2015/12/31

مجلس التعاون الاستراتيجي"... حلف عسكري جديد؟

د. ليلى نقولا
سيؤرّخ تاريخ الحرب السورية أن عام 2015 هو عام انقلاب موازين القوى الميدانية لصالح الجيش السوري بشكل دراماتيكي، خصوصاً في الجزء الأخير منه، وذلك بعد أن شهد الصيف بداية تراجع الجيش السوري على جبهات عدّة، لاسيما على الجبهة الشمالية في جسر الشغور.

لقد شهد الميدان السوري في الأسبوع الأخير من العام الحالي، تقدُّماً للجيش السوري وحلفائه على جبهات أربع؛ على الجبهة الجنوبية في درعا، حيث سيطر على مقر "اللواء 82" في ريف درعا، واقتحم بلدة الشيخ مسكين، ليقطع بذلك طريق إمداد المسلحين بين درعا وريف دمشق، وفي الداخل، أي في ريف حمص، حيث سيطر على بلدة مهين الكبير والصغير، بالإضافة إلى بعض البلدات المجاورة، وفي ريف اللاذقية على الجبهة الشمالية أحكم سيطرته على قرية برج القصب و"النقطة 1044"، وأخيراً على الجبهة الشرقية؛ حيث أدّى تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق الزبداني - الفوعة وكفريا إلى إخراج الزبداني كلياً من الحرب السورية، وأنهى تلك البؤرة الإرهابية في خاصرة دمشق ولبنان، والتي كانت تصدّر السيارات المفخخة إلى الداخل اللبناني.

ولعل هذا الانقلاب الميداني هو ما حتّم زيارة الرئيس التركي إلى السعودية، لمحاولة تعويم المجموعات المسلحة في سورية، ودرس سبل إيقاف التقدّم الميداني السوري المدعوم جوياً من الروس، ويراهن أردوغان والملك سلمان على النجاح، مستندين في ذلك إلى نجاح الزيارة السابقة لأردوغان إلى السعودية في شهر آذار الماضي، والتي أدّت إلى تشكيل "جيش الفتح"، وحيث كان للتحالف السعودي التركي ضد الجيش السوري إنجازاته التي ذكرناها في مطلع الصيف الماضي.

فما هي أفق نجاح "مجلس التعاون الاستراتيجي" الذي تمّ إعلانه بين السعوديين والأتراك في الرياض؟

بداية، لا بد من التذكير أن تقاطع المصالح بين الرياض وأنقرة لا يعني بأي حال من الأحوال أن البلدين لا يتنافسان على الزعامة الإقليمية "السُّنية" لعالم إسلامي يمتد من المغرب العربي إلى حدود الصين، ويشتد في البؤر المشتعلة، وأهمها منطقة الشرق الأوسط.

ثانياً: يأتي إعلان "التعاون الاستراتيجي" في وقت يعاني البلدان من أزمات اقتصادية خانقة، فالسعودية ولأول مرة في تاريخها الحديث تعاني من عجز مالي خطير، قد يكون أحد أسبابه (وليس كلها) مصاريف الحرب في اليمن وسورية، أما الاقتصاد التركي فهو في أسوأ مرحلة له منذ مجيء "حزب العدالة والتنمية" إلى الحكم ولغاية اليوم، زد على ذلك أن العقوبات الروسية على تركيا ستبدأ نتائجها الفعلية تظهر مع بداية العام 2016، وهذا يعني أن التعاون الاستراتيجي بين البلدين لن يؤدي إلى تحسُّن في الوضع الاقتصادي لأي منهما.

ثالثاً: على الصعيد السياسي، إن إعلان "مجلس التعاون الاستراتيجي" بين تركيا والسعودية لن يؤدي بأي حال من الأحوال إلى تحسين الوضع السياسي لأي منهما، فالمشاكل الداخلية التي يعاني منها البلدان لا تنفع معها تحالفات عابرة للحدود، كما أن تحالف السعودية مع تركيا سيجعل دولاً عربية تبتعد عن المملكة، كمصر والإمارات وغيرها، وهو ما كان ولي ولي العهد السعودي يحاول تلافيه بعد إعلان "التحالف الإسلامي".

رابعاً: على الصعيد العسكري، وهو الهدف الفعلي لزيارة أردوغان للسعودية، فإن المأمول من التنسيق بين البلدين دفع المجموعات المسلحة في سورية إلى مواجهة التقدُّم السوري - الروسي، ومحاولة إطالة أمد الأزمة، وتحقيق مكاسب ميدانية تستطيع من خلالها الدولتان تحقيق مكاسب سياسية في أي حل مرتقب للأزمة السورية، محاولين تكرار تجربة "جيش الفتح" التي أدّت إلى نتائج عسكرية لصالحهما في مرحلة من المراحل، لكن التدخل الروسي عطّل مفاعيلها.

ويبقى السؤال الجوهري في هذا المجال وهو: هل باستطاعة هذا التعاون العسكري أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ويشكّل ضغطاً على الجيش السوري، في ظل تعليق الأتراك طلعاتهم الجوية فوق سورية، وبعد أن فرض الروس مظلة جوية دفاعية فوق الأراضي السورية؟

في المحصّلة، آمال "مجلس التعاون الاستراتيجي" التركي السعودي لا تبدو أفضل مما سبقها من أحلاف عسكرية تمّ الإعلان عنها من قبَل السعوديين، ويمكن الاستدلال على الواقع العسكري للمجموعات المسلحة في سورية من خلال ردّ المكتب السياسي في «أحرار الشام» على زعيم «جبهة النصرة» أبي محمد الجولاني، الذي أكد أن المجموعات المسلحة، ومن ضمنها "جبهة النصرة"، "لا تسيطر إلا على أقل من 11.5 في المئة من الأراضي السورية، وقسم لا بأس فيه منها تحت الحصار الخناق والتجويع القاتل والقصف"، حسب قوله.

2015/12/17

الحلف الاسلامي: حرب على الارهاب أو "قنبلة صوتية"؟


د. ليلى نقولا
في خضم التسابق على حسم الميدان السوري، الذي يشهد انقلاباً بطيئاً ومدروساً وثابتاً منذ دخول الروس إلى الساحة السورية بتدخل عسكري مباشر، خصوصاً مع زيادة الجرعات الهجومية بعد إسقاط الطائرة الروسية فوق الأراضي السورية، وتقدُّم الجيش السوري على جميع المحاور.. في خضم هذا السباق الميداني، لم يخرق ضجيج الدبابات والطائرات والقصف المدفعي، صوت انفجار اللغم السعودي بتشكيل "تحالف إسلامي ضد الإرهاب"، والذي أُعلن عنه في منتصف الليل، وتحت جنح الظلام.

يعكس الذهول اللبناني الرسمي بإعلان لبنان جزءاً من هذا التحالف، أزمة الحكم المستفحلة، وأزمة قبول الرؤساء  منطق الالتزام بالدستور والقوانين والتخلي عن اختصار مجلس الورزاء بشخص رئيسه، ما يدفع إلى الايمان بأن "توصيف المهمة" لموقع ودور رئيس الحكومة يجب أن يتمّ تحديدهما  كخطوة أولى نحو بناء دولة القانون والمؤسسات في لبنان، وذلك بعد أن قام الرئيس الأسبق رفيق الحريري بتكريس سوابق مخالفة للدستور، من خلال اختصار مجلس الوزراء بشخصه، فتفرّد بالقرارات في ظل استخفاف لبناني ومباركة سورية.

وبالرغم من محاولة الرئيس تمام سلام التخفيف من وطأة تفرُّده باتخاذ القرار، وإعلان موافقته على الانضمام "مبدئياً" إلى "الحلف الإسلامي"، يبقى أن ما قام به يُعتبر خطيئة كبرى، خصوصاً في ظل إدراج السعودية لحزب الله على لائحة الإرهاب، وفي ظل إعلان الحلف الجديد أن مهمته مكافحة "التنظيمات الإرهابية  المسلحة أياً كان مذهبها وتسميتها".

وبغض النظر عن الموقف اللبناني، الذي سيبقى في إطار السجالات الداخلية ولن يؤدي إلى أي شيء في ظل موازين القوى الداخلية القائمة، يبقى أن الحلف المعلَن عنه في السعودية لن يخرج عن كونه "قنبلة صوتية" تحاول المملكة أن تخلق فيها لنفسها موقعاً على الساحة الإقليمية، خصوصاً بعد فشل حلفها السابق في الانتصار على اليمنيين الفقراء، وبعد فشلها في احتكار المعارضة السورية من خلال المؤتمر الذي عقدته، ورفض موسكو وسورية لهذه المحاولة، والتصدي لها بكافة أشكالها، ما جعل الأميركيين يتراجعون عن دعم "بيان الرياض للمعارضة السورية"، ويعودون إلى مقررات فيينا 1 و2، ويرضخون للشروط الروسية بتحديد المجموعات الإرهابية، وإعداد لائحة بها، وهو ما أعلنه كيري خلال زيارته لموسكو هذا الأسبوع.

والملاحظ أن كلاً من السعودية وتركيا وقطر تحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتتسابق كل منها على حجز مقعد لها على طاولة التسوية المرتقَبة، فتركيا تنتقل من إرباك إلى إرباك، ولا يبدو أنها استطاعت أن تحقق إنجازات في خطواتها الهجومية الأخيرة، سواء في سورية أو في العراق، ولغاية الآن يبدو أن الأتراك استطاعوا فقط ليّ ذراع الأوروبيين وتحقيق مكاسب مادية ومعنوية من الأوروبيين المحرجين بصعود اليمين في الداخل، وأزمة اللاجئين الذي يطرقون أبواب الاتحاد بدون توقف. أما قطر فمراهنتها على "أحرار الشام" لإغراق الروس في المستنقع السوري، كما صرّح وزير الخارجية خالد العطية، يبدو أنها لم تنجح، كما أن محاولاتهم تلميع "جبهة النصرة" من خلال إخراج العسكريين اللبنانيين المخطوفين، لم تنطلِ على أحد.

في المحصلة، يبدو أن مصير هذا "التحالف الإسلامي" الذي شكّلته السعودية (وهو الحلف الثالث في سلسلة الأحلاف التي ترعاها المملكة خلال سنة ونيّف)، لن يكون أفضل مما سبقه، فالأول الذي أعلنته واشنطن اكتفى بعراضات إعلامية حول قصف أهداف ومواقع "داعش"، بينما بقي التنظيم الإرهابي يتمدد، والثاني الذي أعلنته المملكة "دعماً للشرعية اليمنية ضد الحوثيين والجيش اليمني"، الذين كبدوا المملكة وحلفاءها الخسائر البشرية والمادية والعسكرية، أدّى الى قبولهم بالتفاوض مع الحوثيين للوصل إلى حل سياسي، أما "الحلف الإسلامي" الجديد فما هو إلا محاولة متأخرة جداً للسعودية لتُبرز نفسها "زعيمة للعالم الإسلامي"، وفي محاولة لتصدّر المشهد الإقليمي والالتفاف على تراجعها في ملفات سورية والعراق واليمن، وفي النتيجة لن يعدو كونه سوى عراضة إعلامية لن تغيّر في مواقف حلفاء السعودية الذين تراجعوا عن إسقاط النظام السوري - أقلّه الآن كما أعلن جون كيري - ولن تبدّل في موازين القوى على الأرض التي تميل لغير صالح المجموعات التي تدعمها السعودية في سورية.

2015/12/11

الارباك التركي: من سوريا الى العراق


د. ليلى نقولا
بالرغم من التشنج الذي سببه إسقاط الطائرة الروسية من قبل الأتراك فوق الأراضي السورية وما نجم عنه من توتر شديد في المنطقة التي باتت تعجّ بالاساطيل والتي لا تحتاج إلا لخطأ غير مقصود أو خطوة غير عقلانية من قبل أحد المتهورين حتى تنفجر حرب عالمية ثالثة تطيح بما تبقى من أمل بتسوية أو حل، قام الأتراك بخطوة تصعيدية أخرى في العراق، حيث عمدوا الى نشر قوات تركية في محافظة نينوى بدون تنسيق مع الحكومة العراقية، وأعلنوا أنهم لن يسحبوها بالرغم من مطالبات العراقيين المستمرة بسحبها واعتبارها "عدوانًا" وانتهاكًا لسيادة العراق.

فماذا في التصعيد التركي الجديد؟

يبدو أن التصعيد التركي المزدوج على جبهتي العراق وسورية، يشير الى أن الأتراك يخشون التسوية المقبلة الى المنطقة، ويحاولون قدر المستطاع أن يحققوا أكبر قدر من المكاسب من تلك التسوية من خلال التصعيد، بالاضافة الى منع الأكراد من تحقيق حلمهم بدولة كردية مستقلة تبدو أقرب الى التحقق لأول مرة في تاريخهم، وهو ما يجعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مصرًا على إطلاق مواقف تؤكد على السير بمشروع إقامة "مناطق آمنة" في شمال سوريا، بالاضافة الى دعوته الى التنفيذ السريع لمشاريع تدريب وتجهيز المعارضة السورية "المعتدلة" التي كانت قد أعلنت عنها واشنطن من قبل.

وبالرغم من نجاح الأتراك في ابتزاز الإتحاد الاوروبي في قضية اللاجئين، والحصول على مبلغ 3 مليار يورو من الاتحاد الاوروبي كثمن لإعادة استضافة اللاجئين الذين يتم إعادة ترحيلهم من الاتحاد؛ لا شكّ أن الحكومة التركية تعيش إرباكًا  اقليميًا لم تشهد مثله منذ بدء الأحداث في المنطقة ولغاية الآن، ويتجلى في:

-  عقوبات اقتصادية وتهديدات يومية من موسكو بعد إسقاط الطائرة الروسية، ولا يبدو أن أحدًا من الحلفاء مستعد لدعمهم او تخفيف الضغط عنهم.

- انكماش الاقتصاد التركي الى حد غير مسبوق، بالاضافة الى قلق المستثمرين من عدم الاستقرار وهو ما قد يدفعهم للرحيل عن تركيا بعدما شكّلت تركيا البديل والمكان الأفضل لكل مستثمر في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بعد الحرب في سورية وعدم الاستقرار في كل أنحاء المشرق.

- خسائر كبرى للمسلحين التابعين لأنقرة في شمال سورية، وتقدم للجيش السوري مدعومًا بقصف جوّي روسي، وعدم قدرة الأتراك على تأمين الإمداد لإعادة التوازن الميداني كما حصل في جسر الشغور سابقًا، بسبب دخول العامل الروسي الذي فرض واقعًا جديدًا على الأرض.

- تخوّف تركي من تمدد "حزب العمال الكردستاني"، الذي كان له المساهمة الأكبر في معركة تحرير سنجار في تشرين الثاني المنصرم، ما جعله يسيطر على البلدة ذات الاغلبية اليزيدية، وهو ما دفع الأتراك الى استباق تمدده ومحاولته ربط أقاليمه السورية بمناطق عراقية تمهيدًا لإعلان الدولة، خصوصاً في ظل قلق مسعود البرزاني ( حليف الأتراك) من توسّع سيطرة حزب العمال الكردستاني على حساب نفوذه في المناطق الكردية التي شهدت مظاهرات تدعو الى رحيله والى إصلاحات اقتصادية ومكافحة الفساد للخروج من الازمة الاقتصادية التي تفاقمت بعد انخفاض أسعار النفط.

- عدم قدرة الأتراك على إقناع الحلفاء بالسير بمشروع المنطقة "الآمنة" وهي فعليًا ترجمة للطموح التركي باحتلال كامل المنطقة الممتدة من ريف اللاذقية في سوريا، أو ما يطلق عليه الأتراك "جبل التركمان" وصولاً الى تلعفر في شمال العراق، وهي منطقة قريبة من المواقع التي يتمركز فيها الجنود الأتراك داخل العراق اليوم.

- قلق تركي من التسوية المقبلة في سورية، وخصوصاً بعدما صدرت مواقف أميركية واوروبية تدعو الى التعاون مع الجيش السوري، وتعيد النظر بمواقفها من الرئيس السوري بشار الاسد، بالاضافة الى أن التصعيد الروسي ضد الأتراك قد يدفع موسكو الى دعم الأكراد في مطالبهم، كما سؤدي بالضرورة الى التضييق على حلفاء أنقرة من المعارضين السوريين بحيث قد يواجهون بفيتو روسي على مشاركتهم في السلطة أو في الحكومة السورية المزمع تشكيلها كمسار من مسارات الحل السياسي.

2015/12/03

كيف قَلَبَ الروس "الطعنة" التركية لمصلحتهم؟

د. ليلى نقولا
ما زالت تداعيات إسقاط الأتراك للطائرة الروسية تتفاعل يوماً بعد يوم، وتكشف عن درجة الحماقة التي ارتكبها الأتراك في التصعيد العسكري في منطقة تضج بالطائرات المقاتلة والأساطيل الحربية، والتي لا تحتاج إلى أكثر من تصعيد أو إهانة لكبرياء أحد الدول المشاركة لكي تندلع حرب عالمية لن يُعرف مداها وتطورها وكيفية انتهائها.

يراقب حلف شمالي الأطلسي بقلق وحذر التحرك الروسي في سورية، خصوصاً الانتقال من مرحلة عروض التعاون والتنسيق مع دول التحالف الأميركي ضد الإرهاب قبل إسقاط الطائرة، إلى سياسة الهجوم ومحاولة فرض نفوذ أحادي فوق سورية يصل مداه إلى 600 كلم، هو المدى الذي تصله صواريخ "أس 400"، بعد إسقاطها.

واقعياً، منذ قرارهم بالانخراط العسكري المباشر في سورية، بدأ الروس بإرسال القدرات الدفاعية الجوية المتطورة جداً، وكان أعضاء من حلف "الناتو" قد حذّروا في وقت سابق من أن قبة "A2/AD" يتمّ إنشاؤها في شرق المتوسط، وهذا يعني أن الروس يبنون ثالث قبة لهم في العالم، بعد كاليننغراد في بحر البلطيق، وسيفاستوبول (في شبه جزيرة القرم) في البحر الأسود، والتي تمّ إنشاؤها بعد ضم القرم، وأقام فيها الروس منظومة صواريخ "كروز" تغطّي كامل البحر الأسود، والآن يتم إقامة الثالثة في اللاذقية على الشاطئ السوري في البحر المتوسط، والتي أنشأ فيها الروس قاعدة جوية روسية في مطار "حميميم"، وأرسلوا الطراد الروسي "موسكو"، الذي يُلقَّب بقاتل الغواصات، ما يعني إقامة قبة روسية في المتوسط لأول مرة في التاريخ الحديث.

ويشير الخبراء العسكريون إلى أن القبة التي يبنيها الروس في المتوسط، كما القبتان السابقتان؛ تعمل على تحقيق أهداف عسكرية عدّة، أهمها اثنان:

1-      السيطرة على منطقة ومنع الوصول إليها، أي أنه منذ الآن فصاعداً على حلف "الناتو" أن يحتسب أي خطوة أو تدخل عسكري له في منطقة النفوذ الروسي في سورية، بسبب "الكلفة العالية جداً"، و"المخاطر غير المقبولة" لأي تدخل أحادي لا يأخذ بعين الاعتبار التنسيق مع الروس، وهو ما تحاول أن تتحداه ألمانيا، حيث أعلنت وزارة الدفاع الألمانية أنها لن تقدّم معلومات لروسيا عن مسار تحليق مقاتلاتها التي سترسلها إلى سورية، لكن الكلام الحقيقي سيكون للميدان وليس للتصريحات غير الواقعية.

2-      الحرمان من القدرة على احتلال المنطقة المشمولة بالقبة الدفاعية، وهذا يعني أن أي وجود عسكري في سورية خارج الإرادة الروسية سيكون غير ذي جدوى، ويمكن للروس تعطيله وإفشاله، ومنعه من أي تحقيق أي نتيجة فعّالة على الأرض.

وانطلاقًاً من كل هذا، يمكن فهم التحرك العسكري الأميركي في المنطقة، والذي يركّز على المنطقة التي ينشط فيها "داعش"، خصوصاً في الرقة ودير الزور، والإعلان الأميركي الأخير بأن قوةً أميركية مكلفة بمهمات استشارية ميدانية واستخباراتية، قد تصل في الأيام المقبلة إلى العراق، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدّل على أن الأميركيين يتحاشون الاصطدام بالروس في سورية، ما يعني أنه عندما تنضج مرحلة التسويات في المشرق العربي، ويقتنع "الناتو" بعدم قدرته على إزاحة النفوذ الروسي في سورية أو تحدّيه بعد اليوم، فإن المنطقة ستشهد تقاسم نفوذ أميركي - روسي مشترك.

وبناء على هذا التصور المستقبلي (والذي يحتاج إلى وقت لتبلوره)، وفي حال لم يفرض الميدان واقعاً مغايراً، نرى أن المنطقة تسير نحو تقاسم نفوذ واقعي بين الروس والأميركيين، حيث تكون سورية ساحة النفوذ الروسي في المنطقة، بينما يكون العراق ساحة النفوذ الأميركية، وتشكّل إيران "عامل التوازن" بين النفوذين، كونها اللاعب الإقليمي الأقوى في الساحتين، علماً أن المخاطر تبقى متعلقة بما يلي:

1-      في حال تمّ رسم مناطق النفوذ نتيجة تفاهم أميركي - روسي، فإن المنطقة ستشهد ازدهاراً غير مسبوق، ونهضة إعمارية، وسيتخلص المشرق العربي من الإرهاب وتوابعه، وسيتمّ إضعاف الفكر المولّد له.

2-      في حال فرض الميدان واقع النفوذ بدون التفاهم السياسي الأميركي - الروسي، أي في حال لم يقبل الأميركيون بما فرضه الروس من واقع ميداني لمصلحتهم في سورية، واستمروا بمقاومته، فإن منطقة لا بأس بها على جانبي الحدود بين العراق وسورية، ستكون أشبه بقندهار، حيث تتداخل فيها كل تعقيدات الصراع الإقليمي والدولي، وينتشر فيها الإرهاب، ويتعذر إنهاء الصراع فيها، كونها المتنفس الذي ستتنفس فيه كل تلك الصراعات المتفجرة في المنطقة.

لكن، إلى أن يحين أوان التسوية، وهي ليست في المدى المنظور بأي حال، فإن لسان حال الروس وحلفائهم يتعامل مع حادثة إسقاط الطائرة ضمن عنوان "ربّ ضارة نافعة".