2022/07/25

بين العرب وتركيا: أين تتجه سوريا؟

عادت سوريا الى الواجهة بعدما أعلن أردوغان نيّته القيام بحملة عسكرية في الشمال السوري، لإنشاء منطقة آمنة بعمق 30 كلم، يهدف من خلالها الى التخلص من الخطر الارهابي (كما سمّاه)، وإعادة نحو مليون سوري بشكل طوعي إلى بلادهم، أي إلى المناطق الخاضعة للسيطرة الأمنية التركية في شمالي سوريا، وذلك عبر إنشاء تجمعات سكنية في المناطق التي تمتد من بين مدن اعزاز وجرابلس والباب، وصولاً إلى مناطق تل أبيض وعين عيسى، من خلال انشاء نحو 250 ألف وحدة سكنية ومدارس ومستشفيات ومعامل وبنى تحتية للعيش.

وعلى هذا الأساس تحرّك الإيرانيون (باعتبارهم أصدقاء لكل من سوريا وتركيا) لتقريب وجهات النظر بين الطرفين وتأمين حلّ سياسي يجنّب منطقة الشمال السوري عملية عسكرية تركية، فكانت مبادرة وزير الخارجية الايراني أمير عبد اللهيان الذي زار تركيا وسوريا للقيام بوساطة، ثم قمة طهران التي وضعت سوريا بنداً أول على جدول أعمالها.

وكما كان واضحاً من مبادرة عبد اللهيان ونتائج قمة طهران، أن إيران تسعى الى الاستفادة من التبدل في الموقف التركي تجاه سوريا، حيث قال عبد اللهيان في دمشق أن "الأتراك باتوا يفضلون المسار السياسي مع دمشق"، وأن إيران تسعى الى "تحسين العلاقات بين سوريا وتركيا، باعتبارهما دولتين تربطهما علاقات مهمة مع إيران."

التقارير الاعلامية أشارت الى أن المبادرة الإيرانية تقوم على أساس ترتيبات سياسية بين تركيا وسوريا تقوم على أساس: حلّ المشاكل الحدودية، معالجة ملف الكرد، وانهاء وجود المجموعات الارهابية في شمال سوريا، مقابل ليونة سياسية دبلوماسية بين البلدين.... وصولاً الى تحقيق تسوية نهائية بين البلدين.

وبالتزامن، يُطرح على بساط البحث موضوع عودة سوريا الى الجامعة العربية، في ظل أجواء تتحدث عن أن الأمور غير ناضجة بعد لتلك العودة، وأن لا توافق حولها بين الدول العربية في الوقت الحاضر.

يطرح هذا التراجع العربي بعد الترحيب، مسألة الضغوط التي يمكن أن تمارسها الإدارة الأميركية على الدول العربية، لتأجيل تلك العودة، قبل الحصول على العديد من التنازلات (التي قد لا يمكن لدمشق تأمينها).

ولا شكّ أن بيان قمة طهران الذي تحدث عن ضرورة إنهاء الوجود الأميركي في الجغرافيا السورية، لن يمر مرور الكرام بالنسبة للأميركيين، فإلى أي مدى يمكن أن يكون هناك تسهيل أميركي لعودة اللاجئين السوريين الى بلادهم وقيام الدول العربية بالانفتاح على سوريا ومساعدتها لتخطي عقوبات قانون قيصر؟.

وهنا، يطرح على بساط البحث مسألة الخيارات المتاحة في ظل المشهد المعقّد، والحاجة الى فتح أبواب التسويات تمهيداً لبدء إغلاق ملفات الحرب:

-      الأكيد أن الايراني يحبذ تسوية سياسية بين سوريا وتركيا ولكن من الأفضل لسوريا أن تبدأ التسوية مع العرب أولاً، وخاصة مع السعودية وهي الباب لعودتها الى الجامعة العربية، وذلك لما للدول العربية من قدرة على المساهمة في إعادة الإعمار في سوريا، وقدرتهم على تسهيل العديد من الملفات العالقة المرتبطة بالمنطقة ودول الجوار.

-      الأكيد أيضاً أنه من الأفضل للعرب أن يكونوا السبّاقين لإعادة سوريا الى موقعها الطبيعي، وذلك لأن تقاعسهم عن ذلك سيجعل إيران وتركيا الباب الوحيد المتاح لسوريا لتسويات ما بعد الحرب، وهو ما سيضرّ بالنفوذ والمصالح العربية، وسيعطي أسبقية للنفوذ الإيراني في سوريا(وهو ما يقول العرب أنهم يريدون تقليصه).

  

2022/07/23

إستراتيجية بايدن للطاقة في أوروبا: الثأر للحرب الباردة؟


 واصل الرئيس الأميركي جو بايدن وعدد من المسؤولين الأوروبيين إعلان نجاحهم في المحافظة على وحدة الحلفاء في الناتو، ووحدة الغرب في مقابل ما سمّوه محاولة موسكو بث النزاع والفرقة بين الحلفاء. ولا شكّ، في أن هذه الوحدة التي أُعلنت في مواجهة روسيا، كانت بنسبة كبيرة على حساب دول الاتحاد الأوروبي، التي عانت  كثيراً بفعل العقوبات على دولهم، خصوصاً ما يرتبط منها بالطاقة.

 

تاريخياً، بدأت أنابيب الغاز الروسية إلى دول أوروبا الشرقية عبر أوكرانيا عام 1912، واستمرت في التوسّع خلال العقود الأولى من مرحلة ما بعد الثورة الشيوعية وتأسيس الاتحاد السوفياتي، لتصبح إحدى كبريات شبكات توزيع الطاقة في العالم. وفي الحرب الباردة، استمرت الشبكة في العمل على نحو طبيعي وتطوّرت باعتبار أن الدول التي تستفيد منها باتت جميعها ضمن دول الاتحاد السوفياتي نفسه.

 

لكن، في ظل احتدام الصراع الأميركي السوفياتي للهيمنة على العالم، دخلت خطوط الطاقة الروسية وإمداداتها في الصراع بين المحورين، وكادت تسبّب خرقاً في وحدة المحور الغربي بين كل من الأميركيين والأوروبيين. قد حذّر الأميركيون منذ ذلك الوقت، من استغلال الاتحاد السوفياتي الاقتصاد والتجارة لتحقيق أهداف سياسية، ولا سيما "الأنابيب" وسائر إمدادت الطاقة، لذلك كانت الإستراتيجية الأميركية المعتمدة منذ ذلك الوقت، هي دعوة أوروبا إلى التخلي عن النفط والغاز الروسيين، وما زالت مستمرة إلى اليوم.

 

1- جون كينيدي يدشّن حرب الأنابيب

في الستينيات القرن العشرين، كانت أوروبا الغربية تستورد 6٪ فقط من نفطها من الاتحاد السوفياتي. لكن إعلان البدء بخط أنابيب نفط جديد يمتد من الشرق الروسي الأقصى ويمر بأوكرانيا وبولندا وينتهي في ألمانيا شكّل قلقاً للأميركيين.

 

في عام 1961، أعلنت إدارة كينيدي فرض حظر على بيع الأنابيب للدول المتحالفة مع الاتحاد السوفياتي، وضغطت على ألمانيا الغربية لوقف مشروع خط أنابيب الطاقة Druzhba المسمّى "خط الصداقة"، لمنعها من بيع الأنابيب لتلك الدول (في أول تطبيق للعقوبات لوقف مشروعات الأنابيب).

 

رفضت بريطانيا التزام تلك العقوبات، ووافقت ألمانيا الغربية، لكن ذلك لم يحُل دون استكمال خط الأنابيب، الذي دُشن عام 1964.

 

2- ريغان يفرض عقوبات على الحلفاء

في عام 1981 أُعلن إنشاء خط أنابيب جديد للغاز الطبيعي من سيبيريا إلى أوروبا الغربية. حاولت إدارة ريغان إقناع الحلفاء الأوروبيين (فرنسا وألمانيا الغربية) بالانضمام إلى الحظر الذي تفرضه ليس على معدات خط الأنابيب للمشروع فقط ولكن على التمويل أيضًا. رفض الأوروبيون، فكان أن فرضت الإدارة الاميركية حزمة عقوبات تهدف إلى منع الشركات الأوروبية من توفير الأموال أو المعدات للمشروع.

 

العقوبات على الشركات الأوروبية كادت تؤدي إلى أزمة بين الحلفاء، فتراجع ريغان عن العقوبات بعد بضعة أشهر فقط، وجرى تدشين خط الأنابيب عام 1984.

 

3- بعد تفكك الاتحاد السوفياتي

توسّعت خطوط الأنابيب بين روسيا ودول أوروبا في التسعينيات. ولكن بعد مجيء بوتين إلى الحكم في روسيا، وعودة روسيا إلى التعافي الاقتصادي مستفيدة من طفرة ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، حصلت سلسلة من الثورات الملونة المدعومة أميركياً في حديقتها الخلفية (أوكرانيا، جورجيا، قيرغستان)، وتبدّل الحكام في تلك البلدان من مؤيدين لموسكو إلى مؤيّدين لأميركا.

 

في تلك الفترة، بدأ الأوروبيون وبتوجيه من الأميركيين يبحثون عن مصادر بديلة للغاز الروسي (نابوكو)، وبدأ الروس يعاملون أوكرانيا(خط الترانزيت الأساسي) بمعايير مختلفة ويطالبونها بدفع المستحقات الروسية كاملة في مقابل غازها.

 

رفضت أوكرانيا، وبدأت مشكلات التوريد إلى أوروبا، فظهر أن عدم الاستقرار السياسي في أوكرانيا يجعلها خطاً غير موثوق به لمرور الغاز، فجرى إنشاء خط مباشر بين كل من روسيا وألمانيا هو خط (نورد ستريم 1)، الذي افتتح عام 2011، خسرت أوكرانيا رسم العبور الذي يقدّر بـ720 مليون دولار سنوياً، وساهم الأنبوب في خفض أسعار الغاز إلى ألمانيا على نحو كبير، فتقدمت صناعاتها مستفيدة من الفرق في القيمة وتقليص التكلفة.

 

4- فشل ترامب في مواجهة ميركل

هاجم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في قمة الناتو عام 2018، المستشارة الأميركية أنجيلا ميركل واتّهم ألمانيا بالتبعية لروسيا، معتبراً أن على الألمان وقف العمل بـ(نورد ستريم 2) وهو مشروع أنابيب طاقة جديد بين روسيا وألمانيا، وأكد ترامب أن من حق الأميركيين الذين يدفعون الحصة الكبرى في الناتو دفاعاً عن أوروبا، أن يفرضوا على أوروبا شراء الغاز السائل منهم بدلاً من روسيا.

 

رفضت ميركل الاتهامات، وأعلنت الاستمرار في المشروع، ما جعل ترامب يبدأ حرباً تجارية على الأوروبيين ويفرض عقوبات على مشروع (نورد ستريم 2)، وهو ما رفضته ميركل والحكومة الألمانية معتبرتين أن هذه العقوبات تمثّل "تدخّلاً في القرارات المستقلة التي تتخذها أوروبا".

 

5- بايدن ينجح حيث أخفق الآخرون

بوصول بايدن إلى البيت الأبيض، وضع نصب عينيه إعادة الوحدة إلى الغرب، وتوسيع الناتو، واحتواء روسيا والصين. وفي سنته الأولى في البيت الأبيض، كادت الحرب تنشب بين الناتو وروسيا بعد تحركات أميركية وبريطانية في أوكرانيا والبحر الأسود. وتطوّرت الأمور التي أدّت الى الحرب الأوكرانية.

 

مباشرة بعد إعلان بوتين خطاب اعترافه بالجمهوريات المستقلة في الدونباس، وقبل أن يحصل التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، اندفع الغرب لمواجهة خط مشروع أنابيب (نورد ستريم 2)، الذي ينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا متخطياً أوكرانيا وبولندا، ويجعل ألمانيا مركزاً للطاقة في أوروبا:

 

في 22 شباط/فبراير 2022، قال المستشار الألماني أولاف شولتز "إنه لن يمضي قدماً في التصديق على مشروع خط الغاز (نورد ستريم 2) مع روسيا، وهذا كان بمثابة الضوء الأخضر الألماني لإنهاء المشروع. في 23 شباط/فبراير أعلن بايدن عقوبات على خط أنابيب (نورد ستريم 2). حصل الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا في 24 شباط/ فبراير، وأعلنت الشركة المشغلة لـ(نورد ستريم 2) إفلاسها. ثم تدحرجت الأمور إلى الأسوأ، وأعلن الاتحاد الأوروبي حزماً عدّة من العقوبات، تهدف إلى قطع العلاقات الاقتصادية مع موسكو، والتخلي التام عن استيراد الغاز والنفط من روسيا في سنوات قليلة.

 

في النتيجة، نجح بايدن في تحقيق ما عجز روساء أميركيون قبله، واستطاع أن يحقّق للأميركيين هدفاً أرادوه منذ الحرب الباردة، وهو قطع علاقات الطاقة بين موسكو وأوروبا من دون اعتراض أوروبي. عملياً، نجح بايدن في الحصول على تأييد أووربي لإستراتيجية أضرّت بهم أكثر مما أضرّت بالروس. 

2022/07/18

زيارة بايدن للشرق الأوسط: تحمّلوا مسؤولية أنفسكم


لم تخرج زيارة بايدن الى المنطقة بنتائج كبيرة، وبدت إعلامياً كأنها حملة علاقات عامة كان بايدن وإدراته يريدانها، وذلك في ظل تراجع شعبية الرئيس وعلى ابواب انتخابية نصفية، يبدو فيها الجمهوريين أفضل حالاً من الديمقراطييين الذين سيتحملون وزر ارتفاع الأسعار والتضخم وشعور الأميركيين بالعسر الاقتصادي.

وفي تقييم زيارة بايدن، يمكن الاشارة الى ما يلي:

1-     كان لزيارة بايدن أن تكون زيارة "طبيعية وتاريخية" بنفس النتائج الحالية، لولا أن الاسرائيليين استمروا قبلها بالتسويق الى أن الزيارة ستكون مقدمة لإعلان تحالف عسكري اسرائيلي – عربي موجّه ضد إيران، وأن  توقيع اتفاقيات التطبيع "العلني" مع السعودية سوف يحصل خلالها... وبما أن الزيارة لم تحقق أيًا من الأمرين، أعطت انطباعاً بالخيبة.

 

2-     سوّق الاعلام الأميركي المحسوب على الديمقراطيين أن بايدن قادم الى المنطقة لزيارة السعودية، لتأمين قيام السعودية بضخ مزيد من النفط في الأسواق لتخفيض الأسعار، وبالتالي هو مضطر للتخلي عن القيم الأميركية في مناصرة حقوق الانسان، والتنازل عن شروطه السابقة بالنسبة لولي العهد السعودي، خاصة في موضوع خاشقجي.

وبما أن هذا الأمر لم يتحقق، وأعلن ولي العهد السعودي بأن قدرة المملكة هي زيادة لدرجة 13 مليون برميل يومياً فقط، وأنها لا تستطيع أن تزيد أكثر، فاعتبرت الزيارة مخيبة للآمال. علماً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان قد أخبر بايدن أن السعودية والإمارات لا يستطيعان زيادة الإنتاج.

3-     يعتبر "إعلان القدس" إنجازاً يُحسب لإسرائيل في زيارة بايدن، ولكن النص بحدّ ذاته ليس فيه أي شيء جديد، باستثناء أنه يؤكد المؤكد  بـ"الالتزام بأمن اسرائيل" وهو أحد ثوابت السياسة الأميركية الذي يتخطى الإنقسام الحزبي في أميركا.

وانطلاقاً منه، تعمد الولايات المتحدة دائماً على تأمين التفوق الاسرائيلي العسكري في المنطقة، ومن هنا يأتي التأكيد على منع إيران من الحصول على السلاح النووي وهو أمر لطالما ردده جميع الرؤساء الأميركيين قبل بايدن، حتى أوباما الذي عقد اتفاقاً نووياً معها بهدف منعها من إمتلاك القنبلة النووية عبر تكبيلها بالدبلوماسية.

 

4-     كان إعلان بايدن أنه لن يزيل الحرس الثوري الإيراني مطلقاً عن لائحة الإرهاب، بمثابة نعي للاتفاق النووي الايراني، لأن إيران تضعه أحد الشروط الرئيسية للعودة للاتفاق.

 

5-     الرابح الأكيد من هذه الزيارة هو ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي رعا المؤتمر الأميركي العربي، والذي أظهر نفسه "ملكاً فعلياً" للسعودية، وأظهر للعالم أن الرئيس الأميركي الذي وعد العالم بعدم مقابلته وبجعل المملكة معزولة، ها هو يأتي الى السعودية ويبايعه "حاكماً فعلياً" مقبولاً أميركياً.

عملياً وواقعياً، تؤكد زيارة بايدن الى المنطقة أن الأميركيين قد وصلوا الى مرحلة اللاعودة في تخفيف انخراطهم في المنطقة لصالح إنخراط اكبر في كل من أوروبا وشرق آسيا. ولهذا، أتى بايدن ليقول أن الأميركيين ملتزمون بحماية مصالحهم في المنطقة وذلك عبر منع أي دولة كبرى من استغلال الفراغ الاستراتيجي الذي ستتركه الولايات المتحدة، ولكن، والأهم، على دول المنطقة أن يقوموا بمهمة حفظ أمنهم بأنفسهم، وأن يسعوا للاستقرار عبر الحوار والدبلوماسية، وأن عصر الانخراط العسكري الأميركي لتأمين أمن الحلفاء قد انتهى.

بالنتيجة، رسالة بايدن للمنطقة: تحمّلوا مسؤولية أمنكم ومصالحكم، وسنكون هنا للمساعدة في حال تدخلت دولة كبرى، وفي حال تمّ الاخلال بأمن اسرائيل.

2022/07/12

عسكرة اليابان: هل تتحوّل إلى تهديد استراتيجي للصين؟

في 8 تموز/ يوليو، حصلت جريمة اغتيال رئيس الوزراء الياباني السابق شينزو آبي من قبل مهاجم بمسدس محلي الصنع، قبل يومين من إجراء الانتخابات النيابية المرتقبة في البلاد. وقد حصل الائتلاف الحاكم في تلك الانتخابات على أغلبية ساحقة، تسمح له القيام بتعديل دستوري كما كان يريد آبي، يحوّل اليابان إلى قوة عسكرية، متخلية عن الحياد الذي اعتمدته منذ الحرب العالمية الثانية.

 

أعلنت اليابان، منذ فترة، أنها بصدد تغيير استراتيجيتها الدفاعية، بحلول نهاية العام 2022، لتستجيب للتحديات الأمنية المستجدة في المنطقة، ومنها الخطر الصيني الذي ازداد بقوة، وتبدّل، منذ نشر وثيقة استراتيجية الأمن القومي الياباني، في عام 2013. ولهذا الهدف، تمّ تحضير 3 وثائق استراتيجية، هي: استراتيجية الأمن القومي (NSS)، وإرشادات برنامج الدفاع الوطني (NDPG)، وبرنامج بناء قوة الدفاع متوسط المدى (MTDP)، لدراستها تمهيداً للتوافق عليها وإقرارها.

 

وكان آبي يقترح أن يتم، بالتزامن مع إقرار الاستراتيجية، تعديل المادة 9 من الدستور الياباني التي تحظّر النشاط العسكري الهجومي، وذلك للسماح لليابان بامتلاك أنواع أكثر تنوعاً وقدرة من القوة العسكرية. وعملياً، أسهم آبي في إحداث تحوّل في التفكير العسكري في اليابان، إذ بات عدد أكبر من اليابانيين يؤيدون عمليات انتشار عسكرية خارجية، وضربات على أهداف خارجية.

 

لا شكّ أن رحيل آبي سوف يترك بصماته على السياسة الخارجية اليابانية، التي كانت أكثر تشدداً وجرأة مع آبي، وهو لطالما كان يؤيد الدخول في الأحلاف العسكرية، ويدعو إلى تطوير علاقة اليابان مع "الناتو"، والوصول بالمواجهة مع الصين إلى حدود أقصى، بعد التطورات في بحر الصين الجنوبي، وهو ما أسهم في نجاح "الحوار الأمني الرباعي" عام 2021، والذي أطلقت عليه تسمية "الناتو الآسيوي"، ويضم كلاً من: الولايات المتحدة واليابان وأستراليا والهند، بعد بداية فاشلة لتحقيقه عام 2007.

 

عام 2006، وقّعت كل من: الصين واليابان بياناً مشتركاً حول "التعزيز الشامل لعلاقة المنفعة المتبادلة القائمة على المصالح الاستراتيجية المشتركة"، مشيراً إلى أن العلاقات اليابانية الصينية تقوم على "علاقة من المنفعة المتبادلة القائمة على المصالح الاستراتيجية المشتركة"، وذلك خلال الولاية الأولى لآبي كرئيس وزراء. هذا البيان هو واحد من 4 وثائق أساسية تمّ توقيعها بين اليابان والصين، وأصبح إطاراً للعلاقات اليابانية الصينية.

 

نصّت استراتيجية الأمن القومي اليابانية للعام 2013 على أن "العلاقات المستقرة بين اليابان والصين عامل أساسي للسلام والاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ". لذا، و" من منظور واسع، متوسط إلى طويل الأجل، ستسعى اليابان جاهدة لبناء وتعزيز علاقة متبادلة المنفعة تستند إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة مع الصين في جميع المجالات، بما في ذلك السياسة والاقتصاد والمال والأمن والثقافة والتبادلات الشخصية".

 

تبدلت النظرة اليابانية إلى مستوى التهديدات التي تشكّلها الصين، وذلك انسجاماً مع التغيّر في نظرة الولايات المتحدة إلى التهديد الاستراتيجي الصيني، ومع قيام الصين بتطوير قدراتها العسكرية، والزيادة في موازنتها العسكرية السنوية، وتحركاتها في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، ومضيق تايوان.

 

وهكذا، يظهر بوضوح تركيز مسودات استراتيجية الأمن القومي اليابانية الجديدة، على تعزيز العلاقات العسكرية بالولايات المتحدة، من دون أن تهمل الوثائق إمكانية فتح الباب أمام الحكومة اليابانية للبحث عن حلفاء جدد بشكل مستقل، والبحث عن شركاء آخرين محتملين في مسألة التعاون العسكري - السياسي والعسكري - التقني، آخذين بعين الاعتبار أن نفوذ الولايات المتحدة في العالم يتغير باستمرار.

 

كيف يمكن أن تتجه العلاقات الصينية اليابانية في ظل هذه التطورات؟

 

إن تحوّل السياسة الخارجية اليابانية من السلمية إلى العسكرة والتحشيد الحربي، سيدفع الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها في الرباعية، إلى الاتكال على اليابان لتكون رأس حربة في مشروع احتواء الصين عسكرياً، وقد يؤدي بها إلى أن تتحمل الكلفة الأكبر في تلك المواجهة، كما حصل مع الأوروبيين في إطار الحرب مع روسيا.

 

علماً أن السفير الياباني في الولايات المتحدة الأميركية كان قد كشف في كانون الثاني/ يناير هذا العام، لموقع بوليتيكو الأميركي "أن بلاده منفتحة لنشر صواريخ أميركية نووية متوسطة المدى، كان يحظر نشرها في السابق، في انتظار نتائج مراجعة السياسة الدفاعية اليابانية". وقال "نتطلع إلى إشراك أصدقائنا الأميركيين في ظل صورة أمنية مقلقة بشكل متزايد، بيئتنا الأمنية تزداد قسوة"، مشيراً إلى أن القادة في طوكيو يدرسون نشر صواريخ باليستية وصواريخ كروز قادرة على ضرب الصين وكوريا الشمالية.

 

إن التصعيد الذي اندفع إليه أعضاء دول "الناتو" من الأوروبيين، بدفع من الولايات المتحدة، والذي بدأ يؤدي إلى مشاكل اقتصادية كبرى في دول الاتحاد، كأزمات الطاقة وارتفاع الأسعار، وتهديد الأمن الطاقوي والغذائي، ويهدد بأن يحوّل أوروبا إلى ساحة معركة عالمية كبرى، يفرض على اليابان الحذر من التخلي عن السياسات السابقة، وتعديل الدستور لمصلحة عسكرة إضافية، ونشر صواريخ أميركية باليستية لتهديد الصين وضربها.

 

من هنا، فإن الائتلاف الحاكم في اليابان، سيكون أمام مهمة صعبة في كيفية التعامل مع العلاقات مع الصين، وإلى أي مدى ستقوم اليابان بالقطع مع سياساتها السابقة الداعية إلى علاقات منفعة متبادلة قائمة على أساس المصالح الاستراتيجية المشتركة مع الصين، لمصلحة توجه أكثر عدائية تسعى إليه إدارة بايدن، وتدفع إلى أحلاف جديدة في المحيط الهادئ، وتريد اليابان دولة عسكرية قوية لتحدي الصين، ولتصدر مواجهة عسكرية معها حين يحين الأوان، وستدفع اليابان وباقي دول المنطقة الثمن الأكبر؟

  

2022/07/11

الانبهار "الاستعراضي" بثورة سيرلانكا

استفاض العديد من اللبنانيين في التعليق على ما حصل في سيريلانكا، منهم من أراد من اللبنانيين أن يقتحم القصر الجمهوري، ومنهم من تفتقت أريحته الشعرية للتغزل بالسيرلانكية في بيته باعتبارها نموذجاً ملهماً للشعوب، وهو لم ينفك يمارس عليها عنصرية شوفينية ويحجز لها جواز سفرها، ويمنعها من الخروج في يوم عطلة.

ومفهوم كلام أولئك الذين يريدون أن يقتحموا القصر الجمهوري بسبب غيظهم من الرئيس عون، لذلك تناسوا أن الرئيس اللبناني بعد الطائف لا يملك أي صلاحيات، وإن كان عليهم أن يتمنوا او يتشبهوا بالاقتحامات، فعليهم ان يقتحموا المصارف وحاكم مصرف لبنان وهؤلاء الذين قاموا بسرقة ودائعهم ورزقهم بدون أن يرف لهم جفن.

بتحييد تلك الفئة، نستغرب هذه الحماسة لدى الآخرين في:

-      دعوة اللبنانيين الى الثورة، وكأن اللبناني لم يقم حديثاً بثورة ملأت الشوارع، وقامت بقطع الطرقات وسهّلت تهريب الأموال الى الخارج عبر تذرع البنوك بالثورة للاقفال وتهريب الاموال وحجزها، وهي المسبب الأكبر للانهيار المالي والاقتصادي.

-      دعوة العرب الى الثورة، وكأن العرب قاصرين عن الثورات، وكأن الثورات لم تحصل في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين وسوريا... أي دعوة هذه، والعرب لم يأخذوا من الثورات سوى الارهاب والتكفير وقطع الرؤوس، والخيبات والتشرد والهجرة والموت في المتوسط.

وخارج هذا الاطار الكلامي الاستعراضي، لا بد من ذكر بعض الحقائق السياسية حول سيرلانكا:

1-  بعد الثورة، اتفاق بين الاحزاب في سيرلانكا على تشكيل حكومة "وحدة وطنية" تضم الجميع.

2-  سيرلانكا ساحة صراع إقليمي بين كل من الصين والهند، وهي جزء من مشروع طريق الحرير الصيني. وفي حين استمرت الهند في محاولة انقاذ سيرلانكا، لم يرغب الصينيون في الاستمرار بإعطاء الحكم في سيرلانكا مزيداً من الاموال، بسبب ما نُقل عن السفير الصيني في سيرلانكا غضبه من الحكومة الحالية التي ألغت عقود كانت الشركات الصينية قد ربحت المناقصات فيها في منافسة عالمية خلال فترة الحكومة السابقة.

3-  تدين سريلانكا حاليًا بأكثر من 50 مليار دولار لدائنين دوليين، 10% منها للصين، و11 % لليابان، و16 قرض من البنك الدولي، و بين 30 % و 50 %، هو دين خارجي السندات السيادية الدولية (شركات دولية كبرى) التي لها معدل فائدة أعلى وفترة سداد أقصر.

4-  مزيج من الظروف والسياسات الحكومية أدت الى الازمة، منها كورونا والارهاب الذي ضرب سيرلانكا وفجّر الكنائس والفنادق والذي عطلا السياحة، وهي مورد رئيسي للبلاد.

5-  أما الانتاج الزراعي الذي كان الأساس الذي تتكل عليه سيرلانكا بالاضافة الى قطاع الملابس، فقد قامت الحكومة الحالية بتشجيع من الخبراء البيئيين الدوليين بمنع استيراد الأسمدة من أجل تحقيق "الغذاء العضوي"وذلك بدون خطة متدرجة لذلك، ما ساهم بانخفاض الانتاج الزراعي وتحوّل سيرلانكا من الاكتفاء الذاتي الى الاستيراد، فأزمة غذائية كبرى.

 

في النتيجة، لقد علمتنا التجارب في العالم العربي، أن ليس كل حركة شعبية دعت المواطنين الى حمل الاعلام والصياح في الشارع واقتحام الاماكن العامة هو عمل سيؤدي بالضرورة الى مستقبل أفضل للبلد المعني.. لقد تحولت الثورات العربي - التي ألهمت العالم وانبهر بها كمثل انبهار اللبنانيين بسيرلانكا- الى خريف أحرق الدول العربية، وها هي النماذج ماثلة أمام اعيننا. 

2022/07/05

مسيّرات لبنان: كيف تستفيد فلسطين؟

خُلطت الأوراق بعد أن قام حزب الله بإرسال المسيّرات إلى المياه الاقتصادية الخالصة في فلسطين المحتلة، وتحديداً فوق حقل "كاريش"، حيث استقدمت "إسرائيل" باخرة الإنتاج اليونانية، إنيرجين، من أجل بدء الاستخراج بعد أعوام من التنقيب والاستكشاف، تمهيداً لبيع الغاز لأوروبا، بعد توقيع الاتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي. وتأتي هذه الخطوة اللبنانية بعد رسائل غير مشجّعة تلقّاها اللبنانيون بشأن العروض والتسهيلات التي قدّموها فيما يتعلّق بالتوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية، إذ اعتمدت "إسرائيل" – بدعم أميركي واضح - مبدأ "آخذ كل شي، واقاسمكم في غازكم ونفطكم".

وكما صار واضحاً في موضوع الغاز في المتوسط، فإن "إسرائيل" تطبّق الاستراتيجية نفسها في التعامل مع كل من لبنان وفلسطين، والتي تقوم على ما يلي:

1- منع التنقيب والاستثمار في الحقول اللبنانية والفلسطينية

مبكّراً في عام 1999، تمّ اكتشاف حقل الغاز في مقابل غزة. سُمِّي الحقل باسم "غزة مارين"، ويقع على بُعد نحو 36 كيلومتراً غربيّ غزة. منذ عام 2000، تحاول السلطة الفلسطينية بدء التنقيب عن الغاز في ذلك الحقل، الذي يحتوي على ما يُقَدَّر بأكثر من تريليون قدم مكعب من الغاز، لكنها فشلت في ذلك، بعد أن تعاقدت مع عدد من الشركات الأجنبية، وآخرها "شل"، التي انسحبت، ولم تستطع الاستفادة من العقد الموقَّع بينها وبين السلطة. وعام 2021، وقّعت مصر مع السلطة تفاهماً لاستغلال الحقل، لكن الطرفين لم يصلا إلى توقيع اتفاقية بعدُ.

عملياً، تقوم "إسرائيل" - بدعم من الولايات المتحدة الأميركية - بعرقلة بدء التنقيب والاستكشاف تمهيداً للإنتاج في "غزة مارين"، وهي الاستراتيجية نفسها التي اتّبعتها الولايات المتحدة مع لبنان، بحيث مورست ضغوط على شركة "توتال" وشركائها في الكونسورتيوم الدولي، والتي بدأت التنقيب في البلوك اللبناني الرقم 4، لكن الشركات انسحبت من دون أن تصدر تقريرها، بعد ضغوط دولية خلال ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب

وكان مساعد وزير الخارجية الأميركي في إدارة ترامب، دايفد شينكر، أعلنها صراحة، في مقابلة صحافية[1]، وقال إن الولايات المتحدة وضعت "تصوراً" لما يجب أن يكون عليه الاتفاق على ترسيم الحدود بين لبنان و"إسرائيل" (إعطاء "إسرائيل" حصة في الغاز اللبناني). لذلك، فإن على لبنان أن يطبّق التصور إذا أراد الاستفادة من الغاز في البحر. كما أعلن الوسيط الأميركي، آموس هوكشتاين، في مقابلة إعلامية، أن على لبنان أن يقبل "أي شيء" يقدَّم إليه، ما دام ليس لديه شيء.

وهكذا، يمنع الإسرائيليون على كل من لبنان وفلسطين استثمار مواردهما البحرية، من أجل إبقاء الأزمات المالية والاقتصادية والنقص في الكهرباء، في كل من لبنان وغزة، لإبقاء الضغوط الاقتصادية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وتنازلات من الطرفين.

2- إثارة النزاعات الحدودية

كما في لبنان، كذلك في غزة، تقوم "إسرائيل" باستغلال الاتفاقيات التي تعقدها مع قبرص لتقليص المساحة اللبنانية والمساحة الفلسطينية إلى أقصى حد، وتوسيع حدودها إلى أقصى حد، من دون الاستناد إلى اي سند قانوني أو علمي يستند إلى قانون البحار.

تحاول "إسرائيل" أن تقضم من الحقول اللبنانية، ومنها حقل قانا، ومن البلوكين 8 و9 اللبنانيين. وبالطريقة نفسها، قامت "إسرائيل" بتقليص مساحة المنطقة الاقتصادية الخالصة لغزة، بحيث أصبح عدد من الحقول الفلسطينية في مقابل غزة، في المنطقة الاقتصادية الخالصة الإسرائيلية، الأمر الذي سمح لها باستثمارها بطريقة منفردة.

3- استثمار الحقول الحدودية وصولاً إلى تجفيفها

تقوم "إسرائيل"، مستفيدة من قدرتها على التنقيب والاستخراج من دون عراقيل أو ضغوط، بالاستفادة من الحقول المشتركة الواقعة مباشرة عند حدود فلسطين المحتلة. هذا ما فعلته في حقل "ماري بي"، الذي تمّ اكتشافه عام 2000، عند الحدود البحرية المشتركة بين "إسرائيل" وغزة، والذي قُدّرت الثروة فيه بـ 1.5 تريليون قدم مكعب. بدأ الإسرائيليون استخراج الغاز منه، وتزويد محطاتهم المحلية عام 2004، حتّى تم تجفيفه عام 2011، باستفادة إسرائيلية مطلقة.

وبالطريقة نفسها تعاملت مع حقل "نوا"، الذي تمّ اكتشافه عام 1999، والذي تشترك "إسرائيل" وقطاع غزة في بنيته الجيولوجية، ويمتد إلى أعماق حدود القطاع البحرية، ويقدَّر مخزونه من الغاز بنحو 3 تريليونات قدم مكعب. بدأت "إسرائيل" إنتاج الغاز منه عام 2012، وما هي إلّا سنوات قليلة حتى تم تجفيفه كلياً من دون أي استفادة فلسطينية منه.

عملياً، هذا ما تنوي "إسرائيل" فعله في حقل "كاريش"، وفي المنطقة الحدودية من فلسطين المحتلة المتنازَع عليها مع لبنان، بحيث يريد الإسرائيلي أن يستغلّ قدرته على بدء الإنتاج، بينما لم يبدأ لبنان التنقيب بعدُ، ليجفف الإسرائيلي الآبار الموجودة في تلك المنطقة بالكامل.

 كيف يستفيد الفلسطينيون من سابقة مسيّرات لبنان؟

لا شكّ في أن "إسرائيل" لا تفهم إلّا لغة القوة، ولا تذهب إلى مفاوضات لتقدّم اي تنازلات، بل لتأخذ أقصى ما تستطيع من الطرف الآخر، مستفيدة من ضغوط خارجية أميركية، وأحياناً أوروبية، لإيصال الطرف الآخر إلى حد توقيع اتفاقيات استسلام وتسليم بالأمر الإسرائيلي.

على هذا الأساس، يمكن للفلسطينيين أن يتحلوا بالشجاعة، ويقتنصوا فرصة حاجة أوروبا إلى غاز شرقي المتوسط، وتوقيع الأوروبيين اتفاقيات لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر، ومن هناك تسييله وإرساله إلى القارة الأوروبية. إنها فرصة الفلسطينيين السانحة في توقيع اتفاقية طال انتظارها مع مصر لاستثمار حقل "غزة مارين"، وبدء التنقيب والاستكشاف فيه، تمهيداً لبيع الغاز في السوق الاوروبية، وتأمين الكهرباء لقطاع غزة

يمكن للبنان وفلسطين الاستفادة من الأجواء الدولية لاستخراج غازيهما. لا يحتاج الأمر سوى إلى شجاعة، وتخلي المفاوض الداخلي، في كل من لبنان وفلسطين، عن الخوف والمصالح الشخصية. إنها فرصة تاريخية، فإمّا يغتنمانها، وإمّا سيبقى الغاز مدفوناً في المتوسط، إلى أن تصبح تكلفة استخراجه أقل من ثمن بيعه في السوق العالمية. 

2022/07/04

مسيرات فوق حقل كاريش: ما هي الرسائل التي وصلت؟


بعد أن جاءت الردود "الاسرائيلية" والأميركية غير مشجعة في إطار التفاوض اللبناني الاسرائيلي غير المباشر عبر الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين، أطلق حزب الله ثلاث مسيّرات "غير مسلّحة، ومن أحجام مختلفة، باتجاه المنطقة المتنازع عليها عند حقل كاريش للقيام بمهام استطلاعية، وقد انجزت المهمة المطلوبة، والرسالة قد وصلت". (بحسب ما جاء في بيان الحزب)

إذا، ما هي الرسائل التي أوصلتها تلك المسيّرات؟

1-     رسائل سياسية تفاوضية

كما بات واضحاً يتطابق الموقفان الاسرائيلي والأميركي بخصوص التنقيب عن الغاز في المياه اللبنانية وترسيم الحدود، ويبدو أن الأوروبي دخل مؤخراً على خط الأزمة لتبني الموقف الاسرائيلي، بعد توقيعه اتفاقيات الغاز مع اسرائيل.

ردّت اسرائيل  على إطلاق المسيّرات عبر رئيس وزرائها (في الحكومة الانتقالية) يائير لابيد، الذي قال إن حزب الله "يقوّض قدرة لبنان على التوصّل إلى اتفاق حول الحدود البحرية... وإن إسرائيل ستواصل حماية نفسها ومواطنيها ومصالحها".

وبطريقة غير مفاجئة، كان الموقف الأميركي الذي عبّر عنه الوسيط هوكشتاين مماثلاً للموقف الاسرائيلي، إذ اتصل بنائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب، المكلف من رئيس الجمهورية بمتابعة الاتصالات مع الاميركيين، معتبراً ان ارسال حزب الله للمسيرات سيوقف التفاوض، ويؤثر على الإيجابية التي انعكست في المحادثات الأخيرة.

وهنا، يمكن الاشارة الى أن مسيّرات حزب الله، تأتي اليوم لتقطع مع سياسة اسرائيلية أميركية، تريد أن تستغل الأزمة الاقتصادية اللبنانية، لدعوته الى التخلي عن حقوقه، والقبول "بأي شيء طالما هو لا يملك شيئًا" وهي عبارة هوكشتاين في مقابلته التلفزيونية الشهيرة.

وهي سياسة أميركية ثابتة معلنة تتخطى الإنقسام الحزبي والادارات الأميركية، إذ يتطابق موقف هوكشتاين (الحزب الديمقراطي) مع ما قاله سابقاً دايفيد شينكر (الحزب الجمهوري) الذي قال في مقابلة مع موقع الهديل في حزيران 2020، أن "الولايات المتحدة وضعت "تصوّراً" لحل هذه الازمة، والكرة في ملعب لبنان الذي يواجه أزمة مالية ويريد أن يُنقّب عن الغاز في البلوك 9 و10 اللذين يحتويان على أكبر مخزون للغاز بحسب الدراسات على الساحل اللبناني، عندما تقرر الحكومة أن تستخرج الغاز للإستفادة منه، فأنا أشجع اللبنانيين على تطبيق "التصور" ليستطيعوا الإستفادة من الغاز في البحر".

هنا الرسالة الأولى: لا لن نقبل بـ"أي شيء"، ولسنا مستضعفين بالرغم من الأزمة الاقتصادية.

2-     الرسالة الثانية عسكرية

بحسب الإعلام الاسرائيلي، تكلّفت اسرائيل حوالى مليون دولار لاعتراض مسيرات حزب الله، واستعملت اسرائيل صاروخ "باراك 1" الاسرائيلي لإسقاط مسيّرات زهيدة الثمن، بصاروخ يكلّف أكثر من 300 ألف دولار. ويتخوف الاسرائيليون من أن يقوم حزب الله بإرسال مسيّرات يومية، ما سيكلّف اسرائيل ملايين الدولارات لحماية  منصة الانتاج، وهذا وحده كافٍ لتعطيل عملية الانتاج حتى لو لم يرسل طائرات مسيّرة تحمل قنابل في المرات المقبلة.

لطالما ردد الاسرائيليون الى أنهم سيقصفون لبنان ويدمرون بنيته التحتية  ويعيدونه الى العصر الحجري في حال حصل اعتداء على سفن التنقيب في المتوسط. عملياً، هذا التهديد الاسرائيلي لا يُصرف في أي مكان، إذ ليس لدى لبنان اي شيء يخسره في حال التصعيد، طالما الاميركيون يضعون خطوطاً حمراء على التنقيب في "جميع البلوكات" اللبنانية حتى تلك البعيدة عن فلسطين المحتلة، ما يعني أن الانهيار الاقتصادي والمالي هو قدر اللبنانيين في حال لم يستعملوا أدوات الضغط التي يملكونها لتغيير الاستراتيجية الأميركية المتبعة والتي تمنعه من استخراج الغاز في أرضه، حتى تطبيق "التصور" الذي يعطي اسرائيل جزءاً من الحقوق اللبنانية، وإلا الجوع.