2022/05/23

ما الهدف من طرح الزواج المدني الآن؟


فجأة وفي خضّم الخروج من الانتخابات النيابية وفي وضع مأساوي ينذر بمزيد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي وخلط الأوراق السياسي المرشح للتفاقم والاستقطاب، طُرحت فكرة الزواج المدني لتعيد الاصطفافات السياسية وتصدر مواقف التكفير من هنا وهناك للعديد من القوى النيابية الجديدة التي أعلنت تأييدها له.

الحديث عن الزواج المدني ليس جديداً في لبنان، وبعكس ما يروّج كثيرون فإن الزواج المدني – بحدّ ذاته- معترف به في لبنان بدليل أن الأشخاص الى يريدون عقد زواج مدني يذهبون الى قبرص ويتزوجون ويأتون الى لبنان فيسجلون زواجهم وتعترف به السلطات اللبنانية تماماً كالزواج الديني.

المشكلة في لبنان ليست في الاعتراف بالزواج المدني، بل بالقدرة على عقد هذا الزواج داخل لبنان، والأهم هو قانون الأحوال الشخصية، الذي يعطي لكل مذهب قوانينه الخاصة، ويميّز بين اللبنانيين، ويجعل من قضايا الطلاق والميراث مرهونة برغبة السلطات الدينية التي تملك صلاحيات واسعة واستنسابية فتختلف النظرة والقرار في نفس القضايا بين رجل دين وآخر.

هي ليست المرة الأولى التي تُطرح مسألة الزواج المدني في لبنان، بل إن الموضوع طرح مرات عديدة منذ إنتهاء الحرب ولغاية اليوم، إذ طرحه لأول مرة بعد الطائف الرئيس الأسبق الياس الهراوي عام 1998، وتمكّن من إقناع أكثرية الوزراء بالتصويت لصالح المشروع، إلا أن رئيس الحكومة آنذاك، رفيق الحريري، وضع فيتو على المشروع، بعد تحريض وشجب واستنكار قامت به السلطات الدينية في البلاد.

عام 2013 طُرح الموضوع مجدداً، فأعلن الرئيس الأسبق سعد الحريري تأييده له ورفض تكفير الناس، ثم طرحته الوزيرة ريا الحسن عام 2019، إلا أن ردّة الفعل كانت عنيفة وقاسية وتخوينية أيضاً، علماً أن ما هو مطروح سابقاً واليوم، هو الزواج المدني "الاختياري"، الذي يعطي الحق لمن يريد بأن يعقد زواجاً مدنياً أن يقوم به في لبنان بدل أن يسافر ويعقده في الخارج ثم يأتي به الى لبنان.

إن اعتراف السلطات اللبنانية بالزواج المدني المعقود في الخارج، والرفض المستمر للسلطات الدينية بعقده في لبنان، يعني أن هذا الرفض سيبقى حصراً سارياً على الطبقات الفقيرة التي لا تستطيع السفر للخارج لعقد زواج مدني في ما لو ارادت ذلك. علماً أن عقد الزواج لن يغيّر الكثير، إن لم يحصل تطوير موازٍ لقوانين الاحوال الشخصية، التي تميّز بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات، ولا تساوي بينهم.

بالمحصلة، إن طرح مسألة الزواج المدني اليوم في ظل أزمات اقتصادية وأزمة رغيف وبنزين ومآسٍ احتماعية، تبدو ترفاً سياسياً، إلا إذا كان مَن طرح السؤال على النواب الجدد في حلقة تلفزيونية أراد إغراقهم سياسياً وتأليب شارعهم ضدهم، خاصة أنه على علم بأنه موضوع "شائك جداً" لم يستطع سياسيون مخضرمون وثابتون في قواعدهم كالرئيس رفيق الحريري وبعده سعد الحريري والوزيرة ريا الحسن من الوقوف في وجه موجة تخوين شعبية بتحريض من السلطات الدينية، والذي استدعى رداً من الوزير وليد جنبلاط الذي قال حينها "هل بالإمكان أن ندلي برأينا حول الزواج المدني من دون التعرّض للتكفير؟ كفى استخدام الدين لتفرقة المواطنين".. والسؤال المطروح اليوم، هل كان هذا السؤال على النواب الجدد، وقبل وصولهم الى الندوة البرلمانية لاستلام مقاعدهم، بريئاً أم مكيدة سياسية مبكرة؟

  

2022/05/18

قراءة موضوعية في انتخابات لبنان

 

 

انتهت الانتخابات النيابية اللبنانية بهدوء سياسي وشعبي وأمني لافت، يؤكد قدرة لبنان والدولة اللبنانية أن على تخطي الانهيار وعودة الانتظام الى المؤسسات في ما لو كان هناك إرادة سياسية بذلك.

 

واقعياً، وبالرغم من كل التضليل الاعلامي والاهتمام العالمي بالانتخابات النيابية اللبنانية، ومسارعة وسائل الاعلام اللبنانية والغربية والعربية الى إعطاء نتائج وتحليلات وإسقاطات سياسية، حتى قبل صدور النتائج، فإن قراءة دقيقة للنتائج والأصوات وحجم الكتل، تعطي المؤشرات التالية:

 

1خسارة الأغلبية النيابية:

 

حصد حزب الله والتيار الوطني الحر والحلفاء، عام 2018 غالبية نيابية قوامها 71 مقعداً، تراجعت هذه الحصة اليوم الى 61 نائباً (تختلف التقديرات، البعض يقول 64).

 

في النتائج، لقد احتكر الثنائي (حزب الله، حركة أمل) المقاعد الشيعية بشكل كامل، وخسر حلف المقاومة الحلفاء الدروز بشكل كامل، وحافظ الحليف المسيحي على قوته، كما حافظ حلف المقاومة على نسبة مقبولة من الحلفاء السنّة. بالمقابل، ازدادت قوة معارضي المقاومة من المسيحيين والسنّة، واحتفظ جنبلاط بكتلته بدون تغيير.

 

وبين تلك القوى السياسية التقليدية المتصارعة، تشكّلت كتلة وازنة قوامها 15 نائباً من المجتمع المدني، لكنها متباينة فكرياً وسياسياً من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، ومن مطالبين بنزع سلاح المقاومة الى مؤيدين لبقائه الى منخرطين بالمقاومة.

 

في تحليل الأرقام، خسرت الغالبية النيابية السابقة بعضاً من مقاعدها، لكن لا يمكن القول أن الغالبية النيابية تلك قد خسرت 10 مقاعد بالكامل. عملياً، تناقصت الغالبية قبل الانتخابات بكثير، تحديداً بعد ثورة 17 تشرين الأول/أوكتوبر 2019، حيث انسحب العديد من النواب ممن كانوا يُحسبون من ضمن هذه الغالبية (على الأقل 5 نواب) وانضموا الى صفوف الثورة، ما يعني أن الغالبية النيابية لم تنطلق في هذه الانتخابات من رقم 71 بل من رقم 66. علماً أن جميع النواب الذين انسحبوا وانضموا للثورة (باستثناء شامل روكز) قد عادوا ونجحوا في هذه الانتخابات، واحتسبوا ضمن "الشخصيات السياسية المستقلة".

 

2مفاجأة التيار الوطني الحر

 

لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن يحافظ التيار الوطني الحر على كتلة وازنة كبيرة، بل كان التقدير ان التيار لن يصمد في حساب الشعب اللبناني وأنه سينهار كلياً في انتخابات تمّ التمهيد لها عبر ثورة، وسنوات من الحرب الاعلامية والتنمر والوشايات، وصرف الأموال والضغوط الاقتصادية والدولية والعالمية، بالإضافة الى انهيار اقتصادي ومالي وانفجار المرفأ، وتحميل رئيس الجمهورية والعهد مسؤولية خراب نتيجة 30 سنة من سياسات الفساد والنهب المنظّم للخزينة العامة.

 

المفاجأة تمثلت في أن التيار لم يصمد فحسب بل حصد كتلة وازنة قوامها 21 نائباً، وهي تعد الكتلة الأكبر في البرلمان اللبناني.

 

3تقدم القوات اللبنانية

 

تقدمت القوات اللبنانية في هذه الانتخابات وحصدت كتلة نيابية وازنة تنافس كتلة التيار الوطني الحر وتوازيها تقريباً.

 

لكن الأمر لم يشكّل مفاجأة للمراقبين والمطلعين على سير الانتخابات في لبنان، فلقد كانت القوات الحزب الأكثر تمويلاً في الانتخابات النيابية، بالاضافة الى تلقيها دعم علني ومباشر من السفير السعودي وليد البخاري الذي  استخدم علاقاته ونفوذ المملكة مع السياسيين ورجال الدين السنّة  لدعم القوات، ثم جال بنفسه على الأقضية لحصد الدعم للوائح القوات، وإجبار المرشحين السنّة على اللوائح المقابلة على الإنسحاب تأميناً لحواصل أكبر للكتلة القواتية.

 

عملياً، استفادت القوات من تغييب الرئيس سعد الحريري عن الساحة السياسية، إذ لم تكن تستطيع أن تحصد هذا الكمّ من الاصوات السنية الداعمة للوائحها، لو كان هناك لوائح منافسة لتيار المستقبل. اللافت أن السنيورة الذي أوكل بمهمة إنهاء دور آل الحريري في السياسية اللبنانية، قد تلقى خسارة مدوية حيث لم تستطع لوائحه أن تحصد أي مقعد نيابي.

 

4الثنائي: حزب الله وحركة أمل

 

انتشرت في الاعلام الغربي والمحلي تقارير تفيد بتراجع حزب الله في هذه الانتخابات وأن النتائج تشير الى فقدانه الدعم الشعبي.

 

إن التدقيق بأرقام المقاعد والأصوات التي نالها حزب الله، تشير الى أن كتلته زادت عددياً هذا العام عن العام 2018، بالإضافة الى حصوله على أعلى نسبة أصوات تفضيلية على صعيد لبنان، وعلى عدد أصوات أكثر من عام 2018.

 

لقد استطاع الحزب أن يحوّل المعركة الى معركة "حماية المقاومة" وتصويت "ضد حرب تموز سياسية"، فاستنفر الجمهور الشيعي للتصويت بكثافة. أما حركة أمل فلقد خسرت مقعدين، وخسر الرئيس بري حلفاءه من خارج كتلة حركة أمل، فسقط الفرزلي وفيصل كرامي وابراهيم عازار وأسعد حردان، والصيرفي مروان خير الدين وغيرهم.

 

5مفاجآت الساحتين السنية والدرزية

 

بالطبع حصل خلط كبير للأوراق في الساحتين السنية والدرزية، إذ أن غياب تيار المستقبل سمح بوصول فسيفساء من الاتجاهات الفكرية والسياسية الى الندوة البرلمانية ضمن المقاعد السنّية. بشكل عام، لقد توّسع حجم التيار العروبي في هذه الانتخابات في كل الدوائر ذات الغالبية السنّية... أكبر المفاجآت كانت في صيدا، حيث حققت لائحة أسامة سعد والبزري انتصاراً كبيراً بحصولها على 3 مقاعد في دائرة صيدا- جزين.

 

أما على الساحة الدرزية، فلقد استطاع المجتمع المدني إخراج قيادات درزية عريقة من البرلمان اللبنانية (طلال إرسلان ووئام وهاب)، وهكذا خسرت المقاومة حلفاءها في الساحة الدرزية بالكامل.

 

في الخلاصة، يبدو أن تركيبة البرلمان اللبناني المتنوعة ودخول قوى جديدة الى البرلمان اللبناني، ستعطي دفعاً أكبر لقوى المجتمع المدني للترشح عام 2026. لكن على الصعيد السياسي، يُتوقع أن أن يكون هناك خلط كبير للأوراق واصطفافات سياسية تتوسع وتضيق بحسب الموضوع ورغبة الداعمين الخارجيين.

2022/05/16

لماذا لم تنجح ثورة لبنان في التغيير؟


ينتظر اللبنانيون صدور النتائج النهائية للانتخابات النيابية، حيث تتقاسم القوى السياسية غالبية المقاعد النيابية، بينما استطاعت قوى الثورة أن تحقق بعض الاختراقات لكنها ليست كافية للتغيير الجذري في لبنان.

وهنا، يبرز التساؤل: لماذا لم تستطع ثورة لبنان النجاح كما ثورة مصر وأوكرانيا على سبيل المثال؟

في كل الثورات في العالم، تشكّل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفساد وغياب المحاسبة والشفافية عوامل تؤدي الى انفجار اجتماعي يتجلى في تظاهرات وإضرابات، وتتراكم لتصبح ثورة من المفترض أن تطيح بالسلطة وتأتي بأخرى.

لا تنفصل العوامل الداخلية عن العوامل الخارجية التي تدعم الثورة أو تطيح بها في مهدها، فإما أن يكون هناك دعم وتشجيع للثورة من الخارج فتحظى بمساعدة إقليمية ودولية، أو يكون الخارج ضدها فيساهم مع السلطة في "ضبط الاستقرار".

وكما كل الثورات الأخرى، لا تنفصل ثورة لبنان في 17 تشرين الأول 2019، عن السياق العام للثورات، حيث تراكمت العوامل الداخلية، وترافقت مع دعم أميركي وغربي واقليمي لقوى الثورة، وانخرطت الأحزاب في الثورة كما يحصل في الثورات عامة. لكن بعكس العديد من الثورات الأخرى التي دعمها الخارج ونجحت في الاطاحة بالسلطة، لم تستطع ثورة لبنان أن تحقق الاهداف المفترض بها أن تحققها.

الأكيد أن هناك العديد من العوامل الداخلية التي أعاقت نجاح الثورة في لبنان، لكن في إطار الدعم الخارجي،إن مراجعة الثورات التي دعمتها الولايات المتحدة الأميركية، نجد أن ما افتقدت له ثورة لبنان بينما نجحت الأخرى هي:

-      دور الجيش:

يستشف من العديد من الثورات أو حراك التغيير في العالم ومنها في مصر، أن الجيش عادة ما يكون هو المحرك للتغيير فإما يمنعه أو يساهم فيه. سواء في الثورة الأولى في مصر، التي دعمها الأميركيون، والتي استطاع الاخوان أن يسيطروا عليها وحوّلوها لصالحهم، أو في الثورة الثانية التي أطاحت بالأخوان وأتت بالسيسي رئيسًا (وقفت السفيرة الأميركية ضد الثورة الثانية الى آخر لحظة)، كان الجيش المصري اللاعب الأقوى في التغيير في مصر.

عملياً، لا قدرة ولا إمكانية للجيش اللبناني للعب دور من هذا النوع. قوة الجيش اللبناني مستمدة من بقائه على الحياد والمحافظة على وحدته في ظروف مصيرية وأحداث كبرى، كثورة 17 تشرين وسواها.

-      بالرغم من أن العديد من مواقع الثورة في لبنان وناشطيها، سوّقوا إمكانية تحقيق النجاح في لبنان أسوة بما حصل في أوكرانيا عام 2014، إلا أن ثورة لبنان لم تستطع تقليد ثورة أوكرانيا عام 2014، حيث قام اليمين المتطرف القومي في أوكرانيا بحمل السلاح في مواجهة أخصامه وقام بانقلاب عسكري أطاح فيه بالرئيس الاوكراني تحت مسمى الثورة.

لم يكن من الممكن تسليح الثوار في لبنان، بسبب فائض ميزان القوى العسكري غير المتكافئ في لبنان، بالاضافة الى أن وجود السلاح والاتجاه الى الاقتتال، كان سيدفع اللبنانيين الى نبذ الثورة وكل ما يمت لها بصلة، إذ لم ينسَ اللبنانيون مشاهد الحرب الاهلية بعد، والغالبية غير مستعدة لزجّ أبنائها في معارك شوارع واقتتال أهلي مهما كانت الاسباب.

 

2022/05/12

انتخابات لبنان: هل يكرر المستقبل تجربة 1992؟

 

مباشرة بعد انتهاء الحرب في لبنان وإقرار إتفاق الطائف عام 1990، دعت السلطات الجديدة في لبنان الى انتخابات نيابية، بعد توقف قسري لمدة عشرين عاماً بسبب الحرب (جرت آخر انتخابات  قبل الحرب عام 1972).

 

قاطع المسيحيون الانتخابات النيابية عام 1992، معتبرين أنها تجري في ظروف تهمّش ممثليهم الحقيقيين، وهم بالتالي لا يريدون إعطاء شرعية لسلطة لبنانية فرضتها الوصاية السورية. وبالفعل، استطاع المسيحيون فرض مقاطعة شاملة في معظم المناطق اللبنانية، لدرجة أن إحدى المرشحات نجحت في جبيل،  بـ 40 صوتاً فقط.

 

اليوم، يطمح اللبنانيون من مؤيدي وأنصار تيار المستقبل أن يكرروا تجربة المقاطعة لعام 1992، وأن تؤدي هذه المقاطعة الى إعادة الاعتبار للرئيس سعد الحريري، وعودته الى الحياة السياسية في لبنان، زعيماً سياسياً لا يمكن تخطيه في الطائفة السنّية.

 

قياساً على تجربة المسيحيين في مقاطعة الانتخابات في لبنان، هل يستطيع تيار المستقبل تكرار التجربة في لبنان، وما هي مفاعيلها؟

 

واقعياً، من الصعب على تيار المستقبل أن يفرّض مقاطعة سنّية شاملة كالتي حصلت في الساحة المسيحية عام 1992، وذلك للأسباب التالية:

 

-      لقد انخرطت بكركي في الدعوة الى المقاطعة عام 1992، بينما دعت دار الفتوى في لبنان الى عدم المقاطعة. بالاضافة الى قيام العديد من قيادات المستقبل ونوابه السابقين بالترشح، وقيام السنيورة -بدعم من السفير السعودي في لبنان- بمحاولة التنطح لوراثة الحريرية وفرض نفسه "رئيس حكومة" بعد الانتخابات، في حال استطاعت قوى 14 آذار و"التغييريين" الحصول على الغالبية النيابية، بحسب ما سوّقت ماكينات القوات اللبنانية.

 

المفارقة، أن حال السنيورة وريفي ونواب المستقبل السابقين اليوم يشبه حال بعض القيادات المسيحية التي تنطحت للحلول مكان الزعامات المسيحية بدعم من السوريين خلال التسعينات، ونذكر على سبيل المثال، السيدة نايلة معوّض (والدة النائب المستقيل المدعوم أميركياً ميشال معوّض)، والسيدة نهاد سعَيد (والدة الدكتور فارس سعيد) والتي قاطعت الانتخابات بداية، ولكنها كانت ذات حظوة لدى السوريين لدرجة أنها استطاعت أن توقف ترقية أحد الضباط في الجيش اللبناني (العميد ميشال كرم) وعدم قبول استقالته بغية حرمانه من الترشح للانتخابات النيابية في آب / أغسطس عام 2000 لئلا يشكّل خطراً على نيابة أبنها الدكتور فارس سعيد، وهو ما حصل بالفعل. (يُذكر أن كرم استعاد حقّه بقرار من مجلس شورى الدولة العام الماضي).

 

-      تتراجع الآمال بإستعادة تجربة المقاطعة الشاملة للانتخابات في لبنان التي حصلت عام 1992، وذلك بسبب الكمّ الهائل من الضخّ المالي والدعم الخارجي المادي والسياسي الواضح، وتصرف دبلوماسي غير مسبوق، حيث يجول السفير السعودي في لبنان وليد البخاري على المناطق لحثّ رجال الدين والسياسيين السنّة على دعوة الناس الى الإقتراع وعدم المقاطعة، ودعوة الناخبين للاقتراع للوائح المدعومة من قبله، خاصة لوائح القوات اللبنانية والسنيورة.

 

-      سيكون للمال الانتخابي تأثير على قدرة المستقبل على فرض المقاطعة الشاملة بالاضافة الى الممارسات "الفاشية" غير المسبوقة التي تمارسها بعض القوى لترهيب اللبنانيين بلقمة عيشهم وبحياتهم ومستقبلهم، ما قد يدفع العديد من مناصري تيار المستقبل في لبنان والدول الخليجية الى الذهاب مرغمين للتصويت للوائح القوات اللبنانية.

 

بالرغم من كل الموبقات التي قامت بها الميليشيات والقوى السياسية اللبنانية في تاريخها، لم يحصل أن تقوم بعض القوى بممارسة "النميمة والوشاية" على أبناء وطنهم لطردهم من عملهم أو سوقهم الى السجن وترحيلهم من الدول العربية، لمجرد الإختلاف في الرأي السياسي. ومع اقتراب موعد الانتخابات، بدأ اللبنانيون في لبنان والخارج يخشون المجاهرة برأيهم السياسي خوفاً من الوشاية فالطرد من البلدان التي يعملون فيها عقاباً لهم على مواقفهم السياسية.

 

 

 

بالنتيجة، لا شكّ أن من حقّ تيار المستقبل استخدام كافة الوسائل المشروعة لتحقيق أهدافه ولإعادة الاعتبار الى رئيسه سعد الحريري، والمقاطعة حقّ مشروع ووسيلة قانونية. لكن، برأيي، وبغض النظر عن حجم المقاطعة التي ستحصل، لن تستطيع (المقاطعة الشاملة إذا حصلت) بإعادة فرض الحريري في المعادلة اللبنانية إذا لم تسمح له المملكة العربية السعودية بذلك.

 

لقد جرّب المسيحيون المقاطعة الشاملة، ولم يستطيعوا أن يوقفوا القطار السياسي الذي كان يمشي في لبنان برضى اقليمي(سوري -سعودي) ودولي (أميركي)، لذا لم يكترث أحد لمقاطعتهم، فعادوا وشاركوا عام 1996 وما تلاها، واستمرت المقاطعة حكراً على الملتزمين بفكر العماد ميشال عون وبعض القواتيين حتى عام 2005.

 

عملياً، بالاضافة الى الوشايات التي قامت بها القوات اللبنانية ضده في المملكة، يدفع الحريري ثمناً للغضب السعودي جرّاء فشل سياستهم في تحجيم حزب الله في لبنان، واتهام حزب الله بالتأثير على خططهم في اليمن، وبأن مساعدته للحوثيين والدعم الايراني هما السبب في فشل الحرب السعودية على اليمن. لقد حاول الحريري وبمساعدة دولية، تخطي هذا الغضب ولم يستطع، لذا من الصعب ان تؤدي الضغوط الشعبية اللبنانية (مهما بلغ حجمها) الى عودة ولي العهد السعودي عن قراراه بإنهاء الحريرية السياسية.

  

2022/05/09

انتخابات لبنان: ماذا بعد تشظي المستقبل والثورة؟

 

بدأت المرحلة الأولى من الانتخابات النيابية اللبنانية في الخارج، معلنة طي مرحلة الخشية على مصير الانتخابات والتي كان كثيرون يخشون افتعال إشكالات وفوضى أمنية لتأجيلها أو لإلغائها.

 

وفي ظل الحماوة الانتخابية، يبدو مشهد التنافس الانتخابي والحماوة الخطابية والاتهامات المتبادلة مشهداً طبيعياً عاشه اللبنانيون في فترات الانتخابات السابقة، لكن الانتخابات الحالية تتميز – استثنائياً- بما يلي:

 

1معارك داحس والغبراء بين لوائح المسماة "تغييرية"

 

يطغى على المشهد الانتخابي التنافس والتخوين بين لوائح المجتمع المدني أو من يسمون أنفسهم "تغييريين"، والذين تبلغ نسبة لوائحهم نحو 60% من مجموع اللوائح في لبنان.

 

يعد هؤلاء اللبنانيين بالتوحد بعد الانتخابات والسير بمشروع واحد في المجلس النيابي في حال وصولهم الى السلطة، لكن الخطابات الانتخابية والتخوين الذي يمارسونه ضد بعضهم اليوم يجعل من الصعب تحقيق الوحدة في المستقبل، بل يبدو الامر أشبه بالوعود الانتخابية الأخرى، والتي تشبه "بيع الاوهام" للبنانيين.

 

2محاولة شطب الحريري من المعادلة السياسية

 

بسبب موقفه من مقاطعة الانتخابات ترشيحاً واقتراعاً، يتعرض سعد الحريري لحملة واسعة النطاق من قبل قوى 14 آذار وخاصة القوات اللبنانية، وصلت الى حد التخوين والاتهام بخدمة ح ز ب الله. وقد دخلت الرياض على خط التخوين والهجوم حين قامت الصحف السعودية بإطلاق صفة "الجيفة السياسية" على سعد الحريري، واتهامه "بالتشيع السياسي"، وأنه بات يشبه الايرانيين.

 

يخوض محبو سعد الحريري وجمهوره الوفي اليوم، معارك على جبهات عدّة، أهمها:

 

-      ضد الاعلام الخليجي الذي بالغ في التطاول على كرامة الحريري.

 

-      ضد القوات اللبنانية التي يتهمونها بالخيانة وبالغدر، ويذكرون مراحل الغدر القواتي فيعودون بالذكرى الى 7 أيار، حين واجه الحريري وتهربت القوات وأشرف ريفي من المعركة، بحسب قولهم. ثم يدرجون سلسلة من المواقف لجعجع، محملينه مسؤولية اعتقال الحريري في الرياض عام 2017.

 

-      ضدّ السنيورة وأشرف ريفي وآخرين من المرشحين السنّة ممن يتهمونهم  بأنهم خانوا تيار المستقبل ورئيسه.

 

وفي هذا الإطار، يُنتظر من هذه الانتخابات أن تحدد موقع الحريري في السلطة مستقبلاً. فإن استطاع التأثير على الناخبين السنّة عاطفياً ودفعهم الى مقاطعة الانتخابات بشكل كبير، يبقى أمل – ولو ضعيف- بأن يكون قادراً على العودة الى الساحة السياسية متسلحاً بتفويض شعبي غير معلن (تكمن المشكلة الأساسية في موقف ولي العهد السعودي من عودته)

 

واقعياً، تبقى العوائق أمام الحريري لفرض المقاطعة: المال الانتخابي الذي يُصرف بوفرة في ظل أزمة اقتصادية خانقة يعاني منها الجميع، بالاضافة الى كثرة المرشحين السنّة وتعدد اللوائح الانتخابية التي يمكن أن تستقطب من هنا وهناك بحيث تجعل المشاركة السنية عالية النسبة.

بالنتيجة، يتجه لبنان الى انتخابات مصيرية بلا شكّ، فالغالبية التي ستفرزها صناديق الاقتراع  ستنتخب رئيس الجمهورية اللبنانية القادم وسيكون لها الكلمة الفصل في تشكيل الحكومات، وأمامها مهمات كبرى، منها ترسيم الحدود البحرية، التدقيق الجنائي وإقرار خطة التعافي المالي، وتوزيع الخسائر، والتفاوض مع صندوق النقد الدولي، ، عودة النازحين السوريين، هذا عدا عن استحقاقات التسوية في المنطقة.

  

2022/05/07

هل صدر القرار بإنهاء الحريرية السياسية للأبد؟

 

لم يكن التصويب الذي قامت به صحيفة عكاظ السعودية على سعد الحريري على مدى أيام متتالية، ونعته بـ "الجيفة السياسية" سوى إنعكاس لمسيرة طويلة من التصويب على الرجل وحشره، منذ إعتقاله في السعودية في تشرين الثاني من عام 2017، ولغاية اليوم.

 

يتهم أنصار تيار المستقبل، سمير جعجع بالوشاية على سعد الحريري في السعودية أدّت الى اعتقاله في ذلك الحين، ويقولون أن الاجماع اللبناني على المطالبة بعدم قبول استقالة الحريري من الرياض، و الذي اعتمده الرئيس عون، لم يخرقه سوى موقف القوات اللبنانية التي أعتبرت الاستقالة منتهية ونافذة، وأن رفضها من قبل الرئيس عون هو تخطٍ للدستور اللبناني وانتهاك له.

 

لا يحسد سعد الحريري ولا محبيه وجمهوره على الموقف الذي يجدون أنفسهم به على أبواب الانتخابات النيابية، فلا تكتفي باتهام للحريري بـ "العمالة لإيران وحزب الله"، وأن "المقاطعة" تخدم الحزب والتيار، بل هناك ضغوط من هنا وهناك لإعطاء التوجيهات للتصويت للوائح سمير جعجع لإكسابه زعامة سنية، تحل محل زعامة الحريري.

 

لا شكّ أن الحياة عبارة عن مجموعة من الخيارات التي نتخذها في مواجهة الظروف التي نجد أنفسنا بها، وعليه، إن ما يعانيه الحريري اليوم هو نتيجة لخيارات "انقلابية" في السياسة قام بها، أدّت الى ما أدّت إليه، وهي على الشكل التالي:

 

1- التحالف الرباعي 2005 والانقلاب عليه 2008:

 

مباشرة بعد اغتيال والده، تسّلم الحريري الشاب غير المخضرم سياسياً مسؤولية تيار شعبي على مساحة لبنان. فانخرط كما جماعات 14 آذار الأخرى في التحالف الرباعي (تحوّل الى سداسي) في انتخابات لبنان النيابية لعام 2005، مستثمرين في دماء الحريري الأب، ومتهمين بأن كل من يصوّت ضد هذه اللوائح إنما يصوّت لقتلة الحريري، فحصد هذا التحالف(14 آذار والثنائي الشيعي) الغالبية النيابية في تلك الانتخابات.

 

وبعد الانتخابات، انقلب الحلفاء على حليفهم الانتخابي - حزب الله، وساندوا الحرب الاميركية – الاسرائيلية لنزع سلاح الحزب عام 2006، وكان السنيورة والعديد من القوى البارزة في تيار المستقبل مع قوى 14 آذار الأخرى، على تنسيق مع وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس التي اعتبرت حرب تموز هي "مخاض ولادة الشرق الأوسط الجديد".

 

وبعد فشل الحرب في تحقيق أهدافها، وفشل القدرة على تسويق "نقاط السنيورة السبعة" للتسوية التي كانت تريد ان تأخذ من لبنان ما لم يستطع أن يأخذه الاسرائيلي بالحرب. انتقل الأميركيون الى الخطة (ب) لنزع سلاح حزب الله، وهي تأليب القوى الداخلية على الاطاحة بحزب الله، فكانت قرارات 5 ايار التي تلاها 7 أيار 2008.

 

2- الانخراط في الحرب السورية:

 

لطي صفحة الخلافات والصفحة السوداء التي تلت اغتيال الحريري الأب، قام سعد الحريري بزيارتين الى سوريا (2009 و2010)، وألتقى الرئيس السوري بشار الأسد، مبشراً بفجر جديد للعلاقات بين البلدين.

 

لم تكد الحرب تبدأ على سوريا، حتى انخرط تيار المستقبل فيها دعماً للمجموعات المسلحة، تدريباً وتسليحاً وتسهيلاً لوصول العتاد وتأميناً لمأوى وغطاء لتلك المجموعات سواء في طرابلس وعرسال وسائر المناطق اللبنانية التي للمستقبل نفوذ واسع فيها.

 

لاحقاً، انقلبت موازين القوى في سوريا لصالح الدولة السورية وتمّ إنهاء بؤر الارهاب في لبنان، لكن بقيت سياسات قوى 14 آذار والمستقبل معاندة لاي انفتاح وتنسيق لبناني مع دمشق، ما فوّت على اللبنانيين القدرة على إعادة النازحين وحلّ الكثير من القضايا العالقة والتي تفيد لبنان مالياً واقتصادياً.

 

3- الانخراط في التسوية 2016 والانقلاب عليها 2019:

 

كانت التسوية التي عقدها جبران باسيل مع سعد الحريري والتي قضت بوصول رئيس الجمهورية ميشال عون الى سدة الرئاسة مقابل وصول الحريري الى رئاسة الحكومة، المنقد والخلاص للحريري بعد سلسلة من الاخفاقات السياسية والمادية والافلاس المالي. واقعياً، كبّلت التسوية والآليات التوافقية وموازين القوى داخل الحكومة رئيس الجمهورية وتياره وحدّت من قدرتهم على تطبيق أي برنامج إصلاحي كانوا يعدون الناس به.

 

في السنة التي تلت الانتخابات الرئاسية في لبنان، انحسب التغيير الذي حصل في الولايات المتحدة على منطقة الشرق الاوسط، وكسب ولي العهد السعودي غطاءً من الرئيس دونالد ترامب للقيام حملة تطهير شاملة في المملكة، كان أحد ضحاياها سعد الحريري نفسه، الذي استطاع بفعل الدعم اللبناني والضغط الدولي الخروج  من السعودية والعودة الى لبنان.

 

 وفي لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، حيث اعتمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسة هجومة كاسحة في الشرق الأوسط، هدد بومبيو اللبنانيين بـ "مواجهة حزب الله أو الأزمات الاقتصادية"، فكانت ثورة 17 تشرين الأول 2019 إحدى تداعياتها.

 

أدرك الجميع أن التيار الوطني الحر وحزب الله هم المستهدفون بشكل أساسي في تلك الثورة، فخرج الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، ليدعم كل من "العهد والحكومة". صمد العهد ورئيسه أمام كل حملات الهجوم والتخوين والشيطنة، لكن سعد الحريري استقال بدون التشاور مع حلفائه، ممنياً النفس بالعودة على حصان "الثورة" الأبيض، بعد أن يكون قد تخلص من التسوية ومن حليفه جبران باسيل. لكن الخطة فشلت وابتعدت فرص الحريري بالعودة الى رئاسة الحكومة.

 

إذاً، هي سلسلة من الخيارات التي قام بها سعد الحريري أدّت الى ما أدّت إليه سواء على صعيد لبنان أو على صعيد تيار المسقبل. ولا شكّ أن انخراط الحريري في "الانقلاب" الذي كان محضراً له في 17 تشرين الاول 2019، ودخول لبنان في الانهيار الذي سببه تراكم 30 سنة من السياسات الحريرية الاقتصادية والمالية الريعية، وفساد مستشري حيث تمّ نهب خزينة الدولة ومال المودعين في المصارف على مدى عقود، عمّق أزمته السياسية التي تتجلى اليوم، بشيطنة له من قبل السعودية وقوى 14 آذار والسنيورة نفسه، والتي قد تتوّج بضغوط على الحريري "تجبره" على المساهمة في تنصيب جعجع زعيماً للسنّة في لبنان، ما يعني انتهاء الحريرية السياسية للأبد.

 

2022/05/04

لبنان على أبواب الانتخابات: ظواهر وأوهام سياسية

 

سرت العديد من التكهنات بأن هناك بعض الأطراف الخارجية والداخلية تسعى الى تأجيل الانتخابات النيابية، بسبب تأكدها من عدم القدرة على التغيير الفعلي في نتائج الانتخابات النيابية، وعدم القدرة على قلب موازين القوى لصالحها.

 

ولقد تبادلت الأطراف السياسية الاتهامات بالسعي الى هذا التأجيل، وذكرت العديد من التقارير الصحفية أن الفوضى الأمنية باتت أمراً مطلوباً لهذا الغرض. وقد ردّ حزب الله – المتهم من قبل قوى 14 آذار والسفارات الغربية بأنه يسعى لتأجيل الانتخابات- بأن الانتخابات "يجب أن تحصل، وفي موعدها" وأن الـتأجيل (المرغوب أميركياً- بحسب رأيه) لا يمكن أن يمر.

 

اليوم، وقبل أقل من أسبوعين على الانتخابات، يبدو أن حظوط التأجيل قد تراجعت، وبات الجميع يتصرف وكأن الانتخابات حاصلة لا محالة، وأن التأجيل ليس خياراً مطروحاً على الطاولة. وفي خضّم هذه الحماوة الانتخابية، يسيطر على المشهد الانتخابي، الظواهر السياسية التالية:

 

1تشظي تيار المستقبل

 

بالرغم من قرار تيار المستقبل ورئيسه سعد الحريري بمقاطعة الانتخابات ترشيحاً واقتراعاً، إلا أن العديد من قيادات المستقبل تمردت على قرار قيادتها وأعلنت ترشحها وشكّلت لوائح خاصة بها، وقام السنيورة بتشكيل لوائح (بالتحالف مع القوات اللبنانية) ودعمها في جميع المناطق التي فيها كتل سنّية وازنة.

 

وعليه، يبدو أن تصويت الناخبين السنّة سيتوزع بين لوائح شخصيات تيار المستقبل السابقة كمصطفى علوش وسواهم، ولوائح القيادات السنيّة من ضمن 8 آذار، ولوائح المجتمع المدني، لوائح القوات المدعومة من السنيورة الخ.. ما يعني ان هذه الانتخابات (وبغض النظر عن الارقام والأحجام) ستفرز تعددية في مراكز القرار داخل الطائفة السنية، وأن زمن هيمنة قوى سياسية معينة على الغالبية العظمى من مقاعد الطائفة السنية، واحتكار قرارها السياسي قد ولّى.

 

2تضخيم حجم القوات اللبنانية

 

لا شكّ أن القوات اللبنانية تتمتع بفائض مالي وإعلامي كبير جداً، يسمح لها بهامش إعلاني ضخم حول قوتها وإتساع نفوذها على مساحة الوطن. ولقد بدأت حملة تضخيم حجم القوات منذ ما بعد انتخابات عام 2018، من قبل القوات أنفسهم بالاشتراك مع بعض إعلاميي وقوى 8 آذار، حين اعتبروا أن حصول القوات وحلفائها على 16 مقعداً هو فوز ساحق للقوات، بينما حصول التيار الوطني الحر وحلفائه على 29 مقعداً، هو خسارة مدوية.

 

اليوم، يطغى على المشهد الاعلامي صورة مضخمة للقوات وحجمها، علماً إن التدقيق في تحالفات القوات اللبنانية، يشير الى أن مَن تحالفوا مع القوات من القوى السياسية (الاشتراكي، السنيورة) قد قاموا بذلك بناءً على رغبة المملكة العربية السعودية، بينما تنصل الاشتراكي من هذا التحالف حيث استطاع. ولقد رفضت قيادات المستقبل التحالف مع القوات في المناطق بالرغم من كل الضغوط.

 

الأكيد أن الفائض الكبير في القوة المالية والدعم السياسي الخليجي يسمح للقوات بهامش جيد في الانتخابات، علماً أن القوات قد تعرضت لعدّة نكسات انتخابية، منها انسحاب المرشحين الشيعة من لائحة بعلبك الهرمل، وعدم قبول لائحة الاشتراكي – القرعاوي لضمّ القوات في دائرة البقاع الغربي- راشيا، وإنسحاب القوات ترشيحاً واقتراعاً من دوائر الجنوب الثانية والثالثة ودعوتها الناس الى المقاطعة في تلك الدوائر، في الوقت الذي تقول فيه أوساط المجتمع المدني أن دعوة القوات للمقاطعة هي ضدها وليست ضد الثنائي الشيعي.

 

3انعدام فرص "التغيير المدني"

 

أظهرت الانتخابات أن ما قيل عن "قيادات مدنية تغييرية" ستغيّر في مسار السياسة في لبنان، وتؤسس لبناء دولة مدنية قوية وعادلة تحفظ حقوق مواطنيها، ما هي إلا شعارات "ثورية" إعلامية سرعان ما انكشفت على حقيقتها.

 

لقد أظهرت فترة التحضير للانتخابات، أن ما يسمى "قوى الثورة" لم تستطع أن تتفاهم مع بعضها البعض على تشكيل لوائح موحدة، بسبب تباين الرؤى السياسية الجذري بينها من جهة، وطمعها بالمقاعد النيابية من جهة أخرى، واختراقها من قبل الأحزاب السياسية من جهة ثالثة.

 

إن اقتتال مرشحي المجتمع المدني في معارك طاحنة بين بعضها البعض وبينها وبين القوى السياسية، وانكشاف المطامع والارتهان السياسي والخارجي للبعض منها، يجعل القدرة على "الاستثمار في الحنق الشعبي ضد القوى السياسية" للحصول على مقاعد نيابية ولتحقيق خروقات انتخابية صعباً جداً.

 

4تراجع شعبي (مفترض) للتيار الوطني الحر والحزب الاشتراكي

 

ما انفك الاعلام اللبناني والعربي وحتى الأجنبي منذ 17 تشرين الأول 2019، يسوّق لمقولة "خسارة التيار الوطني الحر لشعبيته في مناطقه، وأن قوى الثورة قد سحبت البساط من التيار وأنه لم يعد يتمتع بالشعبية في المناطق المسيحية". ومؤخراً، وبالتزامن مع التحضير للانتخابات، أوردت بعض التقارير الصحفية أن الحزب الاشتراكي أيضاً قد خسر جزءًا من قواعده لصالح الثورة.

 

واقعياً، لا يمكن قياس صحة ودقة هذه الأخبار في نتائج هذه الانتخابات، فالتحالفات، وشخصية المرشحين/ات، والمال الانتخابي يلعب دوراً كبيراً في حجم الأصوات التي يحصل عليها اللوائح والمرشحون أنفسهم.

 

لكن، يمكن أن نشير الى أن أيًا من الحزبين لم يشهدا إنشقاقات هامة بعد 17 تشرين الاول 2019، بل إن ما شهده التيار الوطني الحر من انفكاك بعض الشحصيات السياسية من التحالف معه وانسحابهم من التكتل لا يعكس بالضرورة قواعده الشعبية في الاقضية، بل يعكس مصالح تلك الشخصيات بشكل أساسي وارتهان البعض منها لرغبة السفارات الأجنبية.

 

في النتيجة، مهما يكن من أمر هذه الانتخابات، الأكيد أن وعود التغيير الشامل التي يطلقها البعض كوعود انتخابية، سرعان ما ستتبدد على مذبح الواقعية السياسية، وموازين القوى اللبنانية، وسيعود اللبنانيون الى التسويات، كما في كل تاريخهم، على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب".