2023/10/22

أوروبا وفلسطين... سقوط سياسة توزيع الأدوار

أوروبا وفلسطين...سقوط سياسة توزيع الادوار

تستمر الوفود الأميركية والأوروبية المؤيّدة لـ "إسرائيل" في التقاطر على المنطقة، وإبداء الدعم غير المحدود لحكومة نتنياهو في ما يريد فعله، وما يفعله من إبادة للمدنيين في غزة، وقصف المدنيين من دون تمييز ومن دون التزام بأي قاعدة من قواعد القانون الدولي الإنساني، والتي تحظر استهداف المدنيين وتهجيرهم، وتحظر تعمّد قصف المستشفيات والأعيان المدنية.

 

وكان اللافت أن قادة الدولتين الأوروبيتين الأقوى في الاتحاد الأوروبي، وهما ألمانيا وفرنسا، تخلّوا عن سياسة توزيع الأدوار التي لطالما استخدموها مع العرب منذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي، وكشفوا الأقنعة اليوم وتشاركوا في توزيع التهديدات والتحذيرات يميناً ويساراً على لبنان بالأخص، وعلى كلّ من يساعد الفلسطينيين في دفاعهم عن أنفسهم ضد آلة القتل الإسرائيلية.

 

وقد كشفت الصحف اللبنانية أن وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا حملت إلى لبنان رسالة تحذيرية وتهديدية في آنٍ، معتبرة أن "لبنان سيدفع ثمناً باهظاً في حال قرّر حزب الله دخول المعركة ضد إسرائيل".

 

أما على الجانب الألماني، فقد نقلت وزيرة الخارجية الألمانية إلى المسؤولين في لبنان التحذيرات والنصائح نفسها التي نقلتها وزيرة الخارجية الفرنسية. ودعت الوزيرة الألمانية رئيس الحكومة اللبنانية نجيب الميقاتي إلى التواصل مع حزب الله لثنيه عن الانجرار إلى الحرب "ناصحة بأن يبقى لبنان بمنأى عمّا يجري".

 

ومع وصولها إلى "إسرائيل"، ارتفعت نبرة تهديدات الوزيرة الألمانية، التي اعتبرت أن أمن "إسرائيل" خط أحمر بالنسبة لألمانيا، وقالت "أحذّر إيران، وأحذّر الميليشيات الشيعية في العراق، أحذّر الحوثي في اليمن من إشعال الإرهاب والانضمام إليه".

 

وبعد هذا التوافق الكلّي في سياسات الدول الأوروبية، تتبدّل أحد أبرز السياسات التي كانت تطبع السياستين الألمانية والفرنسية تجاه الشرق الأوسط، وذلك كما يلي:

 

- السياسة الفرنسية: السياسة العربية Politique Arabe

بعد الحرب العالمية الثانية، قامت الجمهورية الفرنسية الرابعة بمحاولة يائسة لتجميع إمبراطوريتها المتهالكة، لكن الأمر لم يكن ممكناً واعترف شارل ديغول أخيراً بالهزيمة في حرب استقلال الجزائر.

 

وبالرغم من التاريخ الاستعماري في المنطقة، حاول ديغول أن يصيغ لفرنسا دوراً محورياً في الشرق الأوسط، وأن يحوّل نظرة الشعوب إليها من قوة استعمارية إلى "بطلة الاستقلال الوطني"، وذلك ليحقّق لفرنسا نفوذاً في المنطقة، يوازي النفوذ الذي كانت تتمتع به سابقاً، ولكن بأسلوب مختلف تماماً يؤمّن لفرنسا استمرار امتيازاتها التجارية والاقتصادية والنفوذ السياسي، ونشر الفرنكوفونية.

 

وبالرغم من أن فرنسا كانت حليفة لـ "إسرائيل"، لكنها استطاعت أن تؤمّن لها مكانة خاصة لدى العديد من الدول العربية باعتبارها مناصرة لقضاياهم، وأدّى الرؤساء الفرنسيون هذا الدور بمهارة، فكانوا يحرصون على الظهور بمظهر "العرّاب" للبنان وسابقاً سوريا في السياسات الأوروبية والغربية.

 

-  السياسة الألمانية: التوازن Ausgewogenheit

منع الوضع الدولي ألمانيا من تطوير طموحاتها الاستعمارية في الشرق الأوسط في أواخر القرن التاسع عشر. وبعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن أولوية ألمانيا الغربية الحفاظ على مكانة ما في الشرق الأوسط، بل بقيت سياستها من ضمن السياسة الأميركية.

 

وبمجيء المستشار الألماني كونراد أديناور وتشديده على ضرورة تطوير علاقات وثيقة مع "إسرائيل" لاعتبارات "أخلاقية" وكوسيلة لإعادة تأسيس ألمانيا على المسرح العالمي، تفاوضت ألمانيا على اتفاقية تعويضات مع "إسرائيل" للتعويض عن جرائم النازية، ما جعل ألمانيا واحدة من أبرز الشركاء الرئيسيين في المساعدات والتجارة، والتزمت ببرنامج لتسليم الأسلحة سراً إلى "إسرائيل".

 

أعادت ألمانيا النظر في سياستها تجاه المنطقة في عهد المستشار فيلهلم براندت واعتمدت نهجاً سمي "سياسة التوازن"، وسعت هذه السياسة الجديدة إلى مواءمة علاقات ألمانيا الخاصة مع "إسرائيل" بشكل أفضل مع مصالحها الاقتصادية والأمنية المتنامية في الشرق الأوسط، فاعتمدت خطاباً أكثر توازناً تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.

 

على عكس المملكة المتحدة وفرنسا، ليست لألمانيا علاقات تاريخية طويلة الأمد مع العالم العربي، ولا شكّ أن علاقتها الخاصة والمميّزة مع "إسرائيل" ومصالحها الأوسع في منطقة الشرق الأوسط، أبقت الصراع بين "إسرائيل" وجيرانها العرب على رأس أجندة السياسة الخارجية الألمانية. وهكذا، استمرت العلاقات الألمانية الإسرائيلية راسخة، وتتمتع بمستويات عالية من تبادل المعلومات والاتصال والتعاون.

 

واجهت "سياسة التوازن" أولويات متضاربة لدى الحكومات الألمانية، وبالرغم من تبدّل الخطاب العلني في فترات مختلفة ومع حكومات مختلفة، إلّا أنّ الثابت الدائم للسياسة الألمانية في الشرق الأوسط هو الشراكة الألمانية – الإسرائيلية، حيث حافظت ألمانيا على شحنات الأسلحة السرية والتعاون الاستخباراتي والتعويضات المالية، وظلت ألمانيا داعماً مخلصاً لـ "إسرائيل" في الأزمات الدولية، وحتى قرار مشاركة ألمانيا في قوات اليونيفيل في جنوب لبنان بعد حرب عام 2006 عزته ميركل إلى التزام ألمانيا بأمن "إسرائيل".

 

في النتيجة، إن تاريخاً من التباين في السياسات الألمانية والفرنسية في التعامل مع الشرق الأوسط، وأولويات كلّ دولة في تحالفاتها الشرق أوسطية والعربية، انتهى. هكذا، اقتربت سياسة الدولتين من بعضهما البعض، حين شعرت "إسرائيل" بالخطر، فظهرت الأولوية الحقيقية للسياسة الخارجية للدولتين: "أمن إسرائيل".

  

2023/10/16

الحرب الإعلامية في "طوفان الأقصى".. هل انتصرت غزة؟


تترافق حرب الإبادة التي تقوم بها "إسرائيل" في قطاع غزة مع حرب نفسية تشنّ على الفلسطينيين في القطاع وحرب إعلامية لكسب الرأي العام العالمي لتأييدها في الحملة المنهجية التي تشنّها تحضيراً لتنفيذ إبادة في غزة وكسب التعاطف مع الإسرائيليين، مدّعين أنهم ضحايا، وأن الفلسطينيين مسؤولون جماعياً عما حصل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

 

في المقابل، لم يكن الجانب الفلسطيني ودعاة السلام وحقوق الشعوب في العالم مكتوفي الأيدي، بل واكب هؤلاء مقاومة الفلسطينيين للعدوان الإسرائيلي مع مواجهة دفاعية إعلامية تؤكد حقهم في أرضهم وتوثق الهمجية الإسرائيلية، إضافة إلى قيام المقاومة بحرب نفسية على "الجيش" الإسرائيلي عبر توعده بتحويل توغله البرّي في غزة إلى مقبرة لجنوده وتكبيده خسائر فادحة في حال استمر في إبادة الفلسطينيين.

 

الحرب في وسائل الإعلام بين التقليدي والحديث

بدت تغطية معظم وسائل الإعلام الغربية التقليدية مطابقة للموقف الرسمي الذي يعتبر القصف الإسرائيلي من مبدأ الدفاع عن النفس، وكرر الإعلام الغربي السردية الإسرائيلية التي وصمت المقاومة الفلسطينية بالإرهاب.

 

ولترسيخ سردية وصورة تبرر أفعال الاحتلال واستهدافه المدنيين، نقلت وسائل الإعلام الغربية صوراً مزورة قالت إنها لأطفال قطعت رؤوسهم، وأكد بايدن مشاهدته لها، ليتبين فيما بعد أنها من صنع الذكاء الاصطناعي، وتقوم مذيعة شبكة "سي أن أن" بالاعتذار.

 

يضاف هذا إلى أن كبريات الصحف العالمية نقلت الخبر أيضاً من دون تحقق وتدقيق، ونقلت صوراً لأطفال فلسطينيين مدعيةً أنهم إسرائيليون من دون أن تقدم اعتذاراً أو تستدرك خطأها، بما يدل على فقدان المهنية وعدم الاكتراث بالاتهامات بتزوير الحقائق، بعدما كشفت حروب سابقة انخراط الإعلام الغربي في تزوير الحقائق تمهيداً لدفع الرأي العام إلى تأييد شنّ حلف الناتو الحروب.

 

يعدّ انتشار وسائل الإعلام الحديث عاملاً مهماً في تلك الحرب الإعلامية الدائرة حالياً، بعدما احتكر الإعلام الغربي التقليدي الصورة العالمية والسردية لمصلحة "إسرائيل" منذ زمن بعيد.

 

وقد أدى تطور وسائل الإعلام الحديث وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي إلى السماح في كسر الاحتكار الذي مارسه العرب طويلاً، وبدأ الناشطون يبثون الصور والأفلام المباشرة، ويوثقون المجازر، ويعرضون الأفلام التوضيحية... ما شكّل عاملاً مهماً في نشر الوعي وإطلاع الجمهور على جرائم الاحتلال وتعمده قتل المدنيين وعدم تمييزه بين المدنيين والعسكريين وعدم الامتثال لأبسط قواعد القانون الدولي الإنساني، ومنها مبدأ التناسب.

 

ويمكن لمراقب صفحات التواصل الاجتماعي أن يلاحظ ما يلي:

 

- الصفحات العربية: طغى الترحيب بعمليات المقاومة في الداخل الإسرائيلي على الصفحات الناطقة باللغة العربية. وفي وقت لاحق، بدأت تنتشر صور العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين وتوثيق المجازر والدعوات إلى إيقاف "إسرائيل" حمام الدم في غزة.

 

 - الصفحات الغربية: في الأيام الأولى، سيطرت الصفحات التي تدعو إلى إدانة حماس وتؤكد حق "إسرائيل" في الانتقام على السردية العامة، وبدت أنها تكاد تفرض وجهة نظرها على الرأي العام الغربي، لكن سرعان ما بدأت هذه السردية تتحوّل لمصلحة فلسطين، بعد بث صور المجازر الإسرائيلية وانخراط الناشطين في كشف زيف السردية السابقة، ما أدى إلى ازدياد عدد المطالبين بوقف العدوان الإسرائيلي على غزة.

 

وفي هذا الإطار، يلاحظ أن الصفحات الغربية والأميركية الموالية لـ"إسرائيل" تستمر في السعي لشيطنة كل من يحمل العلم الفلسطيني أو يؤيد فلسطين أو يدعو إلى عدم إبادة الفلسطينيين، معتبرة أنه "مؤيد لحماس" و"مؤيد للإرهاب" (كما يصفونه).

 

وطالبت الدول الغربية بطرد كل متظاهر أو كل من يحمل علم فلسطين، باعتبار "أنهم إرهابيون سيتحولون لقتل الأوروبيين فيما بعد"، داعيةً "إسرائيل" إلى "التخلص نهائياً من الفلسطينيين".

 

حرب إعلامية حول "النكبة الجديدة"

ترافق العدوان الإسرائيلي على غزة واعتماد استراتيجية الأرض المحروقة مع تكثيف استخدام أساليب الحرب النفسية على الفلسطينيين ورفع وتيرة استهداف المدنيين بالتزامن مع دعوات إعلامية إسرائيلية، وعبر رسائل صوتية، لأهل غزة للتوجه إلى جنوب القطاع، طالبة منهم مغادرة منازلهم قبل قصفها.

 

مخطط التهجير ودعوات الرحيل هذه لاقت استنكاراً واسعاً في مواقع التواصل، ودفعت الكثير من المعلقين، حتى الناشطين الغربيين، إلى التساؤل: إلى أين يمكن أن يذهب أهل القطاع؟ مستشهدين بما قاله رئيس الوزراء البريطاني يوماً من أن غزة سجن كبير مفتوح.

 

وهكذا، يندفع الإسرائيلي مصحوباً بدعم أميركي وغربي غير مسبوق لتنفيذ إبادة وتهجير جماعي جديد يشبه إلى حد بعيد نكبة عام 1948، فيدعو الفلسطينيين إلى مغادرة غزة جماعياً والتوجه نحو الحدود مع مصر التي رفضت مخططاً لإقامة مخيمات في سيناء، بعدما أعلن الإسرائيليون أنهم مستعدون للمساهمة في تمويل إقامة مدن للفلسطينيين في سيناء، وتحدث إعلاميون إسرائيليون عن عروض أميركية لمصر بشطب ديونها في مقابل ذلك.

 

في المحصلة، ومهما كانت نتائج هذه الجولة من القتال عسكرياً، لا شكّ في أن الاحتلال الإسرائيلي تعرّض لضربة شديدة لم يشهد مثلها منذ تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، لا إعلامياً ولا سياسياً ولا عسكرياً، إذ شهدت المناطق التي يسيطر عليها والمستوطنات التي أقامها على الأراضي الفلسطينية اشتباكات فعلية لأول مرة، فيما كانت "إسرائيل" في السابق تقاتل دائماً في الأراضي العربية، ويكون الضحايا عرباً.

 

هذه الضربات التي تعرض لها الاحتلال ستبقى في ذهن الإسرائيليين لفترة طويلة، وستؤثر في ثقة المستوطنين بـ"الجيش" وقدرته بعدما كانت ثقتهم بمؤسسات الحكومة والأحزاب والإعلام وسواها قد اهتزت سابقاً. ولا شكّ في أن ذكريات 7 أكتوبر ستبقى طويلاً في ذهن الإسرائيليين الذين سيمتنعون عن السكن في المستوطنات والمناطق القريبة من غزة، وقد يغادرون بشكل نهائي. 

متى يدخل حزب الله الحرب ضد اسرائيل؟


يعيش اللبنانيون ومعهم العالم على وقع التكهنات باندلاع حرب بين لبنان واسرائيل، نتيجة الاشتباكات اليومية التي تحصل بين حزب الله والفصائل الفلسطينية مع الجيش الاسرائيلي على الحدود مع لبنان، والتي ما زالت ضمن نطاق قواعد الاشتباك المعروفة والسائدة والتي تعتمد الاشتباك المضبوط والمتماثل.
وفي هذا الاطار، يعتمد حزب الله حالياً مبدأ الغموض حول نواياه، الذي يفيده من نواحٍ عدّة، أبرزها:
1- إبقاء اسرائيل في حالة استنفار دائم على الحدود مع لبنان، ما يربك صانع القرار في اسرائيل فهو غير متأكد من نوايا حزب الله.

2- يتيح هذا الغموض أوراق قوة إضافية لإيران في مفاوضاتها الدولية الحالية، مع ابقاء سيف الحرب مسلطاً كورقة قوة بيدها.

3- لا يريد حزب الله ان تكون المعركة بالتوقيت الاسرائيلي، بل يريدها بتوقيته هو.
بسبب الضعف والوهن، لربما يريد الاسرائيلي جرّ الولايات المتحدة لتقاتل الى جانبه، لذا فهو يعطّل عليه هذه الفرصة، ويرسل في الوقت رسائل الى الأميركيين بأنه مستعد وجاهز للمعركة حتى لو دخل الاميركيون في الحرب.

4- يراهن حزب الله على أن عامل الوقت يلعب لصالح غزة، فصور المجازر التي ترتكبها اسرائيل، والتأخير في الحرب البرية وعدم قدرة الاميركيين على تخطي الكارثة الانسانية في غزة، قد تقلب المعادلة ويتراجع التأييد لإسرائيل.
علماً أن الصور والافلام من غزة بدأت تظهر تراجعاً في المواقف الغربية المؤيدة لحرب اسرائيلية شاملة على غزة، بالإضافة الى الموقف العربي الرسمي والشعبي المتعاطف مع الفلسطينيين، والذي تجلى في فشل جولة وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن الى المنطقة، والمظاهرات التي يشهدها الداخل الاسرائيلي والتي تزداد يوماً بعد يوم وتحمّل نتنياهو وحكومته المسؤولية عما حصل.

وعملياً، بدأ المخطط الاسرائيلي بتصفية القضية الفلسطينية يتكشف يوماً بعد يوم، وهو يقوم على إنهاء المقاومة في غزة، وتهجير أهل القطاع الى مصر.
وفي مفارقة لافتة، يطرح الاسرائيليون ويدعمهم الأميركيون، أن الحرب التي تشنّها اسرائيل على قطاع غزة، الهدف منها إنهاء حماس والمقاومة الفلسطينية، وتهجير الفلسطينيين الى مصر، تماماً كما حصل مع لبنان في حرب تموز عام 2006، حين اندفع الاسرائيليون والأميركيون الى وضع "القضاء على حزب الله، وأنهائه، وتهجير شيعة لبنان الى العراق" من ضمن أهداف تلك الحرب.

والمفارقة الأخرى، أن الاطمئنان الذي عاشه الإسرائيلي بأن حربه على لبنان ستكون سهلة وستحقق له أهدافه، وخاصة إنهاء حزب الله، حوّلت الحزب من قوة محلية الى قوة إقليمية، وعانت إسرائيل في تلك الحرب من مشاكل لوجستية وعسكرية وداخلية وسياسية، ما زالت تعاني من تداعياتها لغاية اليوم.

أما الاختلافات بين الأمس واليوم، أي بين حالة لبنان 2006، وحالة غزة 2023، أن المقاومة راكمت الخبرات العسكرية والميدانية، وأعدّت العدة لهذه الحرب مع اسرائيل لفترة طويلة، وامتلكت الأسلحة النوعية والصواريخ الدقيقة والمسيرات وتقنيات التشويش والتكنولوجيا المتطورة. أما الأمر الثاني، فهو الدعم العربي الرسمي والشعبي للقضية الفلسطينية اليوم، والبيانات الرسمية الصادرة من الدول الخليجية، ومنها السعودية على سبيل المثال التي تحدثت عن المغامرين عام 2006، بينما أكد ولي العهد السعودي حالياً على ضرورة إعطاء الفلسطينيين حقوقهم وضرورة رفع الحصار عن غزة.

في المحصلة، إن إنهاء حماس والمقاومة في غزة ليست أمراً يمكن تحقيقه بسهولة، والدخول البري في غزة لن يكون نزهة للجيش الاسرائيلي حتى لو تلقى دعماً أميركياً. إن اعتى وأقوى جيوش العالم لا تستطيع أن تنتصر في حرب شوارع، فكيف بقطاع غزة المليء بالأنفاق والذي خرج منه الاسرائيلي في السابق بسبب الكلفة المرتفعة.

وعليه، لا أعتقد أن الدول العربية ستقبل بشطب القضية الفلسطينية، ولن يسمح الايراني وحلفائه بالوصول الى إمكانية من هذا النوع، فإذا حقق الاسرائيلي انتصارات ميدانية على الفلسطينيين، ستندلع حرب كبرى في المنطقة. 

2023/10/09

ملاحظات على هامش إعلان الحرب الاسرائيلي

في سابقة هي الأولى من نوعها منذ حرب اوكتوبر عام 1973، أعلنت الحكومة الاسرائيلية حالة "الحرب"، والتي تعني عملياً إعلان حالة الطوارئ، واستدعاء الاحتياط، ووضع جميع المقدرات بتصرف الجيش، والتي يهدف نتنياهو من خلالها الى التخلص من الاحراج الذي سببه الهجوم الفلسطيني، والانتقادات لسياساته في الداخل.

وهذا الاعلان، يدفعنا الى تسجيل ملاحظات عدّة:

1-     يتخوف كثيرون من أن يكون اعلان الحرب الاسرائيلي هذا مقدمة لعمل عسكري برّي يهدف الى إعادة احتلال قطاع غزة، اذ أن حرب تموز/ يوليو على لبنان والحروب المتعددة  التي حصلت بين اسرائيل وحماس أثبتت أن سلاح الجو لا يستطيع أن يحسم معركة، بدون تدخل برّي موازٍ. لكن الاشكالية التي قد تواجهها اسرائيل هي فتح الجبهات الاخرى ، فكيف يمكن أن تواجه حروباً على جبهات متعددة؟

وكانت اسرائيل في وقت سابق، وبعد تزايد التهديدات قد اعتمدت تعتمد مفهوماً  أمنياً جديداً سمته  "النصر الحاسم"، وهو مفهوم استراتيجي يغيّر الطريقة التي تقاتل بها إسرائيل ويعيد تعريف النصر في ساحة المعركة، ويركّز على هدفين أساسيين: نهاية سريعة للصراع المحتمل، واستخدام القوة الساحقة لتدمير قدرات العدو.

هذا المفهوم أتى لوضع أسس لكيفية التعامل مع احتمالات "التصعيد الأفقي"، أي فتح جبهات متعددة في نفس الوقت، وذلك عبر اعتماد عمليات هجومية سريعة تعتمد على استخدام وحدات أصغر ومدعومة بقوة نيران هائلة، وتركيز الهجوم على الجبهات الرئيسية قبل أن تطغى الهجمات الصاروخية على إسرائيل. مع العلم أن هذا يتطلب معلومات استخباراتية شاملة والقدرة على التعبئة بسرعة ضد القوة العسكرية المعادية.

2-     يتكل الكثير من الاسرائيليين على دعم الولايات المتحدة، خاصة ان الرئيس الأميركي جو بايدن أعلن انه مستعد لإمداد اسرائيل بكل ما تحتاجه للدفاع عن نفسها، وهنا تطرح الاشكالية الأساسية حول تحويل الجهد الحربي الأميركي والمساعدات العسكرية الأميركية الى اسرائيل، وقدرة هذه المساعدات العسكرية على تأمين جبهتي أوكرانيا واسرائيل في الوقت نفسه، خاصة بعدما استنزفت اوكرانيا احتياطات دول الناتو الحربية. 

3-      على الصعيد الاقليمي، ستعيد هذه الحرب خلط الأوراق الاقليمية، في شقّين:

أ‌-       مسار التطبيع: بعدما كان الاتجاه السائد يتحدث عن تقدم مسار التطبيع السعودي الاسرائيلي، كيف يمكن التقدم بمسار التطبيع في ظل حرب اسرائيلية كبرى على قطاع غزة وسقوط الضحايا من الفلسطينيين؟.

ب‌-    سياسة الضغوط القصوى الأميركية التي بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي تجلت في الخروج من الاتفاق النووي، وفرض قانون قيصر على سوريا وغيرها.

هذه السياسة التي أدّت الى أزمات اقتصادية  كبرى في كل من ايران والعراق وسوريا ولبنان، والتي منعت "المحور" من تسييل الانتصارات الميدانية التي حققها على الجبهات المتعددة. والسؤال: هل تدفع اسرائيل الولايات المتحدة الى مقايضة  وتسوية تتجلى في التراجع عن تلك السياسة مقابل التهدئة في قطاع غزة واحتمالات الحرب على جبهات متعددة؟

  

2023/10/05

العقيدة الأمنية الروسية تتغير... ماذا عن النووي؟

ليلى نقولا
على الرغم من كل التغييرات الجذرية، التي طرأت على استراتيجية الأمن القومي الروسية، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي ولغاية انخراط روسيا في الحرب في أوكرانيا، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في لقائه الأخير في نادي فالداي في سوتشي، أن روسيا ليس لديها خطط لتغيير عقيدتها النووية، وهي السياسة التي تحدد الظروف التي قد تستخدم فيها قواتها الأسلحة النووية، مؤكداً أن وجود الدولة الروسية ليس مهدَّداً حالياً، ولن يفكر "أي شخص سليم العقل ولديه ذاكرة واضحة" في توجيه ضربة نووية ضدها.
وعلى الرغم من أن الروس لا يملكون في عقيدتهم الاستراتيجية مبدأ "الضربة الوقائية"، التي نجدها لدى الأميركيين، حتى في الاستخدامات النووية، فإن بوتين هدّد مراراً بالتخلي عن مبدأ "الضربة الانتقامية" الواردة في تلك العقيدة، والتي تتيح استخدام السلاح النووي فقط رداً على تهديد نووي، أو إطلاق صواريخ نووية في اتجاه روسيا، لكنها لا تستبعد الاستخدام الأول رداً على هجوم تقليدي يهدد وجود الدولة الروسية.
بدأت صياغة استراتيجية الأمن القومي الروسية (العلنية على الأقل) في أواخر الحقبة السوفياتية، لكنها لم تكتمل بسبب التغيرات السريعة في البيئة الدولية والتباين بين مجموعات الحكم بشأن مفهوم التهديدات والفرص وسواها ضمن المشهد العالمي المستجد.
وانعكس هذا الفشل في التوصل إلى توافق في الآراء، بشأن المفهوم الأمني، على القدرة على صياغة العقيدة العسكرية، ومبادئ السياسة الخارجية، والتي من المنطقي أن تكون مبنية على التصور الأمني.
بعد الاتحاد السوفياتي، حاولت روسيا الاتحادية أن تقدم استراتيجية واضحة للأمن القومي، فكانت الفترة التأسيسية الأولى (1991- 1993)، بحيث تمّ اعتماد أولى تلك الوثائق. وتميّزت الفترة الثانية (1994-1999) بمحاولات لتحديد مفاهيم الأمن القومي بصورة أكثر دقة (من ناحية)، ووضع استراتيجية أمنية وطنية أكثر تماسكاً وتكاملاً (من ناحية أخرى)، انعكست في وثيقة الأمن القومي الاولى عام 1997.
وفي بداية عام 2000، تمّ التوقيع على مرسوم التعديلات على وثيقة عام 1997، من جانب فلاديمير بوتين، الذي كان في ذلك الوقت قائماً بأعمال رئيس الاتحاد الروسي.
وفي الفترة الثالثة (2001-2006)، أعادت روسيا تقويم استراتيجيتها للأمن القومي بعد أن تبدّلت النظرة الى التهديدات، وخصوصاً بعد حرب الشيشان الثانية، وتدخل الناتو عسكرياً في كوسوفو، وتوسيع الناتو شرقاً، والثورات الملونة في حديقتها الخلفية، والحروب في أفغانستان والعراق... إلخ.
ونتيجة لتلك التقويمات، أظهرت وثائق الفترة الرابعة (2007-2015) التشدد الروسي في الخارج "القريب" والخارج "البعيد"، وتنامى شعور القلق والعداء للناتو والولايات المتحدة الأميركية، على الرغم من حصول بعض التقارب بين موسكو وواشنطن خلال فترة ميدفيديف وإعلان أوباما سياسة مغايرة بشأن روسيا، عنوانها "إعادة التشغيل" (reset).
وفي اجتماع لمجلس الدولة الروسي في أيلول/سبتمبر 2008، أعلن الرئيس الروسي آنذاك، ديمتري ميدفيديف، الحاجة إلى تطوير استراتيجية جديدة، في معرض مناقشة "الصراع في أوسيتيا الجنوبية". ونتيجة لذلك، تمت الموافقة، في أيار/مايو 2009، على استراتيجية الأمن القومي للاتحاد الروسي، والتي كان من المفترض أن تكون صالحة لغاية عام 2020.
أدّت الظروف المحيطة بروسيا إلى فهم جديد للتهديدات لأمنها، وخصوصاً ما حدث في أوكرانيا من تحولات سياسية وضمّ القرم ونشوب معارك الشرق الأوكراني، وانخراط الروس مباشرة في أوكرانيا. خلقت هذه الأحداث واقعاً جديداً تماماً، أدى أيضاً إلى توتر العلاقات بين روسيا والغرب، وهو ما انعكس في النهاية على اللهجة الصارمة تجاه الغرب في استراتيجية الأمن القومي، عام 2015.
في الفترة الخامسة (2014-2021)، تأثرت وثائق السياسة الروسية بالتطورات في أوكرانيا، والحرب في سوريا، والتصعيد الأوروبي والأميركي، وسباق التسلح وغيرها، الأمر الذي فرض مراجعة جدية وإعادة نظر في تصورات التهديدات والأولويات الإقليمية لمواجهة التحديات الأمنية الجديدة.
وفي 2 حزيران/يونيو 2021، تمت الموافقة على استراتيجية الأمن القومي الجديدة للاتحاد الروسي. وعلى الرغم من أن أغلبية أدبيات الوثيقة هذه تطابقت مع وثيقة عام 2015، وخصوصاً بشأن العمل على تشكيل نظام متعدد الاقطاب، فإن وثيقة عام 2021 أتت خالية من أي ذكر للتعاون مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وبمقارنة بين استراتيجية عام 2015 واستراتيجية عام 2021، نجد أن روسيا دعمت التعاون والمنفعة المتبادلة وبناء الشراكات مع الاوروبيين والولايات المتحدة الأميركية في الأولى، لكن هذه البنود اختفت كلياً من الوثيقة الثانية، بصورة أوحت في أن روسيا ليست مستعدة لتقديم أي تنازلات من أجل علاقات جيدة بالغرب.
وفي تلك الاستراتيجية الأخيرة (2021)، تمّ ذكر الشركات عبر الوطنية في سياق سلبي جداً في عدد من المجالات. فعلى سبيل المثال، هي متَّهَمة بتقييد دور الدولة (ص 3)، واحتكار الإنترنت (ص 19)، ومهاجمة القيم الروحية والأخلاقية والثقافية والتاريخية الروسية (ص37).
بناءً عليه، وبالعودة الى العقيدة النووية، وعلى الرغم من تأكيد بوتين أن ليس هناك أي خطط لتغيير العقيدة النووية في الوقت الحالي، فإن الانتشار النووي، الذي بدأته روسيا هذا العام بعد أن نشرت أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا، وهي المرة الأولى التي تنشر فيها روسيا أسلحة نووية خارج البلاد، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وبعد أن أعلن بوتين مراراً أن الروس قد يعمدون الى "تقليد" الولايات المتحدة في العقيدة النووية، يقف العالم على مفترق طرق، فإما تشهد البشرية صراعاً نووياً تُستخدم فيه الأسلحة النووية التكتيكية، وإمّا يكون كلام بوتين حافزاً على عودة العالم الى سياسة الردع النووي، وهي السياسة التي منعت حرباً مباشرة بين القطبين خلال الحرب الباردة، وهو السيناريو الأرجح حالياً. 

2023/10/02

صراع الممرات في جنوب القوقاز: هل يؤدي لحرب؟

تغيرت موازين القوى في جنوب القوقاز بعد الحرب التي دارت رحاها بين ارمينيا وأذربيجان عام 2020، والتي انتهت بانتصار أذربيجان المدعومة تركياً واسرائيلياً، أضيف اليها الهجوم الأخير لأذربيجان على اقليم نارغونو كاراباع والذي أدى الى استسلام الشعب الأرمني الذي يقطن الاقليم ورحيله قسرياً الى أرمينيا.

وأدى تغير موازين القوى تلك، الى عودة الحديث عن ممر "زانجيزور"، حيث تتهم أذربيجان أرمينيا بأنها تنصلت من الالتزامات التي تعهدت بها عام 2020، ومنها فتح "ممر" في تلك المنطقة يربط اقليم نختشيفان الاذري على الحدود التركية، مع أراضي أذربيحان.

وتعتبر أرمينيا أن التزاماتها بموجب الاتفاق تعني السماح بطريق نقل للبضائع وسفر الآليات وإعادة العمل بسكك حديد كانت موجودة سابقاً حين كانت جميع هذه الأراضي جزءًا من الاتحاد السوفياتي السابق ، وإن أقصى ما يمكن ان تقبل به أن يكون في هذا الطريق ثلاث نقاط عبور حدودية: عند حدود منطقة كلبيجار، وفي كاراهونج الواقعة على حدود منطقة "كوبادلي"، وعلى الحدود مع اقليم نختشيفان.

أما ما تطالب به أذربيجان هو أن يكون لها السيادة على تلك الطريق وأن لا تخضع الآليات والمركبات لأي تفتيش أو جمرك من قبل السلطات الأرمينية، أي أنها تسعى للسيطرة على جزء من الأراضي الأرمنية عبر منحها السيادة عليها.

ومدفوعاً بنشوة الانتصار على الأرمن في اقليم كاراباخ، هدد الرئيس الآذاري الهام علييف، بأن عدم امتثال أرمينيا لما يريده، سيجعله يسيطر عليه بالقوة. علماً أن اصرار أذربيجان ومعها تركيا على السيطرة التامة على معبر زانجيزور، يشكّل تحديات استراتيجية لعدد من دول المنطقة، وذلك على الشكل التالي:

1-   أرمينيا:

تطمح أرمينيا للاستفادة من المكاسب الاقتصادية التي ستجنيها من الممر. كما يسعى باشينيان الى الانتهاء من الصراع الأرميني مع كل من اذربيجان وتركيا، من أجل التقدم بطلب لدخول حلف الناتو، وتكريس ارمينيا جزءًا من المشاريع الأوروبية التي تسعى الى إنشاء ممرات لنقل الطاقة من آسيا الوسطى الى أوروبا عبر أذربيجان وتركيا خاصة بعد تخليها عن الغاز الروسي.  لكن الاشكالية تكمن في أن  الشكل الذي تطالب به أذربيجان سوف يؤدي الى عزل أرمينيا نهائياً عن إيران، وحيث تبقى الحدود الوحيدة المشتركة لأرمينيا هي مع دولتين عدائتين ضدها: تركيا وأذربيجان، ومع جورجيا.

2-  روسيا:

لا تمانع روسيا في فتح هذا الطريق لتأمين نقل البضائع وسكك الحديد، ولكنها لا تشير إليه بالصيغة التي تقترحها باكو. والأهم، أن موسكو تصر على تطبيق الاتفاقية الثلاثية التي تفترض أن يكون حرس الحدود الروسي مسؤول عن الإشراف على خطوط النقل هذه.

3-  تركيا:

تبدو تركيا الأكثر اهتماماً بالمشروع، فهو سيعزز اتصال تركيا برياً بالعالم التركي، ويجعلها "دولة مركز" لأنابيب الطاقة والتبادلات التجارية بين آسيا الوسطى وأوروبا، ويجعلها على طرق الممرات الرئيسية (خاصة الممر الأوسط) التي تربط الصين بأوروبا.

كما يقلّص فتح هذا الممر المسافة بين أذربيجان وتركيا، حيث يتم توفير التكاليف إذ سيكون هذا الطريق أقصر من خط سكة الحديد الممتد من أذربيجان الى تركيا والذي يمر عبر جورجيا. ويمكن إعادة التفكير بإحياء مشروع نابوكو الذي توقف لأسباب متعددة منها الكلفة المرتفعة لنقل الغاز الآذري الى أوروبا، والذي يمر عبر جورجيا ومنها الى تركيا فأوروبا.

4-  إيران:

يسعى هذا الممر الى تطويق إيران، وتهديد أمنها القومي خاصة، وقد حذر وزير الخارجية الإيراني حسين عبداللهيان في 20 أكتوبر/تشرين أول 2022، خلال زيارة إلى يريفان، من أن بلاده لن تتسامح مع أي تغييرات في الحدود الجيوسياسية والممرات التاريخية لجنوب القوقاز، معتبراً أن هذا الموضوع خط أحمر، مهدداً باستخدام جميع الإجراءات اللازمة لمنع حدوث ذلك. 

أما الأخطار المتأتية عن فتح هذا الممر بالنسبة لإيران فهي:

أ‌-     قطع الطريق الوحيد أمام إيران للعبور إلى جنوب القوقاز ومنه إلى روسيا وأوروبا.

ب‌- بالرغم من العلاقات الجيدة مع كل من أذربيجان وتركيا، لكن القلق الايراني المستمر من السياسات الآذرية يعود الى أمرين: المطامع التاريخية الآذرية في الاراضي الايرانية أو ما تسميه باكو "أذربيجان الغربية"، وعليه أن قيام أذربيجان بالسيطرة بالقوة على الاراضي الارمينية قد يغريها للمطالبة بحقوق تاريخية أو العدوان على إيران. بالاضافة الى علاقة أذربيجان مع اسرائيل وإمكانية أن تشكّل أراضي اذربيجان منطلقاً لإسرائيل لمهاجمة إيران، وكان وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين قد دعا الى تشكيل جبهة موحدة مع أذربيجان ضد إيران.

 

ج- يؤدي هذا الممر الى خسارة اقتصادية إيرانية، إذ أن مرور البضائع بين آسيا الوسطى وتركيا عبر ممر زانجيزور يؤدي الى توقف طرق المرور عبر إيران. علماً أن إيران تطمح لأن تكون هي "دولة مركز" ايضاً لعبور البضائع  من آسيا الوسطى والصين الى العالم، بعد رفع العقوبات عنها.

 

في الخلاصة، وبالرغم من التهديدات الأذرية والتركية التي تهدد بفتح الممر بالقوة، إلا أن الحرب تبدو بعيدة الاحتمالات في المرحلة الراهنة، فالتهديد الايراني يشكّل عامل ردع قوي للدولتين، بالاضافة الى أن الروس لن يتساهلوا ويغضوا النظر عن اندلاع حرب في جنوب القوقاز، كما تساهلوا في قضية ناغورنو كاراباخ لأسباب متعددة. 

هل يتخلى الأميركيون عن دعم اوكرانيا؟


 عالج الأميركيون مسألة قانون تمويل الحكومة الفيدرالية، باتفاق على تمويل مؤقت يؤجّل الاقفال حتى 17 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل وبذلك تمّ التخلص من هاجس الاغلاق الحكومي، في خطوة تدلل على فشل زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الى مجلس الشيوخ الأميركي في ايلول/ سبتمبر الماضي على هامش حضوره الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي طالب خلالها بمزيد من المساعدات لبلاده.

 وصوّتت الأغلبية في الكونغرس الأميركي على قرار التمويل المؤقت، لكن الثمن المدفوع من أجل التسوية كان أن أزال البيت الأبيض والديمقراطيون الدعم المالي لأوكرانيا من ضمن التشريع الجديد لتمرير الاتفاق، وذلك بعدما عارضت كتلة وازنة من الجمهوريين إعطاء مزيد من التمويل لأوكرانيا.

يحاجج الرئيس جو بايدن ومعه الديمقراطيون، بأن تخصيص 24 ملياراً إضافياً لأوكرانيا هي لمصلحة الأمن القومي الأميركي، وذلك لإضعاف روسيا وإغراقها في حرب استنزاف طويلة، تخرج معها من التنافس مع الأميركيين على النفوذ الدولي.

بينما يقول المعارضون لهذا التمويل، أن إنفاق هذه الأموال هو من دافعي الضرائب الأميركيين وعلى حسابهم، وأن هناك شبهات فساد أوكرانية في صرف تلك المساعدات، وأن التركيز الأميركي على الحرب في أوكرانيا وتمويلها لمواجهة التهديد الروسي يصرف الأميركيين عن التهديد الصيني المتعاظم، وهو تهديد أكبر وأخطر من التهديد الروسي.

وبالرغم من عدم اقتناع البيت الأبيض بحذف بند تمويل حرب أوكرانيا، إلا أن الإغلاق الحكومي، وهو ليس استثناءً في الولايات المتحدة (سبقه 21 إغلاقاً في فترات متفاوتة) يرتب هذه المرة تداعيات اقتصادية أكبر بسبب التضخم وارتفاع كلفة المعيشة، وحيث حذرت وكالة موديز أن الاغلاق سيكون سلبياً على الديون السيادية الأميركية، ما يهدد تصنيفها. وبالاضافة الى التداعيات الاقتصادية، سيكون له تداعيات سلبية على الديمقراطيين والرئيس بايدن في ظل بدء السباق الرئاسي والمعركة الانتخابية الحامية التي ستشهدها البلاد عام 2024، علماً أن الاغلاق قد يمتد لشهور عدّة في حال حصوله.

وهكذا، تجرّع الديمقراطيون كأس تأجيل الاغلاق بالتنازل عن بند تمويل أوكرانيا، بالرغم من أنه يشكّل ضربة معنوية "مؤقتة"  للديمقراطيين، حيث دخل موضوع أوكرانيا والحرب الروسية الاوكرانية في خضم الصراع الانتخابي الرئاسي، ولأن الحرب الأوكرانية ونتائجها أساسية في تقييم السياسة الخارجية للرئيس بايدن.

 

أما بالنسبة للأوروبيين، فإن هذا التصويت يعطي رسائل مشجعة لمعارضي الحرب في أوروبا، ضد حكوماتهم ومسؤولي الاتحاد الاوروبي الذين يعتبرون أن إخضاع روسيا عسكرياً ومساعدة أوكرانيا لأستعادة أرضها وهزيمة الروس هو أولوية بالرغم من كل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعانيها دولهم جرّاء هذه الحرب وتداعياتها.

في المحصلة، وبالرغم من التجاذبات في الكونغرس الأميركي وحذف بند إقرار المساعدات لأوكرانيا، من غير المتوقع أن يؤدي التباين الأميركي الى تغيير في مسار الحرب الأوكرانية (أقلّه في المدى المنظور)، ولن يسحب الأميركيون دعمهم لأوكرانيا في الوقت الراهن، خاصة أن عقلية الحرب الباردة ما زالت تسيطر على النخبة الأميركية من كلا الحزبين، وأنهم - بالرغم من أولوية التهديد الصيني حالياً بالنسبة للاستراتيجية الأميركية- فما زالوا يعتبرون التهديد الروسي أساسياً في صراعهم على النفوذ في العالم. وعليه، لن يتخلى الأميركيون عن دعم أوكرانيا في استنزافها وحربها ضد الروس، الى أن تنقلب موازين القوى الميدانية بشكل يحتّم عليهم ترك الأوكران لمصيرهم كما حصل في دول متعددة في السابق.