2016/05/24

معركة الرقة القادمة ... بين تقاعس الحلفاء وحاجة واشنطن للانتصار

د. ليلى نقولا
بالرغم من قساوة مشاهد القتل والتفجيرات الانتحارية التي حصلت في كل من جبلة وطرطوس، والتي راح ضحيتها المئات من الشهداء والجرحى، إلا أن مشهد الحقد والدماء المسفوحة ظلماً الذي تزرعه "داعش" في مختلف أنحاء المنطقة العربية؛ من سوريةإلى العراق، فاليمن وليبيا وغيرها، لم يحجب الأنظار عن المعركة المفترَض أن الأميركيين يتحضّرون لها لتحرير الرقة من "داعش"، معتمدين على "قوات سورية الديمقراطية"، وعمادها الأساسي القوات الكردية.
وقد تكون الأنباء الواردة من الشمال السوري، بعد زيارة قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط جوي فوتيل، وقبلها زيارة بريت ماكغورك؛ المبعوث الخاص للرئيس الأميركيلدى التحالف الدولي ضد "داعش"إلى المنطقة، تأتي لتؤكد أن الأميركيين قرروا خوض معركة حقيقية ضد "داعش" في الرقة، وأن المناشير التي ألقيت على الرقة ودعت المدنيين للرحيل ليست حرباً نفسية كما يسوّق بعض الإعلام الداعم لـ"المعارضة السورية".
مشكلة الأميركيين في تحرير الرقة، وكما كانت تطرح دائماً حين الحديث عن تحريرالموصل، هي حلفاؤهم، الذين يدفعون الأميركيين إلى اعتماد خيارات أخرى في الميدان السوري، قد تبدل "هندسة" خريطة التحالفات الميدانية، ولو بشكل تكتيكي:
1-   بالنسبة إلى حلف "الناتو"، والأوروبيين بالتحديد، والذين يتعرضون لابتزاز تركي غير مسبوق في قضية اللاجئين، المؤسف أن الأوروبيين، دعاة حقوق الإنسان والتنظير بالإنسانية والديمقراطية، يساعدون أردوغان على ابتزازهم، ويشجّعونه على تحويل تركيا إلى دولة - الفرد المتحكّم بكل مفاصلها، والذي يحكم كسلطان عثماني أين منه سلاطين الدولة العثمانية خلال أقسى عهودها تسلُّطاً. يمشي الأوروبيون بحذر في هذه اللحظة المفصلية في حقل ألغام، فلا هم يستطيعون التخلّي عن أميركا في حربها ضد "داعش"، التي تهدد أمنهم وتقتلهم في عقر دارهم، ولا هم قادرون على إغضاب تركيا، التي ترفض أن يكون الأكراد عماد القوة المقاتلة التي ستحرر الرقة. لكن في النهاية، يعرف الأوروبيون قبل غيرهم ألا قدرة لهم على رفض المطالب الأميركية، وأن الوقوف على الجانب الصح، سيجعلهم مرغمين على مساعدة حليفهم الأميركي، شاؤوا أم أبَوْا.
2-   أما تركيا التي ترفض فتح مجالها الجوّي لطيران التحالف الدولي لقصف "داعش"، وترفض استخدام قاعدة انجرليك، فقد تدفع الأميركيين والتحالف الدولي إلى الاستعانة بالطائرات الروسية للمساعدة في الإسناد الجوّي للمقاتلين المتقدمين على الأرض. هذا التعاون العسكري الميداني، الذي أعلن الروس مناقشته مع الأميركيين، بينما نفاه الجانب الأميركي، قد يصبح أمراً واقعاً في عملية تحرير الرقة من "داعش"، وقد يمهّد السبيل إلى مزيد من التنسيق بين الجانبين، علماً أنه قد لا يؤدي إلى التفاهم على أسس الحل السياسي بشكل كامل.
3-   ويبقى الحلفاء العرب الذي ينادون بضرورة تحرير الرقة من قبَل قوات عربية وليس كردية، فيدرك الأميركيون أنهم غير جادّين وغير مستعدين لحضّ مقاتليهم على الأرض لمقاتلة "داعش"، إذ إن الأولوية بالنسبة لهم هي قتال الجيش السوري، ولو كان ذلك بوساطة التحالف مع الشيطان.
في المحصلة، وبالرغم من كل الضغوط، وتبيان مصالح الحلفاء، وعدم رغبتهم بفعل شيء ضد داعش، فإن معركة تحرير الرقة باتت ضرورية بالنسبة للأميركيين، لأسباب عدّة أهمها:
أ‌-       الإدارة الأميركية، المتهمة بأنها لم تحقق شيئاً في حملتها ضد "داعش" في سورية والعراق، لا تملك ترف الوقت ولا هامش المناورة لكي تمارس مجرد حرب نفسية إعلامية بالإعلان عن نيتها تحرير الرقّة، فتتراجع بعدها، ليشنّ عليها حلفاؤها وخصومها في الداخل - قبل الأعداء - حملة بالتقصير والتقاعس والاتهام بالضعف والتردد، تشبه إلى حد بعيد ما قاموا به بعد تراجع الرئيس باراك أوباما عن شنّ حرب على النظام السوري بُعيد أزمة الكيميائي السوري.
ب‌- الوقت المتبقي للرئيس باراك أوباما في البيت الأبيض، وحاجته لانتصار ما في الحرب على الإرهاب، تنفي عنه صفة الفشل فيها، بعدما حقق الروس في مدة قصيرة ما عجز عنه التحالف في شهور عديدة،يوجب عليه القيام بتحرير مدينة يضجّ بها الإعلام العالمي، وهكذا تمّ اختيار الرقة،باعتبار تحريرها أسهل وأقل تعقيداً من تحرير الموصل.
ت‌- اكتساب مزيد من أوراق القوة في المفاوضات حول مستقبل سورية، بعدما استنفد الأميركيون ورقة "المعارضة السورية" المسلّحة المدعومة من السعوديين والقطريين والأتراك. يحتاج الاميركيون إلى أوارق قوة تدين لهم بالولاء أكثر، بعدما أظهر الحلفاء الإقليميون رغبة بالتمرد على قرارات واشنطن، ومَن أكثر من الأكراد استعداداً للطاعة، والذهاب إلى معركة لا يريدونها بالأساس، في ظل وعود لهم بتأسيس كيان مستقبلي يأسسون فيه دولتهم - الحلم؟

2016/04/07

بين حلب وكاراباخ... فتّش عن أردوغان


د. ليلى نقولا
تتهيأ الوفود المشاركة في جنيف السوري للانطلاق في جولة جديدة من المفاوضات، على وقع تصعيد عسكري خطير قامت به الفصائل المسلَّحة المدعومة سعودياً وتركياً في حلب، والتي كانت قد أعلنت في وقت سابق التزامها بالهدنة، في محاولة منها لقلب موازين القوى العسكرية عشية التوجُّه إلى جنيف، وللانقلاب على مفاعيل تقدُّم الجيش السوري الميداني، خصوصاً انتصاره على "داعش" وتحريره تدمر والقريتين.

أما تحرير مدينة القريتين، والذي لم يأخذ حيّزاً إعلامياً كتحرير تدمر، لما لها من أهمية وقيمة عالمية، وكونها تُعتبر جزءاً من الإرث المشترك للإنسانية، فيعني انهيار مخطط "داعش" للسيطرة على  قلب المنطقة الوسطى في سورية، والذي سعى من خلالها التنظيم إلى التمدد نحو حمص، والوصول إلى حقول النفط والغاز في المنطقة، والأهم بالنسبة للبنان قطع إمكانية تمدد التنظيم الإرهابي باتجاه مناطق القلمون الشرقي، وصولاً إلى جرود رأس بعلبك.

أمام هذا المشهد الميداني، يبدو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأكثر رغبة وإصراراً على خلط الأوراق، بعدما تبيّن أن المشهدين السوري والتركي الداخلي لا يلعبان لصالحه، وبعدما تحوّلت بعض المناطق التركية إلى ساحة حرب حقيقية، وبعد الإشارات المتعددة التي تمّ تسريبها أميركياً حول نيّة الجيش التركي الانقلاب على أردوغان، وآخرها الحديث عن عدم القدرة على الانتصار على "داعش" وهزيمته في ظل وجود أردوغان في السلطة.

قد يكون الدفع التركي لخلط الأوراق الإقليمية لا يقتصر على خرق الهدنة سورياً ومعاودة القتال، بل أيضاً من خلال الحرب التي اندلعت فجأة في إقليم ناغورنو - كاراباخ بين أذربيجان وأرمينيا، ويمكن رؤية بصمات أردوغان الواضحة في التصعيد الخطير، والذي كاد يؤدي إلى حرب إقليمية في تلك المنطقة.

لقد أطلق الرئيس الأذري السابق حيدر علييف؛ والد الرئيس الحالي، عبارة "أمة واحدة في دولتين" لتوصيف العلاقة التركية - الأذرية، وكانت تركيا أول دولة تعترف باستقلال أذربيجان بعد سقوط الاتحاد السوفياتي واستقلال دوله، وكانت لأذربيجان دائماً حصة كبرى من المخططات التركية والأوروبية في محاولات التملُّص من الاحتكار الروسي لبيع الغاز لأوروبا، عبر مدّ الأنابيب من أذربيجان إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا، والتي لم يُكتب لها النجاح لغاية الآن لأسباب عدّة.

ويعيش إقليم كاراباخ المتنازَع عليه بين أذربيجان وأرمينيا هدنة هشّة منذ توقيع الاتفاق بينهما عام 1994، ولم يطرأ على القضية أي جديد، لتندلع الحرب فجأة بهذه الطريقة، إلا إذا نظرنا إلى أهداف أردوغان من التصعيد:

1-      التصعيد في أذربيجان يفتح جبهة جديدة لروسيا، التي ترتبط بعلاقات جيدة مع كلا البلدين، وتتخذ دور الوسيط بينهما، لكنها بالتأكيد ستجد نفسها مضطرة للدفاع عن أرمينيا فيما لو استمر القتال، لأنها ترتبط معها بمعاهدة دفاعية مشتركة، وهذا - برأي أردوغان - سيُغرق الروس في حرب جديدة تستنزف طاقتها وتخفف الضغط عن سورية، التي قد يسحب الروس جيشه منها، باعتبار أن الصراع الجديد هو على حدودها المباشرة، ولها أهمية أكبر.

2-      تسعى تركيا لهزيمة أحد حلفاء الروس في معركة طابعها الانتقام، مستندة في اختيار إقليم كاراباخ إلى أن أذربيجان وبالرغم من اضطرارها إلى تقليص موازنتها الدفاعية بسبب تدهور أسعار النفط، إلا أن قادة هذا البلد لطالما افتخروا بإنفاقهم العسكري، وهددوا - من ضمن الحرب النفسية - بأن "موازنة الدفاع لديهم تساوي موازنة أرمينيا بكاملها"، علماً أن قوات الجيش الروسي المتمركزة في أرمينيا تجعل من هذه المعادلة غير ذات قيمة، خصوصاً بعدما زوّد الروس قواعدهم الجوية في أرمينيا مؤخراً ببطاريات صواريخ "S400"، التي تشكل بالتكامل مع البطاريات من نفس النوع في قاعدة حميميم السورية تغطية رادارية وقتالية لحوالى 70 بالمائة من الأجواء التركية.

3-      أما إيران التي ترتبط بعلاقات مميَّزة تاريخياً مع أرمينيا، والتي حاول الرئيس حسن روحاني فتح صفحة جديدة مع أذربيجان وتنمية العلاقات الاقتصادية، إلا أن تصعيد الصراع بين أذربيجان وأرمينيا قد يسبب قلاقل واضطرابات داخل إيران نفسها، خصوصاً في محافظة أذربيجان الشرقية؛ شمال غرب إيران، والتي يطالب مواطنوها بالحقوق القومية للشعب التركي الأذري في إيران، ورفع التمييز والاضطهاد الثقافي عنهم.

4-      تحتاج تركيا إلى صراع جديد تجتذب إليه إرهابيي "القاعدة" و"داعش" الفارّين من القتال مع الجيش السوري، وذلك لئلا يتحولوا إلى قتال مجموعاتها المسلّحة داخل سورية أو إلى الداخل التركي، ومَن أفضل من أعدائهم التقليديين الروس والمسيحيين الأرمن لهذه الغاية؟

في المحصلة، قد تكون خطة جهنمية حاول أردوغان القيام بها، لكن حسابات التاريخ والجغرافيا والاقتصاد في القوقاز ما زالت تلعب لصالح الروس بقوة، وما وقف إطلاق النار الذي فرضه الروس في إقليم كاراباخ سوى دليل على أن "جنون العظمة" والهروب إلى الأمام قد يكون له دور في تسعير الحروب، لكنه لا يكون دائماً لصالح من يُشعلها.