2023/02/06

الساحة اللبنانية الهشّة .. سيناريوهات التفجير المتعددة




لم يمر مرور الكرام عند المسيحيين ما أعلنه الوزير السابق علي حسن خليل حول انتخاب سليمان فرنجية رئيساً للجمهورية بقوله "اذا جمع رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية 65 صوتاً من دون الكتلتين المسيحيتين، سنمضي به، فأولويتنا التوافق لكن عندما تصبح المعركة معركة أرقام فكل طرف يقوم بمصلحته".

وإذا كان هذا الكلام استدعى رداً وتحركاً من النائب وليد جنبلاط لمحاولة التوصل الى رئيس توافقي، ورفضاً من القوى المسيحية، خاصة بكركي والنائب جبران باسيل، فإن صمت كثيرين من القوى السياسية أثار الريبة لدى القوى المسيحية، التي تعتبر أن هناك أموراً لا يجب التغاضي عنها وهي:

1- إن تمسك الثنائي بترشيح الرئيس نبيه برّي لرئاسة مجلس النواب كان أمراً محترماً لدى القوى السياسية الأخرى لفترة طويلة من الزمن، وإذا كان الثنائي قد احتكر التمثيل النيابي الشيعي في المجلس النيابي هذه الدورة البرلمانية إلا أن الأمر لم يكن كذلك في الدورات السابقة وبالتالي احترمت المكونات الأخرى خيارات أحزاب الطائفة الشيعية لممثليها، وهذا ما يجب أن يفعله الثنائي بتمثيل المكونات الاخرى.

2- هناك على ما يبدو هجمة متجددة ومحاولة لتفجير الوضع الداخلي بفتنة شيعية مسيحية حيث ترتفع مجدداً نغمة "التقسيم" لأنه "لم يعد هناك إمكانية للتعايش مع السلاح" ولأن "بعض اللبنانيين يدفعون الضرائب بينما آخرون لا يدفعون وبالرغم من أنهم يتمتعون بالقسم الأكبر من الانفاق العام". كما يتم التصويب على ح ز ب الله بموضوع التحقيق في انفجار المرفأ، بما يشير الى أن هناك محاولة استعادة لمشهد عام 2005- 2008، حين ارتفعت التصريحات السياسية بالاتهامات السياسية لعزل ح ز ب الله، الى أن حصلت الشرارة التي أدّت الى فتنة سنية شيعية حينها.

3- اعلامياً، كما فعلت دير شبيغل في أيار 2009، حين نشرت مقالاً ذكرت فيه بقدرٍ كبيرٍ من التفصيل كيف شاركت عناصر من ح ز ب الله في جريمة اغتيال الحريري، وكيف اكتشفت "لجنة التحقيق الدولية" ارتباط أولئك العناصر في حادث الاغتيال. وتحدثت المجلة أن أحد عناصر الحزب "ارتكب طيشاً لا يُصدَّق" حيث اتصل بصديقته بواسطة هاتف خليوي تمّ استخدامه في عملية الاغتيال، ما أتاح للمُحقّقين فرصة تحديد الرجل. وتوالت التسريبات، وتوالت السيناريوهات التي تربط ح ز ب الله باغتيال الحريري، وصولاً إلى القرار الاتّهامي الذي اتّهم أربعة عناصر من الحزب، ثم أُضيف إليهم شخص خامس.

واليوم، وبنفس الطريقة تقريباً، نشر الاعلام الالماني منذ فترة تقريراً ربط فيه ح ز ب الله بالنيترات التي كانت في مرفأ بيروت، وحالياً يعرض الوثائقي الفرنسي تحت عنوان "حزب الله.. التحقيق الممنوع"، التي يشير بعض الاعلام المحلي والخارجي أنه سيقوم بربط التفجير في مرفأ بيروت بمسؤولية ح ز ب الله عن النيترات التي كانت موجودة فيه. علماً ان تحقيق القاضي طارق البيطار الذي أثار الانقسام في لبنان، يركّز على الاهمال الوظيفي والتورط السياسي ولم يشر – أقلّه لغاية الآن- كيف وصلت النيترات الى المرفأ ولصالح مَن.

بالمحصلة، هذه الأحداث والخطابات السياسية والاعلامية تشير الى ان هناك مشروعاً فتنوياً يُعد للداخل اللبناني، وإن تحضير المسرح يحصل بوتيرة متسارعة، قد ينتهي باشتباك طائفي (شيعي – مسيحي). لذلك على الجميع مسؤولية تخفيف التشنج، وعدم السير بخيارات تمّ تجربتها سابقاً، ومنها محاولة عزل مكوّن أساسي التي أثبتت كارثيتها على لبنان منذ الحرب الاهلية وما بعدها، ولا الى سيناريوهات تفجيرية واستخدام فائض القوة لفرض خيارات سياسية، ولا الى مشاريع التقسيم البائدة.

 

2023/02/03

عسكرة ألمانيا: هل يتكرر التاريخ الأوروبي؟

المراقب لحركة المستشار الألماني أولاف شولتس الخارجية يجد أنها تشي بأنّ الألمان يسعون لدور عالمي أكبر في المستقبل، ولأدوار الهيمنة الأوروبية بعد تردّد طويل.

بالفعل، يمكن وصف اللحظة التاريخية التي دخل فيها الروس إلى أوكرانيا (كما وصفها شولتس) بأنها شبيهة بانهيار جدار برلين، فقد قرر الألمان معها التحوّل إلى قطب عالمي أوروبي، ولم يعد من المقبول بالنسبة إليهم التردد في الهيمنة.

.1ألمانيا التسعينيات: رجل اليورو المريض

مباشرة بعد انهيار جدار برلين الذي تلاه تفكّك الاتحاد السوفياتي، تحوّلت ألمانيا إلى دولة تتمتع بأكبر اقتصاد وديموغرافيا في أوروبا، لكنها عانت الكثير من المشكلات الاقتصادية والتحديات الناتجة من الوحدة، ما جعل "الإيكونوميست" تسميها "رجل اليورو المريض" (عام 1999).

على الرغم من تلك المشكلات، فقد ركّز العديد من الأكاديميين والباحثين في العلاقات الدولية والجغرافيا السياسية على إمكانية تحوّل ألمانيا إلى القوة المهيمنة في أوروبا، على الرغم من أنها أكدت دائماً أنها ستبقى قوة مدنية، تعتمد في سياستها الخارجية على القيم التي تعتبرها غير قابلة للتفاوض، كتجنب استخدام القوة العسكرية وتأييد الاندماج الإقليمي الأوروبي والتوجه الغربي والدبلوماسية المتعددة الأطراف، كما أكدت أن الدور الإقليمي لألمانيا الموحدة لن يكون إلا استمراراً للنهج الذي تم تطويره في ألمانيا الغربية بعد عام 1949.

تاريخياً، استمرت ألمانيا في أداء دور العملاق الأوروبي "النائم"، فأحجمت عن التصرف كقائد إقليمي بسبب صعوبة التغلب على ماضيها النازي، ولأنها - لغاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين - كانت تعاني ضعفاً هيكلياً يتجسد في الاعتماد الكبير على صادراتها، وفي المعدلات المنخفضة المزمنة للاستثمار العام، وتزايد شيخوخة السكان، إضافة إلى النقص في اليد العاملة في الوظائف الصغيرة (المؤقتة والمنخفضة الأجر). والأهم من ذلك كله، كان الضعف العسكري "النسبي" وعدم الرغبة في زيادة الإنفاق العسكري.

.2ألمانيا – ميركل: المهيمن المتردد

وبعد مجيء ميركل، بدأت ألمانيا تصعد رويداً رويداً، وتتأهل لأخذ أدوار قيادية في أوروبا. وفي العقد الذي تلا عام 2009 (بداية أزمة اليورو)، والدور الذي قامت به ألمانيا في أزمة الديون اليونانية، والتصلّب الذي واجهت به اليونانيين ودعتهم إلى "خروج مؤقت من الاتحاد، وإلا الخضوع لشروطها"، بات نفوذها وقوتها حقيقة واقعة على حساب الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي، وخصوصاً فرنسا، بعد خروج بريطانيا منه.

وبسبب عقدة ألمانيا التاريخية من الظهور بمظهر المهيمن، صار التعاون الفرنسي الألماني يؤشر إلى وضع "تحتاج فيه فرنسا إلى ألمانيا لإخفاء ضعفها، وألمانيا بحاجة إلى فرنسا لإخفاء قوتها" (إيكونوميست 2011، نقلاً عن مسؤول أوروبي أثناء أزمة اليورو).

كان للاتفاقيات التي قام بها غيرهارد شروردر مع موسكو، واستمرَّت بها أنجيلا ميركل، الأثر الكبير في الاقتصاد والصناعات الألمانية التي استفادت من فارق القيمة ومن أسعار الغاز الروسي الرخيصة لتحسين شروط المنافسة التجارية في أوروبا والعالم، ثم كانت سياسات الانفتاح "الإنسانية" التي اتبعتها ميركل، حين أعلنت سياسة الأبواب المفتوحة للاجئين عام 2015، والتي كان لها تأثيرها الاقتصادي أيضاً، إذ استطاعت ألمانيا من خلال سياسة "توظيف اللاجئين" أن تسد النقص في العمالة غير الماهرة ذات الأجر المنخفض.

وهكذا، تحوّلت ألمانيا إلى عملاق شبه مهيمن على أوروبا، وتحوّلت في فترة قصيرة نسبياً إلى عملاق اقتصادي أوروبي، لكنه "نمر من ورق" عسكرياً، يعتمد على القواعد العسكرية الأميركية الموجودة على أرضه للحماية العسكرية، إلى أن حصلت الحرب الأوكرانية في شباط/فبراير 2022.

.3الحرب الأوكرانية: الفرصة المتاحة 

مع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اعترافه باستقلال الجمهوريات الانفصالية في أوكرانيا، أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس إيقاف "نورد ستريم 2"، ثم تسارعت الأمور، فوافق على فرض عقوبات على المشروع الذي استثمرت فيه ألمانيا مليارات الدولارات، وقاومت كل التنمر والضغوط التي قام بها الأميركيون لإنهائه في وقت سابق

كانت القرارات العقابية لروسيا التي سار بها شولتس من الناحية الاقتصادية الألمانية مفاجئة، لأنها كانت تضر الاقتصاد الألماني أكثر من باقي الاقتصادات الأوروبية.

وبسرعة كبيرة لا تتعدى ساعات بعد التوغل الروسي في أوكرانيا، أعلن شولتس قرار تحوّل ألمانيا إلى دولة قوية عسكرياً، وأقرّ مجلس النواب الألماني تخصيص 100 مليار دولار كميزانية للدفاع، وتعهَّدت ألمانيا دفع 2% من الناتج القومي كمساهمة في موازنة الناتو، في خطوات يبدو أنه كان متفقاً عليها مسبقاً مع الأميركيين.

ومع هذا التوجه الجديد، تعود إلى بساط البحث فكرة "المجال الحيوي" التي انطلق منها الألمان عشية الحرب العالمية الثانية، ليتوسعوا ويسيطروا على جيرانهم. "المجال الحيوي" (بالألمانية Lebensraum) هو النظرية التي ترى أن الدولة كالكائن الحي، لديها حاجاتها ومتطلباتها للعيش.

لذا، عليها أن تتوسع لتؤمن احتياجات سكانها إن كانت قدراتها أكبر من مساحتها الجغرافية. هذه النظرية عرضها العالم الألماني فردريك راتزل في كتابه "الجغرافيا السياسية"، واستخدمها هتلر لتبرير السياسة التوسعية الألمانية.

وإذا كان متعذّراً عملياً أن تقوم ألمانيا بالسيطرة العسكرية على جيرانها، لأنَّ الدول لم تعد – في وقتنا الحالي - ترغب في القيام باجتياح عسكري لتهيمن على جيرانها (بسبب الكلفة العالية وعدم ضمان النجاح)، فإنَّ المسار الألماني التاريخي يؤشر الى أن الهيمنة (غير العسكرية) الألمانية على أوروبا ستكون واقعاً لا يمكن إغفاله، لكنه قد يؤدي إلى تمرد سيؤدي إلى مشكلات داخل الاتحاد.

والسؤال الأساسي يبقى: ماذا لو حصلت تطورات جعلت الألمان يتراجعون اقتصادياً (كتراجع التصنيع وهجرة الاستثمارات)؟ هل ينكفئون أو يعودون إلى فكرة "المجال الحيوي" الذي تحتاجه دولتهم للعيش؟ 

 

2023/01/30

موقع لبنان في صراع الأمم الكبرى

د. ليلى نقولا

يعاني لبنان، كما العديد من دول العالم الثالث، من تدخلات شتى في شؤونه، ومحاولة بسط النفوذ والسيطرة على قراراته في الشؤون الخارجية وأحياناً كثيرة في شؤونه الداخلية. وبالطبع، إن موقع لبنان الجغرافي في منطقة الشرق الأوسط، وقيام "اسرائيل" بقربه، ساهم في تعريضه الى شتى أنواع التدخلات والحروب والفوضى وغيرها من الازمات التي لا تنتهي.

واليوم، العالم ينتظر حصول تغييرات كبرى في النظام العالمي بعد انتهاء الحرب الأوكرانية وما سيرافقها من تطورات عسكرية واقتصادية وسياسية، أين سيجد لبنان نفسه في ذلك الصراع؟

بداية، من المهم الاشارة الى أن الدول التي تسعى للهيمنة وبسط نفوذها على الاخرين، سواء كانت دولة إقليمية أو عالمية، يجب أن تتمتع بميزتين: القدرة، والإرادة.
بمعنى أن قدرة دولة ما على السيطرة والنفوذ لا يعني بالضرورة أنها راغبة وستندفع الى السيطرة على الآخرين، والعكس صحيح، فإن رغبة دولة بالهيمنة والسيطرة ترتبط بمدى مقدرتها على ذلك. هناك 3 قوى عالمية أساسية تسعى لموطئ قدم ونفوذ في الشرق الأوسط: الصين وروسيا والولايات المتحدة.

1- بالنسبة للصين:

بشكل عام، تتبع الصين استراتيجية "حسابية" في التعامل مع الدول تعتمد على: الجدوى، الاستقرار السياسي، الاستقرار الأمني. وبما أن لبنان لا يتمتع بالاستقرار السياسي، ومسيطر على قراره من قبل الولايات المتحدة الأميركية، سيكون من الصعب على لبنان الموافقة على قيام الصين باستثمارات كبرى، بالرغم من حاجته له. وعليه، قد لا تملك الصين الإرادة ولا القدرة للدخول في صراع مع الولايات المتحدة الأميركية للنفوذ في لبنان، بسبب غياب الجدوى أيضاً.

2- روسيا
بسيطرتها على بعض الموانئ السورية وإنشاء قاعدة حميميم على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، تكون روسيا قد حققت أحد أهم أهداف الاستراتيجية الروسية منذ روسيا القيصرية ولغاية اليوم وهو الوصول الى المياه الدافئة. بالنسبة للبنان، حتى لو امتلك الروس الارادة، لا يبدو أنهم يمتلكون القدرة على التأثير على القرارات اللبنانية بدليل انهم تقدموا بعروض هبات متعددة تمّ رفضها من قبل المسؤولين اللبنانيين، أما البيان الذي أصدرته الخارجية اللبنانية الذي أدان التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، فهو دليل إضافي على عدم قدرة الروس على اختراق صناعة القرار اللبناني.

3- الولايات المتحدة الأميركية

لا شكّ أن الولايات المتحدة الأميركية تملك القدرة الكافية على التحكم والنفوذ في لبنان وهذا ما يشير اليه تاريخها في التعامل مع صناعة القرار السياسي والاقتصادي والامني في لبنان. إما بالنسبة للإرادة، فإنه من الواضح أن الأميركيين لن يتخلوا عن لبنان بسهولة، بدليل أن ترامب الذي لطالما أعلن رغبته الانسحاب من الشرق الأوسط، قام بتنفيذ سياسة الضغوط القصوى في لبنان لتقليص مساحة نفوذ حزب الله والايرانيين في لبنان (كما قال)، وتوسيع مساحة النفوذ الأميركي فيه.

بالنتيجة، إن المستقبل القريب والمتوسط يشير الى أن الأميركيين يعتبرون لبنان جزءًا من مساحة نفوذهم في الشرق الأوسط، ومن غير المتوقع أن يتخلوا عن هذا النفوذ لصالح دولة أخرى، بالرغم من أنهم قد يلجؤون الى تسوية تأخذ بعين الاعتبار الواقع الموجود على الأرض فيقبلون بتشارك النفوذ مع دول اقليمية لها نفوذ طبيعي في لبنان.

 

حرق القرآن الكريم: ماذا يقول القانون الدولي؟

ليست المرة الأولى التي يقوم فيها المتطرف السويدي الدنماركي راسموس بالودان بحرق القرآن الكريم في العاصمة السويدية ستوكهولهم، بل قام بذلك أيضاً خلال شهر رمضان المبارك في نيسان/أبريل من عام 2022، ما أثار موجة احتجاجات عارمة في السويد، وأدّى إلى انتشار الفوضى في الشوارع، وحدوث صدامات بين الشرطة والمتظاهرين الغاضبين.

واليوم، وفي معرض الاشتباك اللفظي بين السويد وتركيا، استعاد اليمينيون المتطرفون شعارات الإسلاموفوبيا، ودعوا إلى حرق القرآن كل يوم جمعة، حتى ترضخ تركيا وتوقّع على طلبَي السويد وفنلندا الانضمام إلى حلف "الناتو".

ويشير عدد من المسؤولين في الغرب إلى أن "حرق المصحف" هو فعل "قانوني" مسموح به بموجب حرية التعبير التي أقرّتها القوانين الأوروبية وكفلها القانون الدولي والمعاهدات الدولية ذات الصلة. لكن، الادعاء بقانونية هذا الفعل يثير إشكالية أساسية جوهرها التمييز بين مفاهيم ثلاثة أساسية تفصل بينها حدود رفيعة جداً هي: حرية التعبير، وخطاب الكراهية، والتحريض على التمييز والعداء والعنف.

1- حرية الرأي والتعبير 

المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، كما دساتير عدد من الدول وقوانينها، تكفل كلها حرية الرأي والتعبير، وتنص: "لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير. يشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء من دون تدخل، والسعي للحصول على المعلومات والأفكار، وتلقيها ونقلها من خلال أي وسائط، وبغض النظر عن الحدود".

وتضع المادة 19 من العهد الدولي فقرة (3) قيوداً على تلك الحرية، فتنص:

 - تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك، يجوز إخضاعها لبعض القيود، ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون، وأن تكون ضرورية:

(أ) لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم.

(ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

2- خطاب الكراهية

عرّفت الأمم المتحدة خطاب الكراهية بأنه "أي نوع من الاتصال في الكلام أو الكتابة أو السلوك، يهاجم أو يستخدم لغة تحقيرية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس مَن هم، وبعبارة أخرى، على أساس دينهم أو عرقهم أو جنسيتهم أو عرقهم أو لونهم أو نسبهم أو جنسهم أو أي عامل هوية آخر".

وبالرغم من ذلك التعريف الذي أوردته الأمم المتحدة، لم يتم الاتفاق – لغاية الآن - على تعريف عالمي لخطاب الكراهية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وما زالت النقاشات حول هذا التعريف في الإطارين الحقوقي والدستوري مستمرة، خاصة بسبب ارتباط هذا المفهوم بحرية الرأي والتعبير وخشية ناشطي حقوق الإنسان من أن يتحوّل هذا المفهوم إلى وسيلة لقمع حرية الرأي والتعبير المكفولة في إعلانات ومواثيق حقوق الإنسان، وأن تستخدمه الدول لقمع المعارضة والتخلص من المعارضين.

ولأجل ذلك، قامت الأمم المتحدة بمحاولة لوضع سمات معينة يمكن من خلالها التمييز بين حرية الرأي وبين خطاب الكراهية وهي:

1- الكلام الذي يحض على الكراهية هو "تمييزي" (متحيز أو متعصب أو غير متسامح) أو "ازدرائي" (متحيز أو ازدراء أو مهين) لفرد أو مجموعة.

2- خطاب الكراهية هو الكلام الذي يحضّ على كراهية أفراد أو مجموعة بسبب هويتهم، وبما في ذلك: "الدين، والعرق، والجنسية، واللون، والنسب، والجنس"،  وأيضاً خصائص مثل اللغة، والأصل الاقتصادي أو الاجتماعي، والإعاقة، الحالة الصحية، أو التوجه الجنسي، وأمور أخرى كثيرة.

3- يمكن نقل الكلام التحريضي من خلال أي شكل من أشكال التعبير، بما في ذلك الصور والرسوم المتحركة والإيماءات والرموز إلخ...

4- خطاب الكراهية لا يمكن توجيهه إلا إلى الأفراد أو مجموعات الأفراد بصفتهم "الجماعية". ولا يشمل الانتقاد الذي يوجه إلى الدول وسياساتها أو رموزها أو مسؤوليها العامين، ولا حتى الانتقاد الذي يوجّه إلى الزعماء الدينيين أو انتقاد مبادئ العقيدة.

3- خطاب الكراهية الذي يتضمن التحريض على التمييز أو العداء أو العنف

وهو أمر محظور بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

 تنص المادة 20 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على ما يلي: "يحظر القانون أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف".

الفارق الرئيسي والجوهري بين هذا المبدأ المحظور وبين ما سبقه، هو فعل "التحريض". إن مجرد "التعبير" أو "المناصرة" لخطاب موجه ضد مجموعة، لا يتضمن تحريضاً على التمييز أو العداء أو العنف، يدخل في المنطقة الرمادية للقانون الدولي لحقوق الإنسان ومن الصعب تجريمه.

أما حين يتضمن الخطاب تحريضاً واضحاً أو مضمراً (النية الجرمية) أو في حال "تسبب بتأجيج العنف" فإن القانون الدولي يحظّره ويدعو الدول إلى اتخاذ الإجراءات لمنعه، وعادة ما قامت المحاكم بتجريمه (انظر قضية روس ضد كندا، حيث تمّ طرد مدرس بسبب أقواله المعادية للسامية، ورأت المحكمة أن كتاباته ومنشوراته "خلقت بيئة مسمومة"، لذا لا تعدّ من حرية الرأي والتعبير ويعدّ محرضاً على التمييز والعداء).

بالنتيجة، إن حرق القرآن هو عمل يتضمن التحريض على التمييز والعداء والكراهية، وبالطبع العنف بدليل أنه تسبب في مرات عديدة بعنف متبادل وخلق بيئة معادية للمسلمين بصفتهم الجماعية كمسلمين، ويتضمن عنصرية دينية واضحة، وبالتالي هو عمل محظور في القانون الدولي، ولا يمكن الادعاء بحرية الرأي والتعبير لقوننته واعتباره عملاً مشروعاً.

2023/01/23

توتر تركي سويدي: هل من منافذ للحل؟

ترتفع الأصوات اليمينية في السويد مهاجمة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، بسبب ما يقولون إنها شروط تعجيزية لمنع السويد وفنلندا من الانضمام إلى حلف الناتو، وكان آخرها زعيم حزب الديمقراطيين السويديين جيمي أكيسون (اليميني المتطرف) الذي وصف الرئيس التركي بأنه "ديكتاتور إسلامي"، معتبراً أن بلاده قدمت الكثير من أجل إرضاء تركيا لتأمين عضويتها في الناتو ولكنْ لهذا حدود "لأننا في النهاية نقدم تنازلات لنظام مناهض للديمقراطية ولديكتاتور مجبرين على التعامل معه".

وتأتي أهمية تصريحات أكيسون، كون حزبه الحزب اليميني الذي تستند إليه الحكومة السويدية الحالية، خاصة أن حزب الديمقراطيين السويديين المناهض للهجرة وللمسلمين استطاع في سنوات قليلة التوصل إلى أن يكون ثاني أكبر حزب في البلاد، بعدما حصل في الانتخابات العامة التي جرت في أيلول/سبتمبر على نسبة 20.54 في المئة من الأصوات

عملياً، تشترط أنقرة على السويد تسليمها ناشطين كرداً من حزب العمال الكردستاني، وهو أمر معقد مرتبط بقدرة السويد على تنفيذ هذا الشرط الذي وافقت عليه رئيسة الوزراء السويدية السابقة (تنتمي إلى الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي خرج من الحكم بعد الانتخابات الأخيرة).

تنقسم طلبات الترحيل التي تطالب بها أنقرة إلى 3 فئات:

-مَن لم يحصلوا على حق اللجوء من المواطنين الأتراك، وهؤلاء يمكن للسويد قانونياً ترحيلهم.

- مَن حصلوا على حق اللجوء السياسي، وهؤلاء من الصعب ترحيلهم لأن الأمر مرتبط باتفاقيات حقوق الإنسان واللجوء التي وقعت عليها السويد، وقدرة اللاجئين على التظلم لدى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في حال قررت السويد ترحيلهم.

-مَن حصلوا على الجنسية السويدية وهؤلاء من المستحيل ترحيلهم، لأنهم يتمتعون بالحقوق والواجبات نفسها كما رئيس الوزراء نفسه.

وكانت الحكومة السويدية قد اعتبرت أن القضاء السويدي له الكلمة الأخيرة في هذه القضايا وأن المحاكم مستقلة، لكن الأتراك ذهبوا بعيداً في هذا الأمر واشترط المتحدث باسم الرئيس التركي إبراهيم كالين، أن يغيّر "النظام القضائي السويدي تعريفه القانوني للإرهاب حتى ترفع تركيا معارضتها لانضمام السويد إلى الناتو".

وهكذا، تواجه الحكومة السويدية إشكاليات عديدة في موضوع انضمامها إلى حلف الناتو، فما يطلبه الأتراك أصعب من قدرة الحكومة على تأمينه، وفي المقابل هناك لوبيات ضاغطة تدفع إلى الدخول في حلف الناتو مهما كان الثمن، تحقيقاً لمكاسب سياسية واقتصادية:

1- من الناحية السياسية

يبدو الدخول في الناتو إنجازاً لليمين السويدي المعروف بانحيازه إلى الأميركيين، علماً أن هناك اتجاهاً سياسياً شاملاً (يمينياً ويسارياً) يؤيد الدخول في الناتو والتخلي عن سياسة الحياد السابقة. وكانت الحملات الانتخابية الماضية قد شهدت وعوداً من قبل اليمين السويدي بتأمين قدرات عسكرية وصناعية دفاعية وطنية أقوى في حال الفوز بالانتخابات.

2- من الناحية الاقتصادية:  

ينشط لوبي سياسي صناعي عسكري في السويد لحثّ السياسيين على تغيير القوانين الداخلية لتتلاءم مع بيئة الاستثمار الجديدة بعد الانضمام إلى الناتو، متطلعين إلى زيادة فرص الاستثمار في القطاعات العسكرية، نظراً للمضاعفة المتوقعة للنفقات الدفاعية من قبل الدول الأوروبية حتى عام 2026. وسيكون الجزء الأكبر من هذا الإنفاق مخصصاً للحصول على قدرات عسكرية جديدة، وهي فرصة تراها السويد سانحة كونها تتمتع بحضور تنافسي في سوق السلاح الأوروبي.

وهكذا، تعلّق الصناعات الدفاعية السويدية آمالاً كبيرة على الدخول في حلف الناتو ما يساعد الشركات المحلية على فتح أسواق جديدة وجني مكاسب كبرى تمنحها لها عضوية الناتو، وتؤهلها للمنافسة والحصول على سوق واعد سواء على الصعيد الأوروبي أو على صعيد دول الناتو الأخرى. وبالفعل، بدأ قطاع الدفاع في السويد في زيادة الطاقة الإنتاجية لتلبية الطلبات المتوقعة لزيادة تدفق الطلبات بمجرد قبول الدولة في الناتو.

وعليه وبعد الشروط التعجيزية التركية، يتطلع السويديون إلى ما يمكن أن يقدمه الأميركيون للأتراك لتخطي العراقيل التي يضعها إردوغان في وجه انضمام السويد إلى الناتو، ويشير بعض الخبراء إلى أن الأميركيين قد يعرضون قيام بايدن بتسهيل صفقة بيع طائرات مقاتلة من طراز F-16 بقيمة 20 مليار دولار إلى تركيا، في ظل اعتراضات من قبل نواب من مجلس الشيوخ وتهديد بمنعها، وذلك بعدما ألغى الكونغرس الأميركي صفقة حصول تركيا على طائرات أف 35، بعد اتفاقها مع الروس على الحصول على منظومة دفاع أس 400.

في النتيجة العملية، وبينما تزداد الدعوات لحض تركيا على الموافقة السريعة على انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو، ومنها الدعوات الأخيرة التي أطلقها الأميركيون ومنهم وزير الخارجية الأميركية أنطوني بلينكن الذي دعا الدول التي لم تصدق بعد على انضمام السويد وفنلندا إلى الإسراع في ذلك (تركيا وهنغاريا)، من غير المتوقع أن يكون لزيارة وزير الخارجية التركي إلى واشنطن ولقائه بنظيره الأميركي هذا الأسبوع أي تأثير على موضوع الطلبات التركية من البلدين لتسهيل انضمامهما إلى الناتو، خاصة وأن إردوغان يستخدم هذه القضايا في حملاته الانتخابية الداخلية.

 

2023/01/15

محدودية الدبلوماسية الدينية: "اتفاقيات أبراهام"

منذ منتصف القرن الماضي وبعده، ومع التطور التقني والتكنولوجي والانفتاح العالمي، بدأت الدبلوماسية تشهد توسعاً في الآفاق والسبل، وتجنح نحو تعددية المسارات، فبات العالم يعرف "الدبلوماسية المتعددة المسارات".

كان الأميركيون السباقون إلى تطوير ما يسمّى الدبلوماسية الموازية أو الدبلوماسية المتعددة المسارات، أي استخدام أدوات اقتصادية أو ثقافية أو رياضية كأدوات دبلوماسية تسمح لهم بتطوير وسائل الإقناع التي يستخدمونها في العلاقات الدولية، ولتحقيق مصالح الولايات المتحدة الأميركية. ويمكن تعريف الدبلوماسية المتعددة المسارات أنها اعتماد آليات غير حكومية وغير رسمية تستخدم في العمل الدبلوماسي وتشكّل آليات موازية للدبلوماسية الرسمية.

- الدبلوماسية الدينية:

وبعد دخول الدين إلى قاموس العلاقات الدولية بقوة مباشرة بعد أحداث 11 أيلول / سبتمبر من عام 2001، وباتت المفردات الدينية جزءاً من خطابات الحرب على الإرهاب التي أطلقتها الولايات المتحدة الأميركية، تطورت فكرة دولية موازية مفادها كيف يمكن استخدام الدين للسعي نحو السلام العالمي بدلاً من اعتباره محرضاً على العنف والحرب والاقتتال.

وكانت "الدبلوماسية الدينية religious" أو "الدبلوماسية الروحية spiritual " من أبرز الوسائل التي طورها الأميركيون لحلّ النزاعات ذات البعد الديني أو لاستخدام الدين في العمل الدبلوماسي والسياسي الخارجي، وذلك عبر تأسيس "المركز الدولي للدين والدبلوماسية" عام 1999 خلال عهد كلينتون. وتزامناً مع بدء الحرب على الإرهاب، أنشأت إدارة جورج بوش الابن مركز "مبادرات الإيمان والفرص" وألحقته بالوكالة الأميركية للتنمية USAID عام 2002، ثم تطورت تلك الآليات وتوسعت فيما بعد.

- اتفاقيات التطبيع بين العرب و"إسرائيل":

ناقش عدد من المفكرين ومراكز التفكير الأميركية أهمية إشراك المجتمعات والقوى الدينية والروحية في عمليات السلام، أو في تحقيق مصالح الولايات المتحدة الأميركية في الخارج، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت دعوات لرؤساء الطوائف الروحية الإسلامية والمسيحية إلى مؤتمرات حول التغيير في سوريا (خلال السنوات الأولى للحرب)، ويتم استخدام حقوق الأقليات الإيغور الصينية للتركيز على حقوق الإنسان في الصين وسواها.

ولا تشذّ اتفاقيات التطبيع التي وقعتها "إسرائيل" مع الدول العربية عن هذا الإطار، فسمّيت "اتفاقات أبراهام" وذلك بهدف استخدام الدين في عملية السلام في الشرق الأوسط، وتماشياً مع رؤية إدارة ترامب للقضية الفلسطينية، إذ يتم تحويلها إلى قضية "اقتصادية – دينية" (صفقة القرن- اتفاقيات التطبيع)، وحرفها عن أن تكون قضية احتلال لأرض وتهجير لشعب.

أعتقد الإسرائيليون أن اتفاقيات التطبيع الموقّعة مع بعض الدول العربية سوف تكون مدخلاً لطمس القضية الفلسطينية في وجدان الشعوب العربية، لكن كشف حساب السنوات التي تلت توقيع تلك الاتفاقيات، يشي بأن الأمر أبعد وأعقد مما كان يعوّل عليه الإسرائيليون والأميركيون، ونورد بعض الأمثلة:

- بحسب وكالة الأسوشيتد برس، فإن أرقام وزارة السياحة الإسرائيلية غير مشجعة، فعلى مدى عامين منذ توقيع الاتفاقيات مع الإمارات والبحرين لم يكن تدفق السياح الخليجيين كما يتمناه الإسرائيليون، وأوردت الوكالة أنه "على الرغم من تدفق أكثر من نصف مليون إسرائيلي إلى أبو ظبي الغنية بالنفط ودبي المرصعة بناطحات السحاب، فقط 1600 مواطن إماراتي زاروا إسرائيل منذ أن رفعت القيود المفروضة على السفر بسبب فيروس كورونا العام الماضي"، بينما لا تعرف الوزارة عدد البحرينيين الذين زاروا "إسرائيل"؛ "الأعداد قليلة للغاية".

- وفقاً لاستطلاع أجراه معهد واشنطن للشرق الأدنى، انخفضت نسبة تأييد "اتفاقيات أبراهام" في الدول العربية: في الإمارات العربية المتحدة، انخفضت نسبة التأييد من 47% إلى 25٪ في العامين الماضيين. وفي البحرين، انخفضت النسبة المؤيدة من 45% إلى 20٪ فقط من السكان.

- عقدت كل من مصر والأردن اتفاقيات سلام مع "إسرائيل" في وقت سابق، وبالرغم من مرور عقود على تلك الاتفاقيات فإن التطبيع الحقيقي بين الشعوب لم يحصل. 

- كان مونديال قطر المكان الأكثر تعبيراً عن حقيقة الشعور العربي تجاه قضية فلسطين، فلقد عبّر العرب بغالبية شعوبهم وانتماءاتهم أمام الهواء مباشرة وعلى مرأى العالم ومسمعه، عن أن قضية فلسطين ما زالت حيّة في وجدانهم وهي جزء من هويتهم القومية والوطنية، وأنه لا يمكن لأي اتفاقيات أن تبدد أو تلغي هذه الهوية.

في النتيجة، لقد استطاعت الدبلوماسية الموازية الأميركية أو ما يسمّى الدبلوماسية الدينية أن تدفع إلى توقيع اتفاقيات التطبيع بين حكومة نتنياهو وعدد من الدول العربية، وهو نجاح مشهود لتلك الدبلوماسية، لكن فعاليتها على الأرض في السنوات المنصرمة لم تأتِ بحسب التوقعات الإسرائيلية والأميركية. واليوم، كيف يمكن "تفعيل" هذه الاتفاقيات و"تطويرها" كما يعد عدد من المسؤولين الإسرائيليين مع وصول حكومة جديدة تعدّ الأكثر قومية والأكثر تطرفاً في تاريخ "إسرائيل"، يهلل المتطرفون فيها باقتحام المسجد الأقصى، وتتعهد بتوسيع المستوطنات وقضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وتستمر باقتلاع الفلسطينيين من القدس؟.

 

2023/01/09

سيناريوهات مسار المصالحة التركية السورية

 رسمت الزيارة التي أجراها وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد إلى سوريا ولقاؤه بالرئيس السوري بشار الأسد مساراً جديداً متفائلاً لمسار المصالحات التركية السورية، وإمكانية تحقيق تقدم جدّي خاصة بعدما سرت أخبار صحافية عن اتصال قام به الوزير الإماراتي مع نظيره التركي مولود تشاويش أوغلو، قبيل وصوله إلى سوريا.

هي ليست الزيارة الأولى التي يقوم بها الوزير الإماراتي إلى دمشق، بل سبقتها زيارة سابقة في 9 تشرين الثاني/نوفمبر2021، تلتها زيارة للرئيس السوري بشار الأسد إلى العاصمة الإماراتية أبو ظبي ولقاؤه مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في 18 آذار/مارس من عام 2022. لكنّ توقيت الزيارة الحالية والذي ترافق مع حديث عن مسار تصالحي تركي سوري هو الذي جعل للزيارة بعداً سياسياً أكثر من الزيارات السابقة، وخاصة مع انتشار أخبار صحافية تشير إلى إمكانية عقد اللقاء التركي السوري المقبل في الإمارات.

تتمحور النقاشات التركية السورية حول سيادة سوريا على أراضيها، ما يعني انسحاباً تركياً من القواعد العسكرية في الشمال السوري، وقيام الفصائل المسلحة المدعومة تركياً بتسليم المناطق التي تسيطر عليها إلى الحكومة السورية. وتقدّر مساحتها بما يقارب 11% من الجغرافيا السورية، إضافةً إلى عودة اللاجئين السوريين في تركيا إلى ديارهم، والتخلص من الإرهاب والذي يعني بالنسبة للأتراك التخلص من سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" على مناطق الشمال الشرقي السوري والتي تقدر مساحتها بما يقارب 25% من الجغرافيا السورية.

وفي البنود أعلاه، يتباين ترتيب أولويات الحكومة في سوريا عن أولويات الأتراك، فالأولوية في سوريا هي لخروج الجيش التركي من سوريا، والتخلص من المجموعات المسلحة في إدلب وجوارها، ثم إنهاء السيطرة الكردية في الشمال الشرقي (تحرير تلك الأراضي يسهم في تخفيف أزمة الطاقة والغذاء السورية)، وأخيراً حلّ مشكلة اللاجئين (المكلفة مادياً).

بينما يأتي في صدارة الأولويات التركية بند إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم قبل الانتخابات التركية المرتقبة هذا العام، والتخلص من الخطر الكردي المتمثل بحزب العمال الكردستاني في المناطق السورية المجاورة لتركيا، وأخيراً الانسحاب من الأراضي السورية والذي قال أحد المسؤولين الأتراك أنه سيحصل بعد الاستقرار السياسي في سوريا.

وفي ظل تباين الأولويات، يسيطر على المشهد العام الغموض الذي يكتنف الموقف الأميركي، إذ لم تصدر تصريحات صريحة وواضحة تدين التقارب التركي السوري، باستثناء تصريح خجول من الناطق باسم الخارجية الأميركية قال فيه إن "الإدارة الأميركية لا تؤيد قيام الدول بتطوير علاقاتها أو التعبير عن دعمها أو التطبيع" مع الرئيس السوري بشار الأسد.

وعليه، ما السيناريوهات المتصوّرة لمسار المصالحة التركية السورية بناءً على الموقف الأميركي من التطورات؟

السيناريو الأول: ضوء أخضر أميركي غير معلن

انطلاقاً من هذا السيناريو، قد يكون المسار التصالحي التركي الإماراتي مع سوريا منسّقاً مع الأميركيين، وأن يكون الرئيس الأميركي جو بايدن يريد تخفيف وطأة الأزمة في سوريا بإعطاء ضوء أخضر غير معلن لحلفائه بالتواصل مع الرئيس السوري، ولكنه لا يريد أن يشتبك مع الجمهوريين الذين سيتهمونه بالضعف في سوريا. ويعتبر هذا السيناريو متفائلاً جداً.

السيناريو الثاني: رفض أميركي لكن الخيارات محدودة

في هذا السيناريو، تجد إدارة بايدن نفسها في مكان صعب جداً، إذ أنها ترفض التوصل إلى حلّ في سوريا في الوقت الراهن، ولكنها لا تمتلك الكثير من الأوراق التي يمكن اللعب بها، فهي من ناحية تريد احتواء الأزمة السورية وعدم تفاقمها لكنها لا تريد حلاً نهائياً الآن، ولكن من جهة أخرى لا تريد أن تشتبك مع حلفائها بتهديدهم بفرض عقوبات عليهم في حال المصالحة مع النظام السوري.

السيناريو الثالث: رفض أميركي سيؤدي إلى عرقلة المسار

عملياً، ستكون للموقف الأميركي الكلمة الفصل في استمرار مسار المصالحة أو لا، خاصة وأن التخلص من السيطرة الكردية على أجزاء من سوريا سواء عبر تسليم مناطق الكرد الى الحكومة السورية سلمياً أو عبر عملية عسكرية يحتاج إلى موافقة أميركية، وبالأخص لأنه يعني خروج الأميركيين وقوات التحالف الدولي من المناطق التي يسيطر عليها الكرد (جميعها تقريباً).

يجد الانتشار العسكري الأميركي في سوريا تبريراته، بمحاربة "داعش"، والتضييق على النفوذ الإيراني، ولا سيما أنّ القواعد والمواقع العسكرية الأميركية في سوريا ويقدّر عددها بـ 28 موقعاً، توجد قرب المعابر الرئيسية بين العراق وسوريا، وعلى طرق المواصلات الرئيسية بين البلدين، وقرب آبار النفط، ومراكز التكرير، هذا إضافةً إلى قاعدتين في التنف على مثلث الحدود العراقية السورية الأردنية (والتي قال ترامب سابقاً إن الجيش الأميركي سيبقى فيها حتى بعد انسحاب الجيش الأميركي من سوريا).

عملياً، لا يمكن الجزم النهائي بسيناريوهات المصالحة التركية السورية والتي ترتبط بشكل أساسي بالموقف الأميركي وتفكيك القواعد الأميركية في حال تمّ الاتفاق على تسليم مناطق الكرد للدولة السورية. وفي حال رفض الأميركيين الانسحاب من سوريا، تطرأ الأسئلة المشروعة التالية: كيف ستتم المصالحة التركية السورية إذا رفض الأتراك الانسحاب من سوريا من دون تحقيق هدف التخلص من سيطرة "قسد" على الشمال السوري؟ وهل يمكن للسوريين أن يقعوا في فخ تحقيق إعادة اللاجئين الذي تريده تركيا بشدة من دون أخذ مكاسب مقابلة من الأتراك؟.