2015/09/03

لبنان الى الفوضى ؟!


د. ليلى نقولا الرحباني
وفي الخطوة الثالثة، تحرّكت مجموعات المجتمع المدني صوب وزارة البيئة، لتعتصم سلمياً داخلها، وتطالب وزير البيئة محمد المشنوق بالاستقالة، وتعيد الحراك إلى النقطة الأولى؛ بالتركيز على الموضوع الأساس الذي بدأت الحملة من أجله، وهو "الزبالة" المنتشرة في الطرقات، والتي باتت مشكلة بيئية وصحية وإنسانية تطال كل إنسان في صحته وصحة أولاده، وفي حياته، وتلحقه بروائحها وأمراضها إلى داخل بيته.

بغض النظر عن صوابية التحرك الأخير الذي قامت هذه المجموعات الشبابية، وهل كانت هذه الخطوة مفيدة للحراك كما يصفها البعض، وأن "إنجاز" احتجاز الوزير لساعات يقوي الحراك ولا يضعفه، أو "متهورة" كما يصفها البعض الآخر من مجموعات الحراك، التي وجدت فيها حرفاً للأنظار عن المتهم الرئيسي بهذه الكارثة، أي السلطة السياسية المتعاقبة منذ عام 1992، والتي أفسدت وهدرت الأموال وملأت جيوبها، إلا أن أحداً في الإعلام لا يذكر كيف نشأت "سوكلين وأخواتها"، وكيف أهدرت موارد الدولة اللبنانية على محاصصة النفايات وغيرها، وكيف هُمّشت البلديات وحُجبت عنها أموالها لصالح شركات خاصة، ما منع تطوير النطاق البلدي، وحرم البلديات موارد مالية هي لها بموجب القانون.


بغض النظر عن كل ذلك، يبقى أن هناك بعض الأسئلة - الهواجس التي تثير قلقاً مشروعاً لدى فئة لا يستهان بها من اللبنانيين:

1-   غياب الرؤية والخطاب الموحّد للحراكات التي "فرّخت" أسماء لا تُعدّ ولا تحصى؛ فما الذي يجمع حركة الشعب ومجموعات البعث العراقي وبعض مجموعات القوميين السوريين ببقايا حركة اليسار الديمقراطي التي نزلت تحت شعار "عالشارع"، والتي ظهر أن كل هدفها التصويب على العماد عون والسيد حسن نصرالله؟

2-   ما الذي يجمع القوميين العرب والوزير شربل نحاس وحنا غريب ومحمد قاسم، بعماد بزّي المعروف بانتماءاته وتاريخه، والذي عبّر يوماً على مدونته - التي لم يسمع بها أحد وبالرغم من ذلك اعتبرها الأميركيون "الأكثر تأثيراً في العالم العربي"، ومنحوه جائزة لأجلها في بداية "الربيع العربي" - عن انتمائه الواضح بالقول: "أنا، وعلى الرغم من أنه لا مرشح لـ14 آذار في منطقتي، إلا أنني أعتبر نفسي من القوة الناخبة، لأنني صوت بورقة بيضاء؛ كدلالة على أن خياري لا يمر برعد ولا خيبر و لا زلزال ولا رضوان ولا حتى تبنين، بل كنت أصوّت وقلبي في البقاع الغربي مع أمين وهبي، وفي زحلة مع عقاب صقر"؟

علماً أن الادّعاء بأن دخول هؤلاء إلى الحراك يمنع تحركه المشبوه واستغلاله من قبل بعض السفارات، تدحضه تجارب "الربيع العربي"، حيث تحالف القوميون العرب مع "الإسلام السياسي"، فكانت النتيجة أن أقصاهم بعد أن اكتسب مشروعية شعبية واطمئناناً شعبياً، "لعدم انحراف المسار عن خدمة إسرائيل"، كما قيل حينها.

3-   أما التساؤل المحوري والأهم: كيف يمكن لمجموعة أحقاد متفجرة في ساحة أن تؤسس لبناء وطن؟

فما أن بدأ الحراك، حتى سمعنا بعض الشيوعيين يعبّرون عن ضرورة إسقاط النظام الذي سمح لحزب الله "باحتكار المقاومة في الجنوب بعد التسعينات".. وبعضهم الآخر فجّر أحقاداً على المجتمع اللبناني، الذي هو في نظرهم "غشيم، وغنم، ولديه مركبات نقص طائفية"، وبعضهم عاب على بعض الأشخاص في الحراك تأييدهم للنظام السوري، في حين أن ولاء هؤلاء للثورة السورية لم يمنع أولئك من المشاركة في التظاهرات ودعم الحراك.

في النتيجة، يبدو مشهد الشاشات والساحة والاعتصامات والهتافات والتغطية الإعلامية للقنوات اللبنانية وكأنه "فيلم حاضرينو"، فقد شاهدناه مرات عدّة؛ في تونس ومصر واليمن وليبيا وسورية.. وهكذا، يجد اللبناني نفسه أمام مفصل تاريخي خطير، فإما أن يسمح لأصابع خفية بأن تجرّه إلى الفوضى التي تعيش فيها معظم دول "الربيع العربي"، أو يقف وقفة تاريخية أمام ضميره، ويعود إلى العقلانية فيقول إن الحلول للتخلص من هذا النظام ليست سحرية، وليست بالضربة القاضية في الشارع، ولا يمكن أن تكون إلا بالعودة إلى صناديق الاقتراع، وإعطاء الشعب فرصة لإعادة تكوين السلطة من غير الفاسدين الذين "طلعت ريحتهم".

2015/08/27

مع المطالب المشروعة ولكن!


د. ليلى نقولا الرحباني
كانت الانتفاضة التي هبّت في لبنان طبيعية في ظل الفقر والتهميش والمعاناة، واستمرار قوى السلطة الحاكمة المستأثرة بغيّها وظلمها وفسادها، ضاربة بعرض الحائط كل المطالبات والمناشدات بالشراكة، والاستماع إلى صوت الشعب، والكفّ عن تخطي الدستور والقوانين..

لكن، ما أن نزل اللبنانيون بالآلاف إلى الساحات حتى ظهرت مفارقات عدّة جعلت الظاهرة الممتازة تختلط بالكثير من التساؤلات والإشكاليات التي نذكر منها ما يلي:

1-   محاولة السلطة ترهيب المتظاهرين من خلال إعطاء الأوامر للقوى الأمنية بالعنف والشدّة المفرطة وغير المبرَّرة، وذلك لأن التظاهرة السلمية شكّلت مصدر قلق للسلطة السياسية الحاكمة منذ عقد التسعينات، والتي انتبهت فجأة إلى أن الشعب بكافة طوائفة وفئاته بات قاب قوسين أو أدنى من الانفجار، وفي هذا تهديد لنفوذها وفسادها المتمادي منذ الطائف، والتي لم تعد تنفع معه الادعاءات المذهبية التي ما انفكت تتهم بأن كل من يطالب بمحاكمة من سرق أموال الدولة اللبنانية منذ عام 1992، إنما هو يمسّ بالرئيس رفيق الحريري، ويمسّ بالطائفة السُّنية، وفي هذا الادعاء ظلم للسُّنة قبل غيرهم من المدعى عليهم بهذا الاتهام المذهبي والطائفي.

2-   وإذا كان عنف السلطة معروفاً ومتوقَعاً، فما لم يكن متوقعاً - على الأقل من قبَل الناس العاديين المشاركين بالتظاهرة - فهو تصرُّف الجهة الداعية إلى التظاهرة، أي حركة "طلعت ريحتكم"، وفيه:

أ‌-       النزعة الحادة للإلغاء والاستئثار ورفض الآخر، وقد ظهرت من خلال البيانات والخطب والتصريحات لمنظمي التظاهرة الأساسية، والتي ظهرت وكأنها تريد أن "تفحص" أهلية كل مواطن، وإن كان يحق له المشاركة أم لا، وبدا حالهم كحال التكفيريين المنتشرين في المنطقة؛ إما أن تكون مثلنا ومطابق لنا في فكرك وتوجهاتك، أو ممنوع عليك أن تكون بالأساس.

وقد ظهر هذا الأمر خلال التظاهرة وبعدها، خصوصاً من خلال بيان الجمعية الذي طالب القوى الأمنية باعتقال "جميع من بقي في الساحة بعد إعلان الجمعية عن فكّ اعتصامها"، وهو يعني أن كل من لا ينتمي إلى المجموعة إياها، هو مجرم يستحق الاعتقال برأيها، بغض النظر عن الفعل الذي يقوم به.

ب‌-  النزعة الطبقية المقيتة التي ظهرت من خلال الكلام العنصري الذي انتشر على الصفحة الرسمية لمنظمي التظاهرة، والذي يشي بأن "كل فقير هو بالسليقة مندس"، ثم ما لبثت أن تحوّلت الطبقية فيما بعد إلى عنصرية طائفية تتهم أهل "الخندق الغميق" بأنهم نزلوا إلى التظاهرة لتخريبها! وكأن الفقراء لا مكان لهم في تظاهرة "المجتمع المدني المودرن"، بل بات هؤلاء بفقرهم وغضبهم المكبوت مصدر إزعاج ، لذا ممنوع عليهم المشاركة في تظاهرة حاكت أوجاعهم وآلامهم وقهرهم المستمر منذ عقود.

ت‌- التعميم اللا أخلاقي واللا منطقي الذي مارسه منظمو التظاهرة ومن يدور في فلكهم؛ بأن وضعوا "الجميع في سلة واحدة"؛ فالكل فاسد والكل مرتهَن، ولا فرق بين القوى السياسية، ونقطة عا السطر ولا نقاش في ذلك.

اللافت أن مطالب المتظاهرين كانت هي نفسها المطالب التي طالب بها العماد عون في وقت سابق، وبالرغم من ذلك فإن هذا لم يعفه، بنظرهم، من مسؤولية التمديد لمجلس النواب - الذي كان تكتل التغيير والاصلاح الوحيد قد رفضه - ولم يعفِ وزير جديد في الحياة السياسية ومشهود له بالكفاءة ونظافة الكف من أن يتعرّض لكلام حاقد والتبجح بطرده من الساحة، وكأن الساحة باتت ملك منظمي التظاهرة وليست ملك أي مواطن لبناني طامح للتغيير.

ث‌- الشبهات التي تحوم حول منظمات "المجتمع المدني" بشكل عام، فالمواطنون كانوا قد لبّوا دعوة حركة "طلعت ريحتكم" انطلاقاً من شعورهم بضرورة التغيير، وأنه آن الأوان للمساءلة والمحاسبة وإسماع المعنيين صوت الشعب، بدون أن يعرفوا أو يستفسروا بالضبط من هي الجهة الداعية، ومن أين تأتي بتمويلها، أو ما هو برنامجها لما بعد المطالبة بمعالجة مشكلة النفايات المتراكمة.

وفجأة ظهرت أمامهم صيحات "الشعب يريد.." في محاولة تكرار مرعب لسيناريو لـ"الثورات العربية"، فعادت إلى الأذهان "وصفات الثورات الملونة" المصنوعة في أميركا، والتي امتدت من البلقان إلى العالم العربي ثم إلى أوكرانيا مرة أخرى.. وبدأت الأنظار تتجه إلى منظمي التظاهرة وارتباطاتهم الخارجية، وتمويلهم الخارجي المعروف.. وعندها عُرف سبب مهاجمة العماد عون، وبطل العجب.

بالنتيجة، لا يمكن لأي مواطن لبناني مؤمن بلبنان وطامح لدولة قانون تحفظ له مواطنيته وتحترم حقوقه وتحميه، إلا أن يكون مع المطالب التي يتم رفعها في ساحات التظاهر في رياض الصلح وساحة النجمة.. لكن، ليس كل ما يلمع ذهباً، ولكي نقتنع حقاً بأن ما يُعرض علينا هو ذهب خالص، على منظمي التظاهرة أن يتواضعوا، فيعندوا الى تقويم التجربة، ويصححوا المسار، ويثبتوا عدم تلقيهم الإرشادات والتوجيهات من السفارات كمعظم منظمات المجتمع المدني "المشبوهة" في العالم.

2015/08/24

الثورات الملونة: ما لها وما عليها


بدأت هذه تنتشر بشكل كبير بعد الثورة التي حصلت في صربيا وأطاحت بالرئيس الصربي ميلوسوفيتش عام 2000، لكن الموجة الأهم هي تلك التي شهدتها الاعوام الممتدة من 2003 الى 2005، حيث حدثت ثورات عدة بشرت بانبلاج فجر جديد من الديمقراطية وحقوق الانسان، فبدأ المد الثوري من جورجيا  في تشرين الثاني 2003  في ثورة استخدم فيها سلاح وحيد هو الورود الحمراء، ولهذا أطلق عليها اسم "ثورة الورود"، وكان من نتائجها أزاحة إدوارد شيفاردنادزه الموالي لموسكو من الحكم وتنصيب ميخائيل ساكاشفيلي حليف الولايات المتحدة الاميركية مكانه.
ثم ما لبث أن امتد النبض الثوري الى أوكرانيا فقامت «الثورة البرتقالية» في خريف 2004 وأدت الى اطاحة فيكتور يانوكوفيتش المحسوب على موسكو وبدء عهد جديد حليف للغرب مع فيكتور يوشنكو. وتزامنت الحركات الاحتجاجية في لبنان وقيرغزستان في آذار 2005، ففي قيرغستان قامت "ثورة الزنبق tulip" التي اطاحت بالحكم الموالي لروسيا، وجاءت بالرئيس باكييف المدعوم غربيًا الى السلطة ، أما في لبنان فقد اطلق الرئيس جورج بوش على التظاهرات التي قامت ضد الوجود العسكري السوري في لبنان على اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري اسم «ثورة الأرز».
لكن لم يكد يمر سنوات قليلة جدًا، حتى شحبت الالوان عن تلك الثورات وتحولت من "ملونة" الى "رمادية وسوداء"، فقد ظهر ان من اتت به تلك الثورات الى الحكم لم يكن اقل فسادًا من أسلافه، وان آمال التغيير والعيش الكريم التي دفعت الشباب للثورة، كانت مجرد أحلام، فقد استغل الوصوليون تلك الثورات وركب الانتهازيون موجة التغيير، فسرقوا صيحات الثوار وأحلامهم وأمانيهم.
وهكذا، عاد الوضع في تلك البلدان جميعها الى ما كانت عليه قبل الثورات، ففي معظم دول البلقان أعاد الشعب الحكام الموالين لموسكو من خلال الانتخابات، بعدما ضاقت بهم الحال بفساد وسوء ادارة الحكم الجديد، ثم شهدت اوكرانيا ثورة ثانية، أدّت الى هرب الرئيس الموالي لروسيا التي أتت به الانتخابات، وتدخل الروس فتمّ اقتطاع القرم، ودارت حرب أهلية في الشرق الاوكراني بين الاوكرانيين من أصل روسي وبين الحكومة الاوكرانية الجديدة المدعومة من الغرب.
ما هي هذه الثورات؟
أوّلاً: في التّعريف
الثورة الملوّنة مصطلح يُطلق على أعمال التّحرّكات والتظاهرات الشبابيّة المطلبيّة المنظّمة التي يحمل فيها المتظاهرون أعلامًا وشارات ذات لون مميّز تُعرف به، على أن لا تُستعمل فيها الأسلحة، فالذي يميّزها عن غيرها من الثورات هو أنّها سلميّة.                                                                                                                                
ثانًيا: في الخصائص
أهم من كَتَبَ - أو بالاحرى علّم- كيفية صياغة هذه الثورات كان الأميركي جين شارب، في كتبه حول اللاعنف، وخاصة في كتابه من الديكتاتورية الى الديمقراطية، الذي يعدّ المرجع لجميع الثورات السلمية في العالم، والذي ابتدع فيه وفي غيره من الكتب 198 وسيلة على الثوار استخدامها في ثورتهم اللاعنفية.
أهم الخطوات في صناعة الثورة بالنسبة لجين شارب:
- صياغة استراتيجية لتحقيق الحرية، ورؤية للمجتمع كما تريدونه.
- تخطي الخوف عبر أعمال محددة وصغيرة من المقاومة.
- استخدام الألوان والرموز لإظهار وحدة المعارضة.
- التعلّم من الأمثال التاريخية التي نجحت في المقاومة اللاعنفية.
- استخدام أسلحة لاعنفية.
- تحديد أسس الدعم للديكتاتور، وصياغة استراتيجية لتقويض كل منها.
- استخدام القمع او العنف الذي يستخدمه الديكتاتور للتجييش ضده ولانضمام الناس الى الحركة اللاعنفية.
- التواصل مع القوى الأمنية لإغرائها بمكاسب للانقلاب على النظام الديكتاتوري، أو على الأقل تحييدها في النزاع القائم.
- عزل أو إزالة أي رموز عنفية من المجموعة، وعدم السماح لأشخاص العنفيين أو الذين لديهم سجل عنفي بالانخراط في الحركة.
من بين أشهر الذين كتبوا في موضوع " الثورات الملوّنة " منظّر ومدرب الشباب على هذه الثورات عبر مركز دراسات وتدريب أسسه لهذا الغرض، سفير الولايات المتّحدة الأميركيّة في روسيا مايكل ماكفويلMcfaul ، ( غادر منصبه عام 2014) ونستعرض مما كتبه حول خصائص الثورات الملوّنة :
–  تتمّ في نظام إستبداديّ في الأساس، لكنّه يقبل بالتّعددية ووجود أحزاب صوريّة متنوّعة من خلال نظام إنتخابات، أي أنّه من أجل تجميل صورته أمام العالم حتى لا يبدو كنظام مستبدّ، فإنّه يسمح بأحزاب تشارك في الإنتخابات من إتجاهات سياسيّة مختلفة دون أن يكون لها أي مشاركة حقيقيّة في القرار السّياسيّ.
–  تنتج عن رفضٍ عامٍّ من الشعب للقائمين على النّظام السياسيّ ولسياستهم, يستتبعه شعورهم بالحاجة إلى تغيير هذه الوجوه وهذه السّياسات.
–  تندلع بتحرّكات من قوى المعارضة بعد أن تتناسى خلافاتها وتتّحد تحت مظلّة واحدة محاولة الإئتلاف ساعيةً وراء إيجاد دورٍ فعّالٍ لها نظرًا لغيابها الملحوظ عن المشهد السّياسيّ.
–  تقوم كردّة فعلٍ على الفساد المستشري في مؤسسات الدّولة متوازية مع تحرّك المجتمع المدنيّ والوسائل الإعلاميّة بغية إيجاد براهين على التزوير في الإنتخابات وفضح الأخطاء الحاصلة إبّان صنع القرارات السّياسيّة.
–  تتميّز بكونها إحتجاجات واسعة في الشوارع والميادين غالبًا ما تكون مليونيّة، تتّسم بالتّنظيم الشديد والغضب إلّا أنّها في الآن عينه تستخدم الطـّرق السلميّة للتعبير عن آرائها.
– 
  ترفض أثناءها قوّات الأمن والجيش إطلاق النّار على المتظاهرين بدافع ذاتيّ أو مصلحيّ، تنأى بنفسها فلا تقف مع طرفٍ على حساب آخر بل تنتظر من ينتصر.  

سياسة الأمصال المضادّة وطرق مواجهة الثورات
لقد اتّفقت الأنظمة الحاكمة في بلاد آسيا الوسطى وأوروبا الشرقيّة على تسمية المعارضة بـ " ڤيروس "، لذا كان من المؤكّد أنها ستستحدث ما أسموه " الأمصال المضادّة " لهذا الڤيروس. تجمع حكومات هذه البلاد وحكومة روسيا على كون البيئة الحاضنة والمثالية لترعرع الفيروس ترتكز أساسًا على استقواء المعارضة الدّاخلية بدعمٍ أورو– أميركيّ في الوجهين: المادّي والإعلاميّ.
تحضير الأمصال الفعّالة المضادّة للمعارضة وأهمّها:
‌أ-      إخضاع المنشآت الحيوية والمباني التابعة للدّولة كمباني الوزارات للحماية؛ وإقامة تدريبات شأنها تأهيل القوات العسكرية وتدريبها على الوسائل اللازمة لمواجهة احتلال المتظاهرين لوسائل المواصلات الحيوية في البلاد عمومًا وفي المدن الرّئيسيّة خصوصًا.
‌ب-تشكيل تنظيمات شبابية مضادّة للتنظيمات الشبابية الثائرة عليها. لقد ثبت بعد الثورة البرتقالية في أوكرانيا والثورة الوردية في جورجيا أن الآلاف من فئات الفتيان والفتيات الذين تجمّعوا تحت شعارٍ واحد، علمٍ واحد وموسيقى واحدة هم  من لعب الدّور الأكبر في محاولات إنجاح الحركات المعارضة.
ج- بشكلٍ موازٍ تخصّص الحكومات –في الدول المهدّدة بقيام هذه الثورات–  ميزانيّات لتمويل تظاهرات مضادّة، فيقابَل كل اعتصامٍ باعتصام مضادّ ويكون لكلّ شيء ثمن في هذا الإطار. فقد تزايد اقتناع هذه السلطات الحكومية في روسيا، آسيا الوسطى وأوروبا الشرقيّة أن المشاركين في الثورتين الأوكرانية والجورجية  تلقّوا دعمًا مادّيًّا، يتفاوت بين قبض الاموال مباشرةً قبل التظاهر الى توفير وجبات الطّعام والشّراب كما والأعلام، كذلك الشارات الملوّنة وخيام المبيت خلال التظاهر؛ على ضوء كلّ ذلك اعتمدت الحكومات سياسة تخصّص فيها سيولةً لـ " تمويلٍ مضادّ ".
د- عسكرة شخصيّات عامّة كالمفكّرين، الفنّانين، ورجال الدّين في معسكرٍ "مع" أو "ضد" لما لهؤلاء من تأثير كبير على جموع الشّعوب. أصبح المفكّرون أولئك معروفين، من السّهل تمييزهم عن غيرهم، فبالنهاية هم أصحاب الحظوظ الوفرة بتولّي المناصب.
ه- رصد دقيق لنشاط قوى المعارضة الداخلية على كافّة مستويات الوحدات الإدارية، أي المحافظات، الولايات، المقاطعات والجمهوريّات.  
و- تقوم الحكومات بتسريب متعمد للتّحضيرات الحكومية المواجهة، والإيهام بأنّ التسريب حصل بطريق الخطأ، ولكنه في الحقيقة يكون مقصودًا كجزء من عملية الردع لمن يفكّر في المشاركة بالثورة.
ز- عدم مواجهة " الثورات الملونة " بالسلاح، ولا الغازات المسيّلة للدموع، فتبدو للعالم المترقّب والصحافة الشاخصة على أنّها أنظمة ديكتاتورية؛ بل ستواجه الثورة بأخرى مضادّة وعشرات الآلاف من الشباب الذي سيشتبكون بالأيدي والعصيّ.
هذا أدّى الى تغيير استراتيجيات الثورات الملونة وداعميها، وهو ما حصل في كل من فنزويلا ومصر واوكرانيا، حيث يقوم بعض القناصة أو أفراد يلبسون لباسًا عسكريًا حكوميًا بالاعتداء على المتظاهرين السلميين لتحريض الرأي العام ضد النظام، ولكسب التعاطف الذي لم يحصل لأن الحاكم لم ينجر للعنف.

•

2015/07/30

هل يزج أردوغان تركيا في حرب مثلثة الاضلاع؟


د. ليلى نقولا الرحباني

كما كان متوقَّعاً، استغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الحادثة الإرهابية التي حصلت في منطقة سوروتش - تركيا، لينطلق بسياسة هجومية لطالما حاول اعتمادها منذ بدء الحرب على سورية، بعد أن منعته المحاذير الدولية والإقليمية، وأعاقت قوة الخصم تقدّمه نحو تحقيق حلم اقتطاع منطقة من سورية، لإقامة شريط حدودي على الحدود بين البلدين، يشبه إلى حد بعيد الشريط الذي أقامته "إسرائيل" خلال احتلالها للبنان.

ولعل المسارعة التركية للاستفادة من الحادثة الإرهابية يضفي ظلالاً من الشكّ حول الجهة التي قامت بالعملية الإرهابية، خصوصاً أن المستهدَف بها هم أعداء أردوغان من الأكراد وبعض الناشطين الأتراك المتعاطفين معهم في الداخل التركي. وهكذا نجد أن الأتراك، خصوصاً "حزب العدالة والتنمية" يحاول الاستفادة مما سمّاه "الحملة على الإرهاب"، على عدة صعد، لتعويم نفسه في الداخل وتعويم شعبيته من خلال ما يلي:

1-    الهروب إلى الأمام في الأزمة السياسية الداخلية، وذلك من خلال العودة إلى قتال الأكراد، تمهيداً لعزل "حزب الشعوب الديمقراطية الكردي" في الداخل، وتأليب الرأي العام ضده، وهو ما ظهر في خطاب أردوغان الذي دعا إلى رفع الحصانة عن بعض البرلمانيين الأتراك، بحجة "دعمهم للإرهاب"، في إشارة غير مباشرة إلى بعض برلمانيي "حزب الشعوب الديمقراطية". ويهدف أردوغان من هذه الحملة إلى رفع أسهم حزبه، والاستناد إلى تراجع شعبية "حزب الشعوب الديمقراطي" للدعوة إلى انتخابات مبكّرة، يستطيع من خلالها النفاذ من النظام الانتخابي التركي للعودة إلى السلطة بشكل منفرد، وعدم الحاجة إلى عقد ائتلاف حكومي.

2-    التعمية على التراجع الاقتصادي الذي تشهده تركيا نتيجة سياسات "حزب العدالة والتنمية" في السنوات الأخيرة، والذي أعطى مؤشرات سلبية، منها ما ورد في تقرير البنك الدولي حول تراجع قيمة الناتج المحلي التركي عام 2014 بنسبة 2.9 %عن نهاية عام 2013، وتراجع معدّل النمو إلى 2.9% خلال عام 2014، وارتفاع مستوى البطالة إلى 11.2% خلال الربع الأول من عام 2015، وارتفاع نسبة التضخم إلى 8.09% خلال شهر أيار 2015، يضاف إلى ذلك تراجع قيمة الليرة التركية إلى 2.73 نسبة للدولار الأميركي في تموز 2015.

3-    القضاء على أي حلم كردي بوصل المناطق الكردية في سورية بعضها ببعض، وتشكيل كيان كردي ذي حكم ذاتي، ما يغري أكراد تركيا بمحاولة الانفصال لتأسيس دولة كردستان التاريخية.

4-    محاولة إقامة منطقة عازلة أو "آمنة" - كما يسميها الأتراك - في الشمال السوري، لتكون منطلقاً للعمليات العسكرية ضد الجيش السوري، والتي ستعطي أردوغان أرجحية تفاوضية لتحقيق المكاسب في أي حل سياسي يمكن أن يتّجه إليه العالم لحل الأزمة السورية، أو ضمّها إلى تركيا فيما لو طال أمد الحرب على سورية.

لكن، هل هذا يعني أن الفرصة قد حانت لتحقيق هذا الحلم الأردوغاني؟

أمام تحقيق هذا الأمر موانع جوهرية عدّة، أهمها:

1-   الرفض الأميركي لقيام المناطق العازلة، لما تحتاجه من مقومات عسكرية غير متوفرة.

2-   الحلف الأميركي - الكردي الجديد، إذ يُعتبر الأكراد الآن جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأميركية لمكافحة "داعش".

3-   قوة حلفاء سورية، وقدرتهم على الردّ في تركيا فيما لو حاول الأتراك القيام بقصف الجيش السوري.

4-   عدم القدرة على فرض حظر طيران جوي، وعدم رغبة "الناتو" في الدخول في هذا المحظور الدولي.

5-   يحتاج فرض منطقة آمنة إلى قوات عسكرية برية، بالإضافة إلى حظر الطيران الجوي، وما من قوة عسكرية معارضة على الأرض مؤهَّلة للعب مثل هذا الدور العسكري.

في المحصلة، لا تبدو حرب الأتراك على "داعش" سوى "واجهة إعلانية" يريد أردوغان أن يتخفى وراءها لخوض معاركه الحقيقية ضد الأكراد والجيش السوري، فالتحالف مع "داعش" أعطى أردوغان مكاسب حقيقية وهامة، سواء في سورية أو العراق، ويأمل أردوغان من إعلان الحرب على "داعش" بأن يحقق مكاسب إضافية داخلية وخارجية، تتجلى في احتلال جزء من الأراضي السورية، لكن من يضمن ألا ينقلب السحر على الساحر بأن يزجّ الجيش التركي في حرب مثلثة الأضلاع، ويقاتل على جبهات ثلاث: "داعش"، والأكراد، والجيش السوري؟

2015/07/09

عرقلة التفاهم النووي الايراني... استراتيجيا أم اقتصاد؟


مقال الخميس 9 تموز 2015
د. ليلى نقولا الرحباني
تتوارد المعلومات الآتية من فيينا، والتي تتحدث عن عقبات ما زالت متواصلة قبل توقيع الاتفاق النهائي بين إيران والدول الست، وعن تأجيل لمُهل التفاوض، لإعطاء فرص أكبر لتوقيع الاتفاق. ولعل هذه المعلومات والتأجيل المتواصل يشون بأن الاتفاق بات حاجة للجميع، وأن الجميع سيستفيد منه بطريقة أو بأخرى، لكن يبدو أن هناك أموراً أخرى قد تدفع إلى التأجيل، ولو إلى أجل محدود، للوصول إلى تفاهمات أخرى غير معلَنة في مجالات أخرى غير متعلقة بالملف النووي بالتحديد.

نعم، الجميع يتحدث عن أن هناك حاجة لانخراط إيران الإيجابي مع الدول الكبرى في حل القضايا العالقة في المنطقة، وهناك حاجة غربية لفك الحظر عن الصادرات الإيرانية من النفط والغاز، لمنع الاحتكار الروسي لبيع الغاز إلى أوروبا، وتلهث الشركات الغربية لتنافس الشركات الصينية في الاستثمار في السوق الإيراني الواعد، كما لإيران حاجة ماسّة لرفع العقوبات عنها، لتحفيز اقتصادها واسترجاع أموالها، وتوسيع نفوذها الإقليمي في المنطقة.. ولكن!

بالرغم من كل هذه الحاجات المتبادَلة، وأهمية التفاهم النووي بالنسبة للجميع، تبقى بعض الأمور التي لا يتمّ الحديث عنها، وتحتاج إلى تطمينات إيرانية، أو على الأقل يحتاج الآخرون إلى تأجيل التفاهم من أجلها، منها الشق الاقتصادي على سبيل المثال، والذي لا يتم التطرق إليه علناً:

1-   بالنسبة إلى روسيا، فقد استفادت من قربها الجغرافي من كل من الصين والاتحاد الأوروبي، ومن العقوبات المفروضة على إيران لتصبح أكبر مصدّر للغاز الطبيعي إلى أوروبا، وبخروج إيران من العزلة الدولية، سيتنافس البلدان في أسواق بيع الغاز الطبيعي، ولهذا وجدنا أن روسيا سارعت إلى توقيع الاتفاقيات مع كل من تركيا واليونان لمدّ أنبوب الغاز الطبيعي في البلدين لتصديره إلى أوروبا، وبدا الاستعجال الروسي متزامناً مع الأحداث في أوكرانيا والحديث عن قرب توقيع التفاهم مع إيران.

2-   بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، من الجدير ذكره أن فرض العقوبات الأميركية على إيران ليس جديداً، بل بدأ في العام 1979؛ على أثر قضية الرهائن الأميركيين، حيث أصدر الرئيس الأميركي جيمي كارتر قراراً جمّد فيه الموجودات الإيرانية في البنوك الأميركية، وقد قُدِّرت حينها بـ12 بليون دولار أميركي، في حين يقول الأميركيون إن لذوي ضحايا تفجيرات بيروت والأعمال "الإرهابية" التي قام بها "وكلاء إيران" مستحقات مالية من الأموال الإيرانية، تبلغ قيمتها بلايين الدولارات.

وتقول التقارير إن هناك خلافاً مالياً بين البلدين، يعود أساسه إلى عقود، حيث كانت هناك أسلحة دفعت إيران ثمنها ولم تكن قد سُلِّمت حين سقوط الشاه، ويقدر الإيرانيون ثمنها بـ12 بليون دولار، بينما يقول الأميركيون إنها تبلغ 500 مليون دولار فقط، بالإضافة إلى مطالبة إيران بأموال الشاه الخاصة، والتي تبلغ 24 بليون دولار؛ باعتبارها أموال الدولة، ويرفض الأميركون الاعتراف بها.

3-   بالنسبة إلى الصين، تقول إيران إن لديها ما يقارب 100 مليار دولار مجمًَّدة في بلدان مثل الصين والهند واليابان، وإن الصين مَدينة لإيران جراء بيع النفط بـ22 مليار يورو، تمّ الاتفاق سابقاً على تسديد الجزء الأكبر منها عن طريق تنفيذ مشاريع اقتصادية واستثمارية في الداخل الإيراني.

بعد هذه الأرقام، تحضرنا بعض التساؤلات:

1-   بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، ليس من الواضح بالنسبة إلى المراقب من الخارج إن كانت هناك حاجة أوروبية لعرقلة التفاهم إلى أن يصار حلّ القضية اليونانية أولاً، فالأوروبيون بحاجة إلى أجواء إيجابية مع إيران، لرفع الأسواق المالية مقابل الأجواء السلبية التي يمكن أن يشيعها خروج اليونان من منطقة اليورو، لكن ما هي كمية الأموال التي يحتجزها الأوروبيون في بنوكهم ويفترض بهم إعادتها إلى أصحابها بعد رفع العقوبات، وهل تشكّل خطراً على البنوك الأوروبية يضاف إلى خطر إفلاس اليونان؟

2-   هل يريد الأوروبيون منافسة الصينيين داخل السوق الإيراني، والمطالبة بالقيام بمشاريع استثمارية؛ كبديل عن الأموال الإيرانية المجمَّدة في البنوك الأوروبية؟

3-   هل تأجيل التفاهم مع إيران مرتبط فعلاً بموضوع الأسلحة التي تقلق كلاً من "إسرائيل" والخليجيين؟

4-   هل الإجراءات الأميركية حول ضرورة مراجعة الكونغرس لرفع العقوبات عن إيران، أسبابها سياسية استراتيجية متعلقة بأمن "إسرائيل" ونفوذ اللوبي الصهيوني في أميركا فحسب، أم يعود بجزء منه إلى رغبة الأميركيين في الاحتفاظ ببلايين الدولارات المجمَّدة من عام 1979، وتأخير تسديدها مع ما يترتب عليها من فوائد؟

أسئلة من الصعب معرفة إجاباتها بسهولة، لكن يبقى الأكيد أن ما يظهر من المفاوضات في فيينا هو رأس السطح، ويبقى ما خفي هو الأعظم.