2014/03/26

رسائل اقليمية ودولية عبر ريف اللاذقية

د. ليلى نقولا الرحباني

تشي الأخبار المتضاربة حول سير المعارك في ريف اللاذقية، وانتشار صور المسلحين على الانترنت أنه يُراد لهذه المعركة في اللاذقية- مركز الثقل الأساسي للنظام السوري- أن تؤسس لواقع جديد في الحرب السورية، يمتد الى المشهد الاقليمي برمّته، ويوّجه رسائل في اتجاهات عدّة، ويمكن ابراز بعض مؤشراتها:
أولاً: إن الأخبار التي سرت عن تحالف الأضداد في هذا الهجوم، والتنسيق بين المجموعات المسلحة التابعة للسعودية وتلك التابعة لتركيا، يشير بما لا يقبل الشكّ أن القائد الفعلي الذي يحرّك هذا الهجوم هو الأميركي بنفسه لأنه الوحيد القادر على فرض التنسيق بين مجموعات مسلّحة تكفّر بعضها البعض، وقتلت بعضها البعض في معارك عدّة في سوريا.
وقد تكون الأهداف الأميركية من هذا الهجوم متعددة، منها:
أ- توجيه رسالة مباشرة الى الروس في منطقة نفوذهم» الأساسية في سوريا وعلى مقربة من قاعدتهم العسكرية البحرية في طرطوس بأن ما كسبوه بسهولة في قاعدتهم العسكرية البحرية الأخرى في القرم لن يمرّ بسهولة في سوريا.
ب- التعويض عن الخسائر التي منيت بها المجموعات المسلحة على الحدود اللبنانية السورية، ورفع معنوياتهم بعد انتشار تقارير تتحدث عن هجرة معاكسة للمجاهدين القادمين من الخارج.
ج- الحاجة الى انتصار ميداني يوظّف اعلاميًا على أبواب زيارة اوباما الى المنطقة ولقائه الملك السعودي في أواخر الشهر الحالي، في ظل حاجة الأميركيين لإبراز فائض قوة ما في منطقة باتت تتفلت من أيديهم وتنتقد السياسة الأميركية علنًا، ومن هؤلاء بعض الدول الحليفة للأميركيين كأفغانستان على سبيل المثال حيث أعلن الرئيس الأفغاني حامد كرزاي تأييد بلاده لانفصال القرم عن اوكرانيا في تحدٍ واضح للسياسة الأميركية ولحلف الناتو المتواجد في بلاده.
ثانيًا: إن الدخول التركي العلني على خط المعارك الدائرة على حدودهم، وإسقاط الاتراك لطائرة سورية تبيّن أنها كانت ضمن الحدود السورية وليس التركية، كما قيام القوات التركية بقصف مواقع عدّة في الداخل السوري، وتأمين غطاء ناري للمسلحين، ثم توقف التدخل العسكري التركي فجأة في اليوم التالي يشير الى أن تهديدات دولية قد تعرض لها الجانب التركي، وقد تكون قد أتت من الاسطول الروسي بالذات في ظل أنباء عن قيام سفن حربية روسية متموضعة قبالة شاطئ طرطوس بالتحرك نحو الحدود التركية السورية قبالة اللاذقية، وهو ما قد يكون قد أدّى الى إعادة التركي الى صوابه. علمًا أن حزب العدالة والتنمية كان بأمسّ الحاجة الى ذلك التصعيد على الحدود مع سوريا، عشية الانتخابات المحلية لحرف الانظار عن الأوضاع الداخلية والتدهور في التأييد الشعبي الذي يعاني منه لأول مرة منذ عام 2002، بسبب السياسات التي اتبعها أردوغان في الداخل والمشاريع الاقليمية التي دخل فيها وخسر خسارة مدوية.
كما يكتسب الدخول التركي في تلك المعركة طابعًا مذهبيًا وطائفيًا، فالمنطقة التي يحاول أردوغان السيطرة عليها فيها مزيج من العلويين والمسيحيين وخاصة الأرمن الذين تمّ تهجيرهم قسريًا من تركيا الى سوريا ولبنان، بعد المذابح التي قام بها العثمانيون بحق أجدادهم، وقد يكون اردوغان بتعصبه الطائفي قد أراد أن ينتقم من الأرمن القاطنين في تلك المناطق وخاصة في منطقة كسب الحدودية، انتقامًا مزدوجًا؛ الأول لأنه يتهم الأرمن القدامى بالتمرد على أجداده، والثانية للانتقام من الأجيال الأرمنية الجديدة التي شوّهت صورة تركيا في العالم خاصة بعد نجاحها في كسب اعتراف الكثير من البرلمانات الاوروبية والكونغرس الأميركي بالابادة الارمنية،  التي ما تزال حيّة في الوجدان والسلوك الأرمني بالرغم من مرور ما يقارب المئة عام على حدوثها.
في المحصّلة، يبدو أن قدر السوريين أن يدفعوا ضريبة عن العالم أجمع، فالأزمة الاوكرانية والتوتر الأميركي الروسي بات يرخي بظلاله على الحرب في سوريا، فما قبل القرم ليس كما بعدها، والتسوية التي كان يؤمل تحقيقها نتيجة تفاهم روسي أميركي في المنطقة باتت أصعب من ذي قبل، وبالرغم من اعتراف الجميع أن لا حلّ عسكريًا في سوريا، إلا أن الميدان السوري يبقى هو الحَكَم والفيصل الذي سيحدد النتائج ومن يكسب ماذا، ومن يخرج من التسوية ومن يقطف ثمارها.


2014/03/02

من اوكرانيا الى الشرق الأوسط: سياسات ارتجالية وعاجزة


د. ليلى نقولا الرحباني
ينتظر الكثير من السياسيين والمحللين في العالم والمنطقة كيف سيتعامل فلاديمير بوتين مع القضية الاوكرانية للقياس على كيفية تعامله مع القضية السورية، خاصة في ظل الهجمة المرتدّة التي انتهجها الغرب في القضيتين في ظل انشغال بوتين بالالعاب الاولمبية الشتوية والتهدئة التي حاول فرضها خلال تلك الالعاب.
ولعل السياسة الغربية في كل من اوكرانيا وسوريا أظهرت بشكل واضح أنها أرادت استغلال الموقف في كل من اوكرانيا وسوريا، ولكن ها هي الالعاب الاولمبية في سوتشي قد انتهت، وتحرر بوتين من سياسة التهدئة وبات بامكانه أن يتوجه بسياسة انتقامية عقابية في القضايا التي يعتبر انه حصل فيها تعدٍ على مصالح روسيا خلال تلك الفترة.
في اوكرانيا، تطورت الامور الميدانية بشكل دراماتيكي ما دفع بالرئيس الاوكراني الى صدام مع المحتجّين، وبالتالي قبول تسوية سرعان ما التف عليها الغرب دافعًا أنصاره الى التهديد بانقلاب عسكري، أدّى الى هروب الرئيس الاوكراني من البلاد وعزله من قبل البرلمان الاوكراني، الذي دفع الأمور الى تحدي الروس بشكل مباشر من خلال الاجتماع يوم الأحد - في استعجال غير مبرر- ليصوّت على قرار يلغي بموجبه وضع اللغة الروسية في أوكرانيا باعتبارها لغة وطنية ثانية في نصف البلاد تقريبًا، كما يمنع بث القنوات غير الناطقة باللغة الاوكرانية، مما يؤشر الى محاولة تضييق على المواطنين الروس الذين يعدّون أغلبية في جنوب وشرق البلاد، وحرمانهم من حقوقهم الثقافية كمجموعات.
أما في سوريا، فقد حاولت الولايات المتحدة الأميركية ومعها الاوروبيين ان يدفعوا بقرار جديد في مجلس الأمن، مستغلّين توقيت انشغال بوتين لتمرير قرار "إنساني" في مجلس الأمن أرادوا منه أن يكون نافذة لتدخل عسكري في سوريا، أو لتمرير السلاح الى المسلحين وفك الحصار عنهم في بعض المناطق المحاصرة، إلا أنهم فشلوا في ذلك، فتمّ اقرار القرار 2139 في مجلس الأمن بدون عقوبات تلقائية أو تدابير تلقائية ضد الحكومة السورية في حال عدم تنفيذه. وبالتزامن، سرت أخبار وتقارير تمّ تسريبها الى الصحافة عن الاستعداد لفتح جبهة جديدة في الجنوب السوري على الحدود المشتركة مع الأردن، لشنّ حرب نفسية على النظام السوري والقول ان موازين القوى الميدانية ما زالت لصالح المعارضة السورية المدعومة من الغرب الذي سيستغل انشغال بوتين بهجوم على دمشق وإطاحة النظام السوري كما أطاح بالرئيس الاوكراني.
لكن، ما لم يحسب له الغرب حساب، هو أنه استطاع أن يربح جولة في اوكرانيا ولكنه لا يستطيع أن يربح الحرب؛ فالتاريخ والجغرافيا والديمغرافيا تجعل من أوكرانيا امتداد طبيعي لروسيا، ويمتلك الروس مفاتيح عدّة للتأثير والضغط على اوكرانيا، وبيدهم القدرة على انتشال اوكرانيا من الهاوية الاقتصادية، أو التسريع في انهيارها كليًا لتصبح دولة مفلسة بكل معنى الكلمة علما أن الاتحاد الاوروبي يبدو عاجزًا أو غير قادر على إنقاذ اوكرانيا إلا بواسطة صندوق النقد الدولي الذي سيدفع السلطات الاوكرانية الى اعتماد سياسات تقشفية مؤلمة في الداخل، قد تدفع الى مزيد من عدم الاستقرار السياسي. بالاضافة الى الاقتصاد، يمتلك الروس الكثير من القدرات السياسية والجغرافية والديمغرافية التي تسمح بالحفاظ على وحدة اوكرانيا أو تفكيكها.
وكما في اوكرانيا، كذلك في باقي بلدان العالم تغلب السمة الارتجالية على سياسات الغرب والأميركيين، فهم يكتفون بما يحصدونه اعلاميًا او بما يستطيعون أن يسببوه من عدم استقرار في المناطق التي يتدخلون فيها، ولكن التجارب أثببت أنهم باتوا أعجز من أن يستطيعوا تقديم حلول متكاملة والسير بالبلدان التي يتدخلون فيها الى تأسيس مؤسسات ديمقراطية فاعلة ومستقرة، فها هو العراق تركه الاحتلال فريسة للارهاب وعدم الاستقرار الأمني والسياسي والفساد، وها هي افغانستان ستُترك لمصيرها يتنازعها الفقر والعوز والارهاب وقد يؤدي الى عودة طالبان الى الحكم، وها هي ليبيا ومصر.... أما في سوريا، فحدث ولا حرج، دخل الغرب والعرب في حرب على سوريا لا يستطيعون الانتصار فيها، ولا يعرفون كيف ينهونها، ومجرد الحديث الغربي بأن السيناريو الاوكراني يمكن أن ينسحب على سوريا، يدل على جهل قائله، وعدم معرفته بخصوصيات منطقة الشرق الأوسط، وتشعبات الارهاب فيها.

2014/02/27

ما هي مصالح إسرائيل في معركة القلمون؟

د. ليلى نقولا الرحباني
بالرغم من التعيتم الاعلامي الذي فُرض على الغارة الجوية الاسرائيلية التي استهدفت مواقع على سلسلة جبال لبنان الشرقية على الحدود اللبنانية السورية، والتي كثر خلالها الحديث عن امكانية دخول اسرائيلي على خط المعارك الدائرة في يبرود السورية، التي ينتظر اللبنانيين نتيجتها أملاً في أن يكون سيطرة الدولة السورية عليها عاملاً يؤدي الى الحد من وصول سيارات مفخخة من الجانب السوري وتحديداً من يبرود الى الاراضي اللبنانية.
والدخول الاسرائيلي على خط المواجهات الدائرة في سوريا ليس جديدًا، فالكل يذكر كيف تدخل الطيران الاسرائيلي لقصف مواقع الجيش السوري وراداراته خلال معركة الهجوم على دمشق التي فشلت بالرغم من كل التحشيد والدعم الللوجستي الغربي والعربي والاسرائيلي.
وقد يكون الدعم الاسرائيلي للمعارضة السورية، متكاملاً مع السياسات التجريبية الأميركية، والتي باتت السمة الغالبة على سياستهم الخارجية بعد ما سمي "الربيع العربي"، والتي جعلت "الأخوان المسلمين" يتصدرون واجهة الحرب على سوريا، وما أن فشلوا حتى اقصوا واستعين ببندر بن سلطان الذي يُعرف في الاوساط الأميركية والغربية باسم "بندر بوش". ومع بندر تصدرت المجموعات الارهابية واجهة القتال في سوريا، وسيطرت على مناطق المعارضة، ومنها دير الزور والرقة التي يتبجح داعش بأنه يسيطر على مساحة "أكبر من الكويت". وفجأة استفاق الغربيون على خطر السياسة التي يقومون بها على مصالحهم في المنطقة وعليهم في بلدانهم، فاستبدلوا "بندر بوش" بالوزير السعودي محمد بن نايف، علّه ينقذ ما تبقى من خطة غربية - عربية باسقاط سوريا، ويقوم باحتواء العناصر الارهابية لتقوية ما يسميه الغرب "معارضة معتدلة".
وتنسحب السياسات التجريبية الأميركية على مناطق عدّة من العالم، وتترافق مع عدم قدرة على السيطرة على النتائج، فالربيع العربي الذي حاول الغرب استثماره انقلبت مفاعيله، ولا يبدو أن أحدًا من الأطراف قادرًا على السيطرة على التطورات في العالم العربي والتحكم بمسارها.
وكما في العالم العربي كذلك في اوروبا الشرقية، وبالرغم من أن الرئيس الاوكراني كان شخصا فاسدًا، ولم يكن شخصًا موثوقًا به حتى من قبل الروس، إلا أن ما حصل في اوكرانيا من انتشار القناصة على السطوح وقتل المتظاهرين والشرطة معًا، يشبه - الى حد التطابق- ما حصل في مصر خلال الثورة الاولى، ويشي بضلوع جهات خارجية في عملية الانقلاب التي حصلت إن في الشارع أو في البرلمان أو داخل الحزب الاوكراني الحاكم. لكن النشوة الغربية بسقوط الحكم في اوكرانيا، والنجاح الذي حققه الغربيون بإسقاط يانيكوفيتش، يترافق اليوم مع قلق اوروبي موازٍ من تقسيم اوكرانيا أو تحوّل اوكرانيا الى يوغسلافيا أخرى وسط مخاوف من انفجار عرقي مذهبي. ويخشى الاوروبيون من ردة فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيتسابق كل من اوباما وميركل وهولاند الى الاتصال به للاطمئنان ومعرفة ردة فعله بدون جدوى، الأمر الذي يجعل المحللين الغربيين يتسابقون لمحاولة الإجابة على السؤال التالي" كيف سيردّ بوتين؟".
إن هذه النتائج وغيرها تشي بأن السياسات التجريبية الغربية، قد ترتد سلبًا على حلفائهم. وها هو الأردن التي يتحدث داعمو المعارضة السورية بأن جبهة جديدة حاسمة ستفتح من بوابته الجنوبية، غير بعيد من القلق من النتائج السورية على الداخل الأردني، وها هو الجيش الاردني يعلن عن إحباط عمليات تهريب كميات كبيرة جدًا من الأسلحة والذخائر والمتفجرات من سوريا الى الأردن، ويشير الى أن عمليات التهريب بين الاردن وسوريا تزايدت في الآونة الاخيرة بنسبة تصل الى 300%، مشيرًا الى أنه تمّ احباط محاولات تهريب 900 قطعة سلاح مختلفة الى الاردن في شهر كانون الأول وحده.
وهكذا، تتوهم اسرائيل أن بإمكانها تغذية التطرف والارهاب في المنطقة بدون أن تحترق بنيرانه، أو تصل شظاياه الى العمق الاسرائيلي الذي يُعرف بهشاشة جبهته الداخلية، علمًا ان سنوات ثلاث من الحرب على سوريا، بدأت تُظهر أن على جميع من شارك فيها من غربيين وعرب أن يقلق، فالمارد الارهابي الذي تمّ خلقه أو أخرج من القمقم لن يتوانى عن افتراس أهله ومدربيه وداعميه، وحينها ستتشابه ساحاتهم مع ساحات لبنان والعراق وسوريا، ولن يوفر الانتحاريون الحاقدون أطفالهم ولا أيتامهم ولا شبابهم أو عسكرييهم.

2014/02/23

السياسة الغربية في سوريا: ضد الأسد والارهاب معًا

د. ليلى نقولا الرحباني

يكثر الحديث في الصحافة الغربية، ومعها الكتّاب في الصحف الخلييجية، عن تغيّر في الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا، وإن الرئيس الأميركي باراك أوباما بات مستعدًا لتغيير سياسته في سوريا ومنها القيام بتدخل عسكري في الميدان السوري، يقولون أنه سيكون محدودًا ولن يزج بقوات أميركية في الميدان، بل يسوقون لفكرة الاعتماد على خيارات عسكرية مختلفة منها تقديم أسلحة للمعارضة السورية وفرض حظر جوي بأساليب غير تقليدية، وتسخين جبهة الأردن الجنوبية.
وبقياس مدى واقعية هذه التصريحات على أرض الواقع، يمكن القول أن القيام بإمداد المعارضة السورية بأسلحة، هو أمر لم يتوقف في أي لحظة منذ عسكرة الانتفاضة في سوريا، أما فكرة قيام حظر جوي فدونها عقبات كثيرة، ويبقى الأردن فهو القلِق الأكبر من هذه الخطط العسكرية التي تتحدث عن انخراطه أكثر في الحرب الدائرة في سوريا.
وقد يكون من الأوهام أن يتحدث أحد من الطرفين عن امكانية حسم الميدان لصالحه في وقت قريب، أو تخلي أحدهما عن الميدان، ولكن لا يمكن غض النظر عن التغييرات التي طرأت على سياسة المملكة العربية السعودية في ما يخص الارهاب، بانتقالها من سياسة الدعم الى سياسة الاحتواء، الى أن يأتي يوم للانخراط في الحرب العالمية على الارهاب، والتي قد لا تكون قريبة جدًا زمنيًا، لأنها تحتاج الى نضوج التسوية بين الأميركيين والروس حول تقاسم النفوذ في الشرق الاوسط، والتي ستنسحب انفراجًا على جميع الملفات في المنطقة، ومنها سوريا والعراق اللتان تشهدان ارهابًا لم يسبق له مثيل في المنطقة.
وتبدّل السياسة السعودية تجاه الارهاب، بانتقالها من الدعم الى الاحتواء، يبرز من خلال مؤشرات عدّة، أهمها:
- اقصاء بندر بن سلطان عن الملف السوري، وتعيين وزير الداخلية محمد بن نايف. ولمن لا يعرف من هو محمد بن نايف؛ هو الرأس المدبر لاستراتيجية مكافحة الارهاب في المملكة، والذي لطالما اعتبر ان الارهاب جريمة كبرى يجب التعامل معها بيد من حديد، وأسس لاستراتيجية هامة اعتمدها في مكافحة الارهاب والتأسيس للقضاء عليه من جذوره، اعتمدت على مراحل ثلاث: الاولى، الوقاية من خلال استخدام المشايخ للحض على نبذ الارهاب من خلال تفسير الدين الاسلامي، واعتماد العمل الاستخباري بشكل مكثف... الثانية، هي التعامل مع الارهابيين بحزم وقوة وشدة أمنية... أما الثالثة، فهي القيام بإعادة تأهيل للشباب المعتقل الذي يثبت ان الارهابيين قد استطاعوا التغرير بهم، حيث يتم إخضاعهم لدورات تعليمية تتضمن برامج شرعية ودعوية ونفسية واجتماعية وقانونية بهدف تخليصهم من الأفكار المتطرفة التي يحملونها، وبعد ذلك تقوم الجهات المعنية بالإفراج عن المتخرجين من الدورات ممن لم يتورطوا في قضايا التفجيرات بشكل مباشر.
ولقد نجحت استراتيجية محمد بن نايف لمكافحة الارهاب بشكل كبير في السعودية ، التي عانت من الارهاب التكفيري منذ عام 2003، لذلك قامت القاعدة بعدّة محاولات فاشلة لاغتيال الامير السعودي- يعتقد ان عددها أربعة- كان أهمها في آب من عام 2009، حين فجر انتحاري نفسه بقرب الأمير محمد بن نايف، الذي نجا من الاغتيال وأعلنت القاعدة مسؤوليتها عن هذه العملية.
- محاولات سعودية لخفض مستوى التشنج في المنطقة، مقابل سعي وانفتاح ايراني كان قد أعلن عنه الايرانيون في وقت سابق، وهذا الانخفاض سيؤمّن حتمًا انفراج في ساحات عدّة منها لبنان واليمن والبحرين. إلا أن الساحات العراقية والسورية، فمن الصعب أن تشهد تقاربًا اقليميًا في النظرة الى الحلول فيها، كونها مرتبطة بالتسوية الكبرى في المنطقة ومن ضمنها مكافحة الارهاب في المنطقة والذي يحتاج تحالف دولي اقليمي، لم تنضج ظروفه بعد.
انطلاقًا مما سبق، ان التهويل بتدخل عسكري أميركي مباشر في الحرب السورية الدائرة، لا يبدو منطقيًا، أما الحديث عن تدخل عسكري غير مباشر فهو لم يتوقف للحظة منذ بدء الحرب في سوريا. أما الحديث عن أن إمداد السعودية للمسلحين السوريين بالسلاح، لا يُظهر تغييرًا في السياسة السعودية حيال مكافحة الارهاب، فهو يتعامى عن حقيقة أن ليس كل المسلحين في سوريا هم من القاعدة وأخواتها، وهناك من المسلحين السوريين من لا يؤمنون بفكر القاعدة ولكنهم ضد النظام السوري. وبنظر المعكسر الغربي، إن ترميم ما قام به بندر بن سلطان من تقوية الجماعات المتطرفة على حساب "الجيش السوري الحر"، يحتاج الى إعادة هيكلة وفرز للمجموعات السورية، ودعم غير الراديكالي منها، وتقويتها على حساب جماعات داعش والنصرة، لكن المشكلة تمكن في السؤال: كيف يمكن للأميركيين وحلفائهم القيام بهذا الفرز، خاصة أن التقارير تشير الى أن "الجبهة الاسلامية" وغيرها قد لا تقل راديكالية وتطرفًا، وعلمًا ان الجيش السوري الحر قد صار جيوشًا قد لا ينفع معها كل السلاح والمال لتلتزم بقيادة موحدة.

2014/02/02

ماذا يفعل الايرانيون؟

د. ليلى نقولا 

لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن تحلّ ايران - بهذه السرعة- ضيفًا مقبولاً ومحتفى به في القمم العالمية الكبرى، فها هو وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف، لا يكاد يستقر أسبوعًا واحدًا في طهران حتى يغادرها للمشاركة في قمة عالمية كبرى، يجالس فيها الاوروبيون، ويتناغمون معه، ويطلبون رأيه أو يخطبون ودّه.
 لم يكترث الايرانيون كثيرًا لاستبعادهم عن مؤتمر جنيف 2، فهم لم يكونوا أصلاً مقتنعين بأن المفاوضات ستفضي الى حل أو الى بداية حل، فما حصل خلال الأسابيع القليلة التي سبقت المؤتمر، وما تمّ تسريبه عن التهديدات التي أطلقها السفير الأميركي روبرت فورد لوفد الائتلاف ليجبرهم جبرًا على المشاركة في المفاوضات، بالاضافة الى استمرار السقوف العالية المطالبة برحيل الأسد، كانت قد أشارت قبل المؤتمر بأن مصيره الفشل.

وما تخلّف عنه الايرانيون في مونترو، كان مناسبة لهم لحصاد من نوع آخر في مدينة سويسرية أخرى - دافوس- حيث شارك الرئيس روحاني ووزير خارجيته في «المنتدى الاقتصادي العالمي» الذي يشارك فيه سنويًا ما يفوق الأربعين رئيس حكومة ودولة، بالإضافة الى رجال الأعمال والمستثمرين، وشخصيات من المجتمع المدني العالمي. ولعل نجم مؤتمر دافوس هذه السنة كان الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي خطف الأضواء في مداخلته التي دعا فيها الى الاستثمار في بلاده، وأعطى صورة مشرقة لمستقبل الاستثمار في ايران خاصة في ظل التوجّه الى رفع العقوبات عن بلاده. وفي مقابل الابتسامات التي وزعها الرئيس الايراني، كان وزير خارجيته يشارك في اللقاءات المعلنة وغير المعلنة لمناقشة الوضع السوري، والوضع الفلسطيني حيث خصصت العديد من الجلسات لهاتين القضيتين على هامش المؤتمر، فطرحت ايران وجهة نظرها، وأكدت قدرتها على المساهمة بتأمين الاستقرار في الشرق الأوسط.

أما في مؤتمر ميونيخ للأمن الذي بدأ أعماله الجمعة، والذي تتصدر اهتماماته موضوعي الأزمة السورية والاتفاق النووي مع ايران، فكان الاعلان مبكرًا من قبل مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين اشتون بأنها عقدت اجتماعًا "مثيرًا للاهتمام بحق" مع وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف واتفقا على أن تبدأ المحادثات بين الدول الست وايران بشأن اتفاق طويل الأمد  في 18 شباط  الجاري.

وبمقابل بوادر الانفتاح على العالم، يدرك الايرانيون أن بيدهم أوراقًا اقليمية هامّة يتمسكون بها، ولا يتوانون عن استعمال كل ما يمكنهم استعماله للاستفادة في توسيع نفوذهم الاقليمي أو الاستفادة من موقعهم الاستراتيجي في المنطقة. فها هو رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، يزور ايران ويعلن عن زيارة مماثلة للرئيس روحاني الى تركيا في شهر شباط الجاري، ليتم التوقيع أثناءها على اتفاقية تأسيس «مجلس التعاون التجاري والاستراتيجي»، الذي تم الاتفاق عليه خلال زيارة طهران، وحيث من المتوقع أن يرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين الى 30 مليار دولار عام 2015.

ولعل الورقة الأبرز التي يحملها المفاوض الايراني - بالاضافة الى الاوراق الاقليمية في العراق ولبنان سوريا والبحرين واليمن الخ- قد تكون ورقة افغانستان، والتي تدرك طهران جيدًا كيفية استخدامها، فالعلاقات الوطيدة التي نسجها الايرانيون مع الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، واتفاقية الصداقة والتعاون التي وقعّها الطرفان، والتصريحات العالية السقف للرئيس روحاني خلال زيارة كرزاي الى طهران في كانون الأول 2013، كلها تشير الى أن الايرانيين يدعمون الرئيس الأفغاني في رفضه توقيع الاتفاقية الأمنية مع واشنطن، بالرغم من التهديدات الأميركية والدعوة الى توقيع الاتفاقية حالاً وعدم الانتظار الى ما بعد الانتخابات الرئاسية في نيسان القادم، كما يصرّ كرزاي. ويعتقد كثيرون أن مفتاح توقيع الاتفاقية في يد طهران التي تستطيع التأثير على الرئيس الأفغاني، لكن ايران لا تبدو مستعدة لإعطاء واشنطن مكاسب مجانية، في وقت يقوم الأميركيون بتحريض طالبان على القيام بهجومات في الداخل الأفغاني - كما يتهمهم كرزاي.

بكل الأحوال، تبدو السياسة الخارجية الايرانية في أكثر عهودها نشاطًا في هذه الفترة، ويستغل الايرانيون كل نقاط القوة لديهم، ويحاولون التخفيف من نقاط الضعف ولا سيما الوضع الاقتصادي المتردي الذي سببته العقوبات الدولية، ورويدًا رويدًا، ستحوّل ايران نفسها - إن استمرت عل هذا الحال- الى قوة عظمى في المنطقة خاصة في ظل انشغال العرب باقتتالهم الداخلي، وقد يكون هذا ما يخشاه السعوديون فعلاً، فهل يكون الحل بالعداء، أم بالتعاون والتنافس المشروع؟