وبدماء السوريين.

انطلاقاً من هذه القناعة بعدم القدرة على الحسم، وأن الوقت لا يلعب لصالح أي من الطرفين، فالدولة والجيش السوري لا يمكن أن ينهزم أمام الإرهاب، وسينتصر في النهاية، لكن معركة الإرهاب الطويلة تدمي جسد الدولة السورية وشعبها، وهي خسارة لها بالتأكيد، وهكذا على الأطراف التي تريد فعلاً أن تجد حلاً منطقياً للنزاع في سورية، أن تعتمد آليات العدالة الانتقالية، وذلك بالاستناد إلى التجارب التاريخية التي استُخدمت في دول عدة عانت من إرث من النزاع، وحيث ساهمت تلك الآليات بانتقالها إلى مرحلة جديدة من الديمقراطية والسلام.

لعل من أهم آليات العدالة الانتقالية التي تؤدي إلى التطلع إلى المستقبل بدل الغرق في الماضي والاستمرار في الحرب والنزاع، هي الآليات التي تسمح ببناء السلام في المجتمع السوري، ويمكن أن نذكر منها ما يلي:

- المحاكمات لمن ارتكب الفظائع وانتهاكات حقوق الإنسان، ومارس قطع الرؤوس والتنكيل بالمواطنين السوريين الأبرياء.

- المصالحة بين مكونات المجتمع السوري كافة، ويمكن أن تكون هذه المصالحة كنتيجة لقيام مؤتمر حوار وطني، يعقبه تشكيل لجان حقيقة لكشف الحقائق حول كل ما حصل من ارتكابات خلال السنتين الماضيتين، فالاعتراف بالحقيقة هو التمهيد الأفضل للمصالحة والعفو.

- العفو: يعتبر كثير من المفكرين أن طيّ صفحة الماضي هي أنجع وسيلة لتلافي إحداث اضطراب في مسيرة انتقالية حساسة، ولعدم العودة إلى زمن العنف، ما قد يعيد نَكْأ جراح الضحايا القديمة، ولكن، برأينا، فإن العفو غير المشروط هو الخطيئة الكبرى التي تُرتكب بحق أي شعب من الشعوب، فالعفو عير المقرون بإعلان الندم والتوبة، أو بتسليم السلاح والتعهد بعدم العودة إليه، أو بمعرفة حقيقة ما جرى وتحديد المسؤوليات، هو جريمة كبرى تشبه ما حصل في لبنان بُعيد الحرب الأهلية، حيث تمّ العفو الشامل عن كل الجرائم المرتكبة من دون مساءلة أو حفظ حقوق الضحايا بمعرفة الحقيقة أو التعويض، وكان بمنزلة طمر الجمر تحت الرماد، والذي أدى إلى استمرار الاحتقان المذهبي والطائفي، وهو الذي يؤدي إلى إشعال فتيل الفتن المتنقلة كلما توتّر الوضع الإقليمي.

- إعادة إدماج المقاتلين والمسلحين، وهنا على الدولة السورية أن تميّز بين الإرهابيين التكفيريين، وبين المعارضين السوريين الذين امتشقوا السلاح، ولعل العفو ومحاولة إعادة إدماج المسلحين السوريين من غير الإرهابيين، يسمح بفرز الفئتين، ما يؤدي إلى سهولة اجتثاث الإرهاب، كما يخفف على المجتمع السوري تبعات انتشار السلاح، ما يساهم في الأمن والاستقرار عن طريق تجريد المحاربين من الأسلحة، وتحريرهم من البنيات العسكرية، ومساعدتهم في الاندماج اجتماعياً واقتصادياً في المجتمع، عن طريق إيجاد سبيل لكسب العيش.

وتترافق مع الإدماج الأمني عملية إصلاح شاملة للبنى المؤسساتية، وتنمية الأرياف والمناطق المحرومة، ما يؤدي إلى القضاء على الجذور الاجتماعية والاقتصادية لتأجيج الصراع، وهذه تترافق بالضرورة مع تبني إصلاحات تشمل مؤسسات الدولة وقوانينها وسياساتها المختلفة، بهدف تمكين البلاد من تحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية البعيدة المدى، والتي تُعتبر ضرورية لتفادي وقوع انهيار مؤسساتي وديمقراطي في المستقبل.

- التعويضات: الهدف الأساسي لهذه الآلية هو إحقاق العدالة للضحايا، وضمان حقوقهم، وتعويضهم عما لحق بهم من الضرر والمعاناة، وينطوي المفهوم القانوني للتعويض - بحسب تقارير الأمم المتحدة - على معيارين: حق الضحية في الحصول على تعويض عما لحق بها، وواجب الطرف المسؤول بالتعويض عن الضرر الذي سبّبه.

وهكذا، إن بناء السلام في سورية هو مرحلة صعبة وطويلة، لكن على الأطراف المتحاربة ومن يدعمها من الدول الكبرى أن تقتنع بداية أن الخيار العسكري قد سقط، وأنه لا بد من تسوية تُخرج الجميع من المأزق الذي دخلوا فيه، وعلى السوريين أن يقتنعوا بأن بناء سورية الجديدة لا يمكن أن تقوم على محاولات إلغائية لأي طرف من الأطراف، ولا على محاولات استقدام الاحتلال الأجنبي، وأن تجارب الدول أثبتت أن المصالحة التي تؤدي إلى الاستقرار، والتي تبنى على أساس إحقاق العدالة وإنصاف الضحايا، هي الخيار الأفضل للبقاء.

2012/12/07

مجلس الأمن: توسع في الصلاحيات

أقام المركز الاستشاري للدراسات  مؤتمرًا بعنوان: "شرعية التصدي لقرارات مجلس الأمن الدولي: صلاحية الدول وولاية القضاء، في بيروت- 7 كانون الأول 2012.
وكانت الجلسة الأولى برئاسة وزير العمل الدكتور سليم جريصاتي، مخصصة لمناقشة الورقة الرئيسية "مجلس الأمن الدولي: التجاوزات وإمكانية التصدي". وقدمت ليلى نقولا الرحباني، المداخلة التالية كتعقيب على الورقة:
مقدمة 
في الواقع، قامت الورقة الرئيسية التي نحن بصدد مناقشتها، بعرض الاشكاليات المطروحة فيما يختص بصلاحيات مجلس الأمن وإمكانية وشرعية التصدي لقراراته، بطريقة وافية وشاملة من خلال عرض جميع وجهات النظر المطروحة حول الموضوع قانونيًا ودوليًا، فتباينت مع بعضها وتوافقت مع بعضها الآخر، وفي كثير من الأحيان لم تُشِر الى رأي واضح وجازم للباحث في أي من وجهات النظر يؤيد، وكأنه أراد من الورقة أن تطرح الاشكاليات وتترك الحرية للباحثين والمناقشين ليدلي كل بدلوه بدون التأثير عليهم أو توجيههم الى خيار قد يُفهم منه أن المؤتمر يريد الإنحياز اليه.
وهكذا تكمن أهمية الورقة في شموليتها، وإحاطتها بجميع المواضيع وهي كثيرة وواسعة ومتشعبة،  بحيث من الصعب الإحاطة بها في ورقة واحدة.
ولمناقشة الأفكار الواردة، سأرّكز مداخلتي في عناوين ثلاث لمعالجتها:
- في العنوان الأول: طرحت الورقة إشكالية صلاحية مجلس الأمن في التشريع وتركت الباب مفتوحًا فيها للنقاش، ولإبداء الآراء، وأنا سأبدي رأيي في هذا الإطار.
- في العنوان الثاني، هو توسيع مجلس الأمن لمفهوم تهديد السلم والأمن الدوليين، التي ناقشتها الورقة بطريقة نظرية سريعة لم تؤدِ الى لفت النظر الى خطورة ما تمّ القيام به في هذا المجال في الناحية العملية وتجارب مجلس الأمن التدخلية.
- أما العنوان الثالث،  وهو حول التساؤلات المشروعة التي طُرحت حول التدخل بناءً لاعتبارات إنسانية وهي تعود الى حقبة التسعينات من القرن العشرين حين تعسّف مجلس الأمن في توسيع إطار تدخلاته بذرائع إنسانية. تبدو تلك التساؤلات بحاجة الى إعادة نظر، إذ أنها لم تعد جائزة قانونيًا بعدما تمّ قوننة هذا الأمر، في القمة العالمية عام 2005 في الأمم المتحدة.
العنوان الاول: صلاحية مجلس الأمن في التشريع
        قام مجلس الأمن الدولي في القرارين 1373، و1540 بأعمال التشريع، أي أنه أصدر قرارات عامة تطبّق ليس على حالات محددة فحسب، بل تطبّق على جميع الدول، وخارج نطاق زماني ومكاني محدد.
يدافع البعض عن هذه الصلاحية التي انتزع فيها مجلس صلاحيات تشريعية لا يقرّها له ميثاق الامم المتحدة، انطلاقًا من معايير براغماتية مرتبطة بالتطورات العالمية التي تفرض توسيع صلاحياته الضمنية أو الاستنسابية ما يساهم في تعزيز قدرته على الردّ على التحديات المستجدة خاصة في مجال الإرهاب بفعالية وسرعة، وينكر البعض الآخر عليه هذه الصلاحية.
بداية، وقبل البدء بتحديد مدى صلاحية المجلس بهذا الأمر، ينبغي لنا أن نعرّف ماذا يعني أن المجلس قام بأعمال التشريع:
 لكي نصنّف عمل بأنه من أعمال القانون (عمل تشريعي)، عليه أن يندرج ضمن الأطر التالية:
1- أن يطبّق على كل الأشخاص أو الكيانات بالتساوي، ففي حال مجابهة نفس الظروف، يجب تطبيق نفس القواعد.
2- أن يكون عامًا، أي أن لا يشرّع فقط لحالات خاصة ومحددة.
3- يجب أن يكون معلومًا من قبل هؤلاء الذين يطبق عليهم.
4- يجب أن يكون ثابتًا، وله استمرارية.
        ومن هذا التعريف، يمكن القول أنه في موضوع الإرهاب الدولي، بالفعل قام المجلس بهذا الأمر. فهل يحق له ذلك بموجب الصلاحيات المعطاة له بموجب الميثاق؟
أولاً-  بالمبدأ، الأمم المتحدة لا تحتوي على جهاز تشريعي، وكل معيار في القانون الدولي عليه أن يحظى برضى الدول الملزمة فيه، ولا تكون دولة ملزمة بقاعدة في القانون الدولي ما لم يكن لديها على الأقل الفرصة للتأثير على تطور هذا المفهوم أو القاعدة القانونية تلك.
        من هذا المنطلق، وبالرغم من أن معظم ما جاء في القرار 1373، كان قد أدرِج في قرارات سابقة، وفي المعاهدة الدولية لمكافحة تمويل الارهاب، لكن بتبني هذا القرار، واقراره بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، لم يكن لدى الدول الخيار في أن تقبل أو ترفض بإرادتها الحرّة ما فُرِض عليها من ضرورة تعديل قوانينها الداخلية لتتلاءم مع هذا القرار.
        علمًا، أن مجلس الأمن وضع قواعد للتطبيق عالميًا وبشكل مستقبلي، وتصرف كمشرّع دولي، بدون أن يعمد كمشرّع الى تعريف تلك الجريمة المعاقب عليها أي الارهاب، ولم يحدد ما هي الأعمال بالضبط التي يمكن أن توصف بأنها عمل من أعمال الارهاب.
ثانيًا- الأكيد أن مجلس الأمن ملزم بقواعد الميثاق، وبالقانون الدولي العام، والقواعد الآمرة في القانون الدولي. وليس هناك صلاحيات تشريعية لمجلس الأمن، والميثاق لا يعطي المجلس هذه الصلاحية لا صراحة ولا ضمنيًا. وحتى عندما يكون لقرارت المجلس قوة الزامية، فهذه تكون بصفته قوة لتنفيذ للقانون وليس كمشرّع، فالمجلس لا يستطيع أن يخلق تشريعات عامة للتطبيق بل هو "ينظر ويلاحظ ويقرر..." في حالات خاصة، محدودة في الزمان والمكان.
        وبما أن المجلس هو جهاز من أجهزة منظّمة دولية أقيمت بواسطة معاهدة تشكّل إطاراً دستورياً لها، وبما أن ميثاق الأمم المتحدة هو المرجع لتحديد صلاحيات مجلس الامن التي فوّضته الدول من خلاله بتلك الصلاحيات، فالأكيد، أنه لا يمكن أن تكون قدرات وصلاحيات مجلس الأمن غير محدودة، بل عليه أن يتصرف وفقًا لمبادئ وأهداف الميثاق ونيّة واضعيه.
ولتحديد، مدى صلاحية مجلس الأمن كجهاز من أجهزة الأمم المتحدة في التشريع قانونيًا ، يمكن العودة الى المادتين 31 و32 من اتفاقيات فيينا لعام 1969 حول قانون المعاهدات.
        تنص المادة 31 من تلك الاتفاقية، على أنه يجب تفسير أي إتفاقية، بحسن نيّة، وبأن يُنظر الى الاتفاقية ككل متكامل، وأن تُقرأ بشكل شامل. وتؤكد أنه عند الحاجة الى تفسير عبارة أو مادة واردة في الاتفاقية، يجب أن يُنظر الى الأهداف والغرض من الاتفاقية المتضمنة فيها، وليس كمفردة أو مادة منعزلة[1].
        وإن بقي الغموض في تفسير الاتفاقية بعد الاستناد الى المادة 31،  يمكن الاستناد الى المادة 32 والتي تدعو الى استعمال وسائل تكميلية للتفسير[2] وتلك تتضمن : العودة الى الأعمال التحضيرية، والظروف التي أحاطت توقيع المعاهدة وابرامها.
        وبالعودة الى ميثاق الأمم المتحدة، وبتطبيق هذا الأمر على العنوان المبحوث، يمكن القول أن مجلس الأمن لا يملك الصلاحية التشريعية، إذ لا ينص الميثاق على هذه الصلاحية، ولا يبدو أن نية واضعي الميثاق والظروف المرافقة قد هدفت الى إعطاء هذه الصلاحية لمجلس الأمن.
وعليه، إن مجلس الأمن الذي يشكّل هيئة سياسية وقراراته يجب ان تكون من نفس الطبيعة، أي أنها تعكس وجهة نظر سياسية وليس قضائية أو قانونية.

العنوان الثاني: توسيع مفهوم "تهديد السلم والأمن"
        الأصل في صلاحيات المجلس هو تطبيق الميثاق لحفظ الامن والسلام الدوليين، ويكون له أيضًا بشكل ضمني تفسير قواعد وأحكام الميثاق وطرح بعض القواعد التي لا يتضمنها الميثاق في مجال الامن والسلام بشكل يشبه عمل المحاكم في الاجتهاد، ويعتبر البعض هذا النوع من الممارسة بمثابة الصلاحية التشريعية الاحتياطية للمجلس. إنطلاقًا من هذه الصلاحية، توسّع مجلس الأمن بعد الحرب الباردة في الصلاحية المعطاة له في المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة، فتوسّع في تفسير مفهوم "تهديد السلم والأمن الدوليين". وكان الميثاق قد أدرج هذا التعبير بدون تعريف دقيق له، ما جعل مجلس الأمن يسمح لنفسه بتفسيره بطريقة واسعة جدًا بدون معايير محددة لما يمكن أن يندرج في نطاقه.
        إن الغموض وعدم تعريف المفهوم في الميثاق، والصلاحيات المعطاة لمجلس الأمن في إطار "الملاحظة" و"تقرير" وقوع عدوان أو تهديد السلم والأمن، جعلت تجارب مجلس الأمن لما بعد التسعينات، توسّع هذا المفهوم، بحيث بات يشمل انتهاكات حقوق الانسان، والديمقراطية والارهاب وغيرها.
         تدرّج مجلس الأمن في توسيع المفهوم، هو باختصار كما يلي:
أولاً- اعتبار انتهاكات حقوق الإنسان كتهديد للسلام
        أ-  في قضية العراق في القرار 688\ 1991، وفي المناقشات حول ذلك القرار، اعتبرت الدول أن التهديد يجب أن يكون عابرًا للحدود لكي يُعتبر تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، وركّزت على تدفق اللاجئين الى الدول المجاورة باعتباره مصدرًا لذلك التهديد.
ب- الصومال: أصدر مجلس الأمن العديد من القرارات الدولية حول الوضع الإنساني في الصومال[3]، الى أن صدر القرار 733\ 1992 ووسّع مفهوم "تهديد السلم" باعتباره أن الحالة الإنسانية وأعداد القتلى تعتبر تهديدًا للسلم والأمن الدوليين وليس أعداد اللاجئين المتدفقين كمسبب للتهديد كما في الحالة العراقية.
ج- أما القرار 794 (الصومال أيضًا)، فكان القرار الاول من نوعه في مجلس الأمن، الذي يفرض تدخلاً عسكريًا متخطيًا سيادة الدول لأسباب إنسانية، فقد أقرّ استخدام القوة العسكرية بموجب الفصل السابع  لتأمين ايصال المساعدات الإنسانية.
لكن تجدر الإشارة هنا، الى أن المجلس استطاع اصدار هذا القرار في ظل غياب حكومة سيّدة.

ثانيًا- عدم تحقيق العدالة الجنائية استمرار لتهديد السلام

        يبدو هذا الأمر في تأسيس المحاكم الجنائية الدولية الخاصة: يوغسلافيا ورواندا. في هذا الإطار، اعتبر مجلس الأمن إن عدم تحقيق العدالة وتقديم المتهمين الى المحاكمة يشكّل استمرارًا لتهديد السلم الدولي، أي أنه تبنى وجهة النظر القائلة: بأن العدالة الجنائية ستحفظ السلام وتؤدي اليه.
من الطبيعي أن يعرّف مجلس الأمن أعمال الإبادة والتطهير العرقي كتهديد للسلم والأمن الدوليين، ولكن هنا اختلفت آليات مجلس الأمن في تقرير الوسيلة التي يمكن من خلالها استعادة السلام والمحافظة عليه، فاعتمد آلية تدخلية قضائية كبديل عن التدخل العسكري المكلف لايقاف تلك الأعمال والانتهاكات. عرّف المجلس السلام، ونظر اليه كمفهوم ايجابي واسع وليس كما كان يُنظر اليه تقليديًا - بالمنظار السلبي- أي مجرد غياب العنف. ومع تأسيس المحاكم الدولية الخاصة، بدأ مجلس الأمن من خلال تجاربه يعتبر ان السلام كمفهوم "يفترض" المصالحة الوطنية، وتقديم المتهمين للعدالة[4].
وهكذا، ظهرت ولأول مرة تبريرات سياسية لتأسيس المحاكم فاعتبرها المجلس ضرورية لإيقاف هذا التهديد، وأضاف الى مهام تحقيق العدالة الجنائية، مهام أخرى قد لا تكون من مهام المحاكم بالأصل، وهي تحقيق المصالحة الوطنية، وحفظ الأمن والسلام.
ثالثًا- الاطاحة بالرئيس المنتخب ديمقراطيًا تهديد للسلم
وذلك في هايتي، حيث لأول مرة في تاريخ مجلس الأمن، يعتبر المجلس أن الإطاحة برئيس منتخب ديمقراطيًا هي تهديد للسلم، وذلك بالتدرج في القرارت التالية:
القرار 841\ 1993 اعتبر ان تدفق اللاجئين والتهجير والاطاحة بالرئيس المنتخب ديمقراطيًا هو تهديد للسلم.
القرار 917\ 1994 لم يشر مجلس الأمن الى اللاجئين، بل الى أن فشل السلطات العسكرية في القيام بواجباتها بموجب الاتفاق الذي تمّ توقيعه، وفشلها في تطبيق قرارات مجلس الأمن يعتبر تهديدًا للسلم والأمن في المنطقة.
رابعًا- عدم الالتزام بالقرارات الدولية هو تهديد للسلم
وذلك كما في القرارات المتعلقة بحالات:
-  السودان ( القرار 1054 \ 1996- عدم الالتزام بالقرار 1044).
-  ليبيا ( 748\ 1992- عدم الالتزام بالقرار 731).
 - افغانستان (1267 \ 1998 - عدم الالتزام بالقرار 1214).
وتجدر الملاحظة، أنه حتى في قضايا الإرهاب الدولي، وقبل أن يقوم مجلس الأمن باصدار القرارين 1373 و 1540، كان في قضية لوكربي قد اعتبر أن عدم تسليم المتهمين من قبل السلطات الليبية، وبالتالي عدم الالتزام بقراراته ذات الصلة، يعدّ تهديدًا للسلم والأمن الدوليين. في تلك القضية، لم تكن أعمال الارهاب بحد ذاتها تهديد للسلم والأمن الدوليين، بل تجلّى ذلك التهديد في عدم التزام الحكومة الليبية بمحاربة الارهاب، وعدم التزامها بقرارات مجلس الأمن المستندة الى معاهدة مونتريال، التي تنصّ على أن كل دولة لديها مشتبه بهم بالارهاب، عليها محاكمتهم أو تسليمهم.
وهنا، يمكن القول أن مجلس الأمن توسّع الى حد بعيد في توسيع مفهوم "تهديد السلم والأمن" بحيث يمكن معها اعتبار أنه قد يضم أي عمل من أعمال الدول وحتى السيادية منها.
العنوان الثالث: التدخل بناء لاعتبارات انسانية
        في الواقع، قام مجلس الأمن خاصة خلال العقد الأخير من القرن العشرين بتدخلات في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء، بناءً لاعتبارات انسانية. وإن كان هذا الأمر في التسعينات يشكّل صدمة من الناحية الحقوقية كما تنقل الورقة الرئيسية عن الباحث سوريل، لكنه لم يعد كذلك بعد مؤتمر القمة العالمية عام 2005، وبالتالي، إن التساؤلات حول قانونية هذا الأمر، وحول ماهية التهديدات الانسانية التي تسمح بالعمل، لم تعد مشروعة من  ناحية مدى انطباقها مع القانون الدولي الحالي.
أما السبب فيعود لما يلي:
        خلال مؤتمر القمة العالمية 2005 تبنت دول العالم مبدأ " المسؤولية عن حماية المدنيين" فاقرّت مبدأ "المسؤولية في حماية الشعوب في جرائم دولية أربع هي: الإبادة، جرائم الحرب، التطهير العرقي، والجرائم ضد الإنسانية".  وهذا المبدأ يتمثّل في وجود مسؤولية دولية جماعية عن الحماية يمارسها مجلس الأمن – بموجب الفصل السابع-  بأن يأذن بالتدخل العسكري كـ "ملاذ أخير"، عند حدوث إبادة جماعية أو عمليات قتل أخرى واسعة النطاق، أو حدوث تطهير عرقي أو انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، إذا ثبت أن الحكومات ذات السيادة عاجزة عن منعها أو غير راغبة في منعها.
        وتضمّن التقرير موافقة القادة المجتمعين على إقرار مسؤولية الامم المتحدة في حماية المجتمعات من خلال العمل الجماعي لمجلس الامن، لكن الموقعين استدركوا فقالوا ان "تفويض استخدام القوة من قبل مجلس الامن كرد على الابادات والتطهير العرقي، يجب ان تُدرس كل حالة على حدى.[5] case – by- case
وقد أقرّت الدول المشاركة في القمة بالإجماع، هذا الاعلان الذي صدر في تقرير "نتائج مؤتمر القمة العالمي 2005" ووقع القادة المجتمعون تعهدًا بخصوص مبدأ "المسؤولية في الحماية" أدرج في بنود ثلاثة:
-       البند 138 الذي تضمن عبارة "إننا نقبل المسؤولية وسوف نتصرف على أساسها"،
-       البند 139 الذي تضمن تعهدًا من قبل المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة بـ "المسؤولية"  في استخدام جميع الوسائل الممكنة من دبلوماسية وإنسانية...لحماية الشعوب من الجرائم الأربع المتفق عليها.
-       والبند 140 الذي تضمن دعم جهود إقرار اتفاقية مكافحة الإبادة.
وبعدها، بدأ المفهوم والمصطلح يدرج في صلب قرارات مجلس الأمن، فصدر لأول مرة في القرار رقم 1674\2006 الذي أعلن - بشكل واضح – تأكيده على "أحكام الفقرتين138 و139 من الوثيقة الختامية لمؤتمر القمة العالمي لعام 2005 بشأن المسؤولية عن حماية السكان من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية"[6].
ثم كرّت السبحة فتوالى إقرار مبدأ "المسؤولية في الحماية"  في العديد من قرارات مجلس الأمن[7] حول دارفور وبورما وغيرها... وفي شباط 2011، تبنى المجلس القرار رقم 1970، بتحويل القضية في ليبيا إلى المحكمة الجنائية الدولية، بسبب – بحسب ما أُعلن- فشل نظام القذافي في "حماية مواطنيه"[8]، وكان هذا القرار أول سابقة دولية يحوّل فيها مجلس الأمن قضية إلى المحكمة الجنائية الدولية - بشكل واضح- لمنع الارتكابات والانتهاكات تماشيًا مع مفهوم "المسؤولية".[9] ثم أعقبه مجلس الأمن بقرار يحمل الرقم 1973[10] والذي فوّض تدخلاً عسكريًا في ليبيا تحت عنوان "المسؤولية عن حماية المدنيين"[11].
من كل ما تقدم، يمكن القول أن الأمم المتحدة وبإجماع الدول الأعضاء عادت فقوننت ما كان مجلس الأمن قد قام به في إطار تدخلاته "الانسانية" المختلفة، ردًا على انتهاكات حقوق الإنسان، أي أنها استطاعت أن تُدخل - نوعًا ما- ضوابط وحدود قانونية للممارسة في هذا الإطار.


[1] انظر: الفصل الثالث من الاتفاقية: تفسير المعاهدات
المادة 31: القاعدة العامة في التفسير
1- تفسر المعاهدة بحسن نية ووفقاً للمعنى الذي يعطى لألفاظها ضمن السياق الخاص بموضوعها والغرض منها.
2- بالإضافة إلى نص المعاهدة، بما في ذلك الديباجة والملاحق، يشتمل سياق المعاهدة من أجل التفسير على ما يلي:
(أ) أي اتفاق يتعلق بالمعاهدة ويكون قد تم بين الأطراف جميعاً بمناسبة عقدها؛
(ب) أي وثيقة صدرت عن طرف أو أكثر، بمناسبة المعاهدة، وقبلتها الأطراف الأخرى كوثيقة لها صلة بالمعاهدة.
3- يؤخذ في الاعتبار، إلى جانب سياق المعاهدة، ما يلي:
(أ) أي اتفاق لاحق بين الأطراف بشأن تفسير المعاهدة أو سريان نصوصها؛
(ب) أي تعامل لاحق في مجال تطبيق المعاهدة يتضمن اتفاق الأطراف على تفسيرها؛
(ج) أي قاعدة ملائمة من قواعد القانون الدولي قابلة للتطبيق على العلاقات بين الأطراف.
4- يعطى معنى خاص للفظ معين إذا ثبت أن نية الأطراف قد اتجهت إلى ذلك.
[2]  المادة 32: الوسائل التكميلية في التفسير
يمكن اللجوء إلى وسائـل تكميلية في التفسير، بما في ذلك الأعمال التحضيرية للمعاهدة وملابسات عقدها، وذلك لتأكيد المعنى الناتج عن تطبيق المادة 31 أو لتحديد معنى النص حين يكون من شأن التفسير وفقاً لتلك المادة:
(أ) أن يترك المعنى غامضاً أو غير واضح؛ أو
(ب) أن يؤدي إلى نتيجة غير منطقية أو غير مقبولة.
[3]  أصدر مجلس الأمن 17 قرارًا حول القضية الصومالية خلال الفترة الممتدة بين كانون الثاني 1992 وتشرين الثاني 1994.
[4]  وفي تعليله للقرار 918 استند مجلس الأمن الى المادة 39 التي تقول أن على المجلس أن يستعيد ويحفظ السلم والأمن الدوليين، لذا من خلال هذه الآلية يريد المجلس ليس فقط تأمين الأمن والسلم بل والمحافظة عليهما.
[5]  على أن يتوصل المجلس إلى رؤية مشتركة بشأن طريقة تقدير خطورة التهديد، ومشروعية الهدف المتوخى من العمل العسكري المقترح، وإمكانية النجاح بشكل معقول في وقف التهديد باللجوء إلى وسائل أخرى غير استعمال القوة، وتناسب الخيار العسكري مع التهديد المطروح، ووجود حظوظ معقولة للنجاح". انظر:
A/RES/60/1, 24 October 2005, 60/1.  2005 World Summit Outcome, pp. 1- 30. www.un.org.

[6] S/RES/1674 (2006) – part 4
أنظر:  نص القرار1674 الذي اتخذه مجلس الامن في جلسته5430 المنعقدة في 28 نيسان 2006، والمتعلق بشأن حماية المدنيين في الصراعات المسلحة. الفقرة الرابعة.
[7] أنظر على سبيل المثال لا الحصر:  نصوص القرارات:1706، 1714،1769، وخاصة القرار 1755 الذي أعاد التأكيد على مبدأ المسؤولية.
[8]  أنظر نص القرار رقم  1970 الصادر في 26 شباط 2011.
[9]  كان القرار 1593 الصادر في 31 آذار 2005، قد أحال قضية دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، لكنه لم يشر إلى مبدأ "المسؤولية عن الحماية" صراحة، لكنه أشار فقط إلى "انتهاك القانون الدولي الإنساني". أنظر نص قرار مجلس الأمن رقم 1593، على الموقع الرسمي للأمم المتحدة.
[10]  أنظر نص القرار على الرابط التالي:
[11] وذلك بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 هو قرار أصدرته الأمم المتحدة بتاريخ يوم الخميس 17 آذار 2011 كجزء من رد الفعل الدولي على ثورة 17 شباط في ليبيا، والتي طالبت برحيل القذافي. الأمر الذي جعله يعلن الحرب عليها، وقد فرض القرار عقوبات عدة على حكومة القذافي الليبية تتضمن حظر الطيران فوق ليبيا وتنظيم هجمات مُسلحة ضد قوات القذافي الجوية لمنعها من التحليق في الأجواء الليبية وإعاقة حركتها.
وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر قرارًا سابقًا بشأن ليبيا، رقم 1970 وقد اتخذه مجلس الأمن بالإجماع فرض  بموجبه عقوبات دولية على نظام معمر القذافي وفوض المحكمة الجنائية الدولية بالتحقيق في الجرائم التي اقترفتها قوات القذافي ضد المدنيين الليبين. لكن القرار لم يخول أي دولة بالدفاع عن المدنيين الليبين أو اللجوء للقوة لحمايتهم.
ووجه قرار مجلس الأمن رقم 1973 ببعض الشكوك والمَخاوف من أطراف مختلفة بشأن الأهداف الخفية من ورائه، ولذا فقد تكررت تصريحات البيت الأبيض ووزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ عدة مرات بأن الهجمات التي يُنظمها القرار لن تهدف إلى احتلال ليبيا أو استعمارها، وإنما ستكتفي بحماية المدنيين وصد قوات القذافي، بينما لن يَتدخل المجتمع الدولي في قضية تغيير النظام الحاكم أو خلع معمر القذافي من الحُكم... لكن بالرغم من كل تلك التصريحات، قام الناتو باحتلال ليبيا، وتمّ خلع القذافي وقتله بطريقة وحشية ومهينة من قبل معتقليه من الثوار، في ظل صمت دولي مطبق.

2012/12/05

مناقشة كتاب البطريرك كيريل الأول




أقام المركز الثقافي الروسي بالتعاون مع مركزية مسيحيي المشرق بندوة حول كتاب بطريرك روسيا، كيريل الاول، وعنوانه: حرية الانسان ومسؤوليته : التناغم بين حقوق الانسان وكرامته" وذلك في المركز الثقافي الروسي- فردان في 5 كانون الأول  2012.  وقد ناقش الكتاب كل من المونسنيور كميل مبارك، والدكتورة ليلى نقولا الرحباني.
وهذا نص المداخلة التي القتها الدكتورة ليلى نقولا الرحباني:
تكمن أهمية هذا الكتاب في صراحته ووضوحه، إذ لم يلبس البطريرك كيريل قفّازات خلال عرض أفكاره، ولم يحاول أن يلبس لباسًا غير روسيًا ليلاقي الآخر في منتصف الطريق، بل أعلن بكل صراحة عن نفسه وثقافته وروسيته، بدون أن يرفض فكرة أن روسيا يمكن لها أن تتقبل فكرة العالم المتعدد الأقطاب، الذي يحتضن بانسجام، أشكالاً ونماذج حضارية مختلفة.
       لا شكّ أننا قد نتفق مع البطريرك كيريل في بعض الأفكار والتصورات، وقد نختلف معه في الكثير منها أيضًا، ولكن لا يمكننا أن ننظر الى الكتاب الا من زاوية ظروفه الثقافية والتاريخية وخصوصيته الروسية. تلك الروسيا الخارجة من إرث طويل من الالحاد، ومن تاريخ طويل من الصراع الثقافي والحضاري مع الغرب، انعكست بصورة جليّة في جنبات هذا الكتاب وفي الأفكار التي جسّدها البطريرك في دفاعه عن كنيسته، التي تعرضت لكثير من الضغوط خلال فترة الحكم الشيوعي، وتتجلى في تصميمه الأكيد على استعادة ما فات، أو ما قد تعرّض للتسيب من خلال إعادة الرعية الى حضن الكنيسة بشتى الوسائل.
برأيي، لا يمكن قراءة الكتاب إلا من خلال الادراك بأنه موجّه الى خاصيته الروسية أكثر مما هو موجه للأمم، أو لمجتمعاتنا العربية.
تعيش المجتمعات العربية حرمانًا هائلاً في احترام معايير حقوق الانسان، ولا ينقصها من يدعوها الى التشكيك بها، كما إن الغرب يعيش حذرًا من المفاهيم الروسية، تشابه المحاذير التي يطرحها البطريرك من المفاهيم الغربية، فإرث من عدم الثقة بين الاثنين لا يمكن أن يمحوه عقدان من الليبرالية والبريسترويكا. وعليه، يكون كتاب البطريرك تعبيرًا صريحًا عما يخالج المجتمع الروسي من شكوك، ودعوة قد تكون صارمة نوعًا ما، تريد أن تدفعه دفعًا الى حظيرته الكنسية من جديد والتي لا يبدو أنه ابتعد عنها كثيرًا بالرغم من عقود عجاف عاشها ايمانيًا وروحيًا وكنسيًا.
       قد نختلف مع البطريرك كيريل في تصوراته، خاصة فيما يتعلق بحقوق الانسان، وكرامته التي نعتبرها نحن كرامة كيانية مرتبطة بوجود الانسان ككل وقيمته المستمدة من ذاته وليس من خاصيات أخرى أو معايير ثقافية أو حضارية أو دينية أو جنسية وغيرها.
       كما قد يكون لنا نظرة مختلفة حول علاقة المجتمع بالكنيسة ومفاهيم حقوق الإنسان والحرية وغيرها. وقد يكون لنا نحن العلمانيين، الكثير من التحفظات على ما طرحه من أفكار ومبادئ، ولكن ما لا يمكن أن ننكره هو أن البطريرك بما يمثله، يمكن أن يعطي للآخر صورة واضحة عن "مَن نحن" وبماذا نؤمن لكي يستطيع الآخر أن يحدد مدى قربه أو بعده عن هذا الأفكار، ويعطيه صورة حقيقية عما يمكن أن يرسمه من نقاط مشتركة كمنطلق للبحث في المشتركات، على أمل أن يكون هناك حوار جدي يتم الانطلاق فيه الى بحث الاختلافات في تصوراتنا.
       بكل الأحوال، نقدّر للبطريرك كيريل صراحته، فهو في كتابه عبّر بوضوح عن خصوصية مجتمعه وثقافته، وعن أفكار صاغتها تجربة بطريركية خاصة وروسية عامّة، تجربة موسوم بعضها بالشكّ فيما يأتيه من الآخر، وبعضها من إرث من القهر والشمولية، وبعضها من تجربة حديثة مع الليبرالية طبعها الفساد والابتعاد عن القيم الأخلاقية. لكننا نشهد له إنه لم يحاول أن يغلق الابواب مع ذلك "الآخر" بل اعتبر أنه يمكن له إيجاد نقاط مشتركة مع الآخرين، واعتبر أنه يمكن لروسيا أن تقدم مثالاً عن الوحدة في التنوع، وأن تقدم نموذجًا للنظام العالمي الجديد، الذي لا يستند الى وحدة عديمة الشخصية في إطار معايير مفروضة بالقوة، ما يؤدي الى كارثة حضارية حتمًا، بل يكون الواحد الجامع في جوهره هو التمسك بالقيم الأخلاقة السرمدية.