2023/04/03

حدود "غض النظر" الأميركي تجاه تسويات المنطقة

ذكرت بعض المصادر الصحفية أن وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان سيتوجه إلى دمشق، وذلك لتوجيه دعوة سعودية الى الرئيس السوري بشار الأسد لحضور القمة العربية التي تستضيفها الرياض في 19 أيار/ مايو المقبل.

وهكذا، يكون ملف المصالحات العربية العربية قد تسارع، خاصة بعد إعلان قطر موقفها حيال المصالحة مع سوريا، حين أعلن مسؤول قطري أن بلاده لا ترى مصلحة في المصالحة مع النظام السوري بدون أن يقدم على تنازلات تسهم في الحل السياسي في سوريا، لكنه أكد أن قطر لن تخرج عن الاجماع العربي في هذا الإطار.

وبعودة سوريا الى جامعة الدول العربية، يكون قد سقط جزء أساسي من عزلة سوريا وحصارها، لكن سيكون أمام التعافي السوري الاقتصادي وإعادة الإعمار مسار طويل مرتبط بموافقة الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الاوروبي على تخفيف العقوبات على سوريا بموجب قانون قيصر الذي سيمنع أي إمكانية لاستثمارات هامة في سوريا ما لم تلغى أو تخفف تلك العقوبات أو يتم التغاضي عن تطبيقها ضد الذي سيدعمون سوريا اقتصادياً وتنموياً وإعمارياً.

وبالتوازي مع المصالحة السورية مع العرب وبدء تخفيف وطأة العقوبات عليها، بات الجميع يدرك أن أي تقدم ونهوض للبنان يرتبط بملفين: الاصلاحات الداخلية التي ترتبط بشكل وثيق مع تسوية سياسية اقليمية - داخلية، وعودة المهجرين السوريين من لبنان الى سوريا لتخفيف العبء والضغط الاقتصادي على البنية التحتية اللبنانية.... وهذا مرتبط بموقف المملكة العربية السعودية ورضاها عن التسوية التي ستأتي برئيس للجمهورية وتحدد مصير الحكومة وشكلها ورئيسها.

وعليه، ما الذي سيكون عليه الموقف الأميركي من هذه التطورات؟

-        بالمبدأ، لا يبدو أن هناك فيتو أميركي حاسم ضد عودة سوريا الى الجامعة العربية، وهو واضح من خلال تسارع مسار المصالحة مع سوريا وقيام الدول العربية وعلى رأسهم  السعودية ومصر بفتح الملف على مصراعيه، وهو أمر كان سبق للدول العربية التوجه اليه قبل سنوات، لكن الفيتو الأميركي الأكيد حينها فرمل الاندفاعة العربية فتمّ تأجيلها.

-        إن تسارع المصالحة السعودية الإيرانية والتوجه الى زيارات قمة مرتقبة بين البلدين، يشير الى أن الأميركيين ليسوا بصدد إيقاف مسار تلك المصالحات، بل إن لهم مصلحة في المصالحة التي تؤدي الاستقرار في المنطقة وهو أمر كان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما قد دعا العرب إليه سابقاً. حينها، وبعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران، توجه أوباما الى الدول العربية لبدء مسار اقليمي تصالحي، ودعا الحلفاء العرب للبدء بـ"حديث عملي" مع إيران للحدّ من الانقسامات المذهبيّة ومواجهة التهديدات الإرهابيّة المشتركة.

بالنتيجة، يبدو أن الأميركيين ليسوا بصدد وقف اندفاعة المصالحات العربية العربية، والمصالحة العربية الايرانية، بالرغم من دخول الصين الى الساحة الشرق أوسطية كراعٍ للسلام.

وعلى ما يبدو، سيغضّ الأميركيين النظرعن التطورات السياسية في الشرق الأوسط ولو أنها ليست بإدارتهم تماماً، لأن في ذلك تحقيق لمصلحة أكيدة للولايات المتحدة، أي تأمين الاستقرار مع حفظ مصالحهم الحيوية في الشرق الأوسط للتوجه الى شرق آسيا لاحتواء الصين وهي الخطة الأساسية التي أطلقها أوباما خلال ولايته الثانية.

لكن، يبقى الخط الأميركي الفاصل في حدود التسامح مع التغلغل الصيني في الشرق الأوسط، وهو المسّ بالنظام الأمني الذي أرساه الأميركيون في الخليج، أي قيام الصين بعقد اتفاقيات أمنية ونشر قواعد عسكرية منافسة للأميركيين في الخليج، وهو أمر من الصعب على الأميركيين تقبله أو غضّ النظر عنه. 

2023/04/02

تداعيات الانقسام في "إسرائيل" على أميركا

ما زالت تداعيات الانقسام الإسرائيلي حول مشروع نتنياهو لإصلاح القضاء تتزايد داخل "إسرائيل" وخارجها، حتى وصلت إلى الولايات المتحدة الأميركية. ففي أمر نادر الحصول، برز خلاف أميركي – إسرائيلي إلى الإعلام، بعد انتقادات أميركية علنية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ولمشروع الإصلاح القضائي الذي أدى إلى انقسامات داخل "إسرائيل" وإلى انقسام مماثل داخل الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة.

فما تأثيرات هذه التطوّرات غير المسبوقة؟

 1-انتقاد أميركي علني

انتقد الرئيس الأميركي جو بايدن الحكومة الإسرائيلية، ودعا نتنياهو إلى التخلّي عن مشروع إصلاح القضاء الذي يواجه حركة احتجاجية واسعة. الأمر الذي استدعى رداً من نتنياهو الذي اعتبر أن "إسرائيل دولة ذات سيادة، تصدر قراراتها عن إرادة شعبها ولا تستند إلى ضغوط من الخارج حتى عندما تأتي من أفضل أصدقائها".

ورداً على تصريحات بايدن، أخرج اليمين الإسرائيلي أنصاره إلى الشارع ورفعوا شعارات مندّدة بالتدخّل الأميركي، وهتفوا بشتائم نابية ضد بايدن وإدراته واصفين إياهم بـ "اليساريين الخونة".

تاريخياً، تطوّر حجم الدعم الأميركي المالي والعسكري والتكنولوجي والسياسي لـ "إسرائيل" مع وصول الرئيس الأميركي ليندون جونسون إلى الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية بعد اغتيال الرئيس جون كينيدي في تشرين الثاني/نوفمبر 1963. وكان وصول جونسون نقطة تحوّل رئيسية في تاريخ العلاقات الأميركية ــ الإسرائيلية التي شهدت توتراً كبيراً في عهد الرئيس أيزنهاور الذي اتخذ موقفاً سلبياً من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. 

كان لموقف أيزنهاور الرافض للعدوان على مصر، والذي أجبر الإسرائيليين على الانسحاب من سيناء، أثر كبير في المقاربة الإسرائيلية لعلاقاتهم الخارجية. فقد أدرك الإسرائيليون في ذلك الحين أنهم لن يستطيعوا التحرّك بحرية وفرض شروطهم في الشرق الأوسط، إلا إذا ضمنوا التأييد الأميركي، وأن الدور الأميركي ستكون له أولوية مع أفول عهد الاستعمار الأوروبي القديم.

 ومنذ عهد رونالد ريغان تحوّلت المساعدات الأميركية إلى "إسرائيل" إلى "هبات". وتعتبر "إسرائيل" أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الخارجية الأميركية على الإطلاق في العالم، فقد بلغت قيمة المساعدات الأميركية لـ "إسرائيل" حتى شباط/فبراير 2022، 150 مليار دولار أميركي كمساعدة ثنائية. 

ولا يختلف الدعم الأميركي لـ "إسرائيل" بين الإدارات الجمهورية والديمقراطية، فقد وقّعت إدارة بيل كلينتون "الديمقراطية" عام 1999 مذكّرة تفاهم التزمت من خلالها بتزويد "إسرائيل" بما لا يقل عن 2.67 مليار دولار من المساعدات العسكرية سنوياً، على مدى السنوات العشر التالية. وفي عام 2009 تم رفع المبلغ السنوي إلى 3 مليارات دولار أميركي، أما في عام 2019 فتمّ رفع المبلغ مرة أخرى ليقف الآن عند مستوى لا يقلّ عن 3.8 مليارات دولار أميركي تلتزم الولايات المتحدة بتقديمها لـ "إسرائيل" كل عام.

2- انقسام الجاليات اليهودية في الولايات المتحدة

انسحب الانقسام الإسرائيلي الداخلي حول مشروع نتنياهو المتعلّق بإجراء تعديلات على النظام القضائي، وتهميش المحكمة العليا انقساماً مماثلاً داخل الجالية اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية.

ونسبياً، يشكّل اليهود الأميركيين المعارضين لنتنياهو النسبة الأكبر (يعارضه اليهود المعتدلون ويقدّرون بـ 35% من يهود أميركا، وكذلك اليهود غير المتدينين ونسبتهم 37%) بينما يؤيّد اليهود المتشدّدون نتنياهو وهؤلاء تصل نسبتهم إلى 28% من يهود أميركا.

ويقدّر عدد اليهود الأميركيين بنحو 6 ملايين شخص يجمع بينهم واجب دعم "إسرائيل" ومصالحها الأمنية وضمان استمرار الدعم الأميركي لها، ويتميّزون بالشعور العميق بالتضامن الوجداني مع الدولة العبرية. ويرتكز هذا الشعور على "عقدة ذنب تاريخية" تقوم الأجهزة الصهيونية باستغلالها إلى أقصى الحدود، وتنبثق عقدة الذنب هذه من عوامل عديدة أبرزها:

أولاً: لطالما شعر اليهود الأميركيون بالتقصير حيال اليهود الأوروبيين إزاء ما حصل لهم في زمن الهولوكوست النازي، وبالتالي هم لا يريدون لهذ التقصير أن يتكرّر مع اليهود المقيمين في "إسرائيل" والمحاطين "بأعداء إرهابيين يريدون إبادتهم" كما تسوّق الدعاية الصهيونية في العالم.

ثانياً: يريد اليهود الأميركيون توفير ظروف معيشية أفضل لليهود القاطنين في "إسرائيل"، وألّا تتكرّر معهم المأساة التي حلّت بالهاربين من أوروبا، الذين عاشوا في "غيتوهات فقيرة مذلّة" في أميركا، وقد طال بهم الزمن حتى استطاعوا الانخراط في المجتمع اليهودي الأميركي.

ثالثاً: لا يود اليهود الأميركيون مغادرة أميركا للإقامة في "إسرائيل"، بل يتمسّكون بحياتهم الأميركية الآمنة والمستقرة، ما يخلق لديهم شعوراً بـالدَين تجاه يهود "إسرائيل"، ويدفعهم إلى التعويض عن ذلك بمختلف أشكال الدعم والمساعدة والتحرّك من أجل استقرار الدولة العبرية الأمني والاقتصادي.

ولدعم "إسرائيل"، تُباح لدى اليهود الأميركيين كل الوسائل المتاحة منها: المال، صنع الأفكار وترويجها الإعلامي، الصوت الانتخابي، إضافة إلى سياسة الثواب والعقاب المطبّقة على مَن لا يماشي اللوبي اليهودي، والتي تندرج فيها كل أساليب الإثراء والإفقار والترهيب والترغيب والترقية والمحاصرة.

وفي هذا المجال يقول بول فندلي الذي أمضى 22 سنة في مجلس النواب الأميركي "إن السياسيين والمفكرين والجامعيين والصحافيين يفعلون كل ما في وسعهم لعدم ظهور أسمائهم ضمن "قوائم الأعداء" التي يُصدرها اللوبي اليهودي في أميركا، ومنها اللائحة المسماة "الحملة لتشويه سمعة إسرائيل" التي يصدرها اللوبي اليهودي الأكثر شهرةً في الولايات المتحدة (إيباك)".

وهكذا، وبالنظر الى موقع اليهود في أميركا، واهتمامهم المفرط بالسياسة الخارجية وممارسة الضغوط على الكونغرس، وتشكيل حركات ضاغطة في الجامعات والإعلام والسينما والصحف وغيرها، يفرض اليهود تصوّراتهم الخارجية في مواضيع الشرق الأوسط على كل من الكونغرس بحزبيه، والإدارات الأميركية في ما يخص قضايا الشرق الأوسط.

 بالنتيجة، إن هذا الانقسام الداخلي والخارجي الإسرائيلي سيؤدي إلى إضعاف "إسرائيل" وصورتها في الخارج كـ "دولة يهودية ديمقراطية تتعرّض لمخاطر أمنية من جيران لا يريدون لها العيش" (كما يتم تسويقها غربياً ويهودياً). 

لكن، من دون شك إن هذا التوتر الحالي بين بايدن ونتنياهو لن يلغي العلاقة الجيدة والوطيدة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة، إلا أنه مؤشر على احتمالات تبدّل في تلك العلاقة مستقبلاً، والتي كان الإسرائيليون يعتقدون أنها لا تتغّير مطلقاً، لدرجة أن السفير الإسرائيلي في واشنطن داني أيالون قال خلال حرب تموز 2006، "حتى لو ارتكب جيشنا مجازر جماعية في لبنان، فسيبقى دعم الولايات المتحدة لنا كما هو".

 

2023/03/27

احتمالات تفكك "اسرائيل"


تمر "اسرائيل" بفترة حرجة جداً في تاريخها، حيث تستمر الاحتجاجات المستمرة منذ ثلاثة أشهر ضد ما يسمى قانون "إصلاح القضاء" الذي طرحته حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة.

وحذّر العديد من أن هذه الاصلاحات سوف تؤدي الى تحوّل "اسرائيل" الى الديكتاتورية، واعتبر رئيس المحكمة العليا السابق القاضي المتقاعد أهارون بارك، أن تقويض المحكمة العليا هو "بداية نهاية الهيكل الثالث"، وهو تعبير توراتي لوصف زوال “اسرائيل”.

خطورة هذه الاصلاحات بالنسبة للاسرائيليين، أنها:

-      ستسمح هذه الاصلاحات في حال إقرارها بفرض يسمى "قانون التغلب" وإلغاء قانون سابق يسمى "امتحان المعقولية"، وهذا القانون الاخير الذي كان يسمح للمحكمة العليا بمراجعة وإلغاء قرارات حكومية وبرلمانية حتى وإن كانت منصوصة ومدعومة بقانون شرعه الكنيست.

-      وسيسمح القانون  بإلغاء قرارات المحكمة من خلال تصويت أغلبية عادية في الكنيست (61 عضواً) على قراراتها.

-      ستؤدي تلك الاصلاحات الى تقويض الجهاز القضائي والمحكمة العليا وتسمح بإلغاء محاكمة أي وزير أو نائب في الكنيست وتعطيه حصانة سياسية خلال فترة توليه منصب سياسي.

-      ستؤدي الى تسييس القضاء عبر تمكين الحكومة والأحزاب السياسية من التحكم في لجنة اختيار القضاة في المحاكم "الإسرائيلية".

-       سيسلب القانون الجديد الأدوات الرقابية التي تتمتع بها المحاكم على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وسينزع الأدوات القانونية التي تمكن القضاة من الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان.

-      ستمكّن الاصلاحات الحكومة من تشريع قوانين تتعلق بتوسيع وشرعنة البؤر الاستيطانية وفرض القوانين ""الإسرائيلية في الضفة الغربية، ووضع اليد على مناطق "ج" (أكثر من 60% من أراضي الضفة الغربية).

-      ستعطي صلاحيات واسعة للمحاكم الدينية اليهودية، عبر اعتماد تشريعات تحتكم إلى التوراة في المجالات الحياتية اليومية والحدّ من مظاهر العلمانية.

بالرغم من رفض العديد من القوى السياسية والنقابية والاعلامية والشعبية هذا القرار، لكن العناد السياسي استمر. تشكّل هذه الاصلاحات بالنسبة لنتنياهو مسألة "حياة أو موت" الذي يُحاكم منذ أعوام بتهم "فساد وخيانة الأمانة"، ولزميله في الحكومة وزير الداخلية- رئيس حزب "شاس" اليميني المتطرف – المدان من المحاكم "الاسرائيلية" بملفات فساد ومخالفات ضريبية، لذا هما مستعدان للذهاب بعيداً في الاصرار على تلك الاصلاحات حتى لو أدّت الى حرب أهلية داخل "اسرائيل".

المفترق الأساسي الذي سيؤدي بالأزمة الى تحوّلات هامة ومصيرية هو تمددها الى  داخل الجيش الاسرائيلي الذي بات يعاني من حالة عصيان بعد دخول عناصر الجيش والاحتياط في هذا الصراع، بالاعلان عن رفض الخدمة العسكرية ورفض المشاركة في التدريبات وغير ذلك.

بالنتيجة، في "دولة حربية" قائمة على القوة، يعتبر موقف الجيش الاسرائيلي والمؤسسة الأمنية حاسمين، لذا من المتوقع أن تقف “اسرائيل” منذ الآن فصاعداً، على مفترق طرق هو الأخطر في تاريخها، إذ أن تفكك الجيش يعني حتماً تفكك “اسرائيل” - "الدولة والكيان". 

2023/03/25

خيارات بايدن تجاه إيران

تتّجه منطقة الشرق الأوسط إلى عملية خلط أوراق، وترتيبات متباينة عما عاشته منذ التدخل الأميركي - البريطاني في العراق عام 2003، وما تلاه من تأجيج الصراع السنّي الشيعي، الذي عدّته "إسرائيل" أساسياً في صراعها ضد إيران.

إذا نظرنا إلى التطورات فسنجد أن مسار الأمور لا يسير بحسب الهوى والتوجهات الأميركية، فرفض الإدارة الأميركية لما سمَّته "التطبيع" مع الرئيس السوري بشار الأسد، لم يفرمل اندفاعة الدول العربية وتركيا إلى التقدم في مسار المصالحة مع الحكومة السورية.

أضف إلى ذلك أن التصعيد الأميركي ضد إيران، واتهامها بزعزعة المنطقة، وأنها "تضطهد" مواطنيها (بحسب الإعلام الغربي)، لم يثنِيا حليفتها التاريخية – السعودية – عن إعلان تفاهم سعودي إيراني برعاية صينية. ولعل المقلق بالنسبة إلى الأميركيين هو انخراط الصين في قضايا الشرق الأوسط، وظهورها في مظهر الداعم للسلام، في وقت كان انخراط الأميركيين فيها وسياساتهم دافعاً إلى الفوضى وحروب الكل ضد الكل.

ويبقى الاتفاق النووي الإيراني، والذي أعلن بايدن، خلال حملته الانتخابية، رغبته في العودة إليه، منتقداً خروج ترامب بشكل أحادي منه. لكن الاشتباك مع الجمهوريين في الداخل الأميركي، وضعف الإدارة النسبي أمام الانتقادات الداخلية، والاتهام الأميركي لإيران بالانخراط في الحرب الأوكرانية، عبر بيع المسيّرات الهجومية لروسيا، جعلت الاتفاق بعيداً عن الطاولة في وقت سابق. 

لكن، هل تدفع التطورات الأخيرة في المنطقة بايدن إلى تسهيل العودة إلى الاتفاق، أم أنها أبعدته إلى ما لا نهاية؟

لا شكّ في أن تخلي الإدارة الأميركية نهائياً عن العودة إلى الاتفاق النووي، سوف يؤدي إلى نتائج عكسية:

- بالنسبة إلى المنطقة: هذا الخيار يعني تقويض أي قدرة أميركية على أداء دور في التفاهمات القادمة في المنطقة، بسبب عدم قدرتها على الحوار والتفاهم مع جميع الأطراف، الأمر الذي يعطي الصين ميزة نسبية في أداء أدوار أكبر، على صعيد المنطقة ككل.

- بالنسبة إلى إيران: هذا الخيار سوف يحرّرها من الالتزام بشأن ما كانت وقّعت عليه سابقاً في الاتفاق النووي، عام 2015، لجهة تحديد سقف تخصيب اليورانيوم وغيره، علماً بأن عدداً من التقارير الاستخبارية الغربية قالت إنه بات لدى إيران التقنية اللازمة، علمياً وفنياً، لتصنيع قنبلة نووية خلال أشهر قليلة. وفي هذا الإطار، يكون أمام الولايات المتحدة و"إسرائيل" خيارات محدودة، أبرزها:

أ‌- الإذعان لفكرة إيران نووية، مع ما يترتب على ذلك من خلط أوراق في المنطقة، ورغبة عدد من الدول العربية في الحصول على القنبلة. وهذا أمر من الصعب على الأميركيين قبوله.

ب‌- تزخيم العقوبات والضغوط القصوى بصورة أوسع وأكبر على الايرانيين. لكن مبدأ العقوبات الاقتصادية تمّت تجربته بالفعل، ولم يؤدِّ إلى ثني إيران عن مسارها النووي، وبالتالي، قد لا يؤثر كثيراً في مسار الأمور في المنطقة، ولا في إيران.

ج- رضوخ أميركي لـ"إسرائيل"، وشنّ سلسلة من الغارات على المنشآت النووية. وقد يندفع نتنياهو إلى هذا الأمر لتصدير أزمته وأزمة حكومته إلى الخارج.

لكن هذا الخيار خطير جداً، وقد يدفع المنطقة إلى حروب ومواجهات كبرى لا يُعرَف كيف تنتهي، وسيضع القواعد الأميركية في المنطقة تحت نيران الصواريخ الإيرانية، بالإضافة إلى إمكان أن يقوم حلفاء إيران في المنطقة بالردّ على "إسرائيل" مباشرة، علماً بأن خياراً كهذا بات أصعب من قبلُ، بعد أن قامت إيران بالانفتاح والتفاهم مع جيرانها الخليجيين والعراقيين.

ويمكن فهم صعوبة ذهاب الأميركيين إلى خيار التصعيد الحربي مع إيران، من خلال مسارعة بايدن إلى الإعلان أن "الولايات المتحدة لا تسعى لصراع مع إيران"، وذلك رداً على هجوم المسيّرات الذي استهدف القواعد الأميركية في سوريا، والذي قامت به قوى حليفة لإيران.

إذاً، بحسب الخيارات المتاحة وحسابات الأرباح والتكاليف، قد يكون من الأفضل لإدارة بايدن العودة إلى المفاوضات النووية، تطبيقاً لما جاء في وعوده الانتخابية، وما جاء في استراتيجية الأمن القومي الأميركية، المنشورة في تشرين الأول/أكتوبر 2022، والتي تدعو إلى التخلي عن استراتيجية تغيير الأنظمة في المنطقة ودعم الاستقرار، عبر اعتماد الدبلوماسية وتخفيف التوترات الإقليمية. 

لكن، بما أن الكونغرس الأميركي، بحزبيه، يدين بالولاء لـ"إسرائيل"، يُخشى أن يكون هذا الخيار هو لكسب الوقت فقط، ولإشاعة أجواء من الهدوء، فتذهب الإدارة الأميركية إلى خيار التفاوض، وهي غير راغبة في التقدم فيه أساساً، فتعتمد مبدأ "مفاوضات من أجل المفاوضات"، من أجل تكبيل إيران ومنعها من التقدم نووياً خلال فترة التفاوض، ولتخفيف الضغوط عن "إسرائيل"، التي تعاني أزمة وجودية داخلية غير مسبوقة 

2023/03/20

إيران والسعودية تتفقان: ماذا عن الموقف الأميركي؟


ليلى نقولا

تتسارع التطورات في المنطقة على وقع الاتفاق التاريخي الذي تمّ توقيعه بين كل من إيران والمملكة العربية السعودية في العاصمة الصينية بكين. وإذا كان العديد يتخوفون من التفاؤل محذرين الافراط فيه، بسبب الموقف الأميركي والخوف من أن يكمن الشيطان في التفاصيل، إلا أن عدداً من الملفات باتت تتسارع بشكل دراماتيكي ومنها ما على سبيل المثال لا الحصر:

- دعوة الرئيس الايراني الى السعودية ولقاء مرتقب لوزيري الخارجية السعودي والايراني.

- انفتاح إيراني على دول الخليج ومحاولات تفكيك الألغام وحلّ المسائل العالقة بين سواء على صعيد الحدود (الكويت) أو الموقف السياسي ودعم المعارضة (البحرين) أو غير ذلك.

- اتفاق أمني إيراني عراقي حيث أكد رئيس الوزراء العراقي رفضه لأن تكون الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على أيّ من دول الجوار"، مشددًا على "رفضه القاطع على أن تكون أرض العراق مسرحاً لتواجد الجماعات المسلحة، أو أن تكون منطلقاً لاستهدافها، أو أي مساس بالسيادة العراقية"، وفي هذا حفظ لأمن إيران حيث كان اقليم كردستان مرتعاً للجماعات التي تستهدف الأمن الإيراني بالمسيّرات.

بكل الاحوال، هذه الملفات المذكورة آنفاً قد تكون رأس جبل الجليد، فالقضايا بين الدولتين والتشابك الاقليمي يمتد الى ما هو أبعد من منطقة الشرق الأوسط، الى اليمن وباكستان وكل من داخل السعودية وإيران حيث تدعم كل دولة المعارضة المتشكلة للنظام في الدولة الأخرى. ولعل هذا الاتفاق يأتي حاجة لكل من السعودية وإيران، على الشكل التالي:

- السعودية: لولي العهد السعودي تصوّر ورؤية لموقع السعودية الاقليمي والدولي المستقبلي والذي يحتاج الى التخفيف من أحمال السياسات السابقة التي جعلت السعودية تنخرط في حروب بالوكالة لا طائل منها، وحيث تبين أن الدعم الأميركي لم يكن كافياً حين تعرّض الأمن القومي السعودي للخطر، بقصف أرامكو وغير ذلك.

- ايران: تتعرض حكومة رئيسي لضغوط متعددة سواء داخلية (المظاهرات، الانهيار الاقتصادي)، أو خارجية (فشل العودة الى الاتفاق النووي، استمرار العقوبات، المسيّرات التي تضرب العمق الايراني ...)، والتي تحتاج معه الى تسريع وتيرة الاتصالات التي كانت تجري مع السعودية لحفظ أمنها والسير نحو خطط النهوض.

لكن ماذا عن الأميركيين؟

بالمبدأ، كان الرئيس الأميركي جو بايدن قد أعلن في استراتيجية الامن القومي التي أصدرها في تشرين الأول من عام 2022، رؤية إدارته للشرق الاوسط، والتي تتعهّد بتعزيز الشراكات والتحالفات ودعم الدبلوماسية لخفض التصعيد وتهدئة التوترات وتقليل مخاطر نشوب صراعات جديدة في الشرق الأوسط. لكنها، تتعهّد أيضاً بـ "الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني"، الذي "يناضل من أجل الحقوق الأساسية والكرامة، التي حرمها النظام في طهران منذ فترة طويلة"، بحسب نص الوثيقة.
وما تأتي على ذكره الوثيقة، وهو الأهم في مقاربتنا للموقف الأميركي، هو "امتلاك الولايات المتحدة "ميزة نسبية" في بناء الشراكات والائتلافات والتحالفات، من أجل تعزيز الردع وتحقيق الاستقرار الطويل الأمد في المنطقة،" وهنا بيت القصيد. فهل ستعتبر الولايات المتحدة أن الصين باتت تنافسها على تلك الميزة النسبية، أم أنها ستغض النظر عن التقارب السعودي الإيراني باعتبار انه تحقيق لهدف الوثيقة بخفض التصعيد وتخفيف التوترات؟ هذا ما ستكشفه التطورات المقبلة ومواقف الاميركيين منها.

 

2023/03/17

كيف تستوي "إسرائيل" في تقسيم بايدن الأيديولوجي للعالم؟

منذ مجيئه إلى البيت الأبيض، حاول الرئيس الأميركي جو بايدن إعطاء تفسير للعلاقات الدولية يحمل طابعاً أيديولوجياً، إذ أشار مراراً إلى أنَّ الحالة الحالية للسياسة العالمية هي "نقطة انعطاف"، وأنها "لحظة يحتاج الناس فيها إلى الاختيار بين الأنظمة الديمقراطية للحكم والديكتاتوريات، وإلا سيجدون أن العالم قد تغيَّر إلى الأبد".

يرى بايدن، ومعه الاتحاد الأوروبي ومَن يدورون في فلك الولايات المتحدة الأميركية، أنَّ هذا التقسيم الأيديولوجي صالح لتبرير التحالفات أو الحروب مع الدول في العالم. وكان الرئيس الصيني قد انتقد هذا التصنيف للحرب الدائرة في العالم، بقوله "إن سردية "الديمقراطية في مقابل الاستبداد" ليست السمة المميزة لعالم اليوم، ناهيك بأنها تمثل اتجاه العصر... الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان هي مسعى مشترك للبشرية. الولايات المتحدة لديها ديمقراطية على النمط الأميركي، الصين لديها ديمقراطية على الطريقة الصينية".

إن تقسيم جو بايدن العالم إلى ديمقراطيات وديكتاتوريات يجعل من المنطقي التساؤل: هل يستوي هذا التصنيف الأيديولوجي على جميع حلفاء الولايات المتحدة، ومنهم "إسرائيل"؟

عملياً، إن تنميط العالم بتقسيمه إلى ديمقراطيات وديكتاتوريات، كما يفعل جو بايدن، يعني أنَّ الدعم الأميركي لـ"إسرائيل" يجب أن يتوقف، فهي أبعد ما يكون عن الديمقراطية، والسياسة التي تقوم عليها هي سياسة الفصل العنصري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين وقتل المدنيين، والتمييز بين مواطنين فئة أولى ومواطنين فئات متدنية، حتى بين اليهود أنفسهم، هو أبعد ما يكون عن الديمقراطية.

في الخطاب العام، يقوم التعريف الإسرائيلي للديمقراطية بوصفها حكم الأغلبية "اليهودية" بشكل مطلق غير مقيد. لذا، عمدت السلطات المتعاقبة إلى تفصيل قوانين لضمان سيطرة الأغلبية وهيمنتها على الأقلية، وتقسيم المواطنين بين مواطنين درجة أولى ومواطنين من درجات أخرى، بحسب انتماءاتهم الدينية والعرقية.

في الأساس، في مركّبَي الهُوية التي يحاول الإسرائيليون خلقها، وهما اليهودية والديمقراطية، تكمن الإشكالية الأساسية في السؤال الآتي: "كيف يمكن أن تكون إسرائيل يهودية وديمقراطية في آن واحد؟". إن الدول القائمة على التفوق العرقي هي أبعد ما تكون عن الديمقراطية، فكيف يستوي معيار التفوق العرقي والطائفي مع الديمقراطية التي تؤمن بالمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات؟

على مدى عقود من الزمن، استهدفت الحكومة الإسرائيلية المجتمع المدني الرافض للاحتلال وقوّضته، وأقرَّت تشريعات للتمييز ضد الفلسطينيين والأقليات، وقامت بتقليص الحريات الإعلامية. واليوم، تقوم بمحاولة التضييق على القضاء. 

 إضافةً إلى ما سبق، لجأت الحكومة اليمينية المتطرفة إلى المسّ بالفصل بين السلطات، وهو أساس من أسس الديمقراطية الحديثة. ما يجري اليوم من محاولة منح السلطة التنفيذية سلطة مطلقة على حساب استقلالية السلطة القضائية والنظام القضائي برمّته وقوتهما هو من أساليب الديكتاتورية.

وبالتالي، إن نجاح حكومة بنيامين نتنياهو في ما ترمي إليه - والذي سيجنب نتنياهو المساءلة أمام القضاء - سيغيّر جوهرياً أسس الديمقراطية التي يتغنى بها الغرب في الادعاء بأنه يدافع عن "إسرائيل المهددة بأمنها، وعن الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط".

 في كل الأحوال، وبصرف النظر عن ادعاءات الغرب في أسباب دعمه "إسرائيل" في تسلطها على الفلسطينيين وجيرانهم العرب، فإن مسار الأمور المتدحرجة في "إسرائيل" سيجعل الدعم الغربي غير قادر على إيقاف التطورات السياسية والاجتماعية التي ستؤدي إلى إضعافها من الداخل.

وهنا، نشير إلى ما يلي:

يرى مئير إلران وموران ديتش، وهما باحثان في "معهد دراسات الأمن القومي" التابع لجامعة "تل أبيب"، أن الحصانة أو المناعة القومية لـ"إسرائيل" تستند إلى 3 أساسات مركزية: التضامن الاجتماعي، وثقة الجمهور بمؤسّسات الدولة، والحوكمة الفاعلة. 

ويؤكّد الباحثان في تقرير نشر حديثاً أن هناك تراجعاً مقلقاً جرى خلال الأعوام الأخيرة على المركّبات الثلاثة للحصانة القومية، كما يلي:

- التضامن الاجتماعي: القاسم المشترك الذي يوحّد الفئات المختلفة في المجتمع الإسرائيلي تقلّص في الأعوام الماضية لمصلحة الفردية والقبلية. وبناء عليه، ازدادت نسبة العداء بين الفئات المختلفة، إضافةً إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة العنف في الحيّز العام.

- الثقة بالمؤسسات: يشير التقرير إلى أنَّ ثقة الإسرائيليين بالأحزاب السياسية ومؤسسات الحكم، وحتى الشرطة، في تراجُع. 

- الحوكمة: يتم التعبير عنها من خلال ثقة الإسرائيليين بقدرة النظام على فرض سيطرته في مجالات أساسية للمواطنين. يعتبر الباحثان أنَّ الحوكمة أيضاً في حالة تراجع، على سبيل المثال، يتقلص "الشعور بالأمان الشخصي" لدى فئات واسعة في المجتمع، ويزداد توجيه الانتقادات إلى مؤسسات فرض القانون بسبب عدم قدرتها على أداء دورها بشكل فعّال.

وهكذا، سواء اندلعت الحرب الأهلية في "إسرائيل"، كما يحذّر العديد من القادة الإسرائيليين، أو لم تندلع، فإنَّها تتجه إلى فقدان الصورة الخارجية التي لطالما تمّت صناعتها وترميمها لتلائم تطلعات الرأي العام في الغرب. 

على الرغم مما سبق، لا نتوقع تغييراً في الأداء الأميركي والنظرة تجاه "إسرائيل"، فتعريفات الديمقراطية تتأقلم وتتبدل لدى الغرب بحسب الهدف والسياسة المتبعة، فحين يرتبط الأمر بالحلفاء في المجتمعات التي تفتقر إلى الحريات والحقوق المواطنية، فإن التعريف الغربي للديمقراطية يركّز على الانتخابات وإجرائها كمعيار وحيد للديمقراطية، فيما تتوسع إلى الحريات العامة وتمكين المجتمع المدني وحرية الصحافة والمعارضين وقدرتهم على التغيير حين يرتبط الأمر بأعداء الولايات المتحدة أو خصومها.

 

2023/03/13

المشهد اللبناني بعد مصالحة السعودية- إيران

طغى الاتفاق السعودي الايراني الذي رعته الصين على كل ما عداه في المنطقة، حيث أدخل الصين الى المنطقة من باب الدبلوماسية وحفظ الأمن الواسع، وأظهرها دولة راعية للسلام بعدما اتُهمت الولايات المتحدة الأميركية لفترة طويلة بأنها رعت الحروب الطائفية والانقسامات المذهبية لصالح اسرائيل، ما أدى الى الفوضى التي سمتها كوندوليزا رايس "الفوضى الخلاقة" في محاولة لتبرير فشل سياسات نشر الديمقراطية التي قادتها إدارة الرئيس جورج بوش.

ولا شكّ ان الاتفاق سينعكس إيجاباً على الملفات والساحات ذات النفوذ المشترك بين الدولتين الاقليميتين، فالاقتتال بينهما حوّل بلدان متل اليمن ولبنان وغيرهما الى ساحات اقتتال بالوكالة بين الطرفين، واليوم سيحوّلهما الى مختبر تقاس فيه نتائج التسوية السلمية بين البلدين.

بالنسبة للبنان، وبالرغم من  أن العديد من المحللين حاولوا مبكراً استنباط ما سيكون عليه المشهد الرئاسي والحكومي بعد الاتفاق، فاعتبر بعضهم أن الوزير سليمان فرنجية سيكون الرئيس المقبل حتماً، بينما البعض الأخر اعتبر انه سيكون أول ضحية لهذا الاتفاق.

وفي هذا الإطار، من المفيد أن نعود الى الحراك اللبناني الذي سبق التسوية الاقليمية لنورد أنه بالرغم من أن السيد حسن نصرالله والرئيس نبيه برّي كانا قد أعلنا سليمان فرنجية مرشحاً للثنائي، لكن كان من الواضح ما يلي:

-       كان واضحاً في خطاب السيد حسن نصرالله أن تسمية فرنجية لم تكن مناسبة لفرضه فرضاً على الأطراف الآخرين وخاصة المسيحيين منهم، بدليل أنه أكد على وجوب "نصاب الثلثين" لانعقاد المجلس النيابي، الذي يعني وجوب مشاركة طيف واسع جداً من القوى السياسية وعدم تخطي الإرادة المسيحية الرافضة لفرنجية كما أعلن سابقاً الوزير السابق علي حسن خليل.

-      كان واضحاً من الخطاب وما تلاه من تصريحات المسؤولين في الحزب أن المعادلة التي أعلنها الحزب هي كالتالي: لقد اعلن الثنائي مرشحه، فلتقوم القوى الأخرى بإعلان مرشحيها وتعالوا لنتحاور. إذاً، هي دعوة للحوار والتفاهم والوصول الى تسوية حول إسم الرئيس وليس كما اعتبرها البعض بأنها دعوة لفرضه بالقوة. علماً أن موازين القوى النيابية لا تسمح بفرضه فرضاً على الأطراف الاخرى.

هذا في سياق الخطابات والتطورات، أما في سياق التحليل، فنجد ما يلي:

-      إن اتفاق السعودية وإيران برعاية صينية لا يعني بأي حال من الأحوال إخراج النفوذ الأميركي من لبنان أو القدرة على إنهائه.

-      إن أي محاولة لإنهاء النفوذ الأميركي في لبنان ستكلّف لبنان الكثير من المصاعب واستمراراً للضغوط القصوى، لذا عملياً يمكن أن تقوم السعودية اليوم بدور الوسيط بين كل من النفوذين الايراني والأميركي ما يعطيها هامشاً لتوسيع نفوذها في لبنان، علماً أنها بالأساس تشكّل الضامن الاقتصادي لأي محاولة انقاذية بعد التسوية، لأنها قادرة على مساعدة البلد اقتصادياً أو خنقه عبر الاعتكاف الذي سيؤدي الى اعتكاف خليجي مماثل.

-      إن انتخاب فرنجية رئيساً يعني انتصار إرادة طرف على الآخرين، ما يعني انتصاراً لمحور على آخر، وهو ما لن يتم السماح به ولو إعلامياً. لذلك إن استعجال ترشيح الثنائي لفرنجية قبل التفاهم الاقليمي بلحظات أضرّ بالرجل بدل أن يساعده.

-      الاتجاه العام أن يكون هناك تسوية لبنانية دقيقة المعادلات، لا تسمح بأن يكون الرئيس المقبل محسوباً على طرف بشكل واضح، وإعادة  تشكيل السلطة من الأشخاص غير المتهمين  بالفساد ومن غير المتورطين مع رياض سلامة ، ومن غير الاستفزازيين... ما يعني أن معظم من يديرون السلطة اليوم، ومعهم نجيب الميقاتي لن يكونوا في المشهد السياسي الحاكم مستقبلاً.