2023/07/18

لماذا تبدّلت السياسة الأميركية تجاه الصين؟

ليلى نقولا
في زيارات تهدئة تعكس تبدلاً جوهرياً في طريقة تعامل الولايات المتحدة الأميركية مع الصين، وصل وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري، الذي يشغل حالياً منصب المبعوث الخاص حول المناخ، إلى بكين لإجراء محادثات ثنائية، وذلك بعد زيارات سابقة لوزير الخارجية الحالي أنتوني بلينكن ووزيرة الخزانة الأميركية جانيت يالين.

بالرغم من الكلام الإيجابي الذي أطلقه الأميركيون خلال تلك الزيارات، فلا يمكن أن نتصور أنَّ الأميركيين تخلوا عن استراتيجية "احتواء الصين"، إذ إنَّ القلق الأميركي من الصعود الصيني راسخ وحقيقي وممتد منذ دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، ولا يمكن أن نتصور أنه تلاشى في الوقت الراهن.

أولاً- استراتيجية احتواء الصين منذ عهد بوش إلى بايدن
منذ ما قبل الرئيس باراك أوباما الذي أعلن استراتيجية "التوجه نحو آسيا"، ينظر الأميركيون إلى الصين باعتبارها تهديداً محتملاً للولايات المتحدة الأميركية. وقد ظهر هذا في استراتيجيات الأمن القومي الأميركية المتعددة.

- جورج بوش الابن
ذكرت وثائق بريطانية رُفعت عنها السرية أنّ الرئيس جورج بوش أعرب عن قلقه من تقدم الصين في فبراير/شباط 2001، خلال زيارة رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير إلى واشنطن.

وقال بوش (بحسب الوثائق): "ستكون الصين قوة عالمية رئيسية خلال 50 عاماً، وستغدو صاحبة أحد أكبر اقتصادات العالم، لكن نوع هذه القوة لم يتضح بعد"، وتذكر الوثائق أنّ بوش وبلير اتفاقا على ضرورة "التفكير بحرص في كيفية احتواء القوة الصينية".

- باراك أوباما
تزامن إطلاق أوباما استراتيجيته الجديدة للتوجه إلى المحيط الهادئ مع إعلان "مبادرة الطريق والحزام" الصينية. ويمكن اختصار استراتيجية أوباما المعلنة تجاه الصين بأنها كانت مزيجاً من الاحتواء والتعاون أو ما سمّاه بعض الباحثين الأميركيين "congagement".

- دونالد ترامب
في استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترامب عام 2017، تغيّرت اللغة المستخدمة سابقاً (الهادئة نوعاً ما) تجاه روسيا والصين، واعتُبرت الأخيرتان "تهديداً استراتيجياً للولايات المتحدة الأميركية يجب مواجهته".

- جو بايدن
برز العداء الأميركي لكلٍّ من روسيا والصين في استراتيجية إدارة بايدن للأمن القومي التي صدرت في تشرين الأول/أكتوبر 2022، فاعتبرت الوثيقة أنَّ الصين وروسيا نظامان استبداديان يرفضان القيم الديمقراطية، ويشكلان تحدياً للسلام والاستقرار الدوليين.

تصف الاستراتيجية الصين بأنها "المنافس الوحيد الذي ينوي إعادة تشكيل النظام الدولي، وأنها تواصل زيادة قوتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية لتحقيق هذا الهدف، لتخرج بذلك عن المنافسة التقليدية التي تنادي بها الولايات المتحدة في سوق المصالح الاقتصادية المختلفة".

وجاء في الاستراتيجية: "على الرغم من أن المنافسة مع الصين ستكون أكثر وضوحاً في منطقة المحيطين الهندي والهادي، فهي أيضاً عالمية، إذ يدور السباق حول كتابة القواعد العالمية وتشكيل النظام الدولي".

- التصعيد الأميركي ضد الصين
تطبيقاً لاستراتيجية الاحتواء التي بدأها ترامب واستمر بها جو بايدن، ازداد التصعيد الأميركي ضد الصين تجارياً واقتصادياً وعسكرياً. استمرَّت إدارة بايدن في تطبيق التعريفات الجمركية على بعض البضائع الصينية التي بدأها دونالد ترامب، وفرض بايدن قيوداً على تصدير الرقائق الإلكترونية ومعدات تصنيعها والبرامج التي تحتوي على التكنولوجيا الأميركية إلى الصين.

وتبنّت إدارة بايدن قانون خفض التضخم الذي يقدم مساعدات للشركات التي تقوم بالاستثمار في الولايات المتحدة، ولكن استُثنيت منه الشركات الصينية، ومُنعت الشركات التي تحصل على تلك المساعدات من الاستثمار في الصين.

أما في الإطار العسكري، فقامت الولايات المتحدة بتطويق الصين بالتحالفات والقواعد العسكرية، إذ قامت بتشكيل حلف أوكوس، وزودت أستراليا بالغواصات النووية، ونشرت جيشها في المحيط الهادئ، كما نشرت قواعد عسكرية في كل من اليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وغيرها.

ثانياً- هل تغيّرت استراتيجية بايدن تجاه الصين؟
المؤكد أن أهداف الاستراتيجية الأميركية باحتواء الصين ما زالت على حالها، لكن الوسائل التصعيدية التي مارسها الديمقراطيون في أميركا بدأت تتبدل، وحلّ الحوار مكان التصعيد الحربي والاقتصادي، فما السبب؟

قد تعود أسباب التبدل إلى ما يلي:

1 - فشل نظرية الدومينو الحربي
ربما اعتقد الأميركيون أنهم يستطيعون تكرار سيناريو "روسيا – أوكرانيا" في المحيط الهادئ "الصين – تايوان"، فكما قاموا بتطويق روسيا واستفزازها عسكرياً لدفعها إلى مغامرة غزو أوكرانيا، يستطيعون -بالطريقة نفسها- تطويق الصين عسكرياً وحشرها لجرّها إلى غزو تايوان.

يدل على هذا التصور ما أعلنه وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن خلال "منتدى ريغان للدفاع الوطني" الذي عقد في ديسمبر/كانون الأول عام 2022، إذ قال علناً إن "الولايات المتحدة تبني القوة الأكثر فتكاً في المحيطين الهندي والهادي، وإنها لن تسمح للصين بالهيمنة على تلك المنطقة".

وبالفعل، قام الأميركيون بتطويق الصين بالقواعد العسكرية، كما فعل الناتو تماماً حول روسيا، إضافة إلى التصعيد الكلامي المستمر لجو بايدن وزيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى تايوان.

اعتقد الأوروبيون والأميركيون أنَّ روسيا سوف تنهار وتتفكك بفعل العقوبات الاقتصادية ورحيل الشركات الغربية، ومن جراء النقمة الداخلية على بوتين، وأن باستطاعة أوكرانيا بواسطة الدعم العسكري اللامحدود الذي يقدمه لها أعضاء حلف الناتو أن تستنزف الجيش الروسي، ما سيعيد تكرار تجربة انهيار الاتحاد السوفياتي، لكن حسابات الحقل لم تطابق حساب البيدر، وفشل الهجوم المضاد الأوكراني، وتكبدت أوكرانيا خسائر هائلة، واستنزفت مخازن الأسلحة في دول الناتو، ولم تنهَر روسيا ولم تتفكك.

وبالتالي، إذا لم تنهَر روسيا (وهي أضعف من الصين) بفعل العقوبات وتأثر الاقتصاد العالمي سلباً بالحرب الأوكرانية، فيبدو من الأفضل للأميركيين التريّث في مسار استفزاز الصين إلى أن يحين الأوان لذلك لاحقاً.

2 - اعتماد المقاربة العقلانية (ربح – أكلاف)
التصور الآخر لمسار اعتماد التهدئة الحربية ضد الصين التي بدأها جو بايدن هو أن من الصعب في الوقت الراهن على الاقتصاد الأميركي بشكل خاص، والاقتصاد العالمي بشكل عام، تحمّل كلفة حرب كبرى مع الصين، وخصوصاً في ظل الركود والتضخم الذي يعانيه العالم بسبب حرب أوكرانيا، إضافة إلى أن ترابط الاقتصادين الأميركي والصيني يجعل من الصعب فكّه من دون زعزعة الاقتصاد العالمي والتسبب بكوارث اقتصادية، ناهيك بأن فرض عقوبات على الصين قد يؤدي إلى انهيار الشركات الأميركية نفسها.

وبناءً عليه، تعمل هذه المقاربة على أنه من الأفضل الاستمرار في احتواء الصين بطريقة هادئة إلى أن يحين الأوان ويأتي الوقت المناسب في المستقبل للتصعيد، عندما يكون الاقتصاد الغربي استعد لكل الاحتمالات. عندها، يمكن الاندفاع إلى مغامرة حربية مع الصين.

 

2023/07/17

لبنان ...استعصاء "أحلام" تغيير النظام

خلال أحداث 17 تشرين الأول/ اوكتوبر 2019، طرح على بساط البحث الدعوة الى "تغيير النظام" اللبناني، كما طرح في مرات عديدة قبلها، وما زالت بعض القوى السياسية والمجتمعية "تحلم" بتغيير النظام.

بالاضافة الى "تغيير النظام"، تُطرح عند كل أزمة مصيرية، لدى العديد من القوى السياسية والمجتمعية، فكرة "عقد اجتماعي جديد ينبثق عنه مؤتمر تأسيسي لتعديل أو تطوير النظام"، منطلقين من مبدأ أن الاتفاق الذي قام به اللبنانيون في الطائف في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، أثبت عدم فعاليته وعدم قدرته على ايجاد الآليات اللازمة لحل المعضلات السياسية والدستورية ... وعلى هامش هذا وذاك، تصدر العديد من الدعوات الى تغيير شكل الدولة واعتماد الفيدرالية وسواها، خاصة من بعض القوى الطائفية التي تدعو اليها إنطلاقاً من مقاربة " ما فينا نعيش معهم" أو "ما بدنا ندفع ضرائب عنهم".

وفي هذا الاطار، يمكن إدراج الملاحظات التالية:

أولاً- في الطرح الفيدرالي:

عملياً، ليست الفيدرالية بنظام مرفوض أو شائن عادة، بل إن العديد من الدول الكبرى والمستقرة في العالم تطبق الفيدرالية. لكن بلداً مثل لبنان،  يعاني من تشظي طائفي ومذهبي، وانقسام سياسي عامودي، سيؤدي تطبيق الفيدرالية فيه الى مشاكل إضافية تضاف الى المشاكل الأساسية التي لن تجد لها الفيدرالية حلاً.

يعاني طرح الفيدرالية في لبنان من عقم أساسي، وهو أن الأسس الثلاث التي تنفرد بإدارتهم السلطات المركزية في الدول الفيدرالية هم من أسس الانقسام اللبناني، ما يعني عدم توافر فرصة الحل بتطبيق الفيدرالية، وهي: السياسة الخارجية، والسياسة الدفاعية، والسياسة النقدية. تبقى هذه السلطات الثلاث بيد الدولة المركزية، ما يعني أن الجزء الأكبر من المشاكل اللبنانية بقيت على حالها. أضف الى ذلك، خطورة إعطاء المجموعات الطائفية القدرة على سنّ قوانين خاصة، ما يعني إمكانية اضطهاد الأقليات الطائفية المتواجدة في اقليمها.

ولنا في الاشتباك المسلح الذي حصل مؤخراً- والمستمر منذ سنوات -بين بشري وبقاعصفرين، على تحديد ملكية القرنة السوداء، عبرة واضحة. فماذا لو اشتبكت الكونتونات الطائفية على  ملكية بعض الاراضي لاحتوائها على المياه أو النفط والغاز؟

ثانياً- في تغيير النظام

من خلال التجرية، أثبت الدستور اللبناني الذي انبثق عن اتفاق الطائف حاجة هذا الدستور الى بعض التعديلات والتفسيرات، بالاضافة الى وجود نقص في الآليات التطبيقية والعملية لحلّ المعضلات السياسية كالعودة الى الشعب لانتخابات مبكرة أو غير ذلك.

طبعاً، قد يكون الحلّ المثالي للبنان هو الذهاب الى دولة مدنية يتساوى فيها جميع مواطنيها، ويكون فيها  توازن وفصل بين السلطات، وآليات تطبيقية لحل المعضلات السياسية.

لكن، واقعياً، لا يسمح الوضع الراهن بالدعوة الى تغيير النظام، كما تنادي بعض قوى المجتمع المدني، ولا الى إلغاء الطائفية السياسية كما يطالب البعض الآخر، ولا الى مؤتمر تأسيسي يعاد فيه النظر باتفاق الطائف، للأسباب التالية:

أ‌-     كانت تسوية الطائف، تسوية خارجية اقليمية انسحبت على الواقع اللبناني، وقسّمت الحصص بين الطوائف وأبقت على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين.

 يرفض السعوديون اليوم تغيير تسوية الطائف، وهو ما أعلنه السفير السعودي وليد البخاري في مؤتمر الطائف في تشرين الثاني / نوفمبر عام 2022. ورفض الثنائي الشيعي أي تغيير في اتفاق الطائف، وذلك على لسان الرئيس نبيه برّي والسيد حسن نصرالله، أما الاجزاب المسيحية، فطالبت بتطبيق الطائف قبل محاولة تغييره.

ب‌-  كقاعدة عامة، تعكس الدساتير والقوانين التي تصاغ على أثر حرب أو أزمة سياسية كبرى، موازين القوى السائدة، فالمنتصر هو الذي يكتب التاريخ ويسنّ القانون.

وبما أن موازين القوى السائدة اليوم، لا تعكس عملياً نفس الموازين التي كانت عليها الحال في نهاية الثمانينات من القرن الماضي في لبنان، فسيكون هناك فئات متضررة، وفئات خائفة من أن التسوية على حساب مصالحها ودورها  وحصصها في النظام، وبالتالي سترفض الذهاب الى تغيير اتفاق الطائف. وهي طوائف وازنة وكبرى في لبنان.

  

2023/07/12

حرب تموز/يوليو 2006: المسمار الذي صدع "إسرائيل"؟

تجدّدت الاحتجاجات في "إسرائيل" على خلفية عودة حكومة نتنياهو إلى الخطة السابقة لما تسميه "إصلاح الجهاز القضائي"، وذلك بعد أن صادق البرلمان، في قراءة أولى، على بند أساسي ضمن خطة "الإصلاح القضائي"، يرمي إلى إلغاء إمكان أن يفصل القضاء في "مدى معقولية" قرارات الحكومة.

 

يرى المعارضون في "إسرائيل" أن تلك الإصلاحات تقوض الديموقراطية، فيكيلون الاتهامات للحكومة واليمين المتطرف بمحاولة السيطرة على السلطة وكمّ الأفواه، فخرجت التظاهرات مجدداً، وأعلن قائد شرطة "تل أبيب" الاستقالة من منصبه اعتراضاً على طلب الحكومة استخدام العنف ضد المتظاهرين.

 

في مؤتمر هرتسيليا عام 2015، نبّه الرئيس الإسرائيلي السابق رؤوفين ريفلين إلى تبعات الانقسام الإسرائيلي المجتمعي وتأثيره في مستقبل "إسرائيل" ووجودها، ككل، وقال إن "إسرائيل مركّبة من أربع قبائل، يتعذّر عليها الاستمرار من دون تعاون وتشارك فيما بينها، وهذه القبائل هي: العلمانيون والمتدينون الحريديم والمتدينون القوميون والعرب".

 

عملياً وواقعياً، تشهد "إسرائيل" تدهوراً فيما يسمى "المناعة الاجتماعية"، منذ حرب تموز/يوليو 2006 على لبنان، وذلك بعد أن تبيّن أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية كانت الأكثر هشاشة خلال الحرب.

 

وأظهرت الاستطلاعات، فيما بعدُ، تراجع الانتماء و"الافتخار" الوطنيين، وأن سوء القيادة، سياسياً وعسكرياً، وسوء التقدير والتخطيط، كانا من العوامل الرئيسة لخسارة تلك الحرب، كما يورد عدد من المحللين الإسرائيليين، وكذلك تقرير فينوغراد.

 

بالإضافة إلى ما سبق، أظهرت الانتخابات الأخيرة التي أتت باليمين إلى السلطة أن الهوّة بين "القبائل الاربع" (كما سماها الرئيس الإسرائيلي السابق) اتسعت إلى حد كبير، وأن تضارب المصالح فيما بينها بات يهدد مستقبل "إسرائيل" ووحدتها.

 

بالطبع، بات التشكيك في مستقبل "إسرائيل" ووجودها أمراً متداولاً داخل "إسرائيل" وخارجها، وهذا يعيدنا إلى النظريات التي تحدثت عن أسباب انهيار الدول، ومنها نظرية ابن خلدون، ونظرية بول كينيدي.

 

نظرية ابن خلدون

بعد دراسة معمّقة لتاريخ الدول الإمبراطورية، ومنها الدولة الإسلامية، توصل ابن خلدون إلى نظرية تفيد بأن الدول - وخصوصاً التوسعية منها – لا تستطيع أن تعمّر أكثر من فترة زمنية محددة قوامها أجيال أربعة لا تلبث بعدها أن تضمحل وتنهار بسبب تراجع "العصبية" التي تشكّل رابطاً قوياً بين ابنائها، وذلك على الشكل التالي:

 

الجيل الأول: هو الجيل الذي يتميز بقوة "العصبية" الفائقة، ويعيش حياة خشنة وقاسية، ويستخدم العنف من أجل الدفاع عن الجماعة ويكون مرهوب الجانب. وقد نشبّهه بالجيل الإسرائيلي الذي شكّل العصابات اليهودية ومارس القتل والعنف بحق الفلسطينيين، والذي استطاع اقتناص قرار تقسيم فلسطين، فأعلن "دولته".

 

الجيل الثاني: هو الذي يتحقق على يديه المُلك ويؤسس الدولة ويتوسع جغرافياً ويغزو أراضي الآخرين. وعلى الرغم من أن "العصبية" تنكسر لديه بعض الشيء، فإنه لا يستغني عنها وإنَّما يعتمد عليها لإرساء قواعد ملكه، ويعيش على ذكريات الجيل الأول وعصبيته.

 

الجيل الثالث: ينسى عهد البداوة والخشونة كأنَّها لم تكن، ويفقد إحساس "العصبية" بما لديه من قدرة القهر والبطش، ويبلغ فيهم الترف غايته، وتزداد الهوة بين أبناء العصبية الواحدة. وبما أن الدولة في هذا الطور تبلغ قمة قوتها، فهي تصبح في حالة تجمد، ويبدأ الفساد ينخرها من الداخل، ويبدو صاحب الدولة في هذا العهد متلفاً ما حققه أسلافه.

 

الجيل الرابع: لا يكاد يذكر لأنَّه فقد الاحترام والسلطة. وفي هذا الطور تصبح الدولة في مرحلة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا براء منه إلى أن تنقرض.

 

ويرى ابن خلدون أن بداية انحلال الدولة يرجع إلى عنصرين، هما: زوال العصبية، وفساد السلطة.

 

أما بول كينيدي، فيرد ذلك إلى 3 عوامل. الأول مرده إلى الأزمات الاقتصادية داخل الدولة/الإمبراطورية، والثاني هو التوسع المفرط والإرهاق في الميدان العسكري، بحيث يصبح شعب الإمبراطورية بعدها غير مقتنع وغير مؤيد للهيمنة والتوسع، بل يبحث عن أمنه الداخلي.

 

أمّا العامل الثالث، وهو النقطة الحاسمة بعد فترة من الانحلال التدريجي، فهو الهزيمة العسكرية التي تلحق بالإمبراطورية في حرب ما، والتي تعرّضها فيما بعد إلغزو، فتنهار.

 

وهكذا، نجد أن الدول لا تنهار دفعة واحدة، بل يبدأ التشظي والتفسخ في النسيج الاجتماعي، وتظهر عليها علامات الضعف والوهن، إلى أن تصيبها هزيمة كبرى، ويدخلها "الاعداء"، فتسقط.

 

ومن هذه النقطة الأخيرة بالذات، يمكن القول إن حرب تموز/يوليو 2006 كانت البداية التي أظهرت أزمة المناعة الاجتماعية الإسرائيلية، بالإضافة إلى الحروب الدائمة في الداخل مع الفلسطينيين، والتي أدّت إلى فقدان الإسرائيليين الرغبة في العيش في قلق أمني دائم، وتراجعت الرغبة في التجنيد في "الجيش الإسرائيلي". كلها، بالإضافة إلى السلوك الإسرائيلي الخارجي، وتهديدات "إسرائيل" وضبط النفس الذي تمارسه في الإقليم، أمرٌ يؤشر على "عجز القوة"، وخشية إسرائيلية من حرب جديدة مع لبنان، تؤدي إلى دخول حزب الله داخل فلسطين المحتلة، والقتال داخل المستوطنات. هذه الحرب، إن وقعت، ستكون نهاية "إسرائيل"، شبيهة بالنماذج التي درسها كل من ابن خلدون وبول كينيدي.


2023/07/10

أوكرانيا ... لمَ استخدام الأسلحة المحرمة دولياً؟

أقرّ الرئيس الأميركي جو بايدن البدء في إمداد أوكرانيا بالذخائر العنقودية،  معتبرا أن "هذه الخطوة التي تشكل عتبة مهمة في نوع التسليح المقدّم الى كييف لمواجهة الغزو الروسي"، هي "الصواب الذي يجب القيام به".

 

وقال مستشار الأمن القومي جايك ساليفان إن الخطوة "قرار صعب، وأرجأناه" لفترة من الزمن، مشددا على أن الإقدام عليه في الوقت الراهن هو "الصواب".

وبما أن تلك الذخائر محرمة دولياً بمول معاهدة دولية وقّع عليها أكثر من 123 دولية، وبما أن الأميركيين كانوا قد أنهوا استخدام تلك الذخائر منذ حرب العراق لما لها من تأثيرات سيئة على المدنيين وتأثير على الحياة المدنية بعد الحرب، يطرح على بساط البحث: ما هي الأسباب التي تدفع الأميركيين الى ارسال ذخائر محرمة الى أوكرانيا؟

1-   القنابل العنقودية والقانون الدولي

-        بداية، لا بد من الاشارة الى أن استخدام تلك الذخائر أو ما يسمى القنابل العنقودية، قد تمّ حظره بموجب اتفاقية دولية، لأن تلك الذخائر تتسبب بمقتل عسكريين ومدنيين وخاصة الأطفال (تشبه الألعاب) بدون تمييز، ولها أثر عشوائي، وتبقى لفترة طويلة بعد انتهاء النزاع وبالتالي، لذا تعتبر من الاسلحة التي لا توازن بين الضرورة العسكرية والاعتبارات الانسانية، ولا تراعي مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية.. وبالتالي فإن استخدامها وتخزينها وتصديرها يعدّ خرقاً للقانون الدولي الانساني (قانون النزاعات المسلحة).

-        ولدت الدعوة الى حظرتلك القنابل خلال النزاعات التي شهدها جنوب شرق آسيا في ستينات وسبعينات القرن الماضي والتي أُلقيت فيها مئات الملايين من القنابل العنقودية على مناطق واسعة دون تمييز. ولكن بسبب تباين الآراء حولها، لم يتم حظرها الى أن حصلت حرب تموز 2006، حيث ألقت اسرائيل 4 ملايين قنبلة عنقودية على لبنان، لم ينفجر قسم كبير منها..  الأمر الذي حوّل مساحات كبيرة من الأراضي اللبنانية الى أراضٍ مفخخة، تقتل الأطفال والفلاحين والمشاة المدنيين، وتكلّف الأموال الطائلة لازالتها... بعد تلك الحرب، حصل  بعض التغيّر في المواقف الدولية وتمّ التوصل الى اتفاقية "اوسلو" لمنع استخدام وتكديس القنابل العنقودية.

2-    لماذا أقرّ الأميركيون ارسال تلك الذخائر المحرمة دولياً الى أوكرانيا؟

قد يعود الأمر الى سببين:

أ‌-      فشل الهجوم الاوكراني المضاد والذي كان يعوّل عليه الغرب لتحقيق مكاسب ميدانية ضد روسيا وتحرير جزء من الأراضي الاوكرانية التي سيطرعليها الروس، وذلك لحثّ الدول على الاستمرار في دعم كييف بالاسلحة والمال ودعم الحرب لاستنزاف الروس الى ما لا نهاية لانهاكهم.

ب‌-  وجود كميات هائلة من تلك الذخائر كدسها الأميركيون ولا يحتاجونها لأن قراراً أميركياً بحظر استخدام تلك الذخائر كان قد صدر بعد حرب العراق.. وعليه، وفي ظل استنزاف كميات هائلة من الاسلحة والذخائر في أوكرانيا وفي ظل حاجة الاوكران الى كمّ هائل من الذخائر أدى الى عدم قدرة الناتو على توفيره إلا من احتياطيات جيوش الدول الخاصة، قرر الأميركيون ارسال تلك الذخائر للتخلص منها أولاً، ولكسب وقت تستطيع معه شركات السلاح على انتاج مزيد من الذخائر لارسالها الى أوكرانيا للاستمرار في المعركة. 

2023/07/08

كيف تتعامل إدارة بايدن مع الإحراج الدولي؟

يوماً بعد يوم، تواجه إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ملفات خارجية صعبة وشائكة، تجعلها تبدو كأنها تعاني ازدواجية معايير، أو أن سَير الملفات الدولية التي تواجهها بات ينقلب بعكس ما تشتهيه.

ويتكشّف الإحراج الذي تعانيه الإدارة الأميركية اليوم في مسائل حساسة، تجعلها تظهر كأنها تخلت عن السقوف العالية التي فرضتها سابقاً، وتتراجع هي نفسها عما كانت تطلبه إلى حلفائها، وخصوصاً في مسائل تخص الصراع في أوكرانيا، والعلاقة بالصين.

1- في أوكرانيا:

بعد حرب العراق، توقّف الأميركيون عن استخدام الذخائر العنقودية المحظورة دولياً بسبب خطرها على المدنيين، وخصوصاً الأطفال، لأنها تتسبب بآلام ومآسٍ لا داعي لها، ولا تشكل ضرورة عسكرية، وهو ما يمكن أن يُعَدّ جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي. وعلى الرغم من ذلك، فإن الإدارة الأميركية أعلنت أنها حصلت على تفويض من الكونغرس الأميركي يسمح لها بإمداد أوكرانيا بتلك الذخائر، التي ستشكّل أزمة رأي عام بالنسبة إلى الحلفاء الاوروبيين الموقعين على اتفاقية منع استخدام القنابل العنقودية.

وفي سياق آخر، وبعد وعود طويلة الأمد لكييف بالانضمام الى حلف الناتو، بدأت منذ عام 2008، وتطورت بصورة كبيرة مع إدارة بايدن الحالية التي صعّدت خطابها مع موسكو بشأن الأمر، مؤكدة أن مطالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن تعهّد حلف الناتو عدم ضم أوكرانيا وضمان حيادها هي شروط غير مقبولة، لأن أوكرانيا دولة ذات سيادة، ولديها حرية قرارها، بالإضافة الى أن الناتو غير مستعد لأن يتخلى عن سياسة الباب المفتوح وضم أعضاء جدد.

وعلى الرغم من النداءات المتكررة، التي أطلقها الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، من أجل اتخاذ خطوات ملموسة لمنح أوكرانيا عضوية الناتو في قمة حلف شمال الأطلسي، التي ستُعقَد يومي 11 و12 تموز/يوليو الجاري في فيلنيوس، وقيامه بجولة في عدد من دول الناتو لحشد الدعم للانضمام، والحصول على دعم مبدئي من عدد من الدول، ومنها تركيا، بشأن انضمام أوكرانيا الى الناتو، ونشر استطلاع للرأي في ألمانيا يؤيد دخول أوكرانيا الحلف... 

على الرغم من كل ما سبق، فإن الرئيس الأميركي، جو بايدن، أعلن أنّ "الولايات المتحدة لن تتخذ تدابير خاصة لتسهيل انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)". وأضاف: "يجب أن تنطبق على أوكرانيا المعايير نفسها. هذا يعني أننا لن نسهّل أمر" انضمامها، داعياً كييف إلى "الوفاء بجميع متطلبات عضوية الحلف، التي تنطبق على الأعضاء الآخرين".

وأكد مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جيك سوليفان، أن أوكرانيا "لن تنضم إلى حلف "الناتو" في إثر قمة فيلنيوس المقررة الأسبوع المقبل، مشيراً إلى مقابلة الرئيس بايدن الأخيرة مع شبكة "سي أن أن"، والتي أعلن فيها أن إدخال أوكرانيا حالياً يهدد بصدام مباشر مع روسيا.

2- العلاقة الأميركية بالصين:

لطالما حثّت الولايات المتحدة حلفاءها، وخصوصاً الأوروبيين، على تقليل اعتمادهم التجاري على الصين، ودعمت قيام الغرب ببدء إجراءات الاستقلال الاقتصادي وفك الارتباط بالصين.

 وكان بيان قادة مجموعة السبع، في أيار/مايو من هذا العام، أكد السعي لـ"التخلص من المخاطر" التي تشكلها علاقاتها الاقتصادية بالصين، وذلك عبر السعي لاستيراد مزيد من المواد الخام الأساسية من مصادر متنوعة، والعمل على بناء صناعات التكنولوجيا النظيفة المحلية.

وفي المفهوم الاستراتيجي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الصادر في حزيران/يونيو من عام 2022، حضرت الصين لأول مرة في وثائق الناتو، التي عدّت أن "طموحات بكين المعلنة وسياساتها القسرية تتحدى مصالحنا وأمننا وقيمنا". ويؤكد الحلف استعداده لمواجهة "الأساليب القسرية التي تتبعها بكين والجهود المبذولة لتقسيم الحلف".

وبعد جهود وحملة علاقات عامة قامت بها وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض مع الشركاء الأوروبيين، بات الحديث الأوروبي أكثر عدائية تجاه الصين، وأصدرت بروكسل "استراتيجية الأمن الاقتصادي الأوروبي" في 20 حزيران/يونيو 2023، والتي يحاول فيها الأوروبيون تخطي الضغوط الأميركية عبر نهج يوازن بين المخاوف بشأن الاعتماد المفرط على الصين وبين المحافظة على العلاقات التجارية بثاني أكبر اقتصاد في العالم.

وكان عدد من القادة الأوروبيين دعا الى "الانفصال" بالتدريج عن الصين والتخلص من التبعية الاقتصادية، متوجساً من إمكان تكرار ما حدث مع روسيا بعد الحرب الأوكرانية، واعتماد القارة على الغاز الروسي. ووعدت رئيسة الوزراء الإيطالية الجديدة، جورجيا ميلوني، بالانسحاب من الاتفاقية الموقعة بين إيطاليا والصين منذ أعوام.

وبعكس مسار الضغوط الأميركية على الحلفاء، وبعد مسار من تصعيد إدارة بايدن مع الصين، والذي كانت ذروته زيارة نانسي بيلوسي لتايوان، وإعلان بايدن استعداده لإرسال الجيش الأميركي للدفاع عن تايوان، تكثفت في الأشهر الماضية زيارة المسؤولين الأميركيين للصين، وآخرها زيارة وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين، التي قالت إن الرئيس الأميركي، جو بايدن، كلّف إدارته تعميق التواصل مع الصين من أجل حلّ مجموعة من القضايا، وأن "فك ارتباط الاقتصادين الأميركي والصيني مستحيل عملياً"، وإن حدث فإنه "سيؤدي إلى زعزعة الاقتصاد العالمي".

وهكذا، يتضح أن الإدارة الأميركية تدفع حلفاءها إلى تقويض علاقاتهم بالصين، تجارياً وسياسياً واقتصادياً، في وقت تقوم بإرسال وزرائها من أجل تحسين العلاقات بين البلدين وتخطي التباينات التي سببتها السياسات العدائية السابقة بين البلدين.

  

2023/07/03

لبنان... الحوار في ظل تعذّر الانفجار؟

يعيش لبنان منذ عام 2019، أزمات مالية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، أدّت الى إفقار اللبنانيين وتجويع الجزء الأكبر منهم، وهجرة الشباب، وتوقف وانهيار الإدارات والمؤسسات العامة الخ..

وفي ظل هذه الازمة المتفاقمة، يجد اللبناني نفسه مكبلاً بعوامل عدّة، ابرزها:

-      عدم القدرة على التغيير:

إذا كان من المفترض في هذه الحالات أن يثور الشعب ويطيح بحكامه، فإن الشعب اللبناني لا يثور خوفاً من أن تؤدي ثورة جديدة الى تعميق أزمته الاقتصادية، فالتجربة "الثورية" التي خبرها عام 2019، وقيام البنوك بالاقفال وتهريب الاموال وحجز الودائع، وانهيار العملة.. كلها أدّت الى فقدانه أي رغبة في النزول الى الشارع مجدداً.

هذا بالاضافة الى أن أي ثورة تحتاج الى دعم مادي واقليمي ودولي لكي تستمر، ولا يبدو أن الخارج يراهن على نجاح أي تحرك شعبي في تنفيذ تغيير لمصلحته في البلاد، ليدعم قيام ثورة جديدة بعد فشل السابقة في تحقيق أي هدف يذكر.

-      إعادة الطبقة السياسية عبر الانتخابات:

بالرغم من كل الآمال التي كانت معقودة على الانتخابات للتغيير في لبنان، إلا أن الانتخابات النيابية أعادت رسم نفس الخريطة السياسية وأعادت – تقريباً- نفس الوجوه السياسية. وبالرغم من الامال المعقودة على التغيير، لم يستطع نواب التغيير أن يقدموا – حتى الآن- تجربة مختلفة عن الطبقة السياسية السائدة في العمل البرلماني والسياسي.

-      فرض التسوية من الخارج:

تشير التجارب في لبنان منذ عام 2005، ولغاية اليوم الى أن الفراغ الرئاسي والتعطيل كانا من الركائز الأساسية التي شهدتها البلاد منذ خروج الجيش السوري.

وفي تجربة الفراغ الرئاسي، نجد أن تجربتي الفراغ قد تمّ حلّهما أمام بانفجار داخلي واقتتال أهلي، أدّى الى تسوية خارجية انسحبت على الداخل اللبناني وهي تجربة "تسوية الدوحة"، أو أن موازين القوى في المنطقة قد تغيّرت بشكل كبير، وفرضت الظروف الخارجية على الخارج قبول تسوية بين اللبنانيين وهي تسوية عام 2016، بين التيار الوطني الحر وتيار المستقبل وبدعم من حزب الله.

واليوم، يبدو أن الاقتتال الاهلي أو الانفجار الداخلي غير متاح، وذلك بسبب غياب القدرة على ذلك، ولأن الخارج والاقليم غير معني بتفجير الاوضاع في لبنان في وقت يتجه العرب الى المصالحات وتتجه الدول الاقليمية التي تفاهمات بينية، ستنسحب أيجاباً على كل ملفات الصراع في المنطقة وتهدئة الحروب بالوكالة بينها.

وعليه، لا مفر أمام اللبنانيين من الذهاب الى حوار بدون شروط مسبقة وبدون سقوف عالية. لكن هذا الحوار لا يجب أن يكون للاتفاق على رئاسة الجمهورية والحكومة والحصص الوزارية فحسب، بل على برنامج اصلاحي شامل، يؤسس لمرحلة جديدة، تعاد فيها الثقة للمؤسسات، ويفرج عن أموال المودعين، وتسود فيها حكم القانون بحيث يتم محاسبة جميع منتهكي القانون وسارقي المال العام... بدون هذا البرنامح، سيبقى لبنان دولة فاشلة تسير "وعين الله ترعاها". 

مستقبل أوروبا في ضوء التظاهرات الفرنسية

لم تكد التظاهرات في فرنسا بسبب رفض إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّته حكومة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تهدأ حتى بدأت موجة جديدة من العنف على خلفية قتل الشرطة الفرنسية مراهقاً وانتشار فيديو يظهر أنَّها قتلته من دون أن تكون هناك حاجة إلى ذلك، إذ لم تكن حياة الشرطي مهددة.

في السنوات السابقة، عرفت فرنسا تظاهرات كبرى عرفت باسم "السترات الصفراء"، التي خرجت بعد قيام الحكومة بفرض ضريبة إضافية على الوقود لتمويل العجز في الخزينة، على الرغم من الصعوبات الاقتصادية التي تعانيها الطبقات الفقيرة والمتوسطة

وكان استطلاع للرأي نُشرت نتائجه في شهر نيسان/أبريل الماضي قد أشار إلى أن أكثر من 70% من الفرنسيين غير راضين عن أداء ماكرون الذي تقترب شعبيته من أدنى مستوياتها، وأبدى نحو 26% فقط من المشاركين رضاهم عن أدائه، بتراجع نقطتين مقارنة باستطلاع مماثل في آذار/مارس 2023.

واقعياً، لا تختلف الأوضاع العامة في فرنسا كثيراً عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها أوروبا، وإن كانت قد اتخذت منحى عنيفاً أكثر في فرنسا، وأدّت إلى قيام تظاهرات عارمة، فيما تبدو المدن الأوروبية الأخرى أكثر هدوءاً، لكن يبدو مشهد الهدوء الأوروبي كأنه نارٌ تحت رماد لا تُعرف شرارة انفجاره، ويخفي تحته ما يلي:

أزمة اقتصادية اجتماعية

عانى الاقتصاد العالمي بشكل عام، والاقتصاد الأوروبي بشكل خاص، تداعيات الإقفال الذي فرضته جائحة كورونا، ثم أتت الحرب الأوكرانية لتفرض صعوبات من نوع آخر على الأوروبيين الذين عانوا بفعل ارتفاع أسعار الكهرباء والطاقة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، والتضخم غير المسبوق الذي دفع المصارف المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبحه، وهو ما قد يؤدي إلى ركود تضخمي في السنوات القادمة.

ولا شكّ في أن الطبقات الفقيرة والمتوسطة هي الأكثر تأثراً بهذه التداعيات، إذ تقتطع المصاريف الأساسية الثابتة الجزء الأكبر من الرواتب، ما يجعلها تتجه إلى التصويت الاعتراضي (لليمين المتطرف) أو الخروج في تظاهرات ضد السلطة أو غير ذلك.

وفي اتجاه موازٍ، تُثار الشكوك لدى العديد من المزارعين في جميع أنحاء أوروبا، إذ يرون أن سياسات الاتحاد الأوروبي تريد إفقارهم وتجويعهم، معتبرين أنَّ "بيروقراطيي الاتحاد الأوروبي بدأوا في هولندا، وسيأتون إليهم لاحقاً".

ويتظاهر المزارعون في هولندا منذ أشهر، بعدما صدرت قرارات حكومية مدعومة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي تسعى لإجبارهم على بيع أراضيهم، وخفض أعداد الثروة الحيوانية التي يملكونها بنسبة 30%، وإقفال مزارعهم طواعية (في مقابل بدل مادي)، لخفض انبعاثات النيتروجين والوفاء بتفويض الاتحاد الأوروبي بشأن أهداف المناخ.

الإنفاق الدفاعي

فرضت الحرب الأوكرانية وسياسة حلف الناتو على الأوروبيين زيادة الإنفاق الدفاعي وتمويل الحرب الأوكرانية وإمداد أوكرانيا بالمساعدات العسكرية والأموال وسواها، ما يعني زيادة كبرى في الإنفاق الدفاعي لم تعرفه القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية.

ولا شكّ في أن تعهّد الأوروبيين بإنفاق دفاعي يلامس عتبة 2% من الناتج القومي -كما تنص معاهدة الناتو- سيحرم الخزائن الوطنية من موارد مالية مهمة كان يمكن إنفاقها على الخدمات العامة لتحسين مستوى معيشة السكان من الطبقات المتوسطة والفقيرة، وسيقوّض القدرة على الإنفاق على القطاعات الأخرى، كالصحة والتعليم وسواهما.

ارتفاع الشعبوية

يعاني الغرب بشكل عام انقساماً مجتمعياً وسياسياً يتمحور حول القيم والحريات والمُثل وغيرها. من جهة، هناك اليمين المتطرف الذي ترتفع أسهمه بشكل كبير، والذي يركّز على الهجرة، باعتبارها إحدى أسوأ الكوارث التي تعيشها أوروبا.

يقوم هذا التيار بتحميل السلطات الأوروبية المتعاقبة مسؤولية فتح باب الهجرة، وخصوصاً من الشرق الأوسط وأفريقيا، ويحمّل المهاجرين مسؤولية الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وينبّه من "خطورة تغيير وجه أوروبا الحضاري"، ويحذّر من فقدان الهوية الأوروبية.

في المقلب الآخر، ترتفع شعبوية ليبرالية يسارية تهدف إلى تكريس المثلية الجنسية وتغيير الجنس، ولكنها تجد رفضاً من اليمين والعديد من الفئات المتدينة، ما يخلق انقسامات مجتمعية حادّة.

في النتيجة، تعيش الشعوب والحكومات الأوروبية اليوم على وقع الصراع الدولي القائم في أوكرانيا، الذي يمكن أن يتمدد إلى أماكن أخرى ويستمر لسنوات. وفي هذا الإطار، يبدو من الأفضل للأوروبيين أن تنتهي الحرب الأوكرانية بسرعة، فكلما طال أمدها كانت تداعياتها أكبر على الاتحاد الأوروبي، وقد تصل إلى تهديد وحدته.