2022/07/05

مسيّرات لبنان: كيف تستفيد فلسطين؟

خُلطت الأوراق بعد أن قام حزب الله بإرسال المسيّرات إلى المياه الاقتصادية الخالصة في فلسطين المحتلة، وتحديداً فوق حقل "كاريش"، حيث استقدمت "إسرائيل" باخرة الإنتاج اليونانية، إنيرجين، من أجل بدء الاستخراج بعد أعوام من التنقيب والاستكشاف، تمهيداً لبيع الغاز لأوروبا، بعد توقيع الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي. وتأتي هذه الخطوة اللبنانية بعد رسائل غير مشجّعة تلقّاها اللبنانيون بشأن العروض والتسهيلات التي قدّموها فيما يتعلّق بالتوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية، إذ اعتمدت "إسرائيل" – بدعم أميركي واضح - مبدأ "آخذ كل شي، واقاسمكم في غازكم ونفطكم".

وكما صار واضحاً في موضوع الغاز في المتوسط، فإن "إسرائيل" تطبّق الاستراتيجية نفسها في التعامل مع كل من لبنان وفلسطين، والتي تقوم على ما يلي:

1- منع التنقيب والاستثمار في الحقول اللبنانية والفلسطينية

مبكّراً في عام 1999، تمّ اكتشاف حقل الغاز في مقابل غزة. سُمِّي الحقل باسم "غزة مارين"، ويقع على بُعد نحو 36 كيلومتراً غربيّ غزة. منذ عام 2000، تحاول السلطة الفلسطينية بدء التنقيب عن الغاز في ذلك الحقل، الذي يحتوي على ما يُقَدَّر بأكثر من تريليون قدم مكعب من الغاز، لكنها فشلت في ذلك، بعد أن تعاقدت مع عدد من الشركات الأجنبية، وآخرها "شل"، التي انسحبت، ولم تستطع الاستفادة من العقد الموقَّع بينها وبين السلطة. وعام 2021، وقّعت مصر مع السلطة تفاهماً لاستغلال الحقل، لكن الطرفين لم يصلا إلى توقيع اتفاقية بعدُ.

عملياً، تقوم "إسرائيل" - بدعم من الولايات المتحدة الأميركية - بعرقلة بدء التنقيب والاستكشاف تمهيداً للإنتاج في "غزة مارين"، وهي الاستراتيجية نفسها التي اتّبعتها الولايات المتحدة مع لبنان، بحيث مورست ضغوط على شركة "توتال" وشركائها في الكونسورتيوم الدولي، والتي بدأت التنقيب في البلوك اللبناني الرقم 4، لكن الشركات انسحبت من دون أن تصدر تقريرها، بعد ضغوط دولية خلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب

وكان مساعد وزير الخارجية الأميركي في إدارة ترامب، دايفد شينكر، أعلنها صراحة، في مقابلة صحافية[1]، وقال إن الولايات المتحدة وضعت "تصوراً" لما يجب أن يكون عليه الاتفاق على ترسيم الحدود بين لبنان و"إسرائيل" (إعطاء "إسرائيل" حصة في الغاز اللبناني). لذلك، فإن على لبنان أن يطبّق التصور إذا أراد الاستفادة من الغاز في البحر. كما أعلن الوسيط الأميركي، آموس هوكشتاين، في مقابلة إعلامية، أن على لبنان أن يقبل "أي شيء" يقدَّم إليه، ما دام ليس لديه شيء.

وهكذا، يمنع الإسرائيليون على كل من لبنان وفلسطين استثمار مواردهما البحرية، من أجل إبقاء الأزمات المالية والاقتصادية والنقص في الكهرباء، في كل من لبنان وغزة، لإبقاء الضغوط الاقتصادية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وتنازلات من الطرفين.

2- إثارة النزاعات الحدودية

كما في لبنان، كذلك في غزة، تقوم "إسرائيل" باستغلال الاتفاقيات التي تعقدها مع قبرص لتقليص المساحة اللبنانية والمساحة الفلسطينية إلى أقصى حد، وتوسيع حدودها إلى أقصى حد، من دون الاستناد إلى اي سند قانوني أو علمي يستند إلى قانون البحار.

تحاول "إسرائيل" أن تقضم من الحقول اللبنانية، ومنها حقل قانا، ومن البلوكين 8 و9 اللبنانيين. وبالطريقة نفسها، قامت "إسرائيل" بتقليص مساحة المنطقة الاقتصادية الخالصة لغزة، بحيث أصبح عدد من الحقول الفلسطينية في مقابل غزة، في المنطقة الاقتصادية الخالصة الإسرائيلية، الأمر الذي سمح لها باستثمارها بطريقة منفردة.

3- استثمار الحقول الحدودية وصولاً إلى تجفيفها

تقوم "إسرائيل"، مستفيدة من قدرتها على التنقيب والاستخراج من دون عراقيل أو ضغوط، بالاستفادة من الحقول المشتركة الواقعة مباشرة عند حدود فلسطين المحتلة. هذا ما فعلته في حقل "ماري بي"، الذي تمّ اكتشافه عام 2000، عند الحدود البحرية المشتركة بين "إسرائيل" وغزة، والذي قُدّرت الثروة فيه بـ 1.5 تريليون قدم مكعب. بدأ الإسرائيليون استخراج الغاز منه، وتزويد محطاتهم المحلية عام 2004، حتّى تم تجفيفه عام 2011، باستفادة إسرائيلية مطلقة.

وبالطريقة نفسها تعاملت مع حقل "نوا"، الذي تمّ اكتشافه عام 1999، والذي تشترك "إسرائيل" وقطاع غزة في بنيته الجيولوجية، ويمتد إلى أعماق حدود القطاع البحرية، ويقدَّر مخزونه من الغاز بنحو 3 تريليونات قدم مكعب. بدأت "إسرائيل" إنتاج الغاز منه عام 2012، وما هي إلّا سنوات قليلة حتى تم تجفيفه كلياً من دون أي استفادة فلسطينية منه.

عملياً، هذا ما تنوي "إسرائيل" فعله في حقل "كاريش"، وفي المنطقة الحدودية من فلسطين المحتلة المتنازَع عليها مع لبنان، بحيث يريد الإسرائيلي أن يستغلّ قدرته على بدء الإنتاج، بينما لم يبدأ لبنان التنقيب بعدُ، ليجفف الإسرائيلي الآبار الموجودة في تلك المنطقة بالكامل.

 كيف يستفيد الفلسطينيون من سابقة مسيّرات لبنان؟

لا شكّ في أن "إسرائيل" لا تفهم إلّا لغة القوة، ولا تذهب إلى مفاوضات لتقدّم اي تنازلات، بل لتأخذ أقصى ما تستطيع من الطرف الآخر، مستفيدة من ضغوط خارجية أميركية، وأحياناً أوروبية، لإيصال الطرف الآخر إلى حد توقيع اتفاقيات استسلام وتسليم بالأمر الإسرائيلي.

على هذا الأساس، يمكن للفلسطينيين أن يتحلوا بالشجاعة، ويقتنصوا فرصة حاجة أوروبا إلى غاز شرقي المتوسط، وتوقيع الأوروبيين اتفاقيات لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر، ومن هناك تسييله وإرساله إلى القارة الأوروبية. إنها فرصة الفلسطينيين السانحة في توقيع اتفاقية طال انتظارها مع مصر لاستثمار حقل "غزة مارين"، وبدء التنقيب والاستكشاف فيه، تمهيداً لبيع الغاز في السوق الاوروبية، وتأمين الكهرباء لقطاع غزة

يمكن للبنان وفلسطين الاستفادة من الأجواء الدولية لاستخراج غازيهما. لا يحتاج الأمر سوى إلى شجاعة، وتخلي المفاوض الداخلي، في كل من لبنان وفلسطين، عن الخوف والمصالح الشخصية. إنها فرصة تاريخية، فإمّا يغتنمانها، وإمّا سيبقى الغاز مدفوناً في المتوسط، إلى أن تصبح تكلفة استخراجه أقل من ثمن بيعه في السوق العالمية. 

2022/07/04

مسيرات فوق حقل كاريش: ما هي الرسائل التي وصلت؟


بعد أن جاءت الردود "الاسرائيلية" والأميركية غير مشجعة في إطار التفاوض اللبناني الاسرائيلي غير المباشر عبر الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، أطلق حزب الله ثلاث مسيّرات "غير مسلّحة، ومن أحجام مختلفة، باتجاه المنطقة المتنازع عليها عند حقل كاريش للقيام بمهام استطلاعية، وقد انجزت المهمة المطلوبة، والرسالة قد وصلت". (بحسب ما جاء في بيان الحزب)

إذا، ما هي الرسائل التي أوصلتها تلك المسيّرات؟

1-     رسائل سياسية تفاوضية

كما بات واضحاً يتطابق الموقفان الاسرائيلي والأميركي بخصوص التنقيب عن الغاز في المياه اللبنانية وترسيم الحدود، ويبدو أن الأوروبي دخل مؤخراً على خط الأزمة لتبني الموقف الاسرائيلي، بعد توقيعه اتفاقيات الغاز مع اسرائيل.

ردّت اسرائيل  على إطلاق المسيّرات عبر رئيس وزرائها (في الحكومة الانتقالية) يائير لابيد، الذي قال إن حزب الله "يقوّض قدرة لبنان على التوصّل إلى اتفاق حول الحدود البحرية... وإن إسرائيل ستواصل حماية نفسها ومواطنيها ومصالحها".

وبطريقة غير مفاجئة، كان الموقف الأميركي الذي عبّر عنه الوسيط هوكشتاين مماثلاً للموقف الاسرائيلي، إذ اتصل بنائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب، المكلف من رئيس الجمهورية بمتابعة الاتصالات مع الاميركيين، معتبراً ان ارسال حزب الله للمسيرات سيوقف التفاوض، ويؤثر على الإيجابية التي انعكست في المحادثات الأخيرة.

وهنا، يمكن الاشارة الى أن مسيّرات حزب الله، تأتي اليوم لتقطع مع سياسة اسرائيلية أميركية، تريد أن تستغل الأزمة الاقتصادية اللبنانية، لدعوته الى التخلي عن حقوقه، والقبول "بأي شيء طالما هو لا يملك شيئًا" وهي عبارة هوكشتاين في مقابلته التلفزيونية الشهيرة.

وهي سياسة أميركية ثابتة معلنة تتخطى الإنقسام الحزبي والادارات الأميركية، إذ يتطابق موقف هوكشتاين (الحزب الديمقراطي) مع ما قاله سابقاً دايفيد شينكر (الحزب الجمهوري) الذي قال في مقابلة مع موقع الهديل في حزيران 2020، أن "الولايات المتحدة وضعت "تصوّراً" لحل هذه الازمة، والكرة في ملعب لبنان الذي يواجه أزمة مالية ويريد أن يُنقّب عن الغاز في البلوك 9 و10 اللذين يحتويان على أكبر مخزون للغاز بحسب الدراسات على الساحل اللبناني، عندما تقرر الحكومة أن تستخرج الغاز للإستفادة منه، فأنا أشجع اللبنانيين على تطبيق "التصور" ليستطيعوا الإستفادة من الغاز في البحر".

هنا الرسالة الأولى: لا لن نقبل بـ"أي شيء"، ولسنا مستضعفين بالرغم من الأزمة الاقتصادية.

2-     الرسالة الثانية عسكرية

بحسب الإعلام الاسرائيلي، تكلّفت اسرائيل حوالى مليون دولار لاعتراض مسيرات حزب الله، واستعملت اسرائيل صاروخ "باراك 1" الاسرائيلي لإسقاط مسيّرات زهيدة الثمن، بصاروخ يكلّف أكثر من 300 ألف دولار. ويتخوف الاسرائيليون من أن يقوم حزب الله بإرسال مسيّرات يومية، ما سيكلّف اسرائيل ملايين الدولارات لحماية  منصة الانتاج، وهذا وحده كافٍ لتعطيل عملية الانتاج حتى لو لم يرسل طائرات مسيّرة تحمل قنابل في المرات المقبلة.

لطالما ردد الاسرائيليون الى أنهم سيقصفون لبنان ويدمرون بنيته التحتية  ويعيدونه الى العصر الحجري في حال حصل اعتداء على سفن التنقيب في المتوسط. عملياً، هذا التهديد الاسرائيلي لا يُصرف في أي مكان، إذ ليس لدى لبنان اي شيء يخسره في حال التصعيد، طالما الاميركيون يضعون خطوطاً حمراء على التنقيب في "جميع البلوكات" اللبنانية حتى تلك البعيدة عن فلسطين المحتلة، ما يعني أن الانهيار الاقتصادي والمالي هو قدر اللبنانيين في حال لم يستعملوا أدوات الضغط التي يملكونها لتغيير الاستراتيجية الأميركية المتبعة والتي تمنعه من استخراج الغاز في أرضه، حتى تطبيق "التصور" الذي يعطي اسرائيل جزءاً من الحقوق اللبنانية، وإلا الجوع.

  

المفهوم الإستراتيجي للناتو 2030: الهيمنة العالمية وإلا فالحرب

انعقدت قمة حلف شمالي الأطلسي، هذه السنة، في العاصمة الإسبانية مدريد، وأعلن البيان الختامي أن دول الحلف تعهّدت تقديم مزيد من المساعدات الدفاعية والمالية لأوكرانيا، وأنها وافقت على مفهوم إستراتيجي جديد للحلف حتى عام 2030، ودعت فنلندا والسويد رسمياً للانضمام إليه.

بعد تأخير دام سنتين بسبب جائحة كورونا، أعلن الحلف مفهومه الإستراتيجي، للفترة بين عامي 2022 و2030، وحدّد فيه تصوره للتهديدات العالمية في المناطق الحيوية، وكيفية الردّ على تلك التهديدات، والخطط العامة للعقد المقبل.

في مقارنة بالمفهوم الإستراتيجي السابق (2010- 2020)، نجد أن الإرهاب كان التهديد الأبرز والأساسي عام 2010، وتحدّث الناتو عن المشكلات والتحديات والحروب خارج منطقة الناتو، وأنه سيواجهها بوسيلة "إدارة الأزمات"، علماً أن التهديد الإرهابي يأتي في مرتبة ثانوية في التصور الإستراتيجي الجديد.

ويختلف المفهوم الإستراتيجي الحالي عن سابقه، نظراً إلى جهة التهديدات التقليدية، إذ يستبعد المفهوم الإستراتيجي لعام 2010، أي هجوم تقليدي على أراضي الناتو ويقول إن أراضي الناتو في مرحلة سلام، فيما يدرج التصوّر الإستراتيجي الحالي،التهديدات الإستراتيجية المتأتية من روسيا والصين ضمن أولويات الحلف للمواجهة في العقد المقبل:

1-  الاتحاد الروسي: الخطر الأكبر والمباشر

كما كان مرجحاً رأى الحلف في مفهومه الإستراتيجي أن الاتحاد الروسي يشكّل "أكبر وأهم تهديد مباشر لأمن الحلف وللسلام والاستقرار في المنطقة الأوروبية الأطلسية... وأنه يهدف إلى زعزعة استقرار دول شرقنا وجنوبنا، في أقصى الشمال".

وأضاف الحلف "أن قدرة الاتحاد الروسي على تعطيل تعزيزات الحلفاء وحرية الملاحة عبر شمال الأطلسي تعدّ تحدياً إستراتيجياً له، وأن الحشد العسكري لموسكو، بما في ذلك في مناطق البلطيق والبحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، إلى جانب تكاملها العسكري مع بيلاروسيا، يتحدّى أمننا ومصالحنا". (المادة 8).

لكنه عاد وأكد أن الناتو لا يسعى لمواجهة روسيا، ولا يشكل أي تهديد للاتحاد الروسي، ولا يعتبره شريكاً. لذا، "سيعزّز الحلف الردع والدفاع لدى الحلفاء، وسيردّ على التهديدات بطريقة موحدة ومسؤولة، وسيبقي على قنوات اتصال مفتوحة مع الروس لمنع التصعيد". (المادة 9).

2-  الصين: النفوذ العالمي ممنوع

ما لم يكن مرجحاً هو أن يعتبر الناتو في وثيقته الإستراتيجية التهديد والخطر الصيني تهديداً للحلف، ويفرد البندين (13 و14) للتهديدات الصينية (بنسبة التهديدات الروسية نفسها)، علماً أن الصين تقع في منطقة جغرافية لا تعد في نطاق مهمات حلف شمالي الأطلسي.

تشير الوثيقة الإستراتيجية الى أن "التهديدات لمصالح الحلف وأمنه وقيمه" تتأتّى من "الطموحات المعلنة لجمهورية الصين الشعبية"، ومن قيام الصين باعتماد "مجموعة واسعة من الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية لزيادة وجودها العالمي وإظهار القوة".

وتحدثت عن "أساليب الصين الخبيثة"، ورأت أن الصين تسعى لـ"التحكم في القطاعات التكنولوجية والصناعية الرئيسة، والبنية التحتية الحيوية، والمواد الإستراتيجية وسلاسل التوريد. وتستخدم نفوذها الاقتصادي لخلق التبعيات الإستراتيجية وتعزيز نفوذها". (المادة 13) 

وفي النهاية، قالت: "إن تعميق الشراكة الإستراتيجية بين جمهورية الصين الشعبية والاتحاد الروسي ومحاولاتهما المتعاضدة تقويض النظام الدولي القائم على القواعد يتعارضان وقيمنا ومصالحنا".

وهكذا، يعترف الحلف بأن الصين لا تشكّل تهديداً عسكرياً لأعضائه، لكنّ طموحها العالمي وزيادة وجودها وتقوية نفوذها الاقتصادي، كلها عوامل تهديد يريد الحلف مواجهتها

3-  المنظمات الإرهابية:

مع أن هذا الخطر الإرهابي كان الأساس الذي بنيت عليه وثيقة المفهوم الإستراتيجي لعام 2010، يلاحظ تراجع في أهمية هذا الخطر، وقد أبقت الوثيقة الجديدة هذا الخطر من دون أن تحدّد تفصيلاً كيفية مواجهته، واكتفت بذكر التعاون مع الحلفاء في منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا والساحل في مكافحة الإرهاب. (المادتان 10و11)

ثم أضافت الوثيقة بعض التحديات الأخرى المتمثلة في التغير المناخي والملكية الفكرية وسواها

4-  خطابات القمة خارج الوثيقة الإستراتيجية:

كان لافتاً الكلام الذي نقلته وسائل التواصل عن رئيس مجلس الوزراء البلجيكي، الذي قال إن "الناتو أبلغ زيلينسكي أن الحل في أوكرانيا لن يكون إلا عسكرياً، وأن الحلف سيُمد أوكرانيا بما تحتاج إليه من سلاح لمواصلة القتال حتى هزيمة روسيا".

 هذا إضافةً الى كلام الأمين العام للحلف يانس ستولتنبرغ، الذي قال إن الحلف كان يستعد لمحاربة روسيا في أوكرانيا منذ عام 2014.

ويؤكد ذلك أن الحرب على روسيا كانت خياراً أراده حلف شمالي الأطلسي، ويؤكد كذلك سلسلة الأحداث والتطورات منذ بدء عام 2021، التي بدأت بدعوة أوكرانيا (غير رسمية) إلى الانضمام إلى الحلف في قمة الناتو، السنة الماضية في 14 حزيران/يونيو 2021، التي أعقبتها مشاركة أوكرانيا في مناورات الحلف العسكرية، ومنها مناورات "نسيم البحر" في البحر الأسود في تموز/يوليو، ومناورات Rapid trident 21 في أيلول/ سبتمبر

وفي 10 تشرين الثاني/نوفمبر وقّعت أوكرانيا مع الأميركيين اتفاقاً للشراكة الإستراتيجية، وأكدت واشنطن ضرورة انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو. وفي الأثر، أرسل بوتين، في 21 تشرين الثاني/نوفمبر، رسالة إلى الولايات المتحدة ودول الناتو، مطالباً:

1- بالتعهد بعدم دخول أوكرانيا الناتو.

2- عدم وضع أسلحة هجومية على حدود روسيا.

3- أن تتراجع قوات الناتو من شرقي أوروبا الى أوروبا الغربية.

وهو ما رفض الأميركيون أي نقاش فيه، ووقعت الحرب.

هكذا، نجد أن وثائق إستراتيجية الأمن القومي الأميركي في عهد ترامب، التي ذكرت أن التنافس الإستراتيجي مع روسيا والصين بات أكثر العوامل تهديداً للأمن القومي، هي نفسها ما عكسته وثيقة الناتو الإستراتيجية الجديدة.

 وهذا يعني أن الصين لن تكون في منأى عن التصعيد العسكري المتدرّج في قضية تايوان، لجرّها الى الحرب، فممنوع عليها (بحسب الناتو) أن تطمح إلى النفوذ العالمي، وممنوع المسّ بقواعد النظام الدولي الذي أرساه الغرب.

العودة إلى الاتفاق النووي: بين الحاجة الأوروبية والشروط العربية

يقوم وزير خارجية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، بزيارة طهران، حيث يلتقي المسؤولين الإيرانيين من أجل البحث في إمكان العودة إلى طاولة المفاوضات في فيينا، والتغلب على الخلافات الحالية. ودعت فرنسا إيران إلى الاستفادة من هذه الفرصة وعدم تضييعها.

 

لا شكّ في أن هناك رغبة أميركية وأوروبية في إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران في ظل ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، والسعي الغربي لتأمين بدائل عن الطاقة الروسية مخصصة لأوروبا، لكنّ هناك معوّقات متعدّدة تدفع إلى الشكّ في قدرة الأميركيين والإيرانيين على التوصل إلى اتفاق في المدى المنظور، أو أقلّه قبل الانتخابات النصفية الأميركية، وذلك للأسباب التالية:

 

1- عدم رغبة إيرانية في تقديم تنازلات:

يهدف الأوروبيون والأميركيون إلى تأمين مصادر بديلة عن الغاز والنفط الروسيَّين مخصّصة لأوروبا، وقد يكون البحر المتوسط، بالإضافة إلى وسط آسيا، المنطقتين المرشحتين للقيام بهذا الدور بسبب القرب الجغرافي من أوروبا.

 

وكانت عدّة طروحات غربية شدّدت على أهمية رفع العقوبات عن إيران، الأمر الذي يسمح للأوروبيين باستيراد الغاز الإيراني لأوروبا عبر خط نابوكو، والذي كان من المفترض أن ينقل الغاز من بحر قزوين إلى النمسا عبر تركيا، وتَعَطّل العمل فيه بسبب عدم القدرة على تأمين الغاز.

 

وسابقاً، في خضمّ المساعي الأوروبية لتأمين بديل عن الطاقة الروسية قبل الحرب السورية، تمّ اقتراح خطّ أنابيب آخر لتصدير الغاز الطبيعي من حقل بارس الجنوبي (تتشارك فيه قطر وإيران) إلى أوروبا، وسُمِّي "خط الأنابيب الإسلامي"، الذي كان سيمرّ عبر حقل بارس الجنوبي والعراق وسوريا، ومن هناك إلى لبنان وتركيا فأوروبا. وتعطّل هذا المشروع بسبب انعدام الأمن في الدول الواقعة على هذا الخط.

 

اليوم، بعد التطورات التي حدثت منذ خروج الأميركيين من الاتفاق النووي عام 2018، وبعد الحرب الأوكرانية، زادت حاجة الأوروبيين والأميركيين إلى توقيع الاتفاق مع إيران، من أجل السماح لها بتصدير الغاز والنفط إلى أوروبا، وقدرة الأوروبيين على شرائه والدفع لإيران من دون الخوف من العقوبات.

 

لكنْ، لا يبدو أن الإيرانيين مستعدّون للعودة إلى الاتفاق من دون الحصول على مكاسب جيدة، منها أن تتم إزالة حرس الثورة عن قائمة الإرهاب، وإعطاء ضمانات بعدم التراجع عن الاتفاق في حال مجيء الجمهوريين إلى الحُكم عام 2024، وهما شرطان مرتبطان بالكونغرس الأميركي، ولا قدرة لإدارة بايدن على تقديمهما.

 

زد على ذلك، أن توقيع الاتفاقيات بين الصين وإيران أتاح للإيرانيين بدءَ تخطي العقوبات، عبر استثمارات صينية هائلة في عدد من القطاعات، منها النفط والطاقة، بالإضافة إلى القطاع السياحي. وعلى الرغم من عدم وجود تقارير رسمية بشأن بيع النفط الايراني والجهات التي تشتريه، فإنّ من المؤكد أن هذا القطاع بدأ يتخطى العقوبات، فلقد أعلن محسن خجسته مهر، الرئيس التنفيذي لشركة النفط الوطنية الإيرانية، أن إنتاج النفط الإيراني عاد إلى المستوى نفسه الذي كان عليه قبل العقوبات، بمعدل 3.8 ملايين برميل يومياً، بعد أن تراجع بشدة في إثر فرض العقوبات.

 

2- الموقف العربي:

يزور الرئيس الأميركي، جو بايدن، المنطقة في الشهر المقبل، في محاولة لتطمين الحلفاء ("إسرائيل" والسعودية)، ولترميم العلاقة الأميركية السعودية بعد قضية خاشقجي، ومحاولة إقناع السعودية بزيادة إنتاج النفط لتهدئة الأسواق وتخفيض الأسعار.

 

لكن، يقف بايدن وإدارته أمام معضلة مزدوجة. فهو، من ناحية، يريد أن يعيد الاتفاق النووي مع إيران من أجل تسهيل وصول الغاز الإيراني إلى أوروبا وتخفيض أسعار النفط التي تلهب المستهلك الأميركي. ومن ناحية أخرى، لا يريد إغضاب "إسرائيل" والسعودية، وخصوصاً بعد سلسلة من المواقف التي بدت فيها السعودية أقرب إلى روسيا والصين من قربها إلى أميركا.

 

في هذا الإطار، كان لافتاً، خلال الجولة التي قام بها ولي العهد السعودي في مصر والأردن وتركيا، والإعلانات المشتركة في كل من مصر والأردن بشأن التزام أمن الخليج. وفي إثرها قام العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، بطرح فكرة "تشكيل تحالف عسكري في الشرق الأوسط، على غرار حلف شمال الأطلسي"، وكشف أن ذلك يمكن أن يتم مع الدول التي تشاطره الرأي.

 

وعبر دراسة طبيعة التهديدات التي يمكن أن يواجهها الأردن و"الدول التي تشاطره الرأي"، يمكن التأكيد أن هذا "الناتو العربي" سيكون موجَّهاً ضد إيران. واقعياً، هذا الطرح يفيد "إسرائيل"، ولا يفيد الدول العربية الخليجية، التي تحتاج إلى بيئة استثمار جيدة، والتي يُلائمها إبقاء التوازن السياسي، إقليمياً ودولياً، في منطقة الخليج، وعدم الزَّجّ بنفسها في صراعات عسكرية ستدفع دولها الثمن الأكبر فيها.

 

وهنا، يمكن طرح التساؤلات التالية: هل الطرح الأردني منسَّقٌ مع السعودية؟ وهل هو تمهيد لمطلب عربي خليجي من إدارة بايدن، خلال زيارته المنطقة، ثمناً لعودة العلاقات التاريخية؟ وهل ستوافق إدارة بايدن على هذا الطرح، الذي سيزيد في التوتر في المنطقة، وسيُبعد فرص الحلّ الدبلوماسي مع إيران؟ وهل تتراجع السعودية عن خطواتها الجديدة المتمايزة في العلاقات الدولية، لمصلحة فكرة تحالف عسكري عربي - إسرائيلي، سيفيد "إسرائيل"، ولا يفيد العرب في شيء؟

2022/06/20

بريكس بلاس: الغرب يفقد حلفاءه؟

تعقد مجموعة بريكس اجتماعاتها بنهاية هذا الاسبوع أي في 24 حزيران / يونيو، وستترأس الصين الاجتماعات التي ستعقد افتراضياً للسنة الثالثة على التوالي.  من أبرز المواضيع التي ستناقشها القمة هي التداعيات الاقتصادية للصراع الروسي الأوكراني، والآليات المالية للتعامل مع العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، واستخدام العملات الوطنية للدول الأعضاء في البريكس، وإنشاء وكالة تصنيف مستقلة للبريكس.

وفي الاجتماع التحضيري، الذي حضرته دول عدّة من حارج المجموعة (الأرجنتين وإندونيسيا، ومصر وكازاخستان ونيجيريا والمملكة العربية السعودية والسنغال وتايلاند والإمارات العربية المتحدة)، دعا الرئيسي الصيني الأعضاء للتركيز على إرسال رسالة قوية حول ضرورة احترام المصالح والهواجس الأساسية للدول كافة، واحترام سيادة كل طرف ومصالحه الأمنية والتنموية، ومعارضة سياسة الهيمنة وسياسة القوة في العلاقات الدولية.

هذه السنة، يشجع كل من روسيا والصين أن ينتقل البريكس لأن يكون إطاراً دولياً واسعاً وليس نادياً مغلقاَ. وكانت فكرة توسيع البريكس وإنشاء ما يسمى "بريكس بلاس" قد نشأت في العام 2017، لكن مجيء دونالد ترامب الى الحكم في الولايات المتحدة بأجندة واضحة وهي تفكيك الأحلاف التي نشأت ضد بلاده خلال فترتي أوباما، بالاضافة الى جائحة كورونا، فرملت تلك الاندفاعة.

اليوم، وبعد التطورات العالمية، خاصة بعد الحرب الاوكرانية، يبدو أن كل من الصين وروسيا، راغبتان في التوسيع، بينما تسير الهند بحذر في هذه الخطوة. يتحدث الصينيون عن دعوة الدول التي تحمل نفس التفكير، بينما يشترط الروس أن تكون الدول المرشحة للدخول رافضة للعقوبات الغربية على روسيا. وعلى هذا الأساس، ومن ضمن الدول المرشحة للإنضمام، يبدو أن السعودية والارجنتين ستكونان الدولتان الأكثر احتمالاً للانضمام لمجموعة البريكس هذا العام، وأولى الدول التي ستدشن عصر "بريكس بلاس".

ماذا يعني انضمام السعودية الى "بريكس بلاس"؟

لا شكّ أن السعودية، ومنذ الحرب الاوكرانية قد اتخذت العديد من القرارات التي تميّزها عن الولايات المتحدة الاميركية، وخاصة رفض الدعوة الأميركية لزيادة انتاج النفط لتهدئة الأسواق ولجم ارتفاع الأسعار على أثر العقوبات الغربية على روسيا.

وكانت السعودية قد عانت الكثير من سياسات الولايات المتحدة خاصة في فترتي اوباما، حين دعم الأميركيون الربيع العربي على حساب حلفاء السعودية، وتفاجأ السعوديون بانكشاف الاجتماعات السرية الأميركية الإيرانية في سلطنة عمان منذ 2013، ثم توقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 بدون أخذ هواجس السعودية بعين الاعتبار.

لا شكّ أن وصول ترامب الى البيت الأبيض، وتواصله الجيد مع ولي العهد السعودي، بدد الكثير من التوتر السابق في العلاقة بين البلدين، ولكن خسارة ترامب ومجيء بايدن الذي هدد بأنه سيجعل السعودية دولة معزولة، وانه سيحاسب على مقتل خاشقجي وغير ذلك من التصريحات وآخرها أنه ذاهب الى السعودية وليس ليقابل ولي العهد محمد بن سلمان... كلها تصريحات، تجعل من الصعب عودة العلاقات الأميركية السعودية الى سابق عهدها، أقلّه في فترة بايدن.

إن انضمام السعودية الى مجموعة "بريكس بلاس"، سيكون تحوّلاّ هاماً في السياسة الخارجية السعودية، خاصة في حال تمّ الاتفاق على التبادل بواسطة العملات المحلية لدول البريكس، ما يعني أن النفط السعودي سيباع مقابل اليوان الصيني، وهو ما سيضرب قوة الدولار في الأسواق العالمية.

بالنتيجة، لقد انخرط الغرب في استراتيجية هجومية بقيادة الولايات المتحدة منذ مجيء بايدن الى البيت الأبيض. الهدف: إعادة الهيمنة الأميركية المطلقة، وتفوّق الغرب بقيادة الولايات المتحدة. هذه الاستراتيجية، وبالرغم من أن الغرب توحد خلف الولايات المتحدة لتطبيقها، إلا أنها – لغاية الآن- لا يبدو أنها تسير وفق الخطة المرسومة، بتأديب المتمردين (روسيا والصين). فكيف يمكن للغرب أن يكون قادراً على تركيع روسيا (كما أعلن العديد من القادة الاوروبيين) ويحتوي الصين ويضعفها، وهو يفقد الحلفاء من خارج الكتلة الغربية؟ 

2022/06/19

أوكرانيا: تعب الغرب ولم تخضع روسيا

ذكرت صحيفة دي فيلت الألمانية ذكرت صحيفة  الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني أولاف شولتز، ورئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراجي، طلبوا من الرئيس زيلينسكي، "خلف الأبواب المغلقة"، استئناف المفاوضات مع فلاديمير بوتين. وكتبت الصحيفة أن الضرر الاقتصادي، الذي تعانيه بلدانهم بسبب العقوبات التي سببتها الحرب، أصبح أكبر ومن الصعب تعويضه، إذ "تباطأ النمو الاقتصادي على نحو حاد، ووصل التضخم إلى مستوى قياسي".

 وعلى الرغم من النفي الأوكراني، فإن  تصريحات المسؤولين الأوكرانيين، التي قالت إن "شركاء أوكرانيا الأجانب مهتمون فقط بامتلاك أوكرانيا الموقفَ التفاوضي الأكثر فائدة"، وإن "أوكرانيا ستعاود المفاوضات بحلول نهاية شهر آب/أغسطس"، تشير إلى أن الموقف الغربي بدأ يتبدّل، وأن العرض الأوروبي، بشأن وضع أوكرانيا في لائحة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ما هو إلّا جائزة ترضية للقبول بالتنازلات وإنهاء الحرب، مع إعطاء كييف مهلة لتحسين موقفها التفاوضي، عبر بعض المكاسب العسكرية، وهو ما دفع جونسون إلى القول إنه يجب استمرار دعم أوكرانيا، محذّراً العالم من "التعب من أوكرانيا".

لا شكّ في أن عدة مؤشرات سابقة كانت بدأت تشير إلى أن الغرب استنفد الخيارات المتاحة أمامه لإخضاع روسيا واستنزافها في الحرب الأوكرانية، وأن هزيمة روسيا عسكرياً، وإذلالها وتجويعها، كما توعّد الغرب، لا يبدو أنها خيارٌ متاحٌ. ومن تلك المؤشرات ما يلي:

1- التيقّن من عدم القدرة على هزيمة الروس عسكرياً:

 في وقت سابق، حمّل الرئيس الأميركي، جو بايدن، نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في أوكرانيا، معتبراً أن زيلينسكي "لم يُرِدْ سماع" التحذيرات الأميركية قبل التحرك العسكري الروسي، وأن الأميركيين كانوا يملكون "معلومات، مُفادها أن بوتين كان في طريقه من أجل عبور الحدود. لم يكن هناك شكّ (في هذا الأمر)، وزيلينسكي لم يرغب في سماع ذلك". وأتى الردّ الأوكراني سريعاً، عبر أحد مساعدي زيلينسكي، الذي عدّ أن هذا الاتهام "سخيف".

عملياً، بدأت الاتهامات تتصاعد من جانب حلفاء أوكرانيا، من أجل تحميل زيلينسكي والقوات الأوكرانية مسؤوليةَ الفشل العسكري. فلقد أكدت أفريل هينز، مديرة الاستخبارات الأميركية، خلال الإدلاء بشهادتها في جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في أيار/مايو المنصرم، أن لدى الأميركيين "نظرة واضحة (إلى الأمور العسكرية) لدى الجانب الروسي أكثر مما لدينا لدى الجانب الأوكراني"، كما ذكرت "نيويورك تايمز"، نقلاً عن مسؤولين في البنتاغون، قالوا إنهم مستاؤون من عدم معرفتهم الاستراتيجيةَ العسكرية الأوكرانية، وإنها غير واضحة

2- الخطأ في تقييم قدرة الاقتصاد الروسي:

لطالما تحدّث المسؤولون في الغرب عن أن الاقتصاد الروسي ضعيف جداً، وأنه بحجم اقتصاد إيطاليا، أو أقل من حجم اقتصاد إسبانيا. انطلاقاً من هذا التقييم، عَدّ الغربيون أن العقوبات ستؤدي إلى تجويع الروس وتركيعهم بسرعة، وهو ما لم يحدث.

يعدّ الاقتصادي الفرنسي المعروف، جاك سابير، أن أحد الأسباب الرئيسة لسوء التقدير الغربي هو أسعار الصرفيقول سابير في مقابلة حديثة: "إذا قارنت إجمالي الناتج المحلي لروسيا عن طريق تحويله من الروبل إلى الدولار الأميركي، فستحصل بالفعل على اقتصاد بحجم الاقتصاد الإسباني. لكن هذه المقارنة لا معنى لها من دون احتساب معادلة القوة الشرائية، التي تمثّل الإنتاج ومستويات المعيشة... وهكذا، عندما تقيس الناتج المحلي الإجمالي لروسيا، بناءً على معادلة القوة الشرائية، حينها يصبح الاقتصاد الروسي بحجم الاقتصاد الألماني (نحو 4.4 تريليونات دولار لروسيا في مقابل 4.6 تريليونات دولار لألمانيا).

ويعدّ سابير أن الخطأ الغربي كان في التركيز على حجم قطاع الخدمات، على نحو مبالغ فيه، مقارنة بالقطاع الصناعي والسلع، مثل النفط والغاز والنحاس والمنتوجات الزراعية. فإذا قلّلنا الأهمية النسبية للخدمات في الاقتصاد العالمي، فسيصبح الاقتصاد الروسي أكبر كثيراً من اقتصاد ألمانيا، ويمثّل على الأرجح 5% أو 6% من الاقتصاد العالمي".

ويقدّر سابير أن روسيا "تمثّل ما يصل إلى 15%" من التدفقات التجارية العالمية، فهي أكبر مصدّر للنفط والقمح عالمياً. كما تسيطر على نحو 19.5% من الصادرات العالمية: النيكل (20.4%)، والحديد نصف النهائي (18.8%)، والبلاتين (16.6%)، والأسماك المجمّدة (11.2%)".

في النتيجة، كان واضحاً أن الاقتصاد العالمي، والاقتصاد الغربي تحديداً، تأثّر – لربما أكثر – من الاقتصاد الروسي نتيجة العقوبات، بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وارتفاع التضخم، الأمر الذي اضطر البنوك المركزية إلى زيادة أسعار الفائدة، وهو أمر سيؤدي إلى الركود الاقتصادي وتباطؤ النمو.

وهكذا، انطلاقاً مما سمّاه جونسون "التعب من أوكرانيا"، قد يكون من الأفضل للأوروبيين أن تنتهي الحرب الأوكرانية خلال الصيف، وقبل حلول فصل الشتاء، مع ما يترتب على ذلك من زيادة في استهلاك الطاقة. لذا، مطلوب من الأوكرانيين أن يتحضّروا لبدء المفاوضات، مع إعطائهم مهلة لمحاولة تغيير موازين القوى الميدانية

لكن، في المقابل، سيستغل الروس هذه المهلة أيضاً، وسيعتبرون أن عليهم أن يمتلكوا مزيداً من أوراق القوة قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وسيعمدون، خلال هذه المهلة، للحسم وضمّ مزيد من الجغرافيا الأوكرانية. وبالتالي، سيكون الصيف الأشد ضراوة عسكرياً، وسيكون العالم أمام مزيد من التصعيد، قبل حلول موعد بدء المفاوضات. 

 

2022/06/13

لبنان أمام الاستحقاق الأكبر: الغاز

تنطلق هذا الاسبوع جولة جديدة من التفاوض بين لبنان واسرائيل بطريقة غير مباشرة، وعبر الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، وحيث من المتوقع أن يكون لبنان أمام حلقة من أصعب المهمات التي يواجهها في المرحلة الحديثة، ويعود أسباب ذلك الى ما يلي:

-      الوسيط الأميركي نفسه :

وُلد هوكشتاين في "إسرائيل" لوالدين أميركيين مهاجرين من الولايات المتحدة الى فلسطين المحتلة. خدم في الجيش الإسرائيلي من عام 1992 حتى 1995، وانتقل الى الولايات المتحدة كمتدرب، على ان يعود الى اسرائيل لكنه بقي بعد أن حصل على مناصب عدّة.

من أبرز مواضع القلق التي تحتويها سيرة الوسيط الأميركي أنه– حين كان متدرباً في الكابيتول هول- شارك في المجموعة التي قادت المناقشات الدبلوماسية الأميركية والتي كانت تضغط على العراق لرفع العقوبات الأممية عنه، مقابل توطين اللاجئين الفلسطينيين وسط العراق، وإلا إبقاء العقوبات سيفاً مسلطاً على العراقيين، مع إضفاء بعض "الطابع الإنساني" عليها.

وهكذا، فإن الجنسية الاسرائيلية للوسيط الأميركي تجعله مفاوضاً مباشراً باسم اسرائيل، وليس وسيطاً محايداً كما تفترض بالوساطات أن تكون، علماً ان هوكشتاين بدأ مهمته بخصوص الغاز في تموز عام 2015، حين التقى عدداً من المسؤولين اللبنانيين، من بينهم رئيس الوزراء تمام سلام آنذاك، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ووزيري  الخارجية والطاقة جبران باسيل وآرثور نازاريان، وقد تحدثت بعض وسائل الاعلام أن هوكشتاين تحدث حينها عن دعوته للبنان لتأجيل التنقيب.

-      الموقف اللبناني المنقسم:

من أبرز ما يتحجج به الاسرائيلي حول عدم حسم الحدود مع لبنان، هو الموقف السياسي اللبناني المنقسم على نفسه، والذي يُعدّ من أهم نقاط الضعف اللبنانية على الاطلاق.

لا شكّ أن الاخطاء اللبنانية تبدأ بالاتفاق الذي وقعته حكومة السنيورة مع قبرص، والذي يعتمده الاسرائيلي كأساس لمطالباته، ولكن يمكن لمسألة الحدود والأخطاء في الترسيم أن تعدّل وتصحح، وهو أمر يمكن أن تقوم به الدول بإرادة منفردة كونها دول ذات سيادة. ولكن الانقسام اللبناني على نفسه والتخوين والمزايدات ونشر مداولات المفاوضات على الاعلام، وإعطاء هوكشتاين أسرار المفاوضات ذاتها، هو أمر غير مسبوق في تاريخ الدول خلال مفاوضات بهذه الأهمية، وهو أمر يثير الريبة والحزن والغضب معاً.

ويعود جزء من الانقسام اللبناني الى الضغوط الأميركية لمنع لبنان من استخراج الغاز وبالتالي إبقاء اللبنانيين تحت سيف الجوع والانهيار الاقتصادي، وذلك لأخذ مكاسب سياسية وقبوله بشروط خارجية، قد يكون منها التطبيع مع "اسرائيل" أو توطين الفلسطييين اللاجئين في أرضه ومنعهم من حق العودة الى ديارهم (كما كانت مهمة الوفد الاميركي للتفاوض مع العراق الذي شارك فيه هوكشتاين كمتدربٍ).

-      المزايدات الشعبوية:

تماشياً مع الضغوط الخارجية الأميركية، والتي منعت توتال وغيرها من الشركات من الاستمرار بالتنقيب والاستكشاف وإلا العقوبات، ما جعلها تخرج من المياه اللبنانية ولا تعود ولا تصدر أي تقرير حول وجود الغاز في البلوك رقم 4 البعيد جداً عن الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة.

وبالتوازي مع تلك الضغوط، تخرج اصوات لبنانية – أما عن غباء أو سوء نيّة أو عمالة خارجية- تريد ان تمنع اللبنانيين من استخراج الغاز (أو إعادة إعمار مرفأ بيروت أو الانطلاق بورشة النهوض)، وذلك لما يقولون: "لا نريد أن نستخرج الغاز في ظل هذا العهد لئلا نعطيه انتصار"، أو "فليبقى الغاز في البحر، لأن المنظومة ستسرق عائدته"...

واقعياً، إن التأخر في استخراج الغاز لا يبقي لبنان تحت رحمة الضغوطات الدولية بسبب الانهيار الاقتصادي فحسب، بل إن التطور العالمي واعتماد الطاقة البديلة، قد يجعل التأخر اللبناني في استشكاف الغاز أمراً غبياً جداً، فالاستكشاف والاستخراج الى وقت طويل قبل أن نصل الى مرحلة الانتاج والبيع،  وبالتالي، يمكن أن يصل الأمر، بعد عقود، أن تكون كلفة استخراج الغاز أكبر من قيمته في السوق، بسبب وجود بدائل "نظيفة" للطاقة.

في النتيجة، لا يمكن للبنان إلا أن يتعامل بمسؤولية ووعي في هذا التحدي الجديد الذي يواجهه، والذي منعه من القيام بالتنقيب خلال السنوات الماضية، أي منذ عام 2011، حين بدأت وزارة الطاقة باقرار مراسيم الطاقة للبدء بالتنقيب.

لقد تأخر اللبنانيون عشر سنوات، كانت اسرائيل خلالها تقوم بالتنقيب والاستكشاف، ووصلت الى مرحلة الاستخراج والبيع، ولبنان ما زال ينتظر على قارعة الطرق الدولية بانتظار قرار أميركي بالسماح بالبدء بالتنقيب. لن تنتهي هذه المسألة بسهولة، وبدون إستخدام عناصر القوة اللبنانية كافة، والتي يجب ان تسعى لتحصل على موافقة اميركية على البدء بالتنقيب وليس فقط حسم مسألة ترسيم الحدود البحرية.