2015/11/26

هل يردّ بوتين على الرسالة التركية- الاميركية؟

د. ليلى نقولا
بالتأكيد، سيذكر تاريخ الحرب السورية عند كتابته، حدث مفصلي آخر يضاف إلى التطورات المفصلية السابقة، وهو إسقاط الأتراك طائرة روسية فوق الأراضي السورية، وقيام المسلحين التابعين لتركيا بإطلاق النار على الطيارين وهما يهبطان بالمظلة على بُعد كيلومترات عدّة من الأراضي التركية، وفي عمق الأراضي السورية.

والأكيد أيضاً أن الردّ الروسي على هذا التطور الخطير هو أمر حتمي، خصوصاً مع شخصية قيادية كشخصية فلاديمير بوتين، ولأن عدم الردّ سيؤدي إلى تعطيل مفاعيل الردع الذي فرضته عاصفة السوخوي، وسيدفع إلى التشجيع على المزيد من الاستهدافات للروس في المنطقة، وفي سورية.

وبغض النظر عن حجم الردّ الروسي الحتمي وطبيعته، وأين يمكن أن يتحقق، وكيف، يبدو من المهم بمكان قراءة المعطيات التي توفّرت عن الحادثة بجوهرها ومضامينها، وأسئلتها الجوهرية، وهي على الشكل الآتي:

أولاً: سواء كانت الطائرة الروسية قد خرقت الأجواء التركية لمدة 17 ثانية، كما يقول الأتراك، أو لم تخرقها كما يؤكد الروس، فإن الطائرة لم تكن تشكّل تهديداً للأتراك أو لأمنهم القومي بالمعنى المتعارَف عليه في القانون الدولي، ليتمّ إسقاطها.

ثانياً: الإعلان أن الطائرات التركية التي استهدفت الطائرة الروسية قد خرجت من قاعدة انجريليك التركية، وهي قاعدة يستخدمها الأميركيون في حربهم على الإرهاب، تشي بأن تنسيقاً أميركياً - تركياً سبق قصف الطائرة الروسية. وإذا عطفنا الأمر على تصريحات الرئيس الأميركي باراك أوباما بعد الحادثة، وما صرّح به الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بُعيد خروجه من اجتماعه مع أوباما، من عدم رغبة فرنسية بالتنسيق مع الروس في حربهم في سورية إلا في حال التزموا فقط بقتال "داعش"، يعني أن العمل العدواني التركي ليس إلا رسالة أميركية للروس بعدم قبولهم بتغيير موازين القوى على الأرض لصالح الجيش السوري.

ثالثاً: تذرُّع الأتراك بحجة الدفاع عن النفس في إسقاطهم للطائرة الروسية، معتبرين أن الدفاع عن النفس يسري في حالتين:

أ- حقهم في الدفاع عن مجالهم الجوّي الإقليمي، وهذا له طابع سيادي بالتأكيد.

ب- التذرُّع بأن الروس يقصفون التركمان في سورية: وإن كان الأتراك يستخدمون هذه الذريعة لأن روسيا استخدمتها عام 2008؛ حين قام الجيش الروسي بالتدخل العسكري في جورجيا لتحرير أبخازيا واوسيتيا الجنوبية، متذرعاً بحماية مواطنين روس، فإن الحالة الجورجية لا تنطبق على الحالة السورية؛ ففي الحالة الجورجية، مواطنو أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية هم بالفعل رعايا روس يحملون الجنسيات الروسية، ولطالما شكّلت تلك الأقاليم جزءاً من الأراضي الروسية منذ القرن التاسع عشر، وبعدها كجزء من الاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية ولغاية عام 1991، حين استقلت جورجيا، فشكلّوا أقاليم مستقلة ضمنها.

وهكذا، فإن حالة الأقلية التركمانية داخل سورية (وهم مواطنون سوريون من أصول تركمانية) لا يمكن مقارنتها بحالة الرعايا الروس الموجودين في أراضي جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، كما أن التذرع التركي بالتدخل العسكري لحماية الأقلية التركمانية داخل سورية يُعدّ تخطياً لكل المواثيق والأعراف الدولية التي تؤكد على سيادة الدول التي تتواجد فيها أقليات عرقية على أرضها.

رابعاً: الاستدعاء التركي لحلف شمال الأطلسي بعد اسقاطهم الطائرة الروسية، يظهر وكأنه إما محاولة لجرّ الحلف الى حرب مع الروس، أو لتجنّب الردّ الروسي القوي من خلال محاولة "تخويفهم" بالحلف الأطلسي، لكن البيان المتحفّظ لحلف شمال الأطلسي، وبالرغم من أنه دعمَ - لفظياً - الرواية التركية، يعكس عدم استعداد الحلف للدخول عسكرياً في حرب ضد الروس أو لإقامة منطقة عازلة أعلن أردوغان أنه "سينشئها بالتعاون مع حلفائه"، خصوصاً في وقت تتعرض دول الاتحاد الأوروبي لتهديدات إرهابية غير مسبوقة في تاريخها، بالإضافة إلى ما يعنيه هذا التدخل من تحوّل الحرب السورية من حرب عالمية بالوكالة إلى حرب عالمية حقيقية على الساحة الشرق أوسطية.

خامساً: الاطلاع على عمق وحجم التبادل الاقتصادي والتجاري التركي الروسي يجعل من التصعيد العسكري بين الاثنين مستغرَباً، كونه مُكلف للجميع ويضر باقتصاد البلدين، فالسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: ما هي الأهمية الاستراتيجية للمنطقة التي يريد أردوغان احتلالها تحت مسمى "المنطقة الآمنة"، لكي يفرّط بكل المكاسب الاقتصادية والتجارة وأمن الطاقة التي يوفّرها له الروسي؟

في المحصّلة، يبدو التصعيد التركي رسالة أميركية للروس بأن تعديل قواعد الاشتباك في الشمال السوري أمر ممنوع، وأن الحدود التركية - السورية يجب أن تبقى مفتوحة للإمداد والتمويل ودعم المجموعات الإرهابية التي تقاتل الجيش السوري، لعلمهم بأن إقفال تلك الحدود سيقطع المياه عن "السمكة" الإرهابية، ويخنقها، وسيفرض حلاً سياسياً حسب التصور الروسي - الإيراني، والذي أُعلن ضمن الرسالة المشتركة التي أطلقها بوتين والخامنئي من طهران. وهكذا، قال الأميركي كلمته، فهل سيقبل الروسي؟ من الصعب جداً تصديق أن بوتين سيقبل بأن لا تكون الكلمة الأخيرة والنهائية له في الميدان السوري.

2015/11/04

ماذا بعد الانتخابات التركية؟

د. ليلى نقولا
تماماً كما نتنياهو قبله، فاجأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجميع، وتخطى كل التوقعات بفشل حزبه في الوصول إلى أغلبية مريحة تمكّنه من تشكيل حكومة وحكم البلاد بطريقة منفردة؛ فقد حقق "حزب العدالة والتنمية" فوزاً كاسحاً بالرغم من أن الأعداد لم تكن على قدر آمال أردوغان، الذي كان يأمل في الحصول على أغلبية ثلثي البرلمان، حتى يتمكّن من القيام بتعديلات دستورية، أهمها تغيير النظام السياسي إلى نظام رئاسي بدل البرلماني، وكتابة دستور جديد لتركيا.

لعل كثيرين تحدثوا عن الوسائل التي استخدمها أردوغان وأركان حزبه، خصوصاً أحمد داود أوغلو، للحصول على هذه النتيجة، خصوصاً استخدام العنف والقتل والقلق الأمني، وعدم الاستقرار، بالإضافة إلى خطابات الترويع والتخوين، وترهيب المعارضين، وتهديد الأكراد، بالإضافة إلى الوعود الانتخابية التي أغدقها أردوغان لتشجيع الناخبين، والتي يندرج بعضها ضمن إطار تدخله في الحياة الخاصة والشخصية للأتراك.

وللمتابعين للانتخابات التركية، وهم كثر من داخل تركيا وخارجها، يبدو السؤال الجوهري اليوم: ماذا بعد الانتخابات التركية؟

1-      لا شكّ أن الأزمة السورية ستكون أكثر المتأثرين بهذا الفوز الأردوغاني الساحق، والذي سيدفعه إلى مزيد من التعنّت، ومحاولة دفع الأمور إلى التصعيد، لتحقيق مكاسب في الميدان السوري، يحصّل بعدها مكاسب سياسية تجعله من الأطراف الرئيسية التي ترسم مستقبل كل من سورية والعراق.

وللتصعيد الأردوغاني المرتقَب بعد الانتخابات هدفان: إسقاط النظام السوري، أو على الأقل إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، والذي بات العداء الأردوغاني موضوع شخصي أكثر منه سياسي، أو عقلاني. أما الهدف الثاني، فهو ضرب بنية الإدارة الذاتية التي بدأت تتشكل بشكل واقعي، خصوصاً في ظل تحالف الأكراد مع كل من أميركا وروسيا، وتفهّم الدولتين الأخيرتين لمطالب الأكراد المشروعة بحكم ذاتي، بالإضافة إلى إعلانهما - كل على حدى - أن الأكراد جزء لا يتجزأ من استراتيجية المواجهة مع "داعش"، ولطالما كان من الصعب خلال السنوات الخمس الماضية، أن تتفق الدولتان المتنافستان على كسب النفوذ وتوسيع دائرته في الشرق الأوسط على أمر ما بشكل مؤكد؛ فإن اتفقوا تمّ الأمر، وإن اختلفوا طال النزاع، ولعل اللافت اتفاقهما على محورية الدور الكردي، وهو ما يقلق الأتراك بشكل جدّي.

2-      على صعيد الداخل التركي، وبالرغم من انتصار "العدالة والتنمية" الذي خيّر الناخبين "أنا أو الفوضى"، لكن الوضع التركي لا يشي بالذهاب نحو الاستقرار الذي وعد به أردوغان شعبه في حال فوزه في الانتخابات، وقد يكون العامل الكردي، والتراجع الاقتصادي والركود والبطالة، بالإضافة إلى قضية الأعداد المتزايدة للاجئين السوريين، وتغلغلهم في البلاد وفي اقتصادها ونسيجها الاجتماعي، عامل من عوامل التأزيم التي لا يمكن ضبطها بسهولة.

3-      بالنسبة إلى الأوروبيين التوّاقين إلى تفاهم ما مع تركيا، لضبط موضوع الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وتدفُّق اللاجئين غير المسبوق، فإن الانتصار الانتخابي ووهم فائض القوة الذي تحصّل عليه حزب أردوغان، سيجعل من الشروط التركية أعلى من ذي قبل، ما قد يدفع أوروبا - في ما لو اختارت الخيار العقلاني - إلى الضغط للوصول إلى حل سياسي في سورية، يسمح لهم برفض اللاجئين وإعادتهم إلى بلادهم بدون التشهير بهم في الإعلام العالمي، بالإضافة إلى التنصُّل من مطالب الأتراك بالدخول إلى الاتحاد الأوروبي، أو - على الأقل - السماح للأتراك بالدخول إلى أوروبا بدون تأشيرة، وهو ما قد يغرق الدول الأوروبية بالعمالة التركية ويعزز البطالة الأوروبية، ويخلق تحديات للسلطات الحاكمة ليس أقلّها صعود اليمين المتطرف في كلا الحالتين: فتح الأبواب للأتراك أو للاجئين السوريين.

4-      بالنسبة إلى كل من أميركا وروسيا، فلا يضير أي من الدولتين بقاء أردوغان وحزبه في الحكم في تركيا، فالروس يقيمون علاقات اقتصادية غير مسبوقة مع الأتراك، ويطمحون بأن يكون أنبوب السيل التركي بديلاً مقبولاً عن الأنبوب الأوكراني. أما الولايات المتحدة فهي تعتمد بشكل أكيد على الحليف التركي - عضو حلف "الناتو" - لتسيير شؤون المعارضة السورية والمجموعات المسلحة، وقد يكون عودة "حزب العدالة والتنمية" إلى الحكم بشكل منفرد من الأمور التي تريدها الإدارة الأميركية بشدّة، إذ إن الأزمة السورية تمرّ في أخطر مرحلة من مراحلها بالنسبة للأميركيين، وهم يحتاجون إلى حلفاء موثوقين وقادرين ومستقرين لفرض وجهة نظرهم وخياراتهم سواء في الميدان السوري أو في مؤتمرات فيينا.

2015/10/22

ماذا لو لم يتدخل الروس؟


د. ليلى نقولا
في منتصف الصيف المنصرم، غرق الإعلام بموجة من التصريحات المتفائلة والمتبدّلة، والتي تحدثت عن "تغيير ما" في النظرة الغربية والإقليمية تجاه الحرب السورية، وأن الشروط السابقة والخلاف حول مستقبل الرئيس بشار الأسد قد انتهى؛ فلم يعد جون كيري يكرر الموقف الأميركي المعروف منذ سنوات أربع بأن "الأسد فقد كل شرعيته وعليه أن يرحل"، بل بات يتحدث عن ضرورة "التفاوض معه"، مستكملاً سلسلة من التصريحات التي أوحت بتطور ما في الموقف الأميركي، ولو غلّفه كيري بضرورة التفاوض مع الأسد لإقناعه بالرحيل في مرحلة ما من التفاوض.

ومع كيري، برز حديث رجب طيب أردوغان في موسكو، معتبراً أنه يمكن للأسد أن يبقى في مرحلة أولية من المرحلة الانتقالية، على أن يرحل في مرحلة لاحقة، وترافق هذا مع حديث مشجّع للأوروبيين حول ضرورة التفاوض مع الأسد، بينما بقيت السعودية وحدها تغرّد منفردة، معتبرة على لسان وزير خارجيتها أنه "لا مكان للأسد في سورية".

وبالتزامن مع كل تلك التصريحات العلنية، والتي دفعت البعض للتفاؤل بإمكانية الذهاب إلى حل سياسي في سورية، كان المحور الغربي ومعه حلفاؤه الإقليميون يُعدّون خطة يتصورون أنها ستقلب موازين القوى الميدانية، وتؤدي إلى احتلال دمشق وإسقاط الأسد عبر هجوم برّي ينفذه الجيش التركي بذريعة إقامة "المنطقة الآمنة"، وتحدثت تقارير صحفية حديثة أن الاستخبارات الروسية والإيرانية كشفت خطة بدأ التحضير لها في غرفة العمليات التركية لهجوم على حلب وحمص وصولاً إلى قطع طريق بيروت - دمشق، "كمقدمة للإغارة الواسعة على العاصمة السورية واقتحامها في شهر تشرين الأول (الحالي)، فضلاً عن هجوم واسع هدفه السيطرة على حمص والدخول من سهل الغاب إلى تخوم مدينة اللاذقية الساحلية".

ولعل الكشف عن هذه الخطة الغربية التي أفشلها التدخل العسكري الروسي في سورية، يوضح الكثير من الأمور التي كان يشوبها بعض الإبهام، وذلك على النحو الآتي:

1-      الهجوم المفاجئ للاجئين السوريين على أوروبا، بعد سنوات أربع من البقاء في دول الجوار الإقليمي السوري، متحدّين الموت ورحلات العذاب الطويلة. ينجلي اليوم هذا الغموض، فقد كان أردوغان بحاجة إلى تغطية أوروبية لتدخّله العسكري في سورية، بحجة إقامة المنطقة الآمنة التي سيقيم فيها اللاجئون، ولو قُدّر له الحصول على الموافقة الأوروبية بسرعة - قبل التدخّل الروسي - لانقطع سيل اللجوء السوري إلى أوروبا بقدرة قادر!

2-      تراجُع "تيار المستقبل" عن الوعود التي كان قد قطعها والتسويات التي كان بصدد الدخول فيها، ثم تعنّت "المستقبل" وحلفاؤه ومعهم بعض قوى 8 آذار في إعطاء العماد عون أي فرصة لمكسب أو إمكانية النفاذ إلى تسوية مقبولة، والذي ترافق مع الحديث عن عزل العماد عون وكسره.. وذلك لاعتقاد هؤلاء أنه ما هي إلا شهور وتسقط دمشق بيد الحلف التركي - السعودي، فيسهل اجتثاث المسيحيين، ويعود لبنان إلى حكم "الترويكا" التي حكمته خلال التسعينات.

وهكذا، يبدو أن التصريحات المتفائلة بقرب الوصول إلى حل سياسي في سورية لم تكن سوى نوع من إراحة الأجواء الدولية وذرّ الرماد في العيون، للانقضاض على دمشق فجأة بعد تمهيد الأرضية الدولية لذلك، بحيث يكون إسقاط سريع للنظام يُسقط في يد الإيرانيين والروس معاً.. وبالنتيجة، يمكن القول إن السيناريو المتفائل بأن تنسيقاً ما تمّ بين الأميركيين والروس تدخّل على أثره الروس في سورية، لم يكن حقيقياً وواقعياً، وإن الخلاف الروسي الأميركي على سوريا أعمق مما يظهر للعلن.. ويتضح أيضاً أن التدخّل الروسي الذي فاجأ الجميع في سورية قد أحبط مخططاً جهنمياً قوامه احتلال تركي لسورية، كان سيُغرق الشرق الأوسط في أتون من التطهير العرقي وإبادة الأقليات الدينية.

2015/10/15

بعد الدخول الروسي... كيف سيكون شكل الحكم اللبناني؟


د. ليلى نقولا
لا يشذّ لبنان وسياسيوه عن العالم الذي ينظر مترقباً ومشدوهاً، بانتظار أن يتبلور مصير الحملة الروسية على الإرهابيين في سورية، والتي تترافق مع هجوم برّي يتقدم فيه الجيش السوري على محاور عدّة، بينما اكتفى الأميركيون بالردّ - لغاية الآن - بإلقاء السلاح للمجموعات الارهابية وقصف محطتين للكهرباء في حلب، بذريعة استهداف عناصر "داعش" الذين يسيطرون على المحطة منذ أكثر من عامين، والذي أدّى إلى تدمير المحطات بالكامل، وحرمان حلب من الكهرباء.

وفي لبنان، يستمر مشهد المراوحة وتقطيع الوقت، وانتظار تبلور نتائج الحرب السورية، والتي كلما دخلت منعطفاً مختلفاً وتبدّلت موازين القوى فيها، تبدّل المشهد السياسي اللبناني، وتبدّلت مواقف بعض الأطراف اللبنانية، للتناغم معها، وانتظار فرصة مؤاتية لقضم المزيد من حقوق الآخرين، أو من حقوق المواطنين.

مع بداية الحرب في سورية، حلم "تيار المستقبل" وباقي المجموعات التي تدور في فلكه، بسقوط وشيك لسورية، وأن قيامهم بدعم "الثورة السورية" سيتيح لهم حكم لبنان وسورية معاً، وأن القضاء على النظام السوري سيكون مقدمة للقضاء على المقاومة في لبنان، والثأر لحرب تموز 2006 وما بعدها، لكن حساب الحقل السوري لم يطابق بيدر "تيار المستقبل" ومن ورائه السعودية وقطر وتركيا والحلف الغربي، فصمد السوريون، ووعت المقاومة خطورة ما يتهددها، فانخرطت في الحرب السورية في أوائل عام 2013، وبدّلت موازين القوى على الأرض.. وساهم سقوط المشروع "الإخواني" بحلحلة العُقد اللبنانية وتشكيل حكومة وحدة وطنية ما زالت تترنح لغاية اليوم، ولا تسقط.

استمرت حال التهدئة، ودخل الرئيس سعد الحريري في حوار مع العماد ميشال عون، وتمّ الاتفاق على تفاهمات داخلية سرعان ما أتى سقوط جسر الشغور وتقدُّم المجموعات المسلحة السورية على حساب الجيش السوري ليسقط التفاهمات اللبنانية بالضربة القاضية، ويؤدي إلى سيادة منطق وفكر إلغائيَّين مارسهما "المستقبل" وانخرطت فيهما بعض المجموعات السياسية الأخرى، وعاد البعض إلى المنطق الذي ساهم مع عوامل عدّة في إشعال الحرب اللبنانية في 1975، وهو منطق العزل والكسر لفئة من اللبنانيين.

ومع دخول الروس اليوم، يسود منطق الانتظار لانجلاء غبار المعارك، وعلّ التسوية في لبنان تأتي مكمّلة للتسوية في سورية، وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن اتجاهات عدّة للحل:

1-      أن يؤدي الانتصار الميداني الروسي - السوري للاتيان برئيس ينتمي إلى المحور المنتصر.

2-      أن يدخل الروس في تسوية شاملة في المنطقة، بعد تغيير موازين القوى التي تدفع الغرب وحلفائهم الإقليميين بالقبول بالذهاب إلى الحل السياسي، ويبقى السؤال هنا: هل ستسمح موازين القوى للروس بالوصول إلى تسوية تأتي بالرئيس السوري بشار الأسد ومعه رئيس لبناني ينتمي إلى المحور الذي يمثّلونه، أم أن عليهم أن يتخلوا عن أحدهما؟

3-      أن ينهزم الروس في سورية، فتتمّ الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، ومعه يأتي رئيس لبناني يشبه ميشال سليمان.

الأكيد أن الروس لن يُهزموا في سورية، وأن المحور المتشكّل من حدود لبنان إلى سيبيريا مروراً بسورية والعراق وإيران يمتلك الكثير من مقومات القوة التي تجعله عصياً على الانهزام، بينما يعاني الحلف المقابل من تصدعات داخله، وتمرّ أذرعه الإقليمية بفترات من عدم الاستقرار والتوتر، ما قد يجعل من الصعب جداً عليهم الانتصار أو إغراق الروس في المستنقع السوري.

والأكيد، بحسب ما صرّح الروس، أنهم يريدون توظيف أي انتصار ميداني في خدمة تسوية شاملة مع الأميركيين في المنطقة، فما الذي يمكن أن يكون عليه شكل الحكم القادم في لبنان؟

في البداية، من الضروري التأكيد أن الدول ليست جمعية خيرية، وليست ذات مبادئ عقائدية، وأن الروس سيأخذون بعين الاعتبار مصالحهم بالدرجة الأولى، لكن، سواء كان الروس أو الأميركيون أو سواهم، فإن قرارات الدول الكبرى لم تعد بالنسبة إلى شعوب المنطقة قدراً محتوماً، ومن يراهن على أن الروس يستطيعون حسم كل شيء في المنطقة مع الأميركيين يبدو واهماً، ولنتذكر في هذا المجال التصريحات التي أطلقها بوغدانوف خلال عامي 2012 و2013 حول مصير الرئيس السوري، وإبدائه آراءً حول رؤية موسكو بأن على الأسد ألا يترشّح للرئاسة عام 2014.. فها هي موسكو اليوم تعيد النظر وتعتبر الرئيس السوري من صلب استراتيجيتها في المنطقة.

وقياساً على ذلك، فإن موازين القوى المحلية اللبنانية يمكن أن تلعب عاملاً حاسماً في تحديد هوية وصورة وشكل الحكم اللبناني بعد التسوية وقبلها، شرط أن يتحلى اللبنانيون بالصبر والقوة وصلابة الإرادة لفرض ما يريدونه على القوى الكبرى، وللقول للعالم: انتهى عصر الأوامر الخارجية، وجاء عصر القرار اللبناني الحر.

2015/10/08

التدخل الروسي: تنسيق أم مواجهة قادمة الأميركيين؟


د. ليلى نقولا
بعد أن أستطاع الروس فرض حظر جوي واقعي فوق الأراضي السورية، تتسارع التقديرات والتكهّنات حول مستقبل الأزمة السورية، في ظل تغيّر موازين القوى على الأراضي السورية، وانقلاب المشهد الميداني رأساً على عقب، بعدما كانت المجموعات المسلحة قد استطاعت في الأشهر القليلة الماضية توسيع رقعة نفوذها.

وبما أنه معروف في علم العلاقات الدولية، أن الميدان يلعب لصالح السياسة وليس العكس، انطلاقاً من مقولة كلاوسفيتز إن الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى، فما هي السناريوهات التي يمكن أن يخلقها التدخل العسري الروسي في سورية؟

السيناريو الأول: أن يكون الأميركيون والروس قد اتفقوا مسبقاً على التدخل الروسي؛ حيث يقوم الروس بما لم يستطع الأميركي أن يقوم به لجهة ضبط تصرفات حلفائه الإقليميين، وإعادتهم إلى بيت الطاعة الأميركي، بعد أن شهدت الأعوام الأربعة الماضية جنوح السعوديين والأتراك إلى ما يشبه التمرد، أو على الأقل التململ و"تكبير الحكي" ضد السياسة الأميركية، ونذكر منها التهديد السعودي بالبحث عن حلفاء آخرين.

بهذا السيناريو، يقوم الروس وحلفاؤهم بالقضاء على المعارضة المسلحة التابعة للأتراك والسعوديين، خصوصاً "جيش الفتح"، ما يدفع الدولتين الإقليميتين الراعيتين للمجموعات المسلحة للذهاب مرغمتين إلى حل سياسي في سورية، بعد فرض الميدان السوري إيقاعه على الجميع، وتكبيدهم خسائر كبرى.

وقد تكون لهذا السيناريو تصوراته المحقة والمترافقة مع إمكانية فشل حزب أردوغان في الانتخابات التركية المزمع إجراؤها في الأول من تشرين الثاني المقبل، والتي قد تؤدي إلى أزمة سياسية داخلية، تترافق مع القلق الاقتصادي المتنامي، وهبوط سعر صرف الليرة التركية. أما بالنسبة إلى السعودية، فإن الممكلة المتهالكة بحروب الأمراء في الداخل، تعيش أسوأ كوابيسها في حرب خرجت إليها في اليمن، ولا تعرف كيف تنهيها.

السيناريو الثاني: أن يكون الروس قد استغلوا التردد الأميركي في المنطقة، وفشل خططهم السياسية والعسكرية على مدى سنوات أربع، فأتوا في لحظة تاريخية مفصلية، وتدخلوا حيث الحلف الغربي في أسوأ لحظات له منذ اندلاع الحرب السورية، ليحصّلوا مكاسب استراتيجية كبرى سيحصدونها في ملفات عدّة، أقله في "الشرق الأوسط" وأوكرانيا، وكسر العقوبات الدولية التي أنهكت الاقتصاد الروسي.

في هذا السيناريو، نجد أن الأميركيين أعلنوا فشل برنامج تدريب "المعارضة المعتدلة"، وانهيار "غرفة الموك" على الجبهة الجنوبية، وقيام الفصائل الجنوبية بالبحث عمن يؤمّن لها المال، وبعضهم قرر الذهاب إلى أوروبا.

أما الأوروبيون، وبالرغم من أن للهجرة السورية إلى أراضيهم تأثيرات اقتصادية جيدة، لكن عدم قدرتهم على تحديد مَن يدخل ومَن لا يدخل، وإمكانية اندساس الإرهابيين بين اللاجئين، بالإضافة إلى القلق من تنامي نفوذ أحزاب اليمين المتطرف في أنحاء أوروبا، تجعلهم أكثر قُرباً لتفهُّم الدوافع الروسية، والترحيب الضمني بأي واقع جديد يمكن أن يفرضه هذا التدخل، وهكذا يكون الروس قد استطاعوا النفاذ من نافذة تناقض المصالح بين الأميركيين والأوروبيين.

وخارج إطار السعودية وسياستها المعروفة بالهروب إلى الأمام، والتصعيد كلما لاحت بادرة انفراج ما في القضية السورية، والتي أخرجت أبواق الفتنة لتعلن "الجهاد" ضد الجيش الروسي، ولتحرّف المراد من قول أحد المسؤولين في البطريركية الروسية، فتحاول جعل القضية حرباً بين المسيحيين والمسلمين!! يحسب الأميركيون والأوروبيون والأتراك خطواتهم ومواقفهم من التدخل الروسي بدقّة، ويحسب كل منهم هامش الخطأ الدقيق الذي يمكن أن يؤدي إلى حرب عالمية بالأصالة، بعد أن استمرت أعواماً أربعة بالوكالة على الأراضي السورية، فتبرز التصريحات الدولية والإقليمية التي تتعامل مع قصف الروس لأدواتهم على الأرض كأمر واقع لا مفر منه، وتكتفي بإبداء "القلق" والرغبة في التنسيق.

وهكذا، وبغض النظر عن أي من السيناريوهات، يملك التوصيف الأقرب إلى الواقع، يبقى الثابت المشترك بين كل السناريوهات أن الروس والأميركيين لن يتقاتلوا مباشرة فوق الأراضي السورية، كما يمكن القول إن الروس قد حققوا أهدافاً عدّة منذ اليوم الأول لحملتهم الجوية، وفرضوا أنفسهم لاعباً دولياً لا يمكن تخطيه في منطقة "الشرق الأوسط".. والأكيد، أن ما بعد التدخل العسكري الروسي في سورية مختلف عما قبله، والأكيد أيضاً أن هذا التدخل قد أدخل "الشرق الأوسط" برمّته في انعطافة جديدة، سيحدد مصيرها نجاح الحملة العسكرية الروسية، التي ستترافق حتماً مع تقدُّم برّي سيقوم به الجيش السوري وحلفاؤه على الأرض.. ويبقى الميدان الحَكم وصاحب القرار.