2018/10/31

ماذا بعد خسارة ميركل!


في اعتراف واضح بالهزيمة خاصة بعد الخسارات الانتخابية المتكررة التي مني بها حزبها والأحزاب المتحالفة معه، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها ستتخلى عن رئاسة الحزب الديمقراطي المسيحي، لكنها ستبقى في منصب "المستشارة" حتى نهاية ولايتها الحالية التي تنتهي عام 2021.
لقد أسهمت سياسات ميركل بتراجع حزبها في الانتخابات المحلية( في منطقة هيسي) حيث لم يستطع الحصول سوى على 27% من الأصوات، متراجعًا 11 نقطة عن عام 2013. كما أثّرت سياسات ميركل على حليفها البافاري الذي خسر الغالبية الانتخابية في بافاريا، لأول مرة منذ عقود.
اللافت أن الناخبين الإلمان يعاقبون ميركل وحزبها وحلفاؤهم ويبتعدون عنهم، علمًا أن السياسات الإقتصادية للمستشارة الإلمانية - وبحسب الخبراء- قد أفادت المواطن الإلماني، والدليل ان معدلات البطالة في إلمانيا ما زالت في تراجع منذ استلام ميركل الحكم بعد أزمة اقتصادية كبرى. وبحسب وكالة العمل الإلمانية، تراجعت نسبة البطالة في إلمانيا خلال شهر أيلول 2018، إلى 5.1 في المئة، لتسجل أدنى مستوياتها منذ توحيد البلاد عام 1990.
إذًا هي سياسة الأبواب المفتوحة التي جعلت ميركل تخسر مستقبلها السياسي، وبسقوط ميركل سوف يتغير وجه أوروبا، على عدّة صعد، أهمها:
- أولاً في الداخل الإلماني: بعد الدرس العميق الذي سوف يستخلصه حزب ميركل بالدرجة الأولى والأحزاب الأاخرى بالدرجة الثانية، سوف يكون من الصعب على أي سياسي إلماني الاستمرار بنفس السياسات القديمة التي انتهجتها ميركل والتي أدّت الى خسارة شعبيتها، بل قد يجنح أكثر صوب اليمين.
وبالرغم من أن ميركل حاولت القيام بتدابير عاجلة لوقف التدهور الحاصل في شعبيتها، وإرتفاع أسهم اليمين في إلمانيا وفي أوروبا، كأن تقوم بعرض الأموال على لبنان والأردن لاستضافة اللاجئين، أو تضغط على دول الاتحاد للقبول بتوزيع اللاجئين، ووافقت على عقد اللقاء الرباعي في اسطنبول وعودتها لتبني الخطاب الروسي الأساسي حول الأزمة وهو "مكافحة الارهاب" ، والابتعاد عن السياسة الاوروبية المعتمدة منذ سبع سنوات حول "إسقاط الأسد".. بالرغم من كل ذلك، إلا أن الأزمات المستفحلة والمشاكل المتفاقمة وأعداد اللاجين الكبيرة كانت أكبر من قدرة الشعب الإلماني على تقبلها.
ثانيًا، على صعيد الإتحاد الأوروبي:
يعاني الإتحاد الاوروبي من مشاكل عديدة ليس أقلها خروج بريطانيا من الإتحاد والمفاوضات الصعبة التي يجريها الاتحاد مع لندن من أجل إيجاد صيغة خروج مقبولة للجميع. إن إضعاف ميركل سوف يؤدي الى إضعاف الاتحاد ككل، وإعطاء زخم أكبر للمتشائمين بمستقبل الاتحاد الاوروبي.
أما بالنسبة لفرنسا، والتي كان لميركل التأثير الأكبر في منع اليمين الفرنسي من الوصول الى الحكم، ووصول إيمانويل ماكرون من خارج الطاقم السياسي التقليدي، فسيكون الأمر مختلفًا نوعًا ما، حيث قد يعود التنافس الفرنسي الالماني على تزعّم أوروبا الى الواجهة.
يعاني ماكرون - كما ميركل- من إنخفاض شعبيته الى أقل من 30% خلاف فترة 18 شهرًأ من تسلمه الحكم، وذلك بسبب غروره وتكبّره، والفضائح التي لاحقته، والأهم فشل الاصلاحات الإقتصادية التي وعد بها، وارتفاع البطالة الى 10%.
إن ماكرون المنتشي بنفسه، سيحاول استغلال ضعف حليفته ميركل ليكرّس نفسه زعيمًا للإتحاد الاوروبي، معوّلاً على الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي ستعقد في شهر أيار من سنة 2019. وقد يكون ماكرون قد بدأ يميّز نفسه عن ميركل، وكان الأبلغ في هذا المجال تصريحه الفجّ والذي ردّ فيه على إعلان ميركل أنها قررت تعليق تصدير أسلحة إلى السعودية بعد جريمة قتل خاشقجي، والذي قال فيه إن "الدعوة لوقف بيع السلاح" الى السعودية إثر مقتل الصحافي جمال خاشقجي هي "من باب الديماغوجية البحت".

2018/10/04

ما هي جدية شنّ الحرب الاسرائيلية على لبنان؟

يومًا بعد يوم، يثبت التفاهم الذي عقده التيار الوطني الحر وحزب الله، قدرته على الإستمرار بالرغم من كل التحديات التي واجهها في مفاصل عدّة، ومنها الإنتخابات النيابية الأخيرة. وقد يكون استمرار هذا التفاهم هو نتيجة لما يؤمن به الطرفان من مبادئ وطنية، تتجلى في مقاومة العدو، ومحاربة الفساد، وبناء الدولة القوية العادلة، وهو ما يتمظهر في كل مناسبة وحدث جلل.

لقد تكاملت كلمة رئيس الجمهورية اللبنانية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والإجراءات التي قام بها وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل الذي دعا السفراء الأجانب لجولة في مطار بيروت دحضًا لأكاذيب نتنياهو حول أسلحة حزب الله، مع التهديد الذي وجهه السيد نصرالله الى "اسرائيل"، بأن حزب الله يملك صورايخ دقيقة، وإن فرضت إسرائيل حرباً على لبنان ستواجه مصيراً وواقعاً لم تتوقعه في يوم من الأيام.

لقد دعا الرئيس عون دول الأمم المتحدة الى "الاستفادة من دروس التاريخ، لأن الظلم يولد الانفجار، وانتفاء العدالة والكيل بمكيالين يولدان شعورا بالنقمة ويغذيان كل نزعات التطرف وما تستولده من عنف وإرهاب، مؤكدًا أن انعدام العدالة أشعل حروبًا كثيرة في الشرق الأوسط وأوجد مقاومة لن تنتهي إلا بانتفاء الظلم وإحقاق الحق"، وأكد في لقاءاته الصحفية ومع الجالية اللبنانية على أهمية الدور الذي قام به حزب الله في مكافحة الإرهاب ومنعه من الإعتداء على لبنان، بالإضافة الى مقاومة العدو الإسرائيلي.

أما وزير الخارجية جبران باسيل، فلقد قرر المواجهة الدبلوماسية على شتى المستويات، بالرغم من إدراكه أن تلك المواجهة سوف تفتح عليه أبوابًا جديدة من الإنتقادات الداخلية، خاصة من قبل بعض الأطراف التي ترى ضرورة إضعاف حزب الله تمهيدًا لعزله ونزع سلاحه...

وهكذا، وبتكامل المواجهة العسكرية والدبلوماسية والسياسية اللبنانية، تكتمل عناصر القوة اللبنانية، وتكون المواجهة مع العدو قد تطورت لصالح لبنان بحسب المراحل التالية:

المرحلة الأولى: قبل حرب تموز 2006: كانت إسرائيل تملك قرارين أساسيين في المواجهة سواء مع لبنان أو مع أي دولة عربية: قرار الدخول في الحرب وقرار الخروج منها وإنهائها ساعة تشاء، وبالشكل الذي تريد. لقد شكّل تفوق الجيش الاسرائيلي العسكري والقدرة الجوية والتكنولوجية التي يملكها عاملاً مساندًا لإسرائيل في تحقيق هيمنتها على المنطقة، حيث استمرت اسرائيل في الاقتناع بأنه يكفي قرار سياسي بالنزهة الى لبنان، حتى تصل قوات الجيش الاسرائيلي الى حدود الليطاني.

المرحلة الثانية: تجربة حرب تموز 2006، والتي أدخلت مفهوم التوازن الردعي لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، والتي بيّنت أن قراراً واحداً فقط كان بيد إسرائيل، وهو قرار الدخول في الحرب، لكنها خسرت في المقابل ما يلي:

-القدرة على اتخاذ قرار الخروج من الحرب وبأي ثمن وبأي خسائر لأول مرة في تاريخها، ولم تستطع استعادته لغاية الآن، بالرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومات الاسرائيلية بناءً على توصيات لجنة فينوغراد.

-القدرة على أخذ "الحرب إلى أرض العدوَ"، بحيث يعيش الشعب الاسرائيلي بأمن وسلام، بينما تقوم الطائرات الاسرائيلية بتطبيق "سياسة الأرض المحروقة" في البلاد العربية. لقد عانى الاسرائيليون في حرب تموز وما بعدها، لأول مرة في حياتهم من الخوف من صواريخ المقاومة التي استطاعت أن ترسي معادلة "عاصمتنا مقابل عاصمتكم، مطارنا مقابل مطاركم" كما حددها السيد حسن نصرالله.

-خسرت اسرائيل قوة التأثير من خلال التهديد والتهويل بالحرب، التي تهزم العدو إدراكيًا ونفسيًا قبل شنّ الحرب عليه، فيقوم بتنفيذ بما تريده أن يقوم به، أو يمتنع عن القيام بما لا تريده أن يفعله، وذلك من دون أن تضطر لشنّ الحرب.

المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد الحرب السورية وانخراط حزب الله في قتال التكفيريين، بحيث امتلك من الخبرة القتالية ما يجعل الاسرائيلي يخاف من "حفيف الشجر، وضربات المعاول…" على الجزء اللبناني من الحدود كما قال الأمين العام لحزب الله في إحدى خطبه، وباتت المقاومة تعلن جهارًا امتلاكها صواريخ دقيقة، وأن مقاتليها يتدربون على سيناريو اقتحام الجليل في أي حربٍ مقبلة.

والنتيجة، أن اسرائيل التي تهدد يوميًا بشنّ حرب على لبنان، من المؤكد أنها باتت تتمنى الحرب وتخشاها في نفس الوقت؛ لذا لن تدخل اسرائيل في مغامرة لا تستطيع التأكد من انتصارها الحتمي فيها، والأكيد أنها لن تخرج الى مغامرة شبيهة بحرب تموز 2006، بالرغم من اطمئنانها الى مواقف بعض الدول العربية التي ستأتي أكثر جهرًا بالمساندة هذه المرة.

وعليه، إن حسابات الربح والخسارة في أي حرب مع لبنان لن تكون لصالح اسرائيل، والمنطقي والواقعي أن لا تلجأ اسرائيل الى الحرب، ولكن هذا لا يعني أن لا يتحسب اللبنانيون لأي جنون متفلت، ويحصّنوا وحدتهم في وجه الاسرائيلي، ويرسلوا له رسالة شديدة اللهجة بأن حلم عزل حزب الله داخليًا لن يحصل، وإن لبنان السياسي والدبلوماسي والعسكري مستعد للقتال في أيّ مواجهة قادمة، وسننتصر، وسيندم الاسرائيليون ندمًا شديدًا.


2018/09/20

المحكمة الخاصة بلبنان: التوسع لمحاكمة "النظام السوري"؟


تختتم المحكمة الخاصة بلبنان جلسات المُرافعة النهائية تمهيداً لاستصدار قرارها النهائي الذي بات معروفاً للجميع، والذي راهن عليه الكثير داخلياً وخارجياً لإحراج كل من النظام السوري وحزب الله.

وكانت لافتة عودة الادّعاء في المحكمة في مرافعاته الختامية للإشارة إلى أن "النظام السوري في صلب مؤامرة اغتيال الحريري"، عِلماً أن هذا الاتّهام كان قد سقط منذ عام 2009، ولم يتم ذكره منذ عام 2011 حين صدر القرار الاتّهامي لدانيال بلمار واتّهم فيه صراحةً عناصر من حزب الله بالقيام بذلك الاغتيال، مستنداً إلى دليل "داتا الاتصالات" الضعيف، والذي أثبتت لجنة الاتصالات البرلمانية في مجلس النواب اللبناني أن الاتصالات في لبنان مُخترّقة من العدو الإسرائيلي.

وقعت حادثة اغتيال الرئيس الحريري في مرحلة بالغة التوتّر، عربياً ودولياً على أثر احتلال الأميركيين للعراق. وما أن حصل الاغتيال، حتى تقاطعت مصالح فرنسية -أميركية- عربية بالتنسيق مع أطرافٍ داخليةٍ لبنانيةٍ، فأنشئت لجنة تحقيق دولية في اغتيال الحريري وبعدها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ومهمتها الأساسية "غير المُعلَنة" كما حددها لها الرئيس الفرنسي جاك شيراك "قتل النظام السوري" (عبارة حرفية أوردها فرنسوا نوزيل في كتابه "سر الرؤساء"، ولم يتم نفيها من قِبَل شيراك).

ومنذ لحظة اغتيال الحريري في شباط 2005 حتى عام 2009، لم تُشر التقارير التي أصدرتها "لجنة التحقيق الدولية المستقلّة" المُكلّفة بالتحقيق مُطلقاً إلى حزب الله أو أحد عناصره، بل خلصت التقارير إلى أن "خيوطاً كثيرة تشير إشارة مباشرة إلى تورّط مسؤولي أمن سوريين في حادث الاغتيال". وفي أيار 2009، نشرت مجلة "دير شبيغل"، مقالاً ذكرت فيه بقدرٍ كبيرٍ من التفصيل كيف شاركت عناصر من حزب الله في جريمة القتل، وكيف اكتشفت "لجنة التحقيق الدولية" ارتباط أولئك العناصر في حادث الاغتيال. وتتحدّث أن أحد عناصر الحزب "ارتكب طيشاً لا يُصدَّق" حيث اتصل بصديقته بواسطة هاتف خليوي تمّ استخدامه في عملية الإغتيال، ما أتاح للمُحقّقين فرصة تحديد الرجل. وتوالت التسريبات، وتوالت السيناريوهات التي تربط حزب الله باغتيال الحريري، وصولاً إلى القرار الاتّهامي الذي اتّهم أربعة عناصر من حزب الله، ثم أُضيف إليهم شخص خامس.

واللافت اليوم الغبطة التي سادت أوساط المعارضة السورية وبعض اللبنانيين من قوى 14 آذار، حول إعادة ربط الاتّهام للنظام السوري، مُعتبرين أن هذا قد يكون تمهيداً لفتح ملفات "النظام" واتّهامه بارتكاب جرائم أخرى في الحرب السورية، ولنا على هذا الأمر ملاحظات عدّة:

أولاً: إن اختصاص محكمة لبنان هو اختصاص ضيِّق جداً وصلاحياتها أضيق من أيّة محكمة دوليّة مرّت في تاريخ المحاكم الدولية. فلا يدخل ضمن اختصاصها النظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكبت حتى في لبنان في السنوات أو العقود الأخيرة، ولا حتى تلك الاغتيالات وأعمال التفجير التي جرت في لبنان بالتزامُن مع اغتيال الحريري، إلا في حال كانت مُرتبطة ومُتلازِمة، ومُماثلة في طبيعتها وخطورتها لجريمة الحريري، وقد وجدت المحكمة أن القضايا المُترابِطة مع قضية اغتيال الحريري هي حصراً: محاولة اغتيال مروان حمادة، ومحاولة اغتيال إلياس المرّ، وقضية اغتيال جورج حاوي.

وهذا يعني عدم إمكانية ضم أية قضية أخرى إلى اختصاص المحكمة، ولا توسيع إطار صلاحيتها للنظر في الجرائم المُرتكَبة على الأراضي السورية.

ثانياً: إن عبارة "النظام السوري" هي عبارة فضفاضة، فالمسؤولية الجنائية في القضاء الجنائي الدولي هي مسؤولية فردية، أي أن اتّهاماً لمسؤولين سوريين يجب أن يتم ذكره بالإسم، وليس ضمن عبارة فضفاضة لا يمكن الاستناد إليها في أيّ اتهام جنائي.

ثالثاً: لقد أثبتت التجارب أن المحاكم الجنائية الدولية هي فعلياً وواقعياً "عدالة المُنتصرين"، إذ لم تستطع أي منها في كل مسارها منذ محاكمات نورمبرغ على أثر الحرب العالمية الثانية ولغاية اليوم، أن تقدّم مُنتصراً للعدالة، فلم يُحاكَم في نورمبرغ سوى الألمان المهزومين، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانتشار ثقافة تأسيس المحاكم لم يُحاكَم قادة الناتو ولا مَن يدعمونهم في المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة على قتل المدنيين في كوسوفو، ولم يتم التحقيق معهم في المحكمة على الاتهامات المُساقة للجنود بالتجارة بالأعضاء البشرية، ولم يُحاكَم أحد من قبائل التوتسي المُنتصِرة في رواندا، ولم يُحاكَم سوى المهزومين في كمبوديا إلخ..

وهكذا نجد، أن المُنتَصر هو مَن يسنّ القانون، ويكتب التاريخ، ويُقيم المحاكمات للمهزومين ليُضيف إلى انتصاره الميداني انتصاراً تاريخياً وبراءة أخلاقية... وعليه، طالما لم تتم هزيمة "النظام السوري"، فمن الصعب جداً تأسيس محكمة دولية لمُحاكمة أركانه أو مسؤولية، بزعم ارتكاب جرائم حرب خلال النزاع.

وعليه، انطلاقاً مما سبق، إن أية محاكمة لجرائم الحرب المُرتكَبة في النزاع السوري، سيكون من المُتعذّر دولياً النظر فيها، وسيكون على الضحايا الطلب من الحكومة السورية لتقوم بنفسها بتأسيس غرف خاصة داخل محاكمها الوطنية لمُحاكمة مَن ارتكبوا جرائم حرب خلال النزاع المُسلّح في سوريا.

2018/09/05

سوريا: دور الحرية الدينية في بناء السلام


كان لافتًا تصريح وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان، الذي اعتبر بأن الرئيس السوري بشار الأسد فاز في الحرب الدائرة منذ سبع سنوات، ولكن ذلك لن يحقق السلام في سوريا، ولفت أن السلام مستحيل بدون تسوية يضمنها الوسطاء الدوليون.

نعم، قد يكون السلام، بالمعنى السلبي، أي غياب العنف ليس كافيًا لدولة مثل سوريا، خارجة من سنوات سبع من الحرب والدمار والتشظي الاجتماعي، بل إن السوريين بحاجة ماسّة لإحلال مفهوم السلام بمعناه الايجابي، أي المصالحة المجتمعية، والقيام بإجراءات تمنع تكرر العنف وتمكين المجتمع والسير به نحو حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى تقوية المؤسسات السياسية والاقتصادية والقانونية لمنع اندلاع النزاع مجددًا، والأهم في الحالة السورية، وبعد سنوات عجاف من مشاهد التكفير والذبح، هو تكريس الحرية الدينية.

ما الذي يمكن أن تحققه الحرية الدينية في المجتمع السوري؟

أولاً- المساهمة في النمو الاقتصادي

لقد أظهرت الدراسات المختلفة أن تزايد مستوى العنف في العالم، وزيادة الاضطرابات الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين، يعود بشكل رئيسي الى أسباب إقتصادية إجتماعية، بالاضافة الى التضييق على الحريات ومنها الحرية الدينية حيث بات الدين اليوم مصدرًا من مصادر النزاعات وسببًا لتفاقم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

إن جو الحرية العام يساهم في خلق مناخ ايجابي للاستثمار في البلد والعكس صحيح، كما إن تفضيلات التاجر والمستهلك الذي يفضل أن يقوم بالمبادلات التجارية مع الشخص الذي ينتمي الى نفس الدين أو المذهب، قد تؤثر سلبًا على الاقتصاد والتبادلات الاقتصادية الداخلية وهو ما يرتد سلبًا على الانفاق الكلّي للمجتمع وتنمية المناطق. وقد أثبتت احصاءات صندوق النقد الدولي، أن المؤشرات تفيد عن علاقة طردية بين النمو الاقتصادي واحترام الحرية الدينية في العالم.

        ثانيًا- التخفيف من غلواء التطرف الديني

تشكّل الحرية الدينية عاملاً مخففًا لغلواء التطرف الديني، فالسماح للمتدينين بالتعبير عن أفكارهم في المجتمع والتصرف بحرية بشكل يمنع استغلال شعورهم بالتهميش والضغط والقمع، ما يسهم في التخفيف من غلواء التطرف والنزعة لاستعمال وسائل عنفية للتعبير عن أنفسهم في المجتمع.

        ثالثًا- المساهمة في عمليات العدالة الانتقالية

        إن إنتشار أفكار الحرية الدينية والسياسية وتمكين المرأة واحترام الخصوصيات الثقافية، واستخدامها كأساس للتعليم وبناء المجتمع، سوف تسهم إسهامًا عمليًا في عمليات العدالة الإنتقالية التي تحتاجها سوريا كبلد خارج من إرث من الصراع الذي اتخذ الدين أحد وجوهه العميقة والنافرة.

وتفيد دراسة بعنوان God's century  أن 30 حالة من مجموع 78 دولة شهدت تحوّلاً ديمقراطيًا في العالم، كان للقادة الروحيين دور أساسي وفاعل في بناء السلام. وجدت تلك الدراسة أنه في 8 من بين 19 قضية مدروسة، ساهم القادة الروحيون الواعون الى أهمية بناء السلام، والمؤمنون بحرية الإيمان والعقيدة، في عملية بناء السلام من خلال المساهمة في تعامل مجتمعاتهم مع إرث الماضي من الانتهاكات، حيث قاموا  بتشجيع المواطنين على المسامحة والغفران، وعلى تأسيس لجان المصالحة والحقيقة، والتعويضات وغيرها.

        ولعل الأشهر في هذا المجال، هو المطران ادموند توتو الذي قاد لجنة المصالحة والحقيقة في جنوب أفريقيا، وكان نجاحها سببًا لشهرة لجان الحقيقة حول العالم. وبدرجة أقل من الشهرة، ولكن بشكل لا يقل عنها أهمية، كانت تجربة غواتيملا حيث قاد المطران جيراردي الكنيسة لتأسيس لجنة مصالحة وطنية، ساهمت الى حد بعيد في تخفيف المعاناة الانسانية وساعدت الضحايا نفسيًا وروحيًا.



إذًا، قد يكون في تصريح الوزير الفرنسي نوع من الإقرار بأن ما أسماه "الوسطاء الدوليون"، لن يقبلوا بالإقرار بالهزيمة وإن الدول الكبرى لن تسلّم بالهزيمة بسهولة، ولن تسمح بإحلال سلام متكامل في سوريا بدون أن تكون هي الضامن للحل السياسي الذي يحقق بها مصالحها.

وعليه، يجب على السوريين أن يأخذوا المبادرة بأنفسهم. إذ ليس من الصعب أبدًا على سوريا أن تدخل مرحلة بناء السلام المجتمعي بعد أن تنتهي العمليات العسكرية وتعود الأراضي السورية كافة الى حضن الدولة.

الأهم، أن تنطلق مقاربات ما بعد الحرب، من حلول تركّز على النتائج outcome-oriented ، إلى حلول تركّز على العلاقات في المجتمع  relationship-oriented  فتعتمد مبدأ "تحويل الصراع" الى سلام إيجابي مستدام، عبر التركيز على أولوية تحقيق التنمية وخلق ثقافة تُتيح مشاركة المجتمع المدني، للوصول إلى حلول سلمية وترميم العلاقات الإجتماعية، وتحويل جذور الصراع لعدم تكراره مجددًا .


2018/08/29

الحرب الأصعب: هل نربحها؟

يعاني العالم بشكل عام، ودول العالم الثالث بشكل خاص من هيمنة ثقافية غربية، تجنح الى فرض مفاهيم غربية ليبرالية وأدوات ثقافية موحدة على العالم تحت شعار "حقوق الإنسان"، و"حقوق الشعوب".
ولعل المخيف في الأمر هو سيادة فكر واحد ينتشر في أرجاء المعمورة، ومن يخالفه عليه الشعور بالخجل والعار، لذا عليه أن لا يتجرأ ويفصح عما يجول في مكنونات قلبه أو تفضيلاته خوفًا من "العار المفترض". على سبيل المثال، وبعيدًا من السياسة، إن معارضة زواج المثليين في الغرب قد تكون سببًا في اتهامك بأنك ضد حقوق الإنسان، وأنك تشجع "ثقافة الكراهية"، وعليك أن تخجل من نفسك، وتتراجع عن معتقداتك التي لا تتلاءم مع التفكير السائد.
أما في السياسة، فلقد اختلطت في الفضاء الاعلامي والسياسي العالمي، مفاهيم المقاومة والإرهاب، والسيادة والشرعية ... وأصبحنا أمام محاولات دائمة لفرض توصيفات محددة على بعض المجموعات أو الظواهر، فالمقاومة المشروعة يتم شيطنتها إعلاميًا، بحيث يصبح من الصعب على الإنسان المجاهرة بتأييدها، وإلا أصبح مؤيدًا للإرهاب، وهكذا دواليك.
إن هذه الظاهرة، تعيدنا الى واقع "الهيمنة الثقافية" التي كان المفكر اليساري أنطونيو غرامشي قد تحدث عنها في أواخر القرن التاسع وبدايات القرن العشرين، حيث اعتبر أن كل طبقة حاكمة لا تعتمد فقط على السيطرة المادية والقهرية والسياسية للمجتمع المحكوم، ولكن أيضًا على الهيمنة الفكرية، أي على اختراق المجتمع والتأثير فيه فكريًا من خلال فرض نظام القيم الخاص بها وإطارها الفكري ومُثلها ومعاييرها للصح والخطأ، وهو الأمر الذي يساعد على جعل سيطرتها أطول عمرًا وأكثر فعالية.
وهكذا توصل غرامشي الى خلاصة هامة مفادها أن الهيمنة الثقافية  ضرورية من أجل نجاح سلطة ما، كما إن أي طبقة إجتماعية تريد السيطرة وضمان السلطة والقيادة عليها تكوين هيمنة ثقافية على الآخرين، إذ أن التجارب تثبت أن تفوق مجموعة اجتماعية معينة يظهر بطريقتين اثنتين: من خلال السيطرة والإخضاع بالقوة، وكقيادة فكرية ووجدانية وقيمية.
هكذا إذًا، وسواء سميناها القوة الناعمة التي تهدف للسيطرة على القلوب والعقول، أو سميناها هيمنة ثقافية، فإن الهدف المتحقق هو واحد: السيطرة على العالم عبر فرض قيم موحدة لا يتجرأ أحد على تحدّيها أو رفضها وإلا تمّ رميه بتهم العار أو تمت شيطنته.
ولعل انتشار وسائل الاتصال الحديثة التي زاحمت الإعلام التقليدي، قد جعلت من الهيمنة الثقافية والحرب الناعمة أكثر قدرة على التأثير والانتشار والفعالية، إذ أن محترفو الاعلام يقومون بترتيب حملات إعلامية وهجومات على الخصوم لمنعهم من المجاهرة بالرأي المخالف، أو للتأثير على الإقتصاد أو الانتخابات أو التوجهات السياسية.
إذًا، ما العمل، وكيف السبيل للمواجهة؟.
نعود الى غرامشي، الذي اعتبر أن على كل طبقة أن تنتج مثقفيها العضويين، لتحدّي "الهيمنة الثقافية" السائدة، أي أن المعايير التي فرضتها الدول المهيمنة ثقافيًا على العالم لفرض سيطرتها، يجب أن لا تعتبر طبيعية أو حتمية، ويجب تغييرها وتحدّيها باعتبارها آداة للهيمنة. ودعا غرامشي الى تعديل أسلوب المثقف التقليدي، وخلق مثقف من نوع جديد، والانتقال من البلاغة التي هي محرك خارجي مؤقت للمشاعر والعواطف، الى المشاركة الإيجابية في الحياة العملية.
هذا يعني أن على شعوب العالم الثالث، وعلى القوى التي تريد تحدّي الهيمنة الثقافية التي باتت أخطر بكثير من الهيمنة العسكرية، أن تعمل على رفع مستوى الوعي الإجتماعي لديها، والسعي لإنتاج طبقة من المثقفين يبتعدون عن البلاغة والخطابات الرنانة وتحريك الغرائز، ويتحولون الى فاعلين إيجابيين ينشرون القيم الخاصة بهذه القوى، والتأسيس لثقافة سياسية جديدة يتم نشرها بالإقناع.
لا شكّ أننا نعيش اليوم في الشرق الأوسط، حربًا متعددة الوجوه، منها العسكري والثقافي والإجتماعي والتكنولوجي، وقد نجد يومًا أن الإنتصار في معركة التحرير العسكرية  قد يكون الأسهل بينها والأصعب هو التحرر الذي يحتاج وعيًا ثقافيًا، فهل من بيننا مَن يتصدى لمهمة نشر الوعي الثقافي وتحدّي الهيمنة الثقافية للغرب؟.