2019/11/25

لبنان: حين يصبح التدخل الاوروبي مطلوبًا بقوة


فجأة ، وبدون مقدمات، تمّ قطع الطرقات في لبنان وبدون تبنٍ واضح من أحد أو من قبل "تنسيقيات" الثورة. وتشير التقارير الى أن قطع الطرقات بدأ في المناطق التي لتيار المستقبل نفوذ فيها، وامتد الى المناطق الأخرى. وربط البعض هذا الأمر بجلسة مجلس الأمن التي ستنعقد اليوم، بينما ربطها البعض بجولة الموفد البريطاني ريشارد مور اليوم الى بيروت، وفي جعبته بعض الاقتراحات لتسوية الازمة الحاصلة، وجميعها لا يصبّ في مصلحة الرئيس الحريري الذي ما زال يعلّي من سقف شروطه، وكأنه لا يدرك حجم التعقيدات التي تطبع الساحة اللبنانية.

يشبه الوضع في لبنان اليوم، الأزمات المفتعلة التي حاول بعض الخارج والداخل نقلها الى لبنان تزامنًا مع الحرب السورية، فقد انقسم اللبنانيون ضمن محورين: جزء مع الدولة السورية واستقرارها، والجزءالآخر أراد أن يكون من ضمن الحرب على سوريا، وجنّد نفسه في خدمة مشروع "إسقاط الأسد"... كانت المشكلة حينها، كانت في انقسام المحور الخارجي الأخير الى نظرتين في التعامل مع لبنان: جزء مع نقل المعركة الى الداخل اللبناني، وتصدّرت هذا الخيار الدول الخليجية بشكل أساسي، بينما حرص الأميركيون والغربيون على إبقاء مظلة فوق لبنان، تحرص على دعم الاستقرار وعدم انفلات الوضع الى مرحلة لا يمكن السيطرة عليه.

أما اليوم، فنبدو أمام مشكلتين:

- الاولى تتجلى في ممارسة الإدارة الأميركية الحالية سياسة "التصعيد ذا السقف الأعلى" في جميع الملفات الدولية، وحتى في الصراع الداخلي في الولايات المتحدة. وقد رأينا مقدمات هذا التصعيد في اختلاف رؤية الإدارة الأميركية للملف اللبناني عن الإدارات السابقة، فنرى مثلاً أن الإدارات الأميركية السابقة - وبالرغم من كل المساعدات التي أعطتها للجيش للبناني- لم تحاول الضغط على الجيش للوصول الى ما لا طاقة له على فعله، وأهمها التلويح بتوكيله "نزع سلاح حزب الله" مقابل المساعدات العسكرية!.

- المشكلة الثانية، تتجلى في توكيل الخليجيين بالموضوع اللبناني، والكلّ يعلم كيف حلّ هؤلاء مسألة اليمن والمسائل الدولية الأخرى.  واقعيًا، إن النظر في الشروط التي يضعها الحريري لعودته الى السلطة تُظهر أن واضعها إما منفصل عن الواقع اللبناني، أو يريد الذهاب الى خيار "لنا أو للنار" وهي الوصفة نفسها التي استخدمها العاهل السعودي محمد بن سلمان في اليمن. وكلنا يذكر كيف تمّ تهديد لبنان بـ" عاصفة حزم" أخرى خلال أزمة اختطاف الرئيس الحريري في السعودية، وإجباره على الاستقالة.

إن أي عاقل يريد الوصول الى حلٍ سياسي للأزمة الراهنة، يدرك أن الاطراف الأخرى لن تقبل شروط الحريري، بإعطائه "الحق الحصري" بتسمية الوزراء التكنوقراط جميعهم، كما إعطاء حكومته ( أو مجلس إدارته) صلاحيات تشريعية استثنائية لتقوم "وحدها" بدور المجلس النيابي والوزاري في آن!! على أن تكون أولى مهماتها وضع قانون انتخابي جديد يمهد لانتخابات نيابية مبكرة (مفصلة على قياس المستقبل وحلفائه، بما أن القانون القديم قد أطاح بغالبيتهم النيابية السابقة).

اليوم، وبعد مرور ما يزيد على شهر من عمر الأزمة، يبدو أن الأوروبيين استدركوا خطورة تسليم قيادة الملف اللبناني للسعودية وحلفائها الخليجيين، لذا يهرعون الى الإمساك به قبل انفلات الوضع،  فلبنان ليس اليمن، وإدخاله في حرب أهلية ستنقلب على صانعيها حتمًا. يدرك الغربيون - خاصة الفرنسيين والبريطانيين- أن الحفاظ على الاستقرار الهشّ، وتشارك النفوذ في لبنان مع قوى اقليمية، يبقى أفضل من "الوصفات" التصعيدية، التي ستدفع الأطراف الداخلية المتضررة حتمًا الى مقاومتها "مهما كلّف الأمر"، علمًا أن الرئيس الروسي ينتظر " الفرصة الذهبية" التي ستسمح له بالدخول الى البوابة اللبنانية من الباب العريض كمنقذ من "الفوضى المفتعلة أميركيًا " بحسب وصف السفير الروسي في لبنان.


2019/11/04

الثورة في لبنان: هل دخلنا مرحلة الخطر؟

د. ليلى نقولا - الثبات

وهكذا وفي الاسبوع الثالث دخل لبنان مرحلة هامة من مراحل الثورات الملونة، ولمن لا يعرف  "الثورات الملونة" يكفي ان يقرأ عن ثورات صربيا وأوكرانيا وجورجيا وغيرها...

أهم من كَتَبَ - أو بالاحرى علّم- كيفية صياغة هذه الثورات كان الأميركي جين شارب، في كتبه حول اللاعنف، وخصوصا في كتابه "من الديكتاتورية إلى الديمقراطية" الذي يعدّ المرجع لجميع الثورات السلمية في العالم، والذي ابتدع فيه وفي غيره من الكتب 198 وسيلة على الثوار استخدامها في ثورتهم اللاعنفية.

ومن بين أشهر الذين كتبوا في موضوع " الثورات الملوّنة " سفير الولايات المتّحدة الأميركيّة في روسيا مايكل ماكفويل Mcfaul، ( غادر منصبه عام 2014) ونستعرض بعض كتبه حول خصائص تلك الثورات الملوّنة، وبالأخص ما تمّ تطبيقه في لبنان:

- تنتج عن رفضٍ عامٍّ من الشعب للقائمين على النّظام السياسيّ ولسياستهم يستتبعه شعورهم بالحاجة إلى تغيير هذه الوجوه وهذه السّياسات.

– تقوم كردّة فعلٍ على الفساد المستشري في مؤسسات الدّولة متوازية مع تحرّك المجتمع "المدنيّ" والوسائل الإعلاميّة.

– تتميّز بكونها احتجاجات واسعة في الشوارع والميادين غالبًا ما تكون مليونيّة، تتّسم بالتّنظيم الشديد والغضب إلّا أنّها في الآن عينه تستخدم الطّرق السلميّة للتعبير عن آرائها.

– ترفض أثناءها قوّات الأمن والجيش التعامل بالشدّة مع المتظاهرين بدافع ذاتيّ أو مصلحيّ، تنأى بنفسها فلا تقف مع طرفٍ على حساب آخر بل تنتظر من ينتصر.

وبعد تكرر استخدام هذه الوسيلة للتغيير السياسي ونقل البلاد من من ضفة سياسية الى أخرى، حيث تحولت الدول المستهدفة بالثورات الملونة من النفوذ الروسي الى السير في الفلك الأميركي، بدأت الحكومات المستهدفة تغيّر من مقارباتها للمواجهة.

لقد تبين في روسيا، وآسيا الوسطى وأوروبا الشرقيّة أن المشاركين في التظاهرات تلقّوا دعمًا مادّيًّا، يتفاوت بين قبض الأموال مباشرةً قبل التظاهر إلى توفير وجبات الطّعام والشّراب كما والأعلام، كذلك الشارات الملوّنة وخيام المبيت؛ فتعلمت تلك الدول ان لا تواجه "الثوار" بالسلاح، ولا الغازات المسيّلة للدموع، فتبدو للعالم المترقّب والصحافة العالمية على أنّها أنظمة ديكتاتورية، بل استخدمت نفس الوسائل التي استخدمها ممولو تلك الثورات ومنظموها.

وهكذا، يدّل التاريخ ان فشل تلك الثورات في تكوين "الصدمة" المطلوبة لتأمين انتقال سياسي من محور الى آخر، عادة ما يدفع الممولين الى الانتقال من "السلمية" الى استراتيجية "الدم المطلوب لتشكيل صدمة" (وهو ما حصل في كل من فنزويلا ومصر وأوكرانيا وإيران) حيث يقوم بعض القناصة أو أفراد يلبسون لباسًا عسكريًا حكوميًا بالاعتداء على المتظاهرين السلميين لتحريض الرأي العام ضد النظام، ولكسب التعاطف الذي لم يحصل لأن الحاكم لم ينجرّ للعنف.

وهكذا، وبالرغم من مطالب الناس المحقة والتي تشبه الى حدّ بعيد مطالب الناس في كل الدول النامية، إلا أن نتائج تلك الثورات لم تأتِ - ولا مرة - لصالح الناس المقهورين، بل ان ممولي تلك الثورات وداعميها والمحرضين عليها لطالما كانت أهدافهم أبعد من مكافحة الفساد ومعالجة الازمات الاقتصادية، بل هدفها سياسي بحت، وبالاخص سياسي يتعلق بالسياسة الخارجية للدولة وانتقالها من محور الى محور آخر.

وعليه، فإن المراقب يدرك ان من سرقوا صيحات الناس في لبنان اليوم، يريدون الانقلاب على نتيجة الانتخابات النيابية التي أتت لصالح محور ضد آخر، والانقلاب على التسوية ، وأخذ لبنان الى محور يعادي سورية ويمتنع عن الدعوة الى عودتها الى الجامعة العربية ويمتنع عن إعادة اللاجئين إلا من ضمن الحل السياسي لاستخدامهم ورقة في ملف التفاوض الاخير، فما هي خطتهم القادمة بعد فشل المرحلة الاولى في تشكيل الصدمة الملائمة للانتقال الى الضفة الأخرى؟.

2019/10/21

لبنان: دروس انتفاضة الناس

لا شكّ ان الانتفاضة الشعبية التي عمّت مختلف المناطق اللبنانية، كانت نتيجة طبيعية لتفاقم أزمات السلطة السياسية التي أمعنت في صمّ آذانها عن صرخات الناس، واستسهلت فرض الضرائب والسرقات المكشوفة على مرأى من الجميع ومنعت كل إمكانية للمساءلة والمحاسبة وعطّلت القضاء والجهات الرقابية.

وأما وقد وصلت الأمور الى ما صلت إليه، يمكن استخلاص دروس مبكرة، ولو أن الانتفاضة الشعبية لم تصل الى خواتيمها بعد، ولا أحد يعرف كيفية إتجاه الأمور على الأرض بعد إعلان الحكومة ورقتها الاقتصادية، وهذه الدروس تتلخص في ما يلي:

أولاً، أثبت الشارع اللبناني أن ذرائع التستر بالطائفية والمذهبية لمنع المساءلة والمحاسبة للفاسدين وسارقي المال العام لم تعد تنطلي على أحد. لقد مسّت الازمة الإقتصادية كل مواطن لبناني في رزقه ومستقبل اولاده وقوتهم، لذا لم تعد تعنيه كل الخطوط الحمراء التي ابتدعوها لحماية أنفسهم وسرقة المال العام. كما أثبت أنه يمقت التعجرف السياسي والفوقية التي يعامله بها سياسيوه.

ثانيًا: إن الأزمات سواء الحقيقية أو المفتعلة التي ابتدعها أهل السلطة لإحراج بعضهم البعض أو لإحراج العهد، انفجرت في وجه الجميع دون استثناء. وبالرغم من أن الشارع قال كلمته ضد الجميع، إلا أن البعض حاول استثمار الشارع لتصفية حسابات سياسية، كدعوة فرنجية وجنبلاط الى استقالة باسيل وكأن باسيل هو المتهم بسرقة المال العام والسيطرة على مقدرات الدولة لمدة ثلاثين عامًا، وهو الذي استفاد من وجود السوريين ليخلق له كونتونات طائفية زبائنية.

ثالثًا: كان لافتًا مطالبة "القوات اللبنانية" باستقالة الرئيس، وهو أمر خطير جدًا من الناحية القانونية والسياسية وحتى المسيحية.

من الناحية القانونية، إن التعديلات الدستورية التي أتى بها الطائف عام 1990، انتزعت صلاحيات رئيس الجمهورية وأنيطت بمجلس الوزراء. وهكذا، لم تعد السلطة الاجرائية منوطة برئيس الدولة بل بمجلس الوزراء مجتمعًا.

وهكذا أصبح المسؤول الأول في السلطة الإجرائية هو رئيس مجلس الوزراء ولم يعد رئيس الجمهورية كما كان قبل تعديلات الطائف. وهكذا يكون رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول عن تنفيذ السياسة العامة للحكومة، كما تمّ تكريس استقلاله عن رئيس الجمهورية في إدارة شؤون الحكومة ان لجهة وضع جدول أعمال مجلس الوزراء ام لجهة ترؤس اجتماعاته ودعوته الى الانعقاد، الأمر الذي أدّى الى نقل مركز الحكم في لبنان من قصر بعبدا الى السرايا الكبير.

وأكثر من ذلك، فإنه باستثناء مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، لا يحق لرئيس الجمهورية ممارسة ما تبقى له من صلاحيات، من دون توقيع رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصين (المادة 54 من الدستور).

وهذا يعني أن الرئيس غير مسؤول عن سياسة الحكومة بل هو حَكَم بين اللبنانيين، لذا فإن مسارعة القوات الى المطالبة باستقالته تعدّ نوعًا من الهرطقة الدستورية والخيانة العظمى للمسيحيين.

تعدّ رئاسة الجمهورية اللبنانية آخر موقع مسيحي في شرق تمّ تهجير المسيحيين منه، وبالتالي إن إضعاف موقع الرئاسة واستسهال إقالته كما تريد "القوات"، يعني استكمال مسلسل تهجير المسيحيين من المشرق وهو المخطط الذي يبدو أن "القوات اللبنانية" هي رأس حربة فيه.

وبالنتيجة، لقد قال الشارع كلمته بالفعل وأوصل رسالة شديدة اللهجة الى المسؤولين، ولكن المطالبات المبالغ فيها كاستقالة النواب وحلّ السلطة بأكملها وغير ذلك، تبدو إما نوعًا من الإنفصال عن الواقع أو التآمر على الوطن، إذ أن سيناريو كهذا - أقلّه- سوف يؤدي الى انهيار الليرة المترنحة أساسًا، وقد يستفيق اللبنانيون على 5000 ليرة مقابل الدولار الواحد. لذا، إن الاتعاظ والتغيير مع حفظ الاستقرار الأمني والاقتصادي يبقى الحل المقبول حاليًا ولو لم يكن الحل المرتجى.

2019/10/14

الأكراد والخطأ التاريخي للأقليات

في خضم الحديث عن دعوة الاكراد للجيش السوري للدخول الى مناطقهم وردّ العدوان التركي، تتحدث وسائل الاعلام العربية والغربية عن غدر ترامب بحلفائه وخذلان العالم للأكراد... وفي حديث لمجلة فورين بوليسي، يتحدث مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية في سوريا ،  بأنه "سيكون هناك تنازلات مؤلمة" للحكومة السورية وحلفائها الروس، معتبرًا ان الاكراد  لا يثقون بهم... ومن الصعب "معرفة من يجب أن تثق به...".
عمليًا، يتحمل الأكراد في سوريا المسؤولية الكاملة عما آلت اليه الاوضاع في شرق الفرات، اذ من غير الممكن تصوّر ان الاكراد لم يتوقعوا هذا المصير، فالولايات المتحدة الأميركية تخلت سابقًا أكراد العراق، والمسيحيين في العراق ولبنان وغيرهم...
بمراجعة بسيطة وشاملة للدعم الأميركي للحلفاء، نجد العديد من الحالات التاريخية، نستذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
- الدعم الأميركي للرئيس اللبناني كميل شمعون الذي انخرط في حلف بغداد متكلاً على مشروع أيزنهاور، مما ادى الى ثورة في لبنان عام 1958، بتحريض من عبد الناصر آنذاك. قام الأميركيون باستعراض إنزال المارينز على شواطئ لبنان، ثم انتهت المناورات الاستعراضية باتفاق أميركي مع رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبد الناصر على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وهو العدو السياسي اللدود للرئيس شمعون، اللواء فؤاد شهاب.
- عام 1982، بعد الاجتياح الإسرائيلي الثاني، وعلى أثر ترحيل المقاتلين الفلسطينيين عن لبنان، قام الأميركيون بإنزال المارينز على شواطئ بيروت، متذرعين بأن السياسة الأميركية تهدف الى استعادة لبنان سيادته واستقلاله كما صرح الرئيس الأميركي رونالد ريغن. واستمر الوجود الأميركي السياسي والعسكري خلال عهد الرئيس أمين الجميل، لكن ذلك لم يعطه قدرة على الحكم. وكلنا يذكر التصعيد الكلامي الذي أطلقه الجميل من واشنطن، معتبراً أن كل طلقة سورية تستهدف بيروت، سيرد عليها باستهداف دمشق، ولا ينسى أهل بيروت ذلك اليوم المأسوي الذي تساقطت فيه القنابل من كل حدب وصوب على مدينتهم وأحيائهم، ولم يحرّك الأميركيون ساكناً، بل لم يكترث الأميركيون حين أرغمت القوات اللبنانية الرئيس الجميل على القبول بالنفي القسري فور انتهاء عهده.

- دعوة السفير الأميركي جون ماكارثي من إهدن الى قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع، للوفاء بوعده والتحرك ضد الجنرال ميشال عون، الذي كان رأس السلطة التنفيذية آنذاك. وبسرعة، أطاع جعجع الأوامر وأدّت «القوات اللبنانية» بقيادة سمير جعجع المهمة المطلوبة منها بالضبط، فدخل السوريون المناطق «الشرقية» بدعم أميركي واضح. وبالرغم من ذلك، رأت الإدارة الأميركية أن سجن قائد “القوات اللبنانية” ومحاكمته وإدانته في عهد الرئيس الياس الهراوي، أمر لبناني داخلي لا تستطيع التدخل فيه.
هي إذًا دروس تاريخية يجب أن تضعها الاقليات نصب عينيها، فلا الدول جمعيات خيرية ولا يُعرف عن الأميركيين التزامهم بحليف بعد أن يكون قد أدّى مهمته وبات عبئًا عليهم.

2019/10/07

شرق الفرات: أين يمكن أن يصل أردوغان بتهديداته؟

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال اجتماع حزبي أنه سينفذ عملية عسكرية جوية وبرية شرق نهر الفرات في سوريا، وهاجم فيها الولايات المتحدة بسبب الدعم الذي تقدمه للأكراد. وقال أردوغان: "أجرينا استعداداتنا وأكملنا خطة العملية العسكرية في شرق الفرات، وأصدرنا التعليمات اللازمة بخصوص ذلك، وسنقوم بتنفيذ العملية من البر والجو". وأضاف غامزًا من قناة الأميركيين من دون أن يسميهم: "نقول لمن يبتسمون في وجهنا ويماطلوننا بأحاديث دبلوماسية من أجل إبعاد بلدنا عن المنظمة الإرهابية إن الكلام انتهى".

وادعى أردوغان إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أدرج مسألة انسحاب قوات بلاده من منطقة شرق نهر الفرات وإحلال القوات التركية مكانها، لكن من هم حوله لم يعملوا إلى الان بتوصياته. وهكذا، يبدو أن خطة تسيير دوريات مشتركة بين الأتراك والأميركيين قد باءت بالفشل.

واقعيًا، من الصعب التفكير بأن أردوغان سيتجرأ على القيام فعلاً بتلك الحملة العسكرية، متحديًا الولايات المتحدة الاميركية التي حذّرت على لسان المتحدث باسم "البنتاغون" من القيام بعملية عسكرية دون تنسيق معها... لكن، يمكن القول أن التهديد الذي أطلقه أردوغان، يحقق له مصالح عدّة، أبرزها ما يلي:

1- يريد أردوغان أن يستغل الإحراج الذي يعانيه ترامب في الداخل بعد الهجوم الديمقراطي عليه ومحاولة عزله، فيحقق بعض المصالح أو التنازلات في الملف السوري. في هذا الاطار، يريد أردوغان من ترامب أن يوكله بأمر الجغرافيا السورية بالنيابة عنه، وذلك في حال أعاد ترامب التأكيد على رغبته في الانسحاب.

2- يدرك أردوغان أنه حتى لو وافق ترامب على تلك العملية، فإنه لا يستطيع أن يقوم بها من دون موافقة كل من إيران وروسيا. والأكيد أن الايرانيين والروس يفضّلون أن ينفذ أردوغان تعهداته في إدلب، مقابل التوصل الى حلّ لمسألة شرق الفرات. فإذا كان الحل العسكري غير ممكن للتخلص من البؤرة الارهابية في إدلب، فلن يكون بإمكان أردوغان اللجوء الى الحلّ العسكري لحل مسألة شرق الفرات بالمقابل.

بالنسبة لكل من إيران وروسيا، يُفَضَل أن تقوم تركيا بنشر قواتها على حدودها مع سوريا، على أن ينتشر الجيش السوري في المناطق السورية المحاذية، والتي يسيطر عليها الأكراد اليوم. يدرك كل من الروس والايرانيين أن التلاعب بالجغرافيا وتقسيم الدولة السورية سواء عبر الموافقة الأميركية على إنشاء كونتون كردي أو إنشاء منطقة آمنة يسيطر عليها الجيش التركي بذريعة إسكان واستقبل اللاجئين من تركيا وأنحاء أوروبا، قد تتحول الى "دومينو" يهدد الشرق الأوسط برمته.

وعليه، لا يبدو من السهولة على أردوغان شنّ تلك الحملة، وسيبقى شرق الفرات مرتبطًا بإدلب فإما أن تحلّ القضيتان بالتوازي أو تستمر المماطلة الى أن يحين أوان الحلّ النهائي.


2019/09/30

عزل ترامب: هل يؤدي الى حرب أهلية أميركية فعلاً؟

ينشغل الرأي العالم الأميركي والعالمي بالحملة الديمقراطية في الولايات المتحدة والتي تتحدث عن إمكانية عزل الرئيس دونالد ترامب، بسبب ما يقال انه خالف القانون الأميركي بطلبه من رئيس خارجي (الرئيس الأوكراني) مساعدته على الإطاحة بمنافسه جو بايدن عبر التحقيق في ملابسات وشبهات تورط بالفساد له ولأبنه في أوكرانيا.
واقعيًا، إن مسار العزل وإمكانيته لا يمكن النظر اليها ضمن المسار القانوني وحده، علمًا أنه مسار صعب أيضًا. قانونيًا، تبدأ إجراءات عزل الرئيس من الكونغرس الذي يسيطر فيه الديمقراطيون على الأغلبية، لكن الإدانة الفعلية يجب أن تصدر من مجلس الشيوخ الذي يتمتع فيه الجهوريون بأغلبية واضحة، علمًا أن إقالة الرئيس تتطلب ثلثي المجلس أي 66 عضوًا.
هذا في المبدأ، أما في الواقع فيمكن النظر الى معطيات عدّة تفرض نفسها على عملية المساءلة، وهي موازين القوى السياسية والشعبية.
بالنسبة لموازين القوى، يخطئ العديد من الباحثين حين يعتبرون أن ترامب هو في مواجهة "الدولة العميقة" في الولايات المتحدة، فلو كان كذلك لاستطاعت تلك الدولة الاطاحة به منذ السنة الاولى. قد يتأتى عدم إدراك هذا مباشرة، لعدم فهم الناس ما الذي تعنيه الدولة العميقة، فالدولة العميقة ليست مجرد "مجتمع الاستخبارات". وعندما يتم اعتماد فهم أكثر دقة للدولة الأميركية العميقة والتكامل التكافلي فيما بينها، وعلى مساحة الكرة الارضية، يمكن تمييز أن الادارة الأميركية الحالية هي فصيل من هذه الدولة العميقة يتصارع مع فصيل آخر استمر حاكمًا لفترة من الزمن.
بالتدقيق، نرى أن إدارة ترامب وقراراته، تعمل لصالح عمالقة المال في وال ستريت، مجموعات النفط وخاصة النفط الصخري، شركات السلاح ( أو ما يسمى المجمع الصناعي العسكري) والبنتاغون (زاد موازنة الدفاع بشكل غير مسبوق) بالاضافة الى القوميين البيض والكنائس الانجيلية المتعصبة... أما المحيّدون من اهتمام ترامب، فهم وزارة الخارجية، وكالات الأمن القومي والاستخبارات المتهمون بالتجسس على ترامب ومحاولة تقويض حكمه، و شركات سيليكون فالي ممولي حملات التظاهر عليه ....
وبهذا المعنى، يمكن توصيف ظاهرة ترامب، بأنها قد تمثل انقلابًا قوميًا أبيض من جانب قطاع مستاء من داخل الدولة العميقة نفسها، وهذا القطاع أو الفصيل يعتقد أن بإمكانه إعادة وتنظيم هيكلية الدولة العميقة لإخراجها من أزمتها وبالتالي تجنيب النظام العالمي العميق من أزمة ترددية تواكب الأزمة الداخلية في الولايات المتحدة.
أما على الصعيد غير الرسمي، فيمكن القول أن احتمالات عزل ترامب قد تدفعه الى تحريض أنصاره على تقويض الاستقرار، ويمكن لفت النظر الى ما حصل في شارلوتسفيل عام 2017، حين اندلعت اشتباكات عنيفة في المدينة، وأظهرت الصور ووسائل الاعلام رجالاً بيض مدججين بالسلاح يشتبكون مه متظاهرين منددين بالعنصرية، بشكل تحولت معه المنطقة الى ساحة حرب فعلية، وقتلت فتاة بعد أن قامت سيارة بدهس المتظاهرين.
وهكذا، يبدو من الصعوبة بمكان عزل ترامب قانونيًا، بالاضافة الى الانقسام الذي ستثيره هذه الحملة التي يقودها الديمقراطيون اليوم... الواضح، أن الدولة العميقة دخلت في حرب حقيقية بين مكوناتها. باختصار، إن فرع الدولة العميقة الذي يدعم ترامب يعتقد أنه في مهمة فريدة وخاصة: إنقاذ الدولة العميقة من التدهور الناجم عن إخفاق الإدارات الأميركية المتعاقبة. هم في حرب وجودية، لإنقاذ "الرأسمالية" من أولئك الذين يريدون تدميرها، ولإعادة هيمنة الولايات المتحدة على العالم.





2019/09/23

المحكمة الخاصة بلبنان: ماذا في اتهام عياش مجددًا؟

أعلنت المحكمة الخاصة بلبنان أنها رفعت السرية عن قرار اتهام صدر بحق سليم جميل عياش، المنتمي إلى حزب الله، واعتبرت أن هناك قضايا متلازمة مع قضية اغتيال الحريري، وهي حوادث اغتيال كل من مروان حمادة وجورج حاوي والياس المر بين عامي 2004 و2005.

وبالتصديق على قرار الاتهام هذا، يعني أن المحكمة فتحت قضية جديدة بعدما شارفت قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري على الانتهاء مع ترقب صدور الحكم النهائي في الأشهر المقبلة.

وبموجب القرار الاتهامي، تم إسناد خمس تهم إلى عياش في قرار الاتهام، وهي: "مؤامرة هدفها ارتكاب عمل إرهابي، الانتماء الى جمعية أشرار، ارتكاب أعمال إرهابية، قتل السادة غازي أبو كروم وجورج حاوي وخالد مورا عمدًا، ومحاولة قتل السيّدين الياس المر، ومروان حمادة، وسبعة عشر شخصًا آخر عمدًا".

وهكذا، تكون المحكمة قد أطالت عمرها المفترض بفتح قضايا جديدة وسحب الاموال من المكلف اللبناني، وهي التي تكلّف سنويًا ما يزيد على 120 مليون دولار، تدفع نصفها الدولة اللبنانية، والنصف الآخر من الدول المانحة.

أما قراءة القرار الاتهامي، فتشير الى نيّة المحكمة بالاستمرار في اتهام حزب الله كمنظمة، بالرغم من أن القانون الجنائي الدولي، يؤكد على مبدأ "المسؤولية الجنائية الفردية"، باعتبار ان من ارتكبوا جرائم دولية كبرى هم أشخاص طبيعيون، ساهموا بشكل أو بآخر في تلك الجريمة من خلال التحريض أو التنفيذ أو تسهيل الجريمة، أو غضّ النظر عنها.

إن اعتماد عبارة "مجموعة أشرار"، تمكّن المحكمة – بحسب القانون الجنائي الدولي- من اتهام وإدانة "جميع من ينتمي إلى الحزب". وهذه الإدانة يمكن أن تتم بموجب مبدأ قضائي مستحدث في القانون الجنائي الدولي يطلق عليه اسم "المشروع الجنائي المشترك" joint criminal enterprise، والذي تعتمده المحاكم الدولية منذ عام 1999، وبالتحديد منذ الحكم الذي أصدرته محكمة يوغسلافيا في قضية تاديتش، والذي اعتبر علامة فارقة في القضاء الجنائي الدولي، والسابقة التي اعتمدت عليها المحاكم الدولية الأخرى لإدانة المتهمين بموجب "القصد المشترك" أو "الهدف المشترك"، وهو ما ورد في النظام الأساسي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان صراحة أيضًا.

ويمكن تلخيص هذا المبدأ بما يلي: يعتبر كل عضو في "مجموعة منظمة" (وهنا اعتبرت المحكمة صراحة أن حزب الله هو مجموعة أشرار) مسؤول مسؤولية جنائية فردية عن الجرائم التي ترتكبها المجموعة ضمن الخطة المشتركة أو الهدف المشترك، وهذه الإدانة مختلفة بالطبع عن الإدانة بالتحريض أو المساعدة.

وهكذا، نجد أن قرار المحكمة الذي لم يأخذ حيّزًا كبيرًا في الاعلام اللبناني، وتعامل معه اللبنانيون كخبر مرّ مرور الكرام، يستكمل الهدف الذي أنشئت من أجله تلك المحكمة.

ويبقى أن نشير الى أن السياسة التي تتدخل دائمًا في تحقيق العدالة الدولية أو منعها وتقويضها، وحيث تعتبر تلك المحاكم دائمًا محاكم المنتصرين... وعليه، لن تستطيع المحكمة أن تحقق أي هدف لمن أنشأها إلا إذا انتصر ميدانيًا (وهذا بات أقرب الى المستحيل)، فالمنتصر يكتب التاريخ، ويسنّ القانون، ويقيم المحاكمات للمهزومين، ويدّعي التفوق الاخلاقي.