2018/12/27

هل يحفر ترامب فخًا لأردوغان؟

بشكل مسرحي مفاجئ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نيّته سحب جنوده من سوريا، ما استدعى استقالات من داخل إدارته وانتقادات من سياسيين واعلاميين أميركيين وأوروبيين. وكان اللافت ما نقلته شبكة سي أن أن الأميركية وقالت أنه مقتطفات من مكالمة هاتفية دارت بين ترامب، والرئيس التركي أردوغان، حيث قال ترامب لنظيره التركي: "سوريا كلها لك.. لقد انتهينا".
وتبدو هذه الخطوة والمكالمة لافتة ومفاجئة لجميع المراقبين، خاصة في أمرين:
الأول: إن إطلاق يد أردوغان في سوريا والقول "سوريا كلها لك"، يعني أن ترامب تخلى بشكل كلي عن الأكراد الذي استخدمتهم الولايات المتحدة كجيش برّي لقتال داعش، وتركهم فريسة لأردوغان، وهم الذين كانوا يعوّلون على الأميركيين لدعمهم في مطالبهم الإنفصالية. لطالما لعب الأميركيون دور الموازن بين الطرفين - الحليفين، أما اليوم فكأنما الولايات المتحدة تطلق يد أردوغان لينتهي من الظاهرة الكردية السورية، فيكونون أمام خيارين: أما الاستعانة بالأسد أو الاستسلام لأردوغان.
أما الأمر المفاجئ الثاني، فهو قيام ترامب بالإشادة بأردوغان. فمن المعروف أن الكيمياء مفقودة بين الرجلين، فبالإضافة الى تفضيله المملكة العربية السعودية، ومقايضته المال السعودي مقابل الدعم والمظلة الأمنية، كان الرئيس ترامب مستاء الى حدٍ بعيد من وقوف الأتراك ضد سياسته الشرق أوسطية وخاصة وقوف أردوغان ضد نقل السفارة الأميركية الى القدس، بالإضافة الى التصعيد اللفظي الذي مارسه أردوغان ضد الأميركيين خاصة في معرض قضية برونسون.
يجمع الأميركيون من الحزبين، أن شخصية أردوغان وغروره مسبب للكثير من التوتر على صعيد العلاقات الثنائية، ففي غياب مؤسسات قوية وفي احتكاره للسلطة، إن نظرة أردوغان إلى العالم والضرورات السياسية المحلية تدفعه الى تصعيد المواجهة  مع الولايات المتحدة وأوروبا. وبنتيجة الشحن الذي يقوم به أردوغان، والتصعيد اللفظي الذي يمارسه فإن 18 % فقط من الإتراك ينظرون نظرة ايجابية الى الولايات المتحدة ، و72% يعتبرونها تهديدًا كبيرًا لبلدهم ، علمًا أن استطلاعات الرأي تلك حصلت في وقت سابق (2017) لقضية برونسون وانهيار الليرة التركية كنتيجة للعقوبات الأميركية المفروضة على بلدهم.
كما يأخذ الأميركيون على تركيا، بحسب السفير الأميركي السابق في تركيا، بأنها تدير الدبلوماسية، باستخدام سياسة "اللوم، العار، ثم المطالبة" blame, shame and claim approach .
في المقابل، يدرك الأميركيون الاعتبارات الايديولوجية لأردوغان وتأثير السياسة المحلية على علاقاته الخارجية، لذا يحاذرون دائمًا من أي عمل يسعى الى إحراجه لإخراجه. كما يدركون أن السياسة الاستقلالية التي ينتهجها أردوغان لن تعود الى الوراء، لذا عليهم أن يبقوا على العلاقة معه، مع الأخذ بعين الاعتبار تأمين بدائل عن التعاون التركي في كل من العراق، وآسيا الوسطى والبلقان.
أما أهداف ترامب من توكيل حليفه اللدود أردوغان، فقد تكون متعددة، نذكر منها ما يلي:
- لا شكّ أن ترامب، ومن خلال الاعلان عن نيّته الانسحاب من سوريا وأفغانستان يريد حرف الأنظار عن الاحراج الذي يعانيه في الداخل خاصة في الأمور القضائية، لذا هو يحتاج الى أردوغان لتحميله مسؤولية مكافحة الارهاب بغياب الجنود الأميركيين، وذلك خوفًا من أي نتائج معاكسة وعودة داعش الى سوريا وتحمّله المسؤولية عن ذلك، كما حصل مع أوباما وانسحابه من العراق.
- برمي الكرة الى أردوغان، يعتقد ترامب أن الجيشين التركي والسوري (المدعوم من الايرانيين) قد يتقاتلان على بقعة الجغرافيا السورية التي سيتركها الأميركيون، وهذا يفيده ويفيد الاسرائيليين أيضًا. يدرك ترامب جيدًا أن الايرانيين والأتراك سيهرعون لسدّ الفراغ الاستراتيجي، ما يعني صدامهم الحتمي.
وبرأيي، إن الخيار الذي اتخذه ترامب بالخروج من سوريا لا عودة فيه، وسيتم تنفيذه، مع الإبقاء على قواعد عسكرية قريبة من الحدود العراقية السورية، ليبقى للجيش الأميركي قدرة على السيطرة على تدفقات السلاح والرجال ولإحتواء النفوذ الإيراني الممتد بين البلدين. بالطبع، لن يخلي الأميركيون الأجواء السورية بل سيقصفون الأهداف التي يعتقدون أنه ستمسّ بتوازن القوى، وسيتم سحب بعض الجنود الى الداخل العراقي معوّلين على قدرة دول التحالف الدولي (الغربية) والجيش التركي على سدّ الفراغ الذي ستخلّفه إعادة إنتشار جنودهم.
- أما الأهم، فيبدو الى أن كل ما يقوم به ترامب في سياسته الخارجية والداخلية هو تحضير للانتخابات الرئاسية القادمة عام 2020، لذا يبدو حريصًا على تنفيذ كل ما وعد به في حملته الانتخابية، بالاضافة الى توفير الأموال التي يتم صرفها في الحروب الخارجية وتحويلها لتحفيز النمو في الداخل وتشجيع الدورة الاقتصادية. وبالفعل فإن الارقام التي نشرتها وزارة الدفاع الأميركي تبدو مقلقة، إذ قدّرت حجم الكلفة العسكرية المباشرة للحروب الأميركية منذ عام 2010 بأنها بلغت 1.77 تريليون دولار؛ منها 756 مليار للحرب على العراق وسوريا، 730 مليار في الحرب على أفغانستان...

2018/12/20

صمت أوباما أو صراخ ترامب: من خدم الروس أكثر؟



يسود إعتقاد لدى العديد من الأكاديميين العرب والروس أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هو أكثر حدّة ومواجهة للروس في سوريا، وأن الروس استفادوا من "تردد أوباما وعجزه"، ليفرضوا أنفسهم لاعبًا أساسيًا - بل اللاعب الأساسي- في سوريا، وأن الأمور قد تتغير بعدما تخطى ترامب ما سموه "الخطوط الحمراء" في المواجهة مع الروس بقصفه منشآتٍ سورية، وهو ما تردد أوباما في القيام به.
الواقع، إن هذه المقاربة تنظر الى الميدان السوري من زاوية ضيقة، وتغفل عن العديد من الحقائق الميدانية على الأرض، ونجد أنه من المفيد مناقشتها، خاصة بعد تردادها من أحد الدبلوماسيين الروس في مؤتمر الدوحة الإقليمي 2018 الذي انعقد نهاية الاسبوع المنصرم. عليه، سنعيد التذكير ببعض الأمور التي تثبت عدم واقعية هذه النظرة:
في آب 2011، بات هدف أوباما المعلن تغيير النظام في سوريا بكافة الوسائل، باستثناء الإنخراط العسكري المباشر للجيش الأميركي في القتال. إن إعلان استراتيجية "إسقاط النظام السوري" هذه من قبل أوباما كان دعوة صريحة للحلفاء والمؤسسات الأميركية الأمنية والسياسية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني للعمل لتحقيق هذا الهدف بشتى الوسائل؛ ففُرضت العقوبات الإقتصادية على سوريا، وبدأت برامج تدريب المسلحين السوريين، وتأمين وصولهم الى الداخل السوري عبر دول الجوار....
ومع الدخول العسكري الروسي المباشر الى الميدان السوري في 30 أيلول 2015، انتقل أوباما الى استراتيجية "الاستنزاف"، من خلال تحقيق توازن قوى، بحيث يقوم الأميركيون بإمداد المجموعات المسلّحة بالأسلحة والعتاد والتدريب، وتأمين مصادر تمويل، ليس بهدف إسقاط الأسد، بل بهدف الاستمرار بالقتال إلى ما لا نهاية، حيث يُنهك الجميع (الارهابيون، والروس، والإيرانيون، والجيش السوري، وحزب الله)، فيستفيد الأميركيون و"الإسرائيليون" من استنزاف الكل في "حرب الكل ضد الكل".
ولعل التهديدات الأميركية بأن حلفاءهم الخليجيين والسعوديين، وحتى الأتراك، قد يقومون بإمداد فصائل المسلحين السوريين بصواريخ مضادة للطائرات قد تكون جزءاً من التفكير الاستراتيجي الأميركي بتحويل الساحة السورية إلى "مستنقع" للروس، مستعيدين التجربة الأفغانية.
اعتقد الأميركيون خلال عهد أوباما أنهم يستطيعون ذلك، كما قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال جوزيف دانفورد، خلال جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلَّحة في مجلس الشيوخ، حين اعتبر أنه ما زال من غير الواضح إن كانت روسيا قد باتت في مستنقع في هذا الوقت في سوريا، قبل أن يستدرك ويُطمئن بأن الأميركيين وحلفاءهم يملكون مجموعة واسعة من الخيارات العسكرية التي يمكن أن تساعد في تغيير الحسابات الروسية في سوريا.
وبالرغم من أوباما لم يقم بتدخل عسكري شامل ولا حتى محدود، في معرض ردّه على اتهام الجيش السوري باستخدام الكيماوي كما فعل ترامب (حيث قصف منشآت فارغة ولم يسقط أي ضحايا)، لكن أوباما لم يتردد في قصف الجيش السوري في جبل الثردة في أيلول 2016 حيث قامت طائرات التحالف (بالخطأ كما أعلن) بقصف مواقع للجيش السوري في دير الزور ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى في صفوفه، ومكّن "داعش" من السيطرة على جبل ثردة بمحيط مطار المدينة.
وفي بداية عام 2017، وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت تركيا الى السير بمسار آستانا، إلا أن الملاحظ أنها حصلت وطُبقت في عهد ترامب، ولم يتم الإعتراض عليها أو تهديد الأتراك للخروج منها بالقوة كما حصل في معرض قضية القس برونسون... كما أنه في عهد ترامب بالذات، وبالرغم من لهجته الخطابية العالية النبرة، استطاع الروس تكريس نفوذهم في سوريا، والسماح للجيش السوري والحكومة السورية بالسيطرة على 75 بالمئة من الجغرافيا السورية، بينما كان أوباما يسير بسياسة عدم السماح بسقوط أي بؤرة للمعارضة المسلحة أو الإرهابيين في الداخل السوري.
وقد يكون لترامب أسبابه الخاصة في تطبيق هذه السياسة في سوريا، فهو يضع نصب عينيه - بعكس أوباما- احتواء ايران مهما كلفت الأثمان، ولو كان في ذلك إعطاء الروس مكاسب في سوريا مقابل الاتفاق معهم على تحجيم الدور الايراني داخل سوريا، بينما كان أوباما يرى الخطر الايراني أقل تهديدًا للمصالح الأميركية من عودة الروس الى الساحة العالمية عبر البوابة السورية، لذا اندفع الى توقيع الاتفاق النووي.
وهكذا، يكون الفارق بين قوة ترامب وقوة أوباما في الشرق الأوسط، هو القدرة على الصراخ وإطلاق التهديدات والشتائم، ويتطابقان في عدم الانجرار الى مواجهة مباشرة مع الروس. في الواقع، تتسم سياسة ترامب بالعدائية والشدّة ضد الايرانيين والفلسطينيين فحسب، بينما في عهده، تحقق للروس السيطرة شبه التامة على التفاعلات الاقليمية حول سوريا، ولم يعد بإمكان أي طرف إقليمي أو دولي أن يقرر أي شيء بدون موافقتهم.

2018/12/13

الحرب النفسية على لبنان: من يقوم بها؟ وما الهدف؟

حاولت اسرائيل وعبر ما زعمت أنه اكتشاف أنفاق لحزب الله ممتدة من بلدات جنوبية لبنانية ومتوغلة في أراضي فلسطين المحتلة، أن تمارس إرهابًا معنويًا على اللبنانيين عبر تأليب الرأي العام العالمي ضد لبنان وضد حزب الله. وقد سعى نتنياهو من خلال استدعائه اليونيفيل للتحقيق في قضية الأنفاق الى تأكيد صحة مزاعمه عبر بيان رسمي من قبل اليونيفيل بأن هناك فعلاً أنفاقًا في تلك المنطقة بدون أن تحدد من قام بها.
وكان لافتًا تعامل حزب الله الاحترافي مع القضية حيث استعمل سياسة الغموض البنّاء، وقام بتصوير الجنود الاسرائيليين في وضعيات متعددة، وتمّ الاستيلاء أسلحة من الجنود الاسرائيليين المتواجدين على الحدود مع لبنان، في أكثر الحروب النفسية احترافًا ودقة.
وتعتبر الحرب النفسية من أخطر من الحروب التي تُشنّ على عدو، وقد تفوق بخطورتها الحرب العسكرية المباشرة؛ وقد اعتبر نابليون بونابرت؛ أن حرب العقول أقوى من حروب الأسلحة، إذ إن "هناك قوتان في العالم فقط: العقل والسيف؛ وعلى المدى الطويل؛ العقل دائمًا ما ينتصر على السيف".
        تعرّف الحرب النفسية بأنها ممارسة التأثير النفسي بغرض تقوية وتدعيم الروح المعنوية لشعب الدولة مقابل تحطيم الروح المعنوية لشعب العدو، أي أنها المحاولات التي تقوم بها لتجعل عدوك يفقد الثقة، ويتخلى عن الأمل، ويتملك منه الخوف؛ حتى تتاح لك فرصة الفوز بسهولة. وتعرّفها موسوعة المعارف البريطانية بأنها استخدام الدعاية ضد عدو بهدف إضعاف الروح المعنوية لديه، وكسر إرادته في القتال أو المقاومة... وتستخدم لتعزيز موقع الحلفاء أو مقاتلي الجهة التي تقوم بها .
وعادة ما تترافق الحرب النفسية ضد العدو مع الدعاية السياسية، لإظهار تفوق النفس على الأعداء، ويكون أهم أهداف هذه الحرب ما يلي:
1.     إقناع السكان المحليين بدعم العملية العسكرية ضد حكومتهم أو على الأقل عدم إبداء الرغبة في المقاومة، إنطلاقًا من فكرة عدم القدرة على المواجهة.
2.     رفع المعنويات وسط صفوف الجيش والمجموعات المحلية العسكرية الصديقة عبر الدعاية السياسية المكثفة.
4.     خلق جو عام من النزاع الداخلي وسط صفوف العدو وإحداث فتنة وانقلاب بينهم، وتأليبهم على بعضهم البعض بحيث يسهل اختراقهم.
5.     إضعاف الروح المعنوية لدى العدو وإشعاره بالذلّ والخضوع والإنهيار الإدراكي.
وتقوم الدول من خلال الدعاية السياسية، بتسويق قدرتها على الانتصار على العدو، وإمكانية هزيمته بسهولة، وهو ما انفك الاسرائيليون يقومون به من خلال تهديدهم للبنان وغزة، والدعاية لجيشهم بأنه الجيش الذي لا يقهر والذي يستطيع أن يكبد الآخرين آلامًا وخسائر موجعة.
في مجال الاستراتيجيات الدعائية يمكن أن نميز بين نوعين من الاستراتيجيات: استراتيجية "الحقيقة"  واستراتيجية "الكذبة الكبرى".
استراتيجية "الحقيقة" تعني تقديم المادة الإعلامية للمستمع أو القارئ بشكل إخباري يراعى فيه أكبر قدر من الدقة والموضوعية، مع تمرير بعض الرسائل المفخخة ضمن سياق حقيقي وواقعي الى حدٍ كبير. أما استراتيجية "الكذبة الكبرى" فهي تعني تحريف أو تشويه المادة الإعلامية من أجل التلاعب بالرأي العام، وإغراقه بكمّ من الإشاعات بحيث يتعذر عليه تمييز الحقيقة أو معرفة حجم الكذب في الموضوع.
وفي هذا الإطار، يبدو لافتًأ تعامل بعض الاعلاميين اللبنانيين والعرب بطريقة التهويل على اللبنانيين، وقيام هؤلاء بممارسة حرب نفسية لصالح العدو، مدّعين "الحرص على لبنان" وتسخيف كل من يقول بأن اسرائيل غير قادرة على شنّ الحرب، طالبين من الجمهور "عدم الانجرار وراء أوهام عدم قدرة اسرائيل على شنّ الحرب"، وهم - سواءً بحسن نية أو سوء نية- يقومون بالتسويق للعدو والمساهمة في حربه النفسية علينا.
إن التسويق الذي يقوم به هؤلاء لاسرائيل، والتهويل بحرب كبرى ستشنّها اسرائيل على لبنان، وإن الوضع اليوم مختلف عما كان عليه في الأعوام السابقة حيث انخرط العرب في عداء مع ايران وحزب الله، وباتوا في وضع أكثر دعمًا لاسرائيل، هو بالضبط جزء من التسويق والحرب النفسية التي تخدم العدو، لكن هؤلاء تغاضوا عن حقيقة أن المقاومة اليوم أكثر قوة من ذي قبل واسرائيل أكثر وهنًا من ذي قبل، وأن بيئة العدو الداخلية غير مجهّزة للحرب، وأن ظروف ما بعد حرب سوريا ليست كما قبلها.
عمليًا، يحاول هؤلاء استعمال استراتيجيات كان قد استعملها النازيون والبريطانيون في الحرب العالمية الثانية....لقد استعمل الإعلام النازي هذه الاستراتيجيات بفعالية معتمدًا على الفكرة التي عرضها هتلر في كتابه "كفاحي" وهي أن الكذبة الكبرى التي يتم تردادها بشكل مكثف ووافٍ، سوف تصدقها الجماهير، جزئيًا إن لم يكن كليًا، إذ أن أكثرية الناس يفتقرون إلى سعة الأفق اللازمة لإدراك أن ترداد تصريحات بشكل مكثف وعلى لسان أكثر من جهة لا يعني صحتها....
لكن، مع اللبنانيين، وبعد الحروب التي تعرضوا لها، لم تعد تجدي هذه الحروب، وسيخرج الاسرائيليون ومن معهم ومن وراءهم من حربهم النفسية مع لبنان خاسرين كما في حروبهم العسكرية.

2018/12/06

مظاهرات فرنسا: هل تطيح النزعة القومية بالاتحاد الاوروبي؟

بدأت تظاهرات أصحاب "السترات الصفراء" منذ أسابيع ثلاث في فرنسا، احتجاجًا على ارتفاع أسعار الوقود، لتمتد في وقت لاحق للمطالبة باستقالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون احتجاجًا على السياسة الاقتصادية العامة لحكومته. وقد اتهم أعضاء من حكومة ماكرون اليمين المتطرف باستغلال تلك الاحتجاجات.
وبالتزامن، شهدت الانتخابات الإسبانية سابقة تاريخية، بوصول حزب "فوكس" اليميني المتطرف إلى البرلمان، وحصوله على 12 مقعدًا نيابيًا، وبذلك ضَمن الحزب لليمين الإسباني الأكثرية اللازمة لإنهاء أكثر من ثلاثة عقود من هيمنة اليسار الإسباني، أي منذ الإطاحة بحكم الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو عام 1975، وخسارة آخر برلماني يميني مقعده في البرلمان عام 1982.
وشهدت الأعوام الأخيرة، صعودًا غير مسبوق لقوى اليمين المتطرف في جميع أنحاء أوروبا، بالتوازي مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ونجاح المتشائمين من مستقبل الاتحاد الاوروبي في إخراج بريطانيا من الاتحاد عام 2016.
وقد انتقل المدّ اليميني المتطرف الى كل من ايطاليا والنمسا وهولندا حيث حلّ حزب "الحرية"، في المركز الثاني في الانتخابات، وبات ثاني أكبر قوة في البرلمان بعد حصوله على 20 مقعدًا. والسويد التي تعاني من عدم قدرة الأحزاب على تشكيل حكومة منذ انتخابات أيلول 2018، وذلك بسبب عدم قدرتها على تخطي اليمين المتنامي شعبيًا. أما في إلمانيا فقد ارتفعت أسهم اليمين مع صعود تاريخي لحزب "البديل من أجل إلمانيا" ودخوله البرلمان الألماني إثر تحقيق 12.6 في المئة من الأصوات، ولقد أدّت الانتخابات الأخيرة وصعود كل من حزب "البديل" اليميني وحزب "الخضر" الى إنهاء مستقبل أنجيلا ميركل السياسي.
ويبدو اليوم أن المدّ اليميني القومي يأتي نتيجة لأمرين: الإسلاموفوبيا وكره الأجانب، وكرد فعلٍ على العولمة النيوليبرالية.
واقعيًا، لطالما شكّل مفهوم الهوية القومية عاملاً مقلقًا للأنظمة الأوروبية، وقد أدّى الى الإطاحة بالأنظمة الدولية التي عرفها العالم، كما أدّى الى حروب كبرى خاصة إذا ما ترافق المدّ القومي مع أزمات إقتصادية ساهمت في تعميق الهوة بين الأغنياء والفقراء، ومزيد من التهميش للمجتمعات، ويمكن أن نذكر في هذا الإطار، ما يلي:
- ساهمت ثورات أوروبا أو ما يعرف بربيع الشعوب الاوروبية الذي بدأ عام 1848، بسقوط نظام "الوفاق الاوروبي" الذي تأسس كأول نظام دولي عام 1815. ثم ساهم ارتفاع أسهم الأحزاب اليمينية (النازية والفاشية) بين الحربين العالميتين، بالإضافة الى عدة أسباب سياسية وإقتصادية (أزمة الكساد العالمي 1929) الى قيام الحرب العالمية الثانية.
- من جملة الأسباب التي أدّت الى سقوط الاتحاد السوفياتي، كان يقظة القوميات في أوروبا الشرقية، التي برزت كردّ على محاولة طمس الهوية الثقافية والاجتماعية والسياسية لتلك الدول والاستعاضة عنها بفكر أممي اشتراكي عابر للحدود.
أما اليوم، وبعد سيادة عصر العولمة النيوليبرالية، التي حاولت أن تفرض نمطًا آحاديًا من الثقافة على جميع العالم، كما اعتبرت أنه بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بات بالامكان فرض المفاهيم الليبرالية على جميع الشعوب والأمم، وباتت الخصوصيات الثقافية والاجتماعية أمرًا من الماضي... عادت العصبيات القومية الى الظهور، كردِ فعلٍ على محاولة فرض "شمولية ليبرالية" تنكر على ما عداها إي إمكانية للتميّز أو مخالفة "الأمر السائد" mainstream، والإدعاء بالصوابية السياسية  المطلقةpolitical correct حتى باتت تشبه الى حدِ بعيد الشمولية الثيوقراطية.
إن يقظة القوميات الأوروبية باتت تهدد مستقبل الإتحاد الاوروبي برمّته، في ظل انتشار فكر عنصري، يجد في السيادة والخصوصية الثقافية والقومية أمرًا يدفعه الى التمييز ضد الإجانب بغض النظر عن مدى اندماجهم في المجتمعات الأوروبية ومدى حاجة تلك المجتمعات لهؤلاء الطاقات "المهاجرة" من دول العالم الثالث، خاصة المسلمين منهم. والسؤال المقلق فعلاً، هل يكرر الاوروبيون تاريخهم فيكون مصير مسلمي أوروبا  في القرن الحادي والعشرين كمصير يهود أوروبا في القرن العشرين؟.

2018/11/29

المواجهة الاوكرانية الروسية: هل تكون مقدمة لحرب عالمية؟


شكّلت المواجهة الروسية الأوكرانية في بحر آزوف، قلقًا بالنسبة للعالم أجمع، إذ تأتي هذه الأحداث والأزمات في وقت يشهد فيه العالم توترًا غير مسبوق على أكثر من صعيد.
ولعل الهاجس الذي يقلق الجميع، هو السؤال المحوري: هل تنشب الحرب بين روسيا وأوكرانيا وبالتالي تمتد الى إنحاء أخرى من العالم، وهل ينخرط فيها الأميركيون وحلف الناتو، ويضطر معها العالم الى تكرار تجارب الحروب العالمية الكبرى؟
بشكل عام، إن دراسي العلاقات الدولية وتاريخ الحروب خاصة العالمية منها، يجدون أن كثيرًا من التطورات التي نعيشها اليوم، تشبه الى حدٍ بعيد المقدمات التي تؤسس لحروب كبرى، وذلك على الشكل التالي:
أولاً: من مقدمات الحروب عادةً، هو ظهور مجموعة قوى جديدة تريد تغيير أسس النظام العالمي، فتستفيد من ضعف الامبراطوريات أو القوى العظمى لتحل محلها أو تسعى لملء الفراغ الاستراتيجي الذي تتركه. وهو ما نشهده في صعود مجموعة من الدول الكبرى والإقليمية ومحاولتها تحدّي القوة المهيمنة (الولايات المتحدة الأميركية) في أكثر من مكان في العالم.
ثانيًا: غالبًا ما تأتي الحروب الكبرى نتيجة تنافس عالمي محموم بين الدول الكبرى إما على استعمار الدول الأخرى أو على فتح الأسواق لتصريف الإنتاج وغيرها.. وإن كان التاريخ الحاضر لم يعد ملائمًا للإستعمار المباشر لكن سباق النفوذ العالمي الذي تجلّى على أشدّه منذ عام 2011 وما تلاه، يشي بما يشبه الهستيريا العالمية للتوسع.
ثالثًا: تشبه النزعات القومية التي سادت قبيل الحربين العالميتين الى حدٍ بعيد، طفرة الشعور القومي المتنامي في العالم، وخاصة في العالم الغربي، أي في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. إن ارتفاع أسهم اليمين بشكل كبير في كل إيطاليا وإلمانيا والمجر والنمسا والسويد وغيرها، والمظاهرات التي رفعت شعارات النازيين في أكثر من مكان - منها أوكرانيا أيضًا- تؤكد أن الشعوب الأوروبية تبدو مستعدة لتكرار تجاربها التاريخية.
واقعيًا، إن صعود اليمين في أوروبا، ووصول ترامب الى البيت الأبيض، يؤكد أن ما سمي يومًا "نادي الرجل الأبيض" ما زال متجذرًا وبقوة في هذه المجتمعات.
رابعًا: لقد حصلت الحربين العالميتين بعد أزمات إقتصادية كبرى، واليوم ما زال العالم يعيش نتائج الأزمة الأقتصادية العالمية 2008، بدليل أن نتائجها على المجتمع الأميركي قد تكون أحد أسباب وصول ترامب الى الحكم، وهي التي تدفعه اليوم الى تهديد أوروبا ومطالبتها بالأموال..
لكن، بالرغم من تشابه المقدمات هذه، لا يمكننا القول ان العالم يتجه الى حرب كبرى. وحتى لو اتجهت الأمور بين أوكرانيا وروسيا الى تصعيد أكبر فلن تتحول الى حرب عالمية، لأسباب عدّة أهمها:
- لا يبدو الاتحاد الاوروبي معنيًا بإذكاء الحروب في نطاق جغرافي ملاصق لحيّزه الجغرافي، فها هي الحروب التي ساهم الإتحاد في تزكيتها في الشرق الاوسط لم تنتهِ، وما زالت تداعياتها (الهجرة والارهاب وصعود اليمين) تتفاقم لدرجة قد تهدد مستقبل الاتحاد الاوروبي برمته.
- لا يبدو حلف الناتو معنيًا بحرب كبرى مع الروس، ولنا في تجربة التصعيد التركي مع الروس بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية مثال وعبرة.
- ترامب غير معني لا من قريب ولا من بعيد بالحروب العسكرية، فكيف إذا كانت هذه الحرب مع صديقه "فلاديمير بوتين"؟. يعتمد ترامب في سياسته الخارجية على التهديد اللفظي، والأساليب الاقتصادية وحروب التجارة وهو ما يفهم به بحكم خبرته وحياته، لذا لن يفرّط بعلاقته مع بوتين من أجل أوكرانيا.
- من الناحية القانونية، إن قيام الروس بتفتيش السفن التي تمر عبر مضيق كيرتش ( وهو السبب الذي أدرجه الأوكرانيون لمحاولة زيادة قواتهم الحربية في بحر آزوف وهو ما أدّى الى التصعيد الأخير)، هو تطبيق للإتفاقية الموقعة بين البلدين عام 2003، والتي أنهت الخلاف القديم حول بحر آزوف، ووتمّ بموجبها الاقرار بأن بحر آزوف هو بحر داخلي بالنسبة لكل من اوكرانيا وروسيا معًا.
- من الناحية السياسية، لا يبدو الاوكرانيون مجمعون على الأسلوب الأنسب للتعامل مع الأزمة، فالرئيس الاوكراني يصعّد ضد الروس لجذب الناخبين تمهيدًا للانتخابات القادمة في الربيع القادم بعد أن تدنت شعبيته الى حدّ كبير. ويجزم معظم الخبراء الدوليون أن خروج اوكرانيا من الاتفاقيات مع روسيا، وخاصة إتفاقية آزوف سوف يكون مضرًا للاوكرانيين أكثر مما هو مضرّ للروس، هذا ناهيك عن اختلال موازين القوى العسكرية بين الطرفين (خاصة البحرية منها) لصالح الروس.

2018/11/22

مكافحة الارهاب: هل يخلي الأميركيون الساحة الأفريقية؟


في خطوة لافتة ومستغربة، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية  نيّتها خفض عديد قوات مكافحة الإرهاب في أفريقيا بنسبة 10% بهدف تحسين بنية الجيش الأميركي لمواجهة التهديدات الجديدة التي تمثلها دول مثل الصين وروسيا، وذلك تطبيقًا لسلم الأولويات التي وضعتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في استراتيجية الأمن القومي، حيث احتل الخطر الارهابي المرتبة الثانية لأول مرة منذ عام 2001، بينما اعتبر "التنافس مع القوى الصاعدة، كالصين وروسيا"، من أبرز التهديدات الأكبر التي تتعرض لها الولايات المتحدة.
وبغض النظر عن الاعلان عن سحب المئات من الجنود الأميركيين، يبقى لأفريقيا مكانة هامة في التخطيط الاستراتيجي الأميركي، وقد عكس وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الأسبق هذه الأهمية حين اعتبر “إن أمن بلادنا وازدهارها الاقتصادي مرتبطان بأفريقيا كما لم يحدث من قبل.” وأشار إلى أن ستة من أسرع عشرة اقتصادات نموًا في العالم هذا العام ستكون أفريقية، وأضاف “لكي يفهم المرء الاتجاه الذي يسير إليه العالم، يجب أن يفهم أن أفريقيا هي المستقبل”.
لماذا يقلّص الأميركيون، إذًا، عديد قوات مكافحة الارهاب الأفريقية؟
عام 2007،  أنشأت الولايات المتحدة قوة "أفريكوم" AFRICOM، وهي وحدة مكونة من قوات مقاتلة موحدة تحت إدارة وزارة الدفاع الأميركية وهي مسؤولة عن العمليات العسكرية الأميركية، وعن العلاقات العسكرية مع 53 دولة أفريقية في أفريقيا عدا مصر، التي تقع في نطاق القيادة المركزية الأميركية.
ولقد توسعت مهمة تلك الوحدة رويدًا رويدًا، لتشمل مهمات غير قتالية؛ كالمساعدة على بناء الدولة والمجتمع والتنمية الشاملة. ولقد برر الجيش الأميركي هذا التوسع المستمر في نطاق مهام أفريكوم، بأن بيئة المنطقة الرمادية بين المهام القتالية وبناء الدولة تبدو معقدة، وأن التهديدات الأمنية تنبع بشكل أساسي من البطالة وعدم التنمية والحرمان بالإضافة الى أن مشاكل الفساد وتصرفات قوات الأمن الحكومية المسيئة تجعل المواطنين الأفارقة "أهدافًا رئيسية للاستغلال من قبل المجرمين ومنظمات الإرهابيين في جميع أنحاء القارة" .
        وكان الرئيس باراك أوباما قد أعلن عام 2012 عن استراتيجية جديدة في إفريقيا تقوم على مفهوم الأمن الوقائي وذلك من خلال تنفيذ خطوات إستباقية في مجالات إنسانية واقتصادية واجتماعية عدّة جنبًا إلى جنب مع الخطوات العسكرية والأمنية بهدف تجفيف منابع الارهاب من جذورها.
وبدت أفريقيا أقل أهمية في الاستراتيجية الأميركية في إدارة ترامب، عندما وصف الرئيس ترامب البلدان الأفريقية بـ”الحثالة”، إلا أنه عاد ووجه رسالة الى رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي أثناء تجمعهم في أديس أبابا، وأرسل زوجته ميلانيا للقيام بجولة في بعض الدول الأفريقية.
وعليه، يدرك الأميركيون أن مكافحة الارهاب في أفريقيا هي جزء من الصراع الدائر بين القوى الكبرى على خيرات هذه القارة والسيطرة على مواردها وأسواقها، لذا لا يمكن أن يكون الاعلان عن تقليص عدد الجنود هو بداية إنسحاب أميركي أو اتجاه لترك فراغ في أفريقيا سيهرع كل من الصينيين والروس لملئه بسهولة. لكن - باعتقادي - قد يقلّص الأميركيون العنصر العسكري ليحل محله العنصر المدني المتخصص، وذلك لعدم زيادة موازنة مكافحة الارهاب من جهة، وللعمل بفعالية أكبر خاصة بعد دخول الروس الى الساحة الأفريقية، بعدما كان التنافس أميركيًا صينيًا لفترة طويلة.
لطالما أعلن الأميركيون أن مكافحة الارهاب في أفريقيا تحديدًا لا تتطلب عملاً عسكريًا بالدرجة الاولى، إذ تشير الدراسات الى أن البطالة وليس الدين هو ما يجذب الشباب للانخراط في بوكو حرام وممارسة الارهاب (على سبيل المثال)، بالاضافة الى استفادة الارهابيين من ضعف الدولة المركزية وغياب التنمية والفقر والجوع وتعسف السلطة لاستغلال الشباب وتجنيده، خاصة في البيئات التي يستطيع فيها الارهابيون أن يقدموا المساعدات الاجتماعية. ولطالما شكا الأميركيون من أن الجيش الاميركي - وضمن نطاق عملياته في أفريقيا- يقوم بمهمات ليست من مهام الجنود أصلاً.
إذًا، إن انسحاب بعض الجنود الأميركيين من أفريكوم، قد يكون هدفه إعادة تموضع، وسحب لبعض العناصر العسكرية تمهيدًا لاستبدالها بقوى ذات طابع غير عسكري، ومن ضمن التنافس مع الصين وروسيا في أفريقيا أيضًا وليس خارجها.

2018/11/15

حرب اليمن ستنتهي، ولكن!


ليلى نقولا - الميادين
14 تشرين الثاني 2018
شغلت حرب اليمن والمأساة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون حيّزاً مهماً من النقاشات وتصريحات القادة المجتمعين في باريس لإحياء ذكرى الحرب العالمية الأولى، وقد يكون ذلك مردّه إلى الإحراج الذي سبّبته قضية الخاشقجي للمملكة العربية السعودية وللدول الداعِمة لها، وأهمها الدول الغربية التي استمرت تبيعها الأسلحة بالرغم من الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي حصلت في اليمن بسبب استخدام تلك الأسلحة.
وقد تكون إدراة ترامب أرادت استباق أيّ اجتماع للكونغرس للبحث في مصير المُشاركة العسكرية (ولو الرمزية) للولايات المتحدة الأميركية في حرب اليمن، فتمّ الاتفاق على وقف خدمة تزويد طائرات التحالف السعودي بالوقود في الجو. وتشير التقارير إلى أن الأميركيين يُسهمون بأكثر من هذه المشاركة الرمزية، فيقومون بتزويد التحالف بصواريخ ذكية، بالإضافة إلى تقديم إحداثيات عن مواقع الحوثيين وتقديم معلومات استخبارية وغيرها..
وهكذا، قد تكون حرب اليمن قد اقتربت من نهايتها لأول مرة منذ اندلاعها وشنّ التحالف السعودي حربه بحجّة إعادة الشرعية، فلأول مرة تستفيق المُستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على الكارثة اليمنية فتصفها بأنها "أسوأ كارثة إنسانية على وجه الأرض"، وتحدّث الرئيسان الفرنسي والأميركي عن إمكانية أن تُتيح قضية مقتل الصحافي السعودي جمال الخاشقجي فرصة للتوصّل إلى حلٍ سياسي في اليمن. وقام وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت بزيارة إلى كلٍ من السعودية والإمارات للضغط من أجل إنهاء الحرب في اليمن ودعوة قادة السعودية للتعاون في التحقيق بشأن مقتل الصحافي جمال الخاشقجي.
قد يكون ترامب أقل المُهتّمين بإنهاء حرب اليمن، كون هذه الحرب تشكّل حافِزاً للسعودية لشراء المزيد من الأسلحة الأميركية، وباعتبار أن الدعم الأميركي والمال السعودي يستطيعان كبح جماح الانتقادات الدولية لما يُسمّى أسوأ كارثة إنسانية في العالم على الإطلاق، بحسب تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش. لكن مشكلة ترامب الحقيقية تبدو في هذا الإطار مُتعدّدة الوجوه، وذلك باختصار على الشكل التالي:
أولاً، هو يريد الاستمرار بدعم الحُكم الحالي في المملكة لأنه يستفيد منه، ولكنه لا يريد لهذا الدعم أن يؤثّر على مستقبله السياسي في الداخل الأميركي، أو أن يسمح لأعضاء الكونغرس بالدخول من هذه النافذة للتضييق عليه أو إحراجه في الداخل.
ونذكر في هذا الإطار، أن أعضاء جمهوريين وديمقراطيين في الكونغرس بدأوا يتحدّثون عن ضرورة وقف الدعم الأميركي للسعودية في حربها على اليمن، كما أن ثلاثين مسؤولاً أميركياً في إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بعثوا برسالة إلى البيت الأبيض، يقرِّون فيها بخطأ التدخّل العسكري في اليمن، داعين إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب إلى وقفه. وقالت صحيفة "واشنطن بوست" إن المسؤولين اعترفوا في الرسالة بدورهم ومسؤوليّتهم عن التدخّل الأميركي في الحرب المُدمِّرة التي يعيشها اليمن، داعين إدارة دونالد ترامب، لوقف هذا التدخّل.
ثانياً، يُدرِك ترامب أن تخليص السعودية من قضية الخاشقجي تبدو مستحيلة، لذا هو يريد على الأقل أن يمنع دول العالم من المُطالبة بتغيير في هيكلية الحُكم في السعودية، لذا أكّد لماكرون بأن السعودية مهمة لاستقرار المنطقة، ويجب العمل على حفظ استقرار السعودية الداخلي ( أي أنه يُلمّح إلى أن أيّ اتّهام لأعضاء من الأسرة الحاكِمة أو محاولة الإطاحة بوليّ العهد لن يمر بسهولة، وقد يُسبِّب اضطرابات وعدم استقرار في السعودية).
ثالثاً، إن الضغط الأميركي لإنهاء حرب اليمن، والدعوة التي وجَّهها وزير الخارجية بومبيو لوليّ العهد السعودي بضرورة إنهاء حرب اليمن، لا يعني تخلّي إدارة ترامب عن السعوديين، بل تهدف إلى حدٍ بعيدٍ إلى الحدّ من الخسائر السعودية في المنطقة وعلى الصعيد العالمي، وذلك للتخفيف من القضايا التي يمكن للرأي العام العالمي أن يستخدمها ضدّ المملكة وداعميها الدوليين.
وهكذا، يبدو أن الحلّ السياسي بات يقترب في اليمن، بسبب الإحراج السعودي الدولي في قضية الخاشقجي، ولكن إلى أن يتمّ ذلك الحلّ وإلى أن تستطيع الأمم المتحدة جَمْع أطراف النزاع على طاولة الحوار، سيقوم التحالف السعودي بتكثيف حربه على اليمن، وذلك لتحقيق مكاسب ميدانية للمفاوضة من باب القوّة على طاولة الحوار... وعليه، قد تكون أيام ما قبل المفاوضات، أسوأ أيام يعيشها المدنيون اليمنيون، على الإطلاق، منذ بدء الحرب.

2018/11/07

ما هي فعالية العقوبات الأميركية على إيران؟

ليلى نقولا- الميادين
بدأت الإثنين في 4 تشرين الثاني الحالي، حزمة العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، والتي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما أعلن انسحابه من الاتفاق النووي المُبرَم مع إيران والذي توصّلت إليه مجموعة الدول الست، والذي تحوَّل إلى قرارٍ دولي صادِرٍ عن مجلس الأمن (القرار رقم 2231).

وبالرغم من الترحيب الصادِر عن الإسرائيليين وبعض الإعلام الخليجي بإعادة فَرْض العقوبات على إيران، إلا أن هذه العقوبات يبدو أنها لن تكون على قدر آمال هؤلاء أو آمال الرئيس ترامب بحيث "تحدُّ هذه الإجراءات من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، أو توقِف برنامجها الصاروخي أو تدفعها إلى تغيير سلوكها.."، بحسب تعبير ترامب وأفراد من إدارته.

ويمكن القول إن الاقتصاد الإيراني سيُعاني بسبب عدم قدرة الشركات العالمية على الاستثمار في الداخل الإيراني، خوفاً من التعرّض لعقوباتٍ أميركيةٍ، وسيكون الإيرانيون أمام صعوبات إقتصادية تُضاف إلى الصعوبات السابقة التي يعانونها، والتي تظاهروا من أجلها في السابق. لكن في تقييم مبدأ العقوبات على قطاع النفط بالتحديد، يبدو أنها - وبالرغم من أنها ستكون مؤلِمة وستؤثِّر سلباً على الإقتصاد الإيراني- إلا أنها تبدو لغاية الآن عاجِزة عن تحقيق أيٍّ من أهدافها، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: من المعروف أن الايرانيين يعانون من عزلةٍ وعقوباتٍ إقتصاديةٍ منذ زمنٍ طويلٍ، ولقد اعتادوا على التقشّفِ في الميزانية. ويُصرِّح العديد من الخُبراء والمسؤولين الإيرانيين أن العقوبات السابقة على إيران دفعتها إلى الاعتماد على الذات وتطوير صناعات محلية، ما كانت لتطوّرها لو كان باستطاعتها استيرادها بسهولة من الخارج.

ثانياً: إن إعادة فَرْض العقوبات على إيران والخروج من الإتفاق النووي، أظهر الولايات المتحدة الأميركية كشريكٍ لا يمكن الوثوق به، وهذا ما يُقوّي موقف المُحافظين في الداخل ويدفع بعض الفئات في الداخل الإيراني - خاصة الشبابية - التي عوَّلت على الانفتاح على الغرب وطالبت به، إلى الإحباط والإيمان بعدم الاتّكال على القوى الغربية للمُساعدة، وبالتالي إن المُراهنة على تغيير في سلوك النظام لا تبدو في محلها.

ثالثاً: إن الإعفاءات التي منحتها إدارة ترامب لثماني دولة "حليفة" للاستمرار بشراء النفط الإيراني لفترةٍ محدودةٍ، تقوّض نظام العقوبات قبل أن يبدأ. بحسب التقارير العالمية، إن أهم الدول التي تستورد النفط الإيراني هي: الصين (بالدرجة الأولى) تليها الهند، كوريا الجنوبية، تركيا، إيطاليا، اليابان، الإمارات، إسبانيا، فرنسا واليونان الخ...

وفي نظرةٍ على هذه الدول، وبحسب ما أُعلِن من نظام الإعفاءات، وبعد إعلان الاتحاد الأوروبي وكل من بريطانيا وإلمانيا وفرنسا، عن آليّةٍ خاصةٍ للاستمرار في شراء النفط الإيراني... يبدو أن النفط الإيراني سيستمر بالتدفّق وقد يعود الإنتاج اليومي إلى سابق عهده، بعد أن تنتهي زوبعة الحرب النفسية التي يقوم بها ترامب على أبواب الانتخابات النُصفيّة.

رابعاً: إن اليمينية الشعبوية التي يحاول ترامب نَشْرها في كلٍ من أميركا اللاتينية والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى المُعاملة السيِّئة والضغوطات والكلام القاسي الذي وجّهه في وقتٍ سابقٍ إلى حلفائه الأوروبيين، يدفع هؤلاء إلى مزيدٍ من التحدّي للإدارة الأميركية الحالية، وبالتالي ستستفيد إيران من هذا التبايُن بين الطرفين للظهور بمظهر المُحافِظ على العلاقات الدولية والالتزام بالقانون الدولي، في حين يقوِّض ترامب أُسُس القانون الدولي وخاصة إتفاقية فيينا لقانون المُعاهدات (1969)، والتي دخلت حيِّز النفاذ عام 1980.

إذاً، وفي المُحصّلة، إن الصعوبات الاقتصادية التي سيُعانيها الإيرانيون من غير المُرجَّح أن تدفعهم إلى الاستسلام لشروط ترامب، فالإيرانيون يُتقِنون فن التهرّب من نظام العقوبات وهو ما قاموا بفعله على مدى سنين من العقوبات الدولية الشاملة، هذا بالإضافة إلى امتلاك إيران للعديد من أوراق القوّة الاستراتيجية في المنطقة والتي لم تستخدمها لغاية الآن.


2018/10/31

ماذا بعد خسارة ميركل!


في اعتراف واضح بالهزيمة خاصة بعد الخسارات الانتخابية المتكررة التي مني بها حزبها والأحزاب المتحالفة معه، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها ستتخلى عن رئاسة الحزب الديمقراطي المسيحي، لكنها ستبقى في منصب "المستشارة" حتى نهاية ولايتها الحالية التي تنتهي عام 2021.
لقد أسهمت سياسات ميركل بتراجع حزبها في الانتخابات المحلية( في منطقة هيسي) حيث لم يستطع الحصول سوى على 27% من الأصوات، متراجعًا 11 نقطة عن عام 2013. كما أثّرت سياسات ميركل على حليفها البافاري الذي خسر الغالبية الانتخابية في بافاريا، لأول مرة منذ عقود.
اللافت أن الناخبين الإلمان يعاقبون ميركل وحزبها وحلفاؤهم ويبتعدون عنهم، علمًا أن السياسات الإقتصادية للمستشارة الإلمانية - وبحسب الخبراء- قد أفادت المواطن الإلماني، والدليل ان معدلات البطالة في إلمانيا ما زالت في تراجع منذ استلام ميركل الحكم بعد أزمة اقتصادية كبرى. وبحسب وكالة العمل الإلمانية، تراجعت نسبة البطالة في إلمانيا خلال شهر أيلول 2018، إلى 5.1 في المئة، لتسجل أدنى مستوياتها منذ توحيد البلاد عام 1990.
إذًا هي سياسة الأبواب المفتوحة التي جعلت ميركل تخسر مستقبلها السياسي، وبسقوط ميركل سوف يتغير وجه أوروبا، على عدّة صعد، أهمها:
- أولاً في الداخل الإلماني: بعد الدرس العميق الذي سوف يستخلصه حزب ميركل بالدرجة الأولى والأحزاب الأاخرى بالدرجة الثانية، سوف يكون من الصعب على أي سياسي إلماني الاستمرار بنفس السياسات القديمة التي انتهجتها ميركل والتي أدّت الى خسارة شعبيتها، بل قد يجنح أكثر صوب اليمين.
وبالرغم من أن ميركل حاولت القيام بتدابير عاجلة لوقف التدهور الحاصل في شعبيتها، وإرتفاع أسهم اليمين في إلمانيا وفي أوروبا، كأن تقوم بعرض الأموال على لبنان والأردن لاستضافة اللاجئين، أو تضغط على دول الاتحاد للقبول بتوزيع اللاجئين، ووافقت على عقد اللقاء الرباعي في اسطنبول وعودتها لتبني الخطاب الروسي الأساسي حول الأزمة وهو "مكافحة الارهاب" ، والابتعاد عن السياسة الاوروبية المعتمدة منذ سبع سنوات حول "إسقاط الأسد".. بالرغم من كل ذلك، إلا أن الأزمات المستفحلة والمشاكل المتفاقمة وأعداد اللاجين الكبيرة كانت أكبر من قدرة الشعب الإلماني على تقبلها.
ثانيًا، على صعيد الإتحاد الأوروبي:
يعاني الإتحاد الاوروبي من مشاكل عديدة ليس أقلها خروج بريطانيا من الإتحاد والمفاوضات الصعبة التي يجريها الاتحاد مع لندن من أجل إيجاد صيغة خروج مقبولة للجميع. إن إضعاف ميركل سوف يؤدي الى إضعاف الاتحاد ككل، وإعطاء زخم أكبر للمتشائمين بمستقبل الاتحاد الاوروبي.
أما بالنسبة لفرنسا، والتي كان لميركل التأثير الأكبر في منع اليمين الفرنسي من الوصول الى الحكم، ووصول إيمانويل ماكرون من خارج الطاقم السياسي التقليدي، فسيكون الأمر مختلفًا نوعًا ما، حيث قد يعود التنافس الفرنسي الالماني على تزعّم أوروبا الى الواجهة.
يعاني ماكرون - كما ميركل- من إنخفاض شعبيته الى أقل من 30% خلاف فترة 18 شهرًأ من تسلمه الحكم، وذلك بسبب غروره وتكبّره، والفضائح التي لاحقته، والأهم فشل الاصلاحات الإقتصادية التي وعد بها، وارتفاع البطالة الى 10%.
إن ماكرون المنتشي بنفسه، سيحاول استغلال ضعف حليفته ميركل ليكرّس نفسه زعيمًا للإتحاد الاوروبي، معوّلاً على الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي ستعقد في شهر أيار من سنة 2019. وقد يكون ماكرون قد بدأ يميّز نفسه عن ميركل، وكان الأبلغ في هذا المجال تصريحه الفجّ والذي ردّ فيه على إعلان ميركل أنها قررت تعليق تصدير أسلحة إلى السعودية بعد جريمة قتل خاشقجي، والذي قال فيه إن "الدعوة لوقف بيع السلاح" الى السعودية إثر مقتل الصحافي جمال خاشقجي هي "من باب الديماغوجية البحت".

2018/10/24

حروب السعودية "الافتراضية"


في خِضمّ قضية خاشقجي، بدا لافتاً حجم الاستثمار الذي قامت به المملكة العربية السعودية في الفضاء الافتراضي والحروب المُتعدِّدة الاتجاهات التي قامت بها من ضمن حملتها سواء لإسكات المُعارضين لها، أو التسويق لوليّ العهد ورؤيته "الإصلاحية"، ودعمه لتوليّ العرش بعد والده.

وكان لافتاً في هذا الإطار، البيان الذي أصدرته شركة ماكينزي للدراسات والتي أسِفَت لكون تقريرها (الذي أعدّته للحُكم السعودي) قد تمّ استخدامه لاضطهاد المُعارضين. وكانت الشركة قد قامت عام 2015 بإعداد تقرير يقيس استجابة المواطنين السعوديين للتدابير التقشّفية ورأيهم بها، وقد تبيّن أن تويتر كان أكثر تأثيراً من وسائل الإعلام المحلية السعودية، وأن الآراء أتت سلبية وحدّدت ثلاثة أشخاص كان لهم أثر كبير على الرأي العام، ما دفع بالحُكم السعودي لإلقاء القبض على أحدهم، واعتقال إثنين من أخوة الثاني الخ..

ويتبيّن من خلال الاطّلاع على التقارير المنشورة في الغرب أن المملكة قد استفادت بشكلٍ كبيرٍ من التطوّر التكنولوجي ومن الأموال الطائِلة التي تمتلكها لتُحارب "افتراضياً" على مواقع التواصل الاجتماعي، ولتموّل ما يتمّ تسميته اصطلاحاً في العِلم الاستراتيجي بـ "حرب النت"، و"الإرهاب السيبراني"، و "حرب المعلومات".

فما هي هذه الوسائل؟

1- تُمثّل "حرب النت" حرباً حقيقية على الشبكة العنكبوتية، ويمكن بشكلٍ عام، أن تؤدّي إلى نزاعات واسعة النِطاق. وهي تعني محاولة التشويش أو إلحاق الأذى بالخَصْمِ أو العدو بحيث يطال الأذى الحقلين الدبلوماسي والسياسي، وذلك من خلال نشر الشائعات، والحملاتِ النفسية والتخريب السياسي والثقافي، وبثّ الأخبار الكاذِبة، والخِداع والدخول إلى الشبكاتِ المحلّية والتسلّل إلى شبكاتِ المعلوماتية الخ... وهو ما حصل خلال الأزمة مع قطر، حيث دخل القراصنة إلى وكالات الأنباء القطرية الرسمية وبثّوا تصريحاً مُفبركاً لأمير قطر، بدأت بعده الأزمة بين قطر والدول العربية التي تدور في الفلك السعودي.

2- الإرهاب السيبراني هو استخدام التقنيات الرقمية لترهيب وإخضاع الآخرين. ويمكن أن يتطوَّر الإرهاب السيبراني - بحسب القدرة التكنولوجية لمَن يستخدمه- ليصل إلى استخدام الإنترنت كوسيلةٍ يُمكن من خلالها شّن هجوم مُتعدِّد من قِبَل "الهاكرز"، لاختراق شبكات اتصال دولةٍ ما، أو أنظمة الأمن الخاصة بها، لنشر الفيروسات وتدمير الحواسيب.

في الحال السعودية وخاصة في قضية الخاشقجي، يُلاحَظ قيام الجيوش الالكترونية السعودية بالدخول إلى صفحات الذين يُعبِّرون عن رأيهم بالقضية أو ينتقدون المملكة، لممارسة التنمير وتهديدهم وإطلاق أبشع الصفات والنعوت عليهم، بشكلِ منهجي مُركّز، وممارسة الإرهاب عليهم ليحجموا عن القول أو التغريد حول القضية.
وقد قام هذا الجيش بتركيز حملته في الفترة الأولى على خطيبة الخاشقجي، بحيث لم تسلم من المساس بشرفها، وإطلاق الوسوم التي تمسّ بكبريائها كإمرأة والتحدّث عن "قباحتها"، وغير ذلك...

3- حرب المعلومات تعني استخدام التكنولوجيا الحديثة بغية إلحاق الأذى بالخَصْمِ أو لتحقيق التفوّق، وتستخدم الإنترنت كوسيلةٍ للتجسّس على الخصوم، ونشر الدعاية السياسية لتسويقِ فكرةٍ أو الترويج لعقيدةٍ أو لشخص.
وقد وظّف السعوديون الشركات الكبرى الأميركية (ماكينزي وغيرها)، وذلك للتجسّس على المُعارضين السعوديين في الخارج واختراق حواسيبهم، أو للترويج لوليّ العهد وسياسته ورؤيته الاقتصادية، وتسويقه على أنه "صاحب الفكر الإصلاحي" الذي يمكن للغرب التعامُل معه، ويجب عليهم دعمه.

وفي النتيجة، لقد استغل الديمقراطيون في أميركا والصحافة العالمية قضية الخاشقجي للتصويب على وليّ العهد السعودي ومعه دونالد ترامب. لذا، يبدو أن الأموال الطائِلة التي دفعتها السعودية في إطار استفادتها من حروب العالم الافتراضي التي تخوضها، أو في إطار حملة العلاقات العامة المدفوعة التي صرفت عليها المليارات في أميركا والغرب، لن تجدي.

2018/10/04

ما هي جدية شنّ الحرب الاسرائيلية على لبنان؟

يومًا بعد يوم، يثبت التفاهم الذي عقده التيار الوطني الحر وحزب الله، قدرته على الإستمرار بالرغم من كل التحديات التي واجهها في مفاصل عدّة، ومنها الإنتخابات النيابية الأخيرة. وقد يكون استمرار هذا التفاهم هو نتيجة لما يؤمن به الطرفان من مبادئ وطنية، تتجلى في مقاومة العدو، ومحاربة الفساد، وبناء الدولة القوية العادلة، وهو ما يتمظهر في كل مناسبة وحدث جلل.

لقد تكاملت كلمة رئيس الجمهورية اللبنانية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والإجراءات التي قام بها وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل الذي دعا السفراء الأجانب لجولة في مطار بيروت دحضًا لأكاذيب نتنياهو حول أسلحة حزب الله، مع التهديد الذي وجهه السيد نصرالله الى "اسرائيل"، بأن حزب الله يملك صورايخ دقيقة، وإن فرضت إسرائيل حرباً على لبنان ستواجه مصيراً وواقعاً لم تتوقعه في يوم من الأيام.

لقد دعا الرئيس عون دول الأمم المتحدة الى "الاستفادة من دروس التاريخ، لأن الظلم يولد الانفجار، وانتفاء العدالة والكيل بمكيالين يولدان شعورا بالنقمة ويغذيان كل نزعات التطرف وما تستولده من عنف وإرهاب، مؤكدًا أن انعدام العدالة أشعل حروبًا كثيرة في الشرق الأوسط وأوجد مقاومة لن تنتهي إلا بانتفاء الظلم وإحقاق الحق"، وأكد في لقاءاته الصحفية ومع الجالية اللبنانية على أهمية الدور الذي قام به حزب الله في مكافحة الإرهاب ومنعه من الإعتداء على لبنان، بالإضافة الى مقاومة العدو الإسرائيلي.

أما وزير الخارجية جبران باسيل، فلقد قرر المواجهة الدبلوماسية على شتى المستويات، بالرغم من إدراكه أن تلك المواجهة سوف تفتح عليه أبوابًا جديدة من الإنتقادات الداخلية، خاصة من قبل بعض الأطراف التي ترى ضرورة إضعاف حزب الله تمهيدًا لعزله ونزع سلاحه...

وهكذا، وبتكامل المواجهة العسكرية والدبلوماسية والسياسية اللبنانية، تكتمل عناصر القوة اللبنانية، وتكون المواجهة مع العدو قد تطورت لصالح لبنان بحسب المراحل التالية:

المرحلة الأولى: قبل حرب تموز 2006: كانت إسرائيل تملك قرارين أساسيين في المواجهة سواء مع لبنان أو مع أي دولة عربية: قرار الدخول في الحرب وقرار الخروج منها وإنهائها ساعة تشاء، وبالشكل الذي تريد. لقد شكّل تفوق الجيش الاسرائيلي العسكري والقدرة الجوية والتكنولوجية التي يملكها عاملاً مساندًا لإسرائيل في تحقيق هيمنتها على المنطقة، حيث استمرت اسرائيل في الاقتناع بأنه يكفي قرار سياسي بالنزهة الى لبنان، حتى تصل قوات الجيش الاسرائيلي الى حدود الليطاني.

المرحلة الثانية: تجربة حرب تموز 2006، والتي أدخلت مفهوم التوازن الردعي لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، والتي بيّنت أن قراراً واحداً فقط كان بيد إسرائيل، وهو قرار الدخول في الحرب، لكنها خسرت في المقابل ما يلي:

-القدرة على اتخاذ قرار الخروج من الحرب وبأي ثمن وبأي خسائر لأول مرة في تاريخها، ولم تستطع استعادته لغاية الآن، بالرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومات الاسرائيلية بناءً على توصيات لجنة فينوغراد.

-القدرة على أخذ "الحرب إلى أرض العدوَ"، بحيث يعيش الشعب الاسرائيلي بأمن وسلام، بينما تقوم الطائرات الاسرائيلية بتطبيق "سياسة الأرض المحروقة" في البلاد العربية. لقد عانى الاسرائيليون في حرب تموز وما بعدها، لأول مرة في حياتهم من الخوف من صواريخ المقاومة التي استطاعت أن ترسي معادلة "عاصمتنا مقابل عاصمتكم، مطارنا مقابل مطاركم" كما حددها السيد حسن نصرالله.

-خسرت اسرائيل قوة التأثير من خلال التهديد والتهويل بالحرب، التي تهزم العدو إدراكيًا ونفسيًا قبل شنّ الحرب عليه، فيقوم بتنفيذ بما تريده أن يقوم به، أو يمتنع عن القيام بما لا تريده أن يفعله، وذلك من دون أن تضطر لشنّ الحرب.

المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد الحرب السورية وانخراط حزب الله في قتال التكفيريين، بحيث امتلك من الخبرة القتالية ما يجعل الاسرائيلي يخاف من "حفيف الشجر، وضربات المعاول…" على الجزء اللبناني من الحدود كما قال الأمين العام لحزب الله في إحدى خطبه، وباتت المقاومة تعلن جهارًا امتلاكها صواريخ دقيقة، وأن مقاتليها يتدربون على سيناريو اقتحام الجليل في أي حربٍ مقبلة.

والنتيجة، أن اسرائيل التي تهدد يوميًا بشنّ حرب على لبنان، من المؤكد أنها باتت تتمنى الحرب وتخشاها في نفس الوقت؛ لذا لن تدخل اسرائيل في مغامرة لا تستطيع التأكد من انتصارها الحتمي فيها، والأكيد أنها لن تخرج الى مغامرة شبيهة بحرب تموز 2006، بالرغم من اطمئنانها الى مواقف بعض الدول العربية التي ستأتي أكثر جهرًا بالمساندة هذه المرة.

وعليه، إن حسابات الربح والخسارة في أي حرب مع لبنان لن تكون لصالح اسرائيل، والمنطقي والواقعي أن لا تلجأ اسرائيل الى الحرب، ولكن هذا لا يعني أن لا يتحسب اللبنانيون لأي جنون متفلت، ويحصّنوا وحدتهم في وجه الاسرائيلي، ويرسلوا له رسالة شديدة اللهجة بأن حلم عزل حزب الله داخليًا لن يحصل، وإن لبنان السياسي والدبلوماسي والعسكري مستعد للقتال في أيّ مواجهة قادمة، وسننتصر، وسيندم الاسرائيليون ندمًا شديدًا.