2020/12/07

استقرار لبنان مصلحة أميركية؟

 


 

لا شكّ أن لبنان سيتأثر بتحسن العلاقة بين ايران والولايات المتحدة بعد وصول جو بايدن الى الرئاسة في الولايات المتحدة، على اعتبار ان كلاً من لبنان والعراق يشكلان مساحة نفوذ مشتركة أميركية - إيرانية. لكن تبقى العلاقة مع لبنان محكومة بالاستشعار الاسرائيلي بالخطر الامني من تنامي نفوذ حزب الله وعدم قدرة الدولة اللبنانية - حتى لو تمّ الضغط عليها - على احتوائه.

 

 من المتوقع أن يعود بايدن الى السياسة الاميركية التقليدية التي ترى "الاستقرار" مصلحة أميركية، خاصة في ظل التحديات الكبرى التي ورثها بايدن عن إدارة ترامب، بالاضافة الى الهدف الاستراتيجي الأساسي للولايات المتحدة وهو احتواء الصين.

 

وعلى هذا الأساس، نجد أن هناك مجموعة من الأهداف الثابتة والمتبدلة في النظرة الاميركية للبنان، نوجزها بما يلي:

 

1- الهدف الثابت والأساسي: تقليص مساحة النفوذ الإيراني واضعاف حزب الله في الداخل اللبناني، وذلك عبر مجموعة من الوسائل يمكن أن تختلف باختلاف الساكن في البيت الأبيض، فالضغوط الاقتصادية القصوى التي مارسها دونالد ترامب لدفع اللبنانيين الى مواجهة النفوذ الايراني ومواجهة حزب الله، قد لا تكون هي نفسها الوسيلة التي يستخدمها جو بايدن، حتى لو كان الهدف واحد.

 

2- هدف ثابت ومستجد: وهو منع الروس من مدّ نفوذهم في الاقليم والمتوسط، خاصة بعدما باتت روسيا في دولة مجاورة، واستطاعت خلال فترة حكم دونالد ترامب أن ترسخ نفوذها في سوريا.

 

 تنظر إدارة بايدن نظرة مختلفة الى تزايد النفوذ الروسي في العالم ومنطقة الشرق الأوسط، لذا لن يسمح بايدن أن يستغل الروس الانهيار في لبنان لمواصلة دورهم المتصاعد في المنطقة، بعكس ترامب الذي لم يكن يؤرقه تصاعد النفوذ الروسي في المنطقة بل إن فترة حكمه ساهمت في تكريس هذا النفوذ في سوريا وأدت الى فرض الدولة السورية نفوذها على مساحة 75 بالمئة من الجغرافيا السورية بدعم روسي، كما اقترحت إدارته تسوية تقوم على انسحاب إيران من سوريا وبقاء الروس وحدهم.

 

يدرك الاميركيون أن روسيا يمكن أن تستغل المرافئ اللبنانية، ومخزون الغاز الواعد في المناطق الاقتصادية البحرية، وبالتالي ستفوز شركاتها في شرق وجنوب المتوسط، على حساب الاميركيين.

 

3- بالنسبة للتغلغل الصيني: يعرف الأميركيون أن لبنان قد لا يكون في أولوية التغلغل الصيني لأسباب أمنية وسياسية واقتصادية خاصة بالصين، لكن لا شيء يمنع الشركات الصينية من الاستثمار في السوق اللبناني ومنافسة الشركات الغربية، في الاتصالات على سبيل المثال لا الحصر (تسويق تقنية الجيل الخامس الصينية).

 

هذا في الأهداف، أما في الوسائل، فنتوقع أن يبقى الدعم الأميركي للقوى الأمنية اللبنانية، وتبقى الرقابة والسيطرة الأميركية على القطاع المالي والمصرفي ومصرف لبنان، بالاضافة الى ما يلي:

 

-  التسليم باستحالة الخيارات العسكرية: يدرك صانع القرار الأميركي التقليدي من خلال التجارب، أن الحرب الأهلية في لبنان ستكون مجالاً لتوسيع نفوذ إيران وبالتالي إحكام سيطرة حزب الله على لبنان، وقد جرّب جورج بوش الابن هذه الوسيلة وأدت الى ما أدت إليه في 7 أيار 2008. كما يدرك إستحالة قدرة اي طرف داخلي أو الجيش اللبناني على تنفيذ مهمة يريدها الاسرائيليون "تحييد تهديد حزب الله".

 

- الاستمرار بشيطنة حزب الله اعلامياً وسياسياً وتشويه صورته في الداخل اللبناني، وتقويض ثقة الحلفاء والشعب اللبناني بمصداقيته.

 

- الاستمرار بدعم منظمات المجتمع المدني اللبناني ومحاولة التأثير عبر الاعلام والمجموعات الشعبية والطالبية وفئات المواطنين الى تغيير في نتائج أي انتخابات نيابية قادمة.

 

- دفع اللبنانيين الى القيام بـ"إصلاحات" جذرية في الاقتصاد اللبناني وتطبيق  "وصفات" صندوق النقد الدولي والدول المانحة، وأهمها الخصخصة وتقليص حجم القطاع العام، وأمور أخرى لن تكون في صالح الفئات الضعيفة من الشعب اللبناني.

 

انطلاقاً مما سبق، يمكن القول أن لبنان الصغير، سيكون مكان للمنافسة الاستراتيجية في المنطقة، إذ يخشى الأميركيون إن هم تنازلوا عن الأرض، سيملأ الآخرون الفراغ، لذا لن يسمحوا بانهياره كلياً كما لن يسمحوا بسقوطه في يد ايران كلياً، وهو ما دفع الفرنسيين الى إطلاق مبادرتهم والتي سيتم تفعيلها بعد تنصيب بايدن. تبقى مشكلة اللبنانيين في الدولة العميقة التي أفسدت الدولة والمجتمع والاعلام والادارة، وليس في الاهمية الاستراتيجية لبلدهم.

 

2020/12/01

استراتيجية ترامب "القتال لآخر نفس": الأهداف والسيناريوهات

 

لا شكّ، أن النظام الاميركي يعاني من انحطاط وتآكل سياسي، منذ عقدين من الزمن، ولعل العولمة وما تلاها من أزمة اقتصادية عالمية والمآسي التي نتجت عنها، وأزمة النظام الرأسمالي بشكل عام، هي التي أنتجت ظاهرة "الترامبية" في الولايات المتحدة.

 

وبالرغم من أن فوز بايدن كان مرجحاً في معظم استطلاعات الرأي إلا أن عدد الاصوات الشعبية التي حازها دونالد ترامب كانت مفاجئة بشكل كبير والتي قدرت بحوالى 74 مليون صوت، ما يعني أن الادعاءات التي روّجتها وسائل الاعلام عن أن ترامب يشكّل "ظاهرة يلفظها المجتمع الأميركي" هي محض تصورات وادعاءات لا أساس لها من الصحة، بل إن المجتمع الأميركي ينقسم عامودياً بشكل كبير، بين مؤيد للظاهرة الترامبية ورافض لها.

 

ويتحدث العديد من المحللين بإعجاب عن ترامب الذي استطاع الوقوف لوحده وجه الدولة العميقة، لكن عملياً وواقعياً لا يبدو هذا الأمر صحيح كلياً. فكما يبدو من تعيينات الإدارة الأميركية والسياسات التي اعتمدها خلال سنواته الأربع، يمثل ترامب القادم من خارج الطبقة السياسية التقليدية، مصالح بضعة أجزاء من الدولة العميقة، دعمته طيلة فترة حكمه واستفادت من قراراته التنفيذية، فأيدته في الانتخابات وسمحت له بحصد هذا الكمّ الهائل من الأصوات. بينما ساهم في وصول بايدن الى الرئاسة، تحالف ناشئ بين الطبقة السياسية التقليدية، ومجموعات اليسار الليبرالي، وأجزاء أخرى من الدولة العميقة.

 

بالإضافة الى قاعدة الحزب الجمهوري والقوميين البيض والكنائس الانجيلية المتطرفة، أقام ترامب علاقات مصالح متبادلة مع أجزاء من تلك الدولة العميقة، أهمها: وال ستريت (لاحظنا كيف اهتم ترامب دوماً بارتفاع أسهم البورصة)، بعض الجنرالات ومتعهدي الشركات الأمنية الخاصة، شركات الأسلحة، وشركات النفط الصخري التي انسحب ترامب لأجلها من اتفاقية باريس للمناخ. وما اعتراف ترامب بالسيادة الاسرائيلية على الجولان السوري المحتل، إلا لخدمة لشركة النفط الأميركية جيني (ديك تشيني، روتشيلد، ماردوخ الخ..) التي استحصلت على عقود استخراج النفط هناك منذ حوالى عقد من الزمن.

 

على الناحية الأخرى، وبالاضافة الى قاعدة الحزب الديمقراطي المشحونة منذ خسارة هيلاري كلينتون عام 2016، استفاد بايدن من أصوات الطبقات المهمشة والملونين ودعم الطبقة السياسية التقليدية برموزها الديمقراطية والجمهورية، وأجزاء هامة أخرى من الدولة العميقة تتمثل بوكالات الأمن القومي والاستخبارات، الإعلام، وشركات سيليكون فالي، بينما تتضارب المعلومات حول وجهة تأييد البنتاغون الحقيقية ( تلفت بعض التقارير الى فوز بايدن بغالبية أصوات العسكريين).

 

واليوم، ما زال الرئيس الاميركي دونالد ترامب يرفض الاعتراف كلياً بفوز جو بايدن بالانتخابات بالرغم من السماح لفريقه بالعمل مع فريق بايدن لتسهيل الانتقال، فما الذي يهدف اليه ترامب من استراتيجية القتال حتى آخر نفس؟

 

في هذا الإطار، هناك 3 سيناريوهات متصورة:

 

السيناريو الأول: أن لا يكون لدى ترامب خطة واضحة المعالم ولكنه يرفض الاعتراف بالهزيمة انطلاقاً من شخصيته النرجسية، ولتكريس "مظلومية" يريد استثمارها في حال قرر الترشح لانتخابات عام 2024.

 

السيناريو الثاني: أنه يخشى أن يقوم الديمقراطيون برفع شكاوى قضائية بحقه تتعلق بالتهرب الضريبي وسواها، لذلك هو يريد أن يستحصل على ضمانات قضائية بعد المقاضاة مقابل تنازله النهائي.

 

السيناريو الثالث: أن يكون ما يقوم به ترامب هو نوع من محاولة استدراج "صفقة" مع الإدارة الأميركية القادمة تحمي مصالحه الشخصية ومصالح مَن يمثل من أجزاء الدولة العميقة، خاصة قطاع النفط الصخري الذي يبدو أن اتجاه بايدن سيكون نحو سياسات أكثر صداقة للبيئة والعودة الى اتفاقية المناخ.

 

أما السيناريو المرجح فيمكن أن ترامب يريد تحقيق جميع هذه الأهداف معاً أو أقصى ما يمكن تحقيقه منها. لكن يبقى موضوع شركات النفط الصخري حساساً بالنسبة لبايدن، إذ أن الاتفاقية الموقعة بينه وبين بيرني ساندرز (ممثل اليسار الليبرالي) تنص على تحفيز "الاقتصاد البيئي" بالدرجة الاولى، ولا يمكن التصور أن يخاطر بايدن بخسارة حلفاءه الداخليين وفي الاتحاد الأوروبي والاخلال بوعوده الانتخابية.

  

2020/11/24

هل تشكّل حرب كاراباخ متغيراً استراتيجيا ضد إيران؟

  

منذ توقيع الاتفاق الثلاثي بين كل من أرمينيا وأذربيجان وروسيا، لم تنفك التحليلات والتقديرات الاستراتيجية تتحدث عن أهميته وتأثيره على البلدان المعنية، بالإضافة الى تأثيره على البلدان المجاورة وخاصة الدول الاقليمية المهيمنة في المنطقة ومنها إيران.

 

ونلاحظ أنه - وفي وقت متزامن تقريباً - تمّ نشر العديد من المقالات باللغات العربية والأجنبية، والتي تشير الى خسارة استراتيجية و"عزلة" سوف تعانيها إيران بعد الخسارة الأرمينية، وأن إزدياد النفوذين التركي والروسي بالإضافة الى التغلغل الاسرائيلي في المنطقة سيجعلان من النفوذ الايراني في جنوب القوقاز أكثر محدودية الخ...

 

الأكيد أن الأمن في منطقة جنوب القوقاز بعد حرب كاراباخ 2020، لن يكون كما قبله، ومن الطبيعي أن تقوم الدول المعنية في المنطقة بدراسة تأثير هذه المتغيرات الاستراتيجية على أمنها القومي، وفي الحالة الايرانية نجد ما يلي:

 

1- العلاقات التاريخية:

 

اعترفت إيران باستقلال جارتيها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وحاولت الوقوف على الحياد بينهما خلال معركة كاراباخ الأولى، لكن التطورات المتلاحقة والعدائية التي واجهها بها الرئيس الآذري أبو الفضل إلجي بيك، دفعت الايرانيين الى التقرّب من الأرمن بشكل أكبر.

 

شهدت العلاقات بين كل من إيران وأذربيجان تحسناً بعد الإطاحة بالرئيس الأذري الأول بعد الاستقلال، ومجيء حيدر علييف ثم إلهام علييف، لكن جوهر العلاقة بقي محفوفاً بالحذر بسبب ما يسميه الايرانيون سيطرة الأميركيين والاسرائيليين على أذربيجان، بعكس العلاقة مع أرمينيا التي بقيت في إطار الصداقة وحسن الجوار.

 

وخلال حرب كاراباخ 2020، أعلن الايرانيون بشكل صريح دعمهم لأذربيجان في استعادة سيادتها على أرضها، ولكنهم دعوا الى تحقيق ذلك عبر الوسائل الدبلوماسية. ووصف علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد علي خامنئي للشؤون الدولية، منطقة ناغورنو كاراباخ بأنها "أرض محتلة تابعة لأذربيجان"، وأكد إن بلاده ستساعد باكو على استعادتها عبر المفاوضات.

 

2- الحدود المشتركة:

 

تبلغ الحدود المشتركة بين إيران وأذربيجان ما يزيد على 700 كلم، سيطر الأرمن بعد حرب كاراباخ الأولى على جزء منها. وخلال عقود من الزمن، شكّلت هذه الحدود قلقاً أمنياً لإيران بسبب التواجد الاسرائيلي العسكري والاستخباري، لذا فإن عودة الجزء المسيطر عليه أرمنياً الى السيادة الآذرية، لن يشكّل متغيراً استراتيجياً كبيراً بالنسبة للإيرانيين.

 

3- نافذة على العالم الخارجي:

 

بما أن أرمينيا دولة مغلقة فمن السذاجة القول بأنها تشكّل "نافذة" إيران على العالم الخارجي، بل إن العكس صحيح. تشكّل إيران النافذة الأرحب لأرمينيا على العالم الخارجي، إذ يحيط بها عدوين تاريخيين (تركيا وأذربيجان) وتقيم مع جورجيا علاقات مقبولة نوعاً ما، مشوبة دائماً بالحذر المتبادل نتيجة اختلاف توجهات السياسة الخارجية، ووجود جالية أرمنية كبيرة في أحد الأقاليم الجورجية.

 

4- التحديات الأمنية:

يشكل التحدي الامني أكبر مشاكل ايران لناحية حدودها المشتركة مع اذربيجان، خاصة في حال قيام اذربيجان وتركيا بتشجيع الآذريين داخل ايران على الانفصال. ومن الطبيعي أن يقلق الايرانيون من قيام أنقرة باستقدام المقاتلين المرتزقة السوريين الى حدودها مع ما يشكّله وجودهم من خطر أمني ومحاولات تسلل على الحدود. ولقد تحدثت بعض القنوات العربية عن استقدام عائلات هؤلاء لإسكانهم في إقليم كاراباخ في القرى التي هجرها مواطنوها الأرمن.

فعلياً، لا يشكّل هذا الأمر قلقاً لايران فحسب، بل لروسيا ايضاً التي لطالما اعتبرت أن قدومها لقتال الاسلاميين والتكفيريين في سوريا هو خط دفاع أولي بدل أن تقاتلهم داخل حدودها في القوقاز، فهل سيسمح الروس بالتلاعب بالديمغرافيا في جنوب القوقاز، واستقدام مقاتلين ذو خبرة قتالية الى المنطقة بهذه البساطة؟.

 

5- ممر ناختشيفان - باكو:

قد يؤدي فتح ممر داخل الأراضي الأرمنية يصل الاقليم الآذري ناختشيفان بالأراضي الأم، الى خسارة اقتصادية إيرانية حيث شكّلت ايران سابقاً ممراً لعبور السكان والسلع والبضائع، كما سيؤدي الى تقليص اعتماد أذربيجان على إيران في هذا الأمر الحيوي، مما يقلص من هامش النفوذ الايراني في المنطقة.

وتبقى أنقرة أكبر المستفيدين من هذا الممر الذي سيسهّل لها زيادة نفوذها الى آسيا الوسطى والقوقاز، ويسمح لها بمدّ أنابيب تصل الغاز الآذري الى اوروبا عبر أراضيها بكلفة اقل من خط أنابيب باكو- تبليسي- جيهان. وكما كان متوقعاً، سارع الأتراك الى الاعلان عن مشروع سكك حديد الى ناختشيفان مباشرة بعد الاتفاق.

 

ومن المهم لفت النظر الى أن فتح هذا الممر، ووضع حرس حدود روس على الحدود بين البلدين لا يعني غياب السيادة الأرمنية عليه، بل يبقى ضمن السيادة الأرمنية ويبقى من حق الأرمن تحديد ما الذي يمكن مروره عبره وأن تتقاضى رسم مرور وانتقال. أما بالنسبة لأنابيب الغاز التي تريدها أنقرة، فيبقى الأمر مرتبط بالموافقة الروسية على الأمر.

 

إنطلاقاً مما سبق، يمكن القول أن الربح الاستراتيجي الذي حققته كل من روسيا وتركيا وأذربيجان في حرب كاراباخ 2020، وتبدل المعطيات الاقليمية لا يمكن أن تشكّل متغيراً استراتيجياً يمكن البناء عليه لفرض مزيد من العزلة الدولية على إيران في وقت يستعد فيه الايرانيون لإنسحاب أميركي من العراق وأفغانستان (أعلنت إدارة ترامب نيّتها القيام به) ثم لاستقبال إدارة أميركية جديدة ورئيس أميركي جديد اعلن مسبقاً رغبته في العودة الى الاتفاق النووي. 

2020/11/23

لماذا يُدفع المسيحيون دفعاً الى الانعزال؟


بعد تأخر تشكيل الحكومة اللبنانية، أعلن الرئيس المكلف سعد الحريري نيّته اختيار الوزراء المسيحيين بنفسه، واعتماده مبدأ إعطاء الطوائف الحرية في اختيار وزرائها وحجب هذا الأمر عن المسيحيين وعن رئيس الجمهورية، ما شكّل استياءً لدى المجتمع المسيحي في لبنان، بالرغم من صمت الجهات الكنسية المعنية.

والمؤسف أن السياسات المتبعة داخلياً منذ الطائف ولغاية اليوم، لا تعي خطورة إثارة "القلق والهواجس" لدى المسيحيين، الذين انقسموا خلال تاريخهم في المشرق الى خطوط ثلاث عبر التاريخ، تتجلى في ما يلي:

1- الخط "الانعزالي":

والذي يعتبر نفسه امتداداً للغرب في هذا الشرق، ويخاف من الذوبان في محيط اسلامي طاغٍ، فينادي بالتقوقع والانغلاق وأحياناً التقسيم والفيدرالية، معتبراً أن هذا الأمر قادر على حفظ وجوده كأقلية.

واليوم، يستفيد أنصار هذا الخط من التحريض الطائفي السائد، ومن محاولة سيطرة الحريري على القرار المسيحي، فيعمدون الى تأجيج النفوس وإثارة القلق وتعزيز الهواجس، طارحين تصوراتهم للانقاذ عبر نبش التاريخ والبناء على أوهام "أمجاد تحققت" خلال أزمنة مختلفة ومنها الحرب الأهلية، متناسين أن الواقع والمعطيات على أرض الواقع (في لبنان والمنطقة) لم تعد كما هي، فانتهاء الحرب الأهلية اللبنانية أتى على حساب المسيحيين ودورهم التاريخي في النظام ولا يمكن إعادة عقارب الساعة الى الوراء.

2- الخط "القومي":

 نادى أصحابه بالاندماج الكامل مع المحيط، فرفعوا شعارات قومية وفوق- وطنية من أجل التسلّح بها لحفظ دورهم ووجودهم. استوعب هذا الخط أن العامل الديني لن يكون مساعداً له بسبب وجود أكثري اسلامي، لذا رفع شعارات القومية العربية وشعارات علمانية تجعل المواطنية أساساً مقبولاً لبناء الدولة بدل أن يحوّل العامل الديني المسيحيين الى مواطنين درجة ثانية.

 انحسر هذا الخط بشكل كبير لدى المسيحيين بعد انحسار الموجة القومية والعروبية، وخاصة بعد "عودة المقدس" الى الميدان السياسي وارتفاع حمى الطائفية والمذهبية في المنطقة ككل.

3- الخط "المشرقي":

يعتبر أصحاب هذا الفكر أن وجودهم كأقلية لا يشكّل لهم تهديداً من قبل المسلمين، وأن حفظ دورهم ووجودهم يقضي بالانفتاح على المحيط والالتزام بقضاياه مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والتعددية وحرية المعتقد.

يرفض هذا الجزء اعتباره "بقايا جالية صليبية" في هذا الشرق، ويؤكد دائماً أنه جزء لا يتجزأ من قضايا العالم العربي، وأن مصيره مرتبط بشكل وثيق بمصير المسلمين فيه. يدعو أصحاب هذا الفكر الى تأسيس "دولة مدنية" تقوم على اعتبار الجميع مواطنين يتساوون في الحقوق والواجبات. فالمواطنية - بالنسبة إليهم - هي الحلّ المثالي والناجع لحفظ الجميع، أكثريات وأقليات سياسية ودينية.

من هذه النظرة وهذه المقاربة بالذات، انطلق العماد ميشال عون (كرئيس للتيار الوطني الحر) في خياراته السياسية، فعقد تفاهماته الوطنية، وأطلق شعارات "إعادة تفعيل دور المسيحيين في النظام"، ودعا الى تأسيس الدولة المدنية.

انطلاقاً مما سبق، تبدو المشكلة التي يعانيها المجتمع اللبناني اليوم هي أن الممارسة السياسية - سواء عن قصد أو بدون قصد- تحاول أن تدفع المسيحيين (من الخطين الثاني والثالث) دفعاً الى الخط الأول؛ عبر السياسات الكيدية التي تأخذ طابعاً طائفياً، ومنها - على سبيل المثال لا الحصر- محاولة الحريري التستر على العقبات الحقيقة في تشكيل حكومته عبر تحويلها الى صراع طائفي اسلامي- مسيحي، ومحاولة الثنائي الشيعي تجنيب نفسه فتنة مذهبية (خلال رفضهم مبدأ المداورة) عبر التصويب على الوظائف المسيحية حصراً كقيادة الجيش والمصرف المركزي معتبرين أن التوتر المسيحي الاسلامي أهون من الصراع السنّي الشيعي!!

وهكذا، يعتمد اللبنانيون اليوم سياسات ضيقة الأفق، تقوم على مبدأ الكيدية السياسية والكسب الشخصي على حساب الكسب الوطني الحقيقي الذي يتجلى بوحدة مصير المسيحيين والمسلمين، وايمانهم بأن يداً واحدة لن تصفق وإن رحيل المسيحيين من هذا الشرق خسارة للمسلمين فيه... بدون هذا الايمان، لن تكون قيامة للبنان. 

2020/11/16

كيف أدّت "ثورة المخمل" الى هزيمة أرمينيا؟

 

بعد أكثر من أربعين يوماً من المواجهات الدامية بين أرمينيا وأذربيجان (المدعومة من تركيا و"إسرائيل")، تمّ توقيع اتفاق سلام بين الطرفين رعاه الطرف الروسي، عكس في مضمونه وبنوده الواقع الميداني والهزيمة الأرمنية العسكرية. لقد خسرت أرمينيا جزءاً كبيراً من أراضي إقليم كاراباخ والمدينة الاستراتيجية (شوشي) المطلّة على العاصمة ستيبانكيرت، وتخلّت عن الأراضي الآذرية التي كانت قد سيطرت عليها في التسعينات.

 

وبموجب الإتفاق، سيتمّ نشر قوات حفظ سلام روسية لمدة خمس سنوات، وستؤمّن أرمينيا ممراً داخل أراضيها يصل بين غرب أذربيجان وإقليم ناخيتشيفان الأذري الذي يتمتع بحكم ذاتي ويعيش عزلةً كاملة قرب الحدود التركية.

 

لا شكّ أن الإتفاق كرّس الهزيمة الأرمنية، لكن هذه الهزيمة كانت متوقعةً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التطوّرات والخيارات التي اتخذتها السلطات الأرمنية الحاكمة بعد ثورة 2018 المعروفة بـ"ثورة المخمل" (قادتها مجموعة من منظمات المجتمع المدني المموّلة من جورج سورس)، والتي لم تأخذ هذه السلطة بعين الاعتبار لا الجغرافيا ولا الجيوبوليتيك، ولم تُقِم وزناً للمخاطر الحقيقية التي تهدّد الأمن القومي الأرمني.

 

في نيسان/ أبريل 2018، اندلعت ثورةٌ ملوّنةٌ في أرمينيا، أدّت إلى وصول السياسيّ المعارض المدعوم من الغرب نيكول باشينيان إلى السلطة الذي وعد بتحقيق طموحات الشعب الأرمني باجتثاث الفساد وتحويل البلاد إلى حكم الشفافية والقانون.

 

وكما في جورجيا وأوكرانيا سابقاً، أرادت أرمينيا الابتعاد عن السياسة السابقة التي تقضي بالبقاء في الفلك الروسي، واختارت التقرّب أكثر من الأميركيين والأوروبيين. وقد أعلن باشينيان أنه يريد اعتماد سياسة خارجية "متعددة التوجهات"، لكنه ارتكب سلسلةً من الأخطاء الفادحة، أوصلت اليوم أرمينيا إلى الهزيمة:

 

1- ضرب القوى الأمنية

مارس باشينيان سياسةً داخليةً اعتمدت على إقصاء المعارضين عبر سياسات "التطهير الإداري"، وعيّن ناشطين من المجتمع المدني المعروفين بالعداء لروسيا، وثبّتهم في مراكز حساسة، ثمّ قام بعمليات تسريح جماعي للضباط الذين تمّ تدريبهم في موسكو، ففقد الجيش الأرمني الاتصال بروسيا، وتمّ تقليص جميع الاتصالات في مجال المخابرات بين البلدين.

 

وفي أيار/ مايو 2020، قام باشينيان بتغييرٍ مفاجئٍ في الهيكلية القيادية الأمنية الأرمينية، فأقال قائد الشرطة ورئيس أركان القوات المسلحة، وأثار تعيين أرغيشتي كياراميان (عمره 29 سنة، لا خبرة أمنية له سابقاً) رئيساً لجهاز الأمن القومي الكثير من الاعتراض داخل أرمينيا، بعدما اعتُبرت هذه الخطوة انتقالية لوضع القوى الأمنية تحت سيطرة مدنية!

 

كان لهذا الأمر تداعياته على المعركة في كاراباخ، فقد فشل الأرمن فشلاً استخبارياً ذريعاً، خاصة وأنهم أغفلوا خطورة التحركات العسكرية واللوجستية التركية والآذرية على حدود كاراباخ، خلال الصيف، وقللوا من أهمية المناوشات المتفرقة التي حصلت على طول خط المواجهة بأكمله تقريباً الخ... ولم يدرك الأرمن هذا الخطأ إلا بعد فوات الأوان، فتمّت إقالة كياراميان في خضم المعركة.

 

2- تغيير العقيدة الأمنية

اعتمد باشينيان على باحثين في مراكز دراسات مموَّلة من الغرب، لصياغة "استراتيجيةٍ جديدةٍ للأمن القومي الأرمني" والتي انطلقت من فكرة أن جهاز الأمن القومي يحتاج الى تطويرٍ وأنه "إرثٌ سوفياتي قليل الفعالية" لأنه يستند الى "نموذجٍ روسي عفا عليه الزمن" وأنه جهازٌ يفشل في "التعرّف على التهديدات الأمنية الحديثة التي تواجه أرمينيا اليوم". واللافت أن أحد أبرز الشخصيات (مدير مركز الدراسات الأمنية) التي تساهم في تطوير تلك الاستراتيجية، كان يعمل سابقاً لحساب القوات الخاصة الأميركية.

 

3- تقليص التعاون مع الروس

بالرغم من بقاء أرمينيا عضواً في "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" التي أُنشئت عام 1992 ومقرّها روسيا، إلا أن باشينيان خفّض مستوى التعاون الاستخباري وتبادل المعلومات الأمنية مع الدول الأعضاء ومنهم روسيا. ومباشرةً بعد تسلّمه منصبه عام 2018، قام باستدعاء رئيس المنظمة (أرمني) وتحويله إلى القضاء بتهمة "تهديد النظام العام سنة 2008" بدون إخطار الدول الأعضاء وبدون إنذار مسبق.

 

ولعلّ الضربة الأكبر للروس كانت في تصويت ممثّل أرمينيا ضد عودة روسيا إلى الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا (PACE)، واستقبال المعارضين الروس كأبطالٍ داخل أرمينيا.

 

من جهتها، قامت حكومة "الثورة" بالتضييق على الشركات الروسية  العاملة في أرمينيا وأهمّها "سكك حديد جنوب القوقاز" والشركة الأرمينية التابعة لـ"غازبروم"، واقتحام مكاتبها بذريعة التهرب الضريبي، ما جعل روسيا تهدّد بتعليق تشغيلها للسكك الحديد، وسحب شركاتها من أرمينيا.

 

وعلى صعيد الرأي العام، فُتحت الشاشات ووسائل التواصل للنُخب التي تدعو الى تقليص العلاقات مع روسيا، والحديث عن "استعمارٍ روسيٍ يحاول خلق تبعيةٍ واستنفاذ الموارد الأرمنية"، وإعادة النظر في قرار أرمينيا السابق بالتحالف مع الروس ورفض الحلف مع الإتحاد الأوروبي، معتبرين أن حرب 2016، كشفت "زيف الصداقة والأمن الذي تحققه روسيا لأرمينيا".

 

4- إثارة الهواجس الإيرانية

بالرغم من أن "إسرائيل" داعمٌ أساسيٌ لأذربيجان في حربها ضد أرمينيا – قدّمت "إسرائيل" الدعم العسكري لأذربيجان عام 2016 - وبالرغم من رفض الكنيست الإسرائيلي الاعتراف بالإبادة الأرمنية، وبالرغم من أن الدولة الصديقة الوحيدة لأرمينيا في محيطها الجغرافي القريب هي إيران، قام باشينيان - وخلافاً لكل المحاذير السابقة التي طبعت السياسة الأرمنية منذ 1992 - بافتتاح سفارة أرمنية في "إسرائيل" عام 2019، ومن ثم سحب السفير الأرمني احتجاجاً على خلفيّة بيع أسلحة إسرائيلية تكنولوجية حديثة لأذربيجان خلال معركة كاراباخ 2020.

 

إذاً هي مجموعة أخطاء استراتيجية، عادةً ما يقوم بها ناشطون في المجتمع المدني ومجموعات مموّلة من الغرب حين يصلون الى السلطة، وقد حصل هذا الأمر في كل من جورجيا وأوكرانيا وأرمينيا. لكن يبدو أن الدرس الذي ينبغي على حلفاء روسيا أخذه اليوم، يتجلى في ما يلي:

 

الالتزامات الروسية تجاه الحلفاء ليست خالية من الشروط ويجب أن تكون متبادلة، أي أنه على الحلفاء أن يبادلوا الدعم الروسي بالولاء وإلا خسروه، وروسيا ستفعل ما هي مُلزمة به رسمياً وما هو مناسب لمصالحها، أما إذا قرر أحد الحلفاء تنويع خياراته الاستراتيجية فيجب أن يتوقع موقفاً مشابهاً من الطرف الروسي، وأن يتحمل تبعة خياراته.

فرنسا ومشروع تهجير مسيحيي المشرق

 

فجأة، وبعد مسار طبعته الإيجابية بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري في ملف تشكيل الحكومة، تراجع الحريري عما أتفق عليه مع الرئيس عون وبات يطالب بأن يسمي الوزراء المسيحيين بنفسه، وينصّب نفسه وصيّاً عليهم.

ولما لم يكن بإمكان الحريري إخضاع الآخرين لشروطه، تم استدعاء الموفد الفرنسي الى لبنان لمساعدة الحريري في الضغط على رئيس الجمهورية والوزير جبران باسيل، مهددًا لبنان بخسارة الدعم الاقتصادي، ومحاولاً التلاعب عبر طرح أسماء "فرنسية" لوزارة الداخلية والطاقة تبيّن أنها نفس الأسماء التي طرحها الحريري.

واللافت، أن الموفد الفرنسي حاول استثمار العقوبات الأميركية على الوزير جبران باسيل، فاتهمه بالعرقلة، وطالبه بالتراجع، بينما أكّد باسيل على أن كل ما يطالب به هو "وحدة المعايير" وأن ما يسري على الطوائف الأخرى يجب أن يسري على المسيحيين، وأن المسيحيين يجب أن يعاملوا على قدم المساواة مع الطوائف الأخرى، فكما يسمي الشيعة وزراءهم، وكما أعطي لجنبلاط أن يسمي الوزير الدرزي، والحريري يسمّي السنّة، يجب أن يُعطى المسيحيون الحق في تسمية وزرائهم انطلاقاً من مبدأ العدالة والمساواة.

والحقيقة، أن الموقف الفرنسي من مسيحيي لبنان ليس جديدًا، فالجميع يذكر زيارة البطريرك الراعي الى فرنسا في أيلول من عام2011، في ظل الإندفاعة الغربية للتغيير في سورية، وحينها نُقل عن ساركوزي دعوته الى هجرة مسيحية من لبنان وسوريا أسوة بالهجرة العراقية التي حصلت بعد احتلال العراق وسريان الفوضى الأمنية فيه. خلال اللقاء تحدث ساركوزي عن قدرة أوروبا على استيعاب مسيحيي لبنان وعددهم مليوناً وثلاثمئة الف - بحسب ساركوزي- ومسيحي سورية وعددهم مليون ونصف مليون سوري. وحجة ساركوزي في ذلك الوقت، أن الشرق سيكون مرتعاً للتطرف الاسلامي بعد الربيع العربي، وفي ظل صراع الحضارات المسيحي - الاسلامي، لا مكان للمسيحيين في المشرق العربي، والافضل أن يأتوا الى الإتحاد الاوروبي المؤلف من 27 دولة، وينخرطون في المجتمعات الاوروبية.

إذًا، هو موقف فرنسي قديم - جديد، حيث لا يعني مسيحيو لبنان شيئًا في ميزان المصالح الغربية في المنطقة. واليوم يبدو الفرنسيون مساهمين في الخطة الأميركية للبنان ولا ينفصلون عنها، تماماً كما كانوا عام 2011 جزءًا من خطة "هيلاري كلينتون" وباراك أوباما لتنصيب الإخوان المسلمين على العالم العربي فتسببوا بإقتتال سنّي - سنّي في المنطقة، وساهموا بإشعال الحرائق المتنقلة في الشرق وانتشار الفوضى والعسكرة وارتفاع منسوب الإرهاب، الأمر الذي ارتدّ سلباً على أمن القارة الأوروبية، وأدّى الى ارتفاع أسهم اليمين فيها.

وإذا كان هنالك من دروس يمكن أخذها من هزيمة الأرمن في كاراباخ الأسبوع الماضي، واتصال رئيس الوزراء الأرميني بالرئيس ماكرون مرات عدّة لمساعدته من دون جدوى، ودروس من الموقف الفرنسي في لبنان الذي يبدو جزءًا من الموقف الأميركي بإقصاء التيار الوطني الحر وحزب الله من الحكومة، فإن الدرس الأول والأخير للأقليات في المنطقة: لا تتكلوا على عامل خارجي، وإن القوة الذاتية وحدها والوحدة الوطنية الداخلية هي من يحمي الأوطان ويحمي الشعوب ويمنع انقراض التنوع الثقافي والحضاري في المشرق العربي.

 

2020/11/09

العقوبات على باسيل ودروس 13 تشرين 1990!


خرج رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في مؤتمر صحفي يوم الأحد شارحاً كل التفاصيل والحيثيات التي سبقت إعلان الأميركيين العقوبات عليه، ومفنداً بشيء من التفصيل المطالب التي طلبها الأميركيون قبل الوصول الى فرض تلك العقوبات.

ولا شكّ أن المظلومية التي يتعرض لها باسيل كان قد تعرّض رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للمظلومية أكبر منها، حين كان رئيساً للحكومة الانتقالية بين عامي 1988 - 1990 حين تعرض لضغوط أميركية شديدة، ومطالب تمسّ بسيادة لبنان واستقلاله، مستعملين معه اسلوب العصا والجزرة، أي التهديد بالعقاب الشديد أو الوصول الى رئاسة الجمهورية وكان ردّ "الجنرال" حاسماً برفض الاغراءات "أريد الجمهورية لا رئاسة الجمهورية"... ما دفع الأميركيين الى تهديده بالتصفية.

وما زال العالم يذكر جملة "الجنرال" الشهيرة؛ "يستطيع العالم أن يسحقني ولن يأخذ توقيعي" والتي أكدّت بشكل لا يقبل الشكّ أن كل الضغوط الخارجية لن تثنيه ولن تردعه، وأن مصلحة لبنان واللبنانيين تبقى فوق كل اعتبار.

لم يغفر الأميركيون للعماد ميشال عون واقعة طرد السفير الأميركي من قصر بعبدا، فكلّفه ذلك ضوءًا أخضر أميركياً لعملية عسكرية لاقتلاعه من قصر بعبدا ونفيه الى فرنسا، بعدما كان قد تعرض الى محاولات اغتيال عدّة، منها اطلاق الرصاص عليه من قبل أحد المندسين في التظاهرات أمام قصر بعبدا، وقصف مكتبه في القصر الجمهوري وإصابة مباشرة للكرسي الذي يجلس عليه، والذي شاءت الصدف عدم وجوده هناك في ذلك الوقت.

واليوم، يتعرض جبران باسيل لعقوبات أميركية، بعدما كان قد تعرّض لمحاولات اغتيال سياسي وإعلامي، برزت بشكل واضح وجلّي خلال "ثورة 17 تشرين" 2019، والتي حاولت تكريس باسيل (وحده) مسؤولاً عن كل الفساد المنظم والممنهج منذ التسعينات عبر التصويب عليه بشكل مركّز وأساسي ولو أن الثورة اتخذت شعار "كلن يعني كلن".

لقد كان واضحاً من المؤتمر الصحفي لباسيل والوقائع التي ذكرها، ما هي التنازلات التي قدمها الحريري ليتم قبول عودته الى رئاسة الحكومة، كما كان واضحاً لماذا قام الحريري بمصالحة مع الجميع باستثناء باسيل، كما بات واضحاً جداً ان استقالة الحريري بعد الثورة  لم تكن سوى وصفة لإخراج التيار الوطني الحر وحزب الله من الحكومة، بطلب من الأميركيين، وهو ما كنا قد توقعناه بالتحليل السياسي، وبات اليوم معروفاً بالوقائع.

والآن، ماذا بعد؟

لقد تعلمّ اللبنانيون والتيار الوطني الحر من دروس " 13 تشرين" مع العماد ميشال عون، أن التاريخ يخلّد وقفات العز الوطنية وأنه يدوس المتزلفين وبائعي الوطن. إن التحدّي الذي قام به العماد عون للإرادة الأميركية في وقت مفصلي في تاريخ العلاقات الدولية وفي وقت كانت الولايات المتحدة تتجه للهيمنة على العالم ولأن تصبح صاحبة الكلمة الأوحد في الكون، أثبت صوابيته فيما بعد، رغم أنها كلّفت الرجل هزيمة معركة عسكرية ونفي الى الخارج ومحاولة تشويه صورته واتهامه بملفات مالية خرج منها جميعها منتصراً وثبتت مظلوميته وبراءته.

وعليه، إن المؤتمر الصحفي الذي عقده باسيل كشف الكثير من الوقائع وبقي الكثير غير المعروف، وكشف كيف يمكن للإعلام وحملات التشويه الممنهج أن تغتال أحدهم معنوياً وسياسياً. لكن، في التاريخ اللبناني،  الكثير الكثير من الضحايا ممن قدموا أرواحهم ودماءهم، وممن دفعوا اثماناً أكبر من ذلك، لكي يبقى الأهم: لبنان.