2012/08/30

إشعال الساحات الشرق أوسطية.. هل يبقى الخليج بمنأى؟

لم تكد الحرب العالمية تبدأ في سورية، وما أن اشتعلت النيران في الجسم السوري، حتى توالت التصريحات اللبنانية والدولية التي تدعو إلى تحييد لبنان عن الصراع الدائر في سورية، باعتبار أن التوازن الدقيق والهشّ في الداخل اللبناني معرّض بشكل دائم للاهتزاز، ما يؤدي إلى خطورة انفجاره في أية لحظة.
وبالفعل، كانت هناك خشية لبنانية مشروعة، تجلّت في سياسة أُسميت "النأي بالنفس"، لم يعارضها عاقل في البداية، باعتبار أنها قد تكون نوعاً من تحييد لبنان عن الصراع الدائر في المنطقة، لكن السياسة تلك تحولت إلى قناع يخفي وراءه عمليات سياسية وإعلامية وميدانية، تواكب الحرب الذي يشنها الغرب ودول الخليج وتركيا على النظام السوري لإسقاطه، فتحت ستار شعار النأي بالنفس، ومن دون حس بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية، يحاول بعض اللبنانيين ربط الساحتين اللبنانية والسورية بعضهما ببعض، وكأن ترابط الجغرافيا والتاريخ والديمغرافيا بين البلدين غير كافٍ لهزّ استقرار لبنان باهتزاز الاستقرار السوري، لتُضاف إليه خطط مبرمجة لإشعال الساحة اللبنانية خدمة لأهداف محددة في سورية، وذلك كما يلي:

-        من الناحية الميدانية:
أ- تعيش الساحة اللبنانية على إيقاع التطورات الدائرة في سورية، فحين يحتاج المحور الغربي وأتباعه إلى التعمية عن الخسائر التي يتكبدها ميدانياً في سورية، يقوم بإشعال نار تثير دخاناً في لبنان، وتحيّد الأنظار عما يحصل في الدولة المجاورة، وهكذا كان إشعال النار في طرابلس، كلما لاحت بوادر هزيمة للمسلحين في المناطق السورية، وذلك لإعطاء فرصة للغرب إعلامياً وعسكرياً وسياسياً لتأمين غطاء لتلك الخسارة الميدانية، وإمكانية إعادة التحشيد.

ب- استغلال حادثة خطف للقيام بخطف مضاد وتوتير مذهبي، بقصد إشعال النار في النسيج اللبناني بإثارة فتنة سنية - شيعية، ويمكن إدراك الهدف الحقيقي لهذه الأعمال من خلال مانشيت بعض الصحف العربية التي عنونت "شيعة يخطفون سوريين"، أو قتال سُنّي علوي في طرابلس، وكأن الأحداث عبارة عن اقتتال طائفي مذهبي لا علاقة للسياسة وللأحداث الدائرة في سورية به، وكان البارز مسارعة الخليجيين إلى دعوة رعاياهم لمغادرة لبنان، بالرغم من تأكيد الجميع على احترامهم وتقديرهم، لكن الدعوة تلك أشارت إلى أن هناك نيات مبيتة يضمرها الخليجيون للساحة اللبنانية، قد يكون منها إشعال نار الفتنة المذهبية.
ج- إضعاف الجيش اللبناني وإظهاره أنه جيش فئوي، وذلك من أجل تكبيل يده ومنعه من القيام بمهامه، وبالتالي إما أن يكون شاهد زور على ما يحصل من عمليات تهريب أعتدة وسلاح ورجال من لبنان إلى سورية، أو إخراجه من تلك المناطق لتكون مستباحة للمسلحين والإرهابيين.

-        من الناحية السياسية:
أ- مسارعة بعض القوى اللبنانية، المدعية النأي بنفسها، إلى استغلال حادثة توقيف الوزير الأسبق ميشال سماحة، لإعلان عدائها الواضح للنظام السوري، ومن هؤلاء من الرؤساء مَن حاول تقليد السياسة الأردوغانية تجاه سورية، متلبساً عنجهية أردوغان وغروره، ومتخيلاً نفسه زعيماً مشرقياً كبيراً لا تدور دورة السياسة الشرق الأوسطية من دون إذنه، أو بإشارة منه.
ب- استمرار ميقاتي بمحاولة استرضاء المملكة العربية السعودية، التي تعامله بسياسة "خذ وطالب"، والتي تجعله يقدم التنازل إثر التنازل، منها على سبيل المثال لا الحصر، إحراج الأمن والقضاء اللبنانييْن بإخراج الإرهابي شادي المولوي من السجن، ومعاملته كبطل قومي، وعرقلة المشاريع الحياتية الضرورية للمواطن.
ج- تعامل المؤسسات الرسمية المختلفة بشكل يدعم المسلحين السوريين على الأراضي اللبنانية، ويؤكد شرعيتهم، فمن السماح لهم بالتسلح الظاهر، إلى تأمين الطبابة والاستشفاء لهم، وغيرها.. حتى المواقف الدبلوماسية التي كانت تُتخذ من باب النأي النفس، تم التخلي عنها مؤخراً، ولم يعد من النأي بالنفس سوى عدم تلبية وزير الخارجية والمغتربين لمطالبات بعض الفئات بطرد السفير السوري من لبنان.
أما من الناحية الإعلامية، فحدّث ولا حرح، فممارسات بعض الإعلام فيها ما يندى له جبين كل مواطن شريف، فبعضه كاد يتسبب بفتنة مذهبية، وبعضه يبدو غير مكترث لمعاناة وأوجاع اللبنانيين، ومعظمه فاقد للمهنية والأخلاقية الوطنية.

في كل الأحوال، وإن كان البعض لم يتعظ من تجارب الماضي بتحويل لبنان إلى ساحة تنفيس للصراعات الدائرة في المنطقة، وإن كان البعض الآخر يعتقد أن بإمكانه الاستمرار بأن يكون أداة لشنّ حرب من لبنان على النظام السوري لاجتثاثه، وإن التفوه بالعبارات النابية، ومنها المستمد من كتاب "كليلة ودمنة"، كالتي كانت تشهدها ساحات 14 شباط، ستجعل النظام السوري ينهار.. إن كان كل هؤلاء والخليجيون الذين يدعمونهم، لا يدركون أن النار التي يحاولون إشعالها قد تمتد لتحرقهم قبل أن تحرق النسيج اللبناني والسوري، فلعل الاطلاع إلى ما يحصل في تركيا اليوم، والقلق الذي يعيشه الأتراك خوفاً من تمدد النار التي أشعلوها في سورية، يعطي مثالاً وعبرة، ويدق النفير عالياً، علّ من هم في الحكم الآن يتعظون.
لقد أجمعت التحليلات الاستراتيجية سابقاً، على أن الخوف مشروع من امتداد اللهيب السوري إلى لبنان والعراق، باعتبار أن الساحات الثلاث مترابطة عضوياً وديمغرافياً وطائفياً وسياسياً، لكن ما لم يحسب حسابه أحد، أن تمتد النار إلى الهشيم التركي، ولعله لم يخطر ببال الأتراك أن تمتد النار إلى عقر دارهم، فهل يكون ربيع للأكراد بديل عن "الربيع العربي"؟ وهل يتحسّب الخليجيون لما قد تجرّه الحرب العالمية على سورية، وما يحاولون إضرامه في لبنان من نار وقود نفطهم وقابلية اشتعالها كقابلية اشتعال صحرائهم الجافة، التي لو ابتدأت فقد تولع في هشيم ساحاتهم أشياء لم يحلموا يوماً بأنها قابلة للاشتعال؟

2012/08/17

الدولة في أسوأ حالاتها.. والمواطن يفقد خطوط الأمان

لماذا يفر المنشقون السوريون إلى قطر؟

الثبات في 9 آب 2012
كما بات معلوماً، تحوّل التحرك الشعبي في سورية، والذي بدأ على صيغة مطالبة بإصلاحات داخلية ومحاربة فساد، إلى عدوان مخطط له خارجياً، وبصورة واضحة المعالم، خصوصاً بعدما عجز المنظمون عن تحفيز الشعب السوري للنزول بمظاهرات مليونية تطيح بالنظام، في ثورة "سلمية" تشبه ثورتي مصر وتونس، وتقيم نوعاً من دومينو ثورات ملونة، كما حصل في الجمهوريات السوفياتية السابقة، كما عجزوا عن تكرار السيناريو الليبي، في ظل تماسك الجيش السوري وقيادته، وعجز الناتو عن التدخل العسكري في سورية، لما في ذلك من تكاليف باهظة وعجز عن الانتصار.. كل هذه الأسباب وغيرها جعلت المخططين ينتقلون وبسرعة قياسية ـ نوعاً ما ـ إلى عسكرة الثورة، وممارسة العنف والترهيب، من خلال عمليات قتل واغتيال الموالين للنظام أو أبنائهم، مع الاستمرار في محاولات إغراء القادة السياسيين والعسكريين والإعلاميين بالمال، أو ترهيبهم بالتصفية، للانقلاب على النظام أو الانشقاق عنه.

ولعل انشقاق رئيس الوزراء الجديد، وهروبه إلى الأردن، تمهيداً للانتقال إلى الدوحة، يعطي مؤشرات عدّة يمكن أن نذكر منها ما يلي:

-         إن عمليات الفرار التي تحصل تفيد بشكل جازم أن الجيش السوري ما زال يسيطر على جميع أنحاء البلاد، بعكس ما يشيعه المتمردون، فلو كان هناك بعض المناطق التي يسيطر عليها هؤلاء بشكل تام، ويفرضون سيطرتهم التامة عليها، لما اضطر المنشقون للفرار إلى خارج سورية، بل كانوا انشقوا وانتقلوا للسكن في المناطق التي يسيطر عليها  "الثوار".

-         إن انشقاق رئيس وزراء معيّن حديثاً يؤشّر إلى ضعف استخباراتي لدى النظام السوري، وهو أمر ظهر جلياً في وقت سابق؛ حين ظهر السلاح في الشوارع السورية، واكتُشف أن الخلايا النائمة كانت تتحضر وتدرب نفسها منذ سنوات للتحضير لعمليات ما في الداخل السوري، ويبرز هذا الضعف الاستخباري في ما نُقل عن بعض المصادر أن الرجل خطط منذ فترة طويلة لعملية الهروب، وأنه نقل أمواله خلسة، وكل محيطه العائلي، في عملية استمرت طويلاً، ربما قبل إعلانه رئيساً للحكومة في شهر حزيران الماضي.

-         هذا الفرار يبرز حاجة الدولة السورية إلى ضبط أكبر لحدودها، فعمليات تهريب السلاح والمال والعتاد والفارّين المنشقين والإرهابيين الحاصلة على الحدود، تفيد أن الحدود غير مضبوطة، بل و"فالتة" بشكل كبير، وبالرغم من أننا ندرك أن ضبط الحدود بشكل كامل هو أمر تعجيزي مستحيل، تعجز عنه أقوى الدول المستقرة، ومنها الولايات المتحدة الأميركية، التي لا تستطيع ضبط حدودها مع المكسيك، لكن يبقى على السلطة السورية التشدد أكثر، فهجرة عائلة رئيس الوزراء بكاملها كان من المفترض أن تثير الشكّ لدى الأجهزة المختصة، إلا إذا كانت غائبة تماماً.

-         إن عمليات الانشقاق التي تحصل، وفرار هؤلاء إلى الدوحة، يفيد أن الانشقاق حصل نتيجة عمليات إغراء مادية، وليس بناء على اقتناع بمطالب المتمردين أو تأييداً لثورة ما، بالعكس؛ فإن الفرار وما يعقبه من غياب عن الساحة الإعلامية والسياسية، أو حتى الميدانية، يفيد بأن عمليات الانشقاق هي عمليات خيانة وطنية لقاء بدل مالي.

-         إن الحديث بأن فرار رئيس الوزراء هو ضربة قاضية للنظام هو مجرد تمنيات لمطلقيها، فالرئيس السوري هو القائد الأعلى للقوى المسلحة، وليس رئيس الوزراء، ثم إن الاغتيال الذي أودى بحياة وزير الدفاع ونائبه، وهما من الرموز الأساسية للنظام، وهو الضربة الأقسى والأكثر إيلاماً للنظام السوري، لم تؤدِّ إلى انهيار النظام أو إضعافه، بل زادته عزماً وشدة، وجعلت من الشعب السوري يلتفّ أكثر حول قيادته، وهو ما ظهر في معارك حلب، حيث تشير التقارير إلى أن الأهالي يتعاونون مع الجيش على قتال المسلحين، ويمنعونهم من التمركز في أحيائهم، ويحرمونهم من البيئة الحاضنة، ويمنعون جعل الأهالي والمناطق السكنية دروعاً بشرية يتسترون بها لإحراج الجيش السوري وتكبيل يديه عن القيام بهجوم ساحق على الأحياء التي يتمركزون فيها، خوفاً من حصول مجازر في تلك المناطق.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن غالبية المنشقين، ولغاية اليوم، لم يؤثروا لا سلباً ولا إيجاباً على سير الصراع الدائر في سورية اليوم، فلا الضباط الذين انشقوا وقيل إنهم فرّوا إلى تركيا أثروا في سير المعركة الميدانية الدائرة، ولا السياسييين أو الدبلوماسيين الذين فرّوا إلى الدوحة أثروا في التوازن السياسي، أو استطاعوا أن يثبتوا أن النظام السياسي منهار بشكل يحرجه، أو يجعل كرة الفرار تتدحرج ككرة الثلج، بل إن من ينشق يفرّ لوحده وبثيابه، وبالوعد بقبض أموال من قطر، يحال بعدها إلى التقاعد ونهاية الخدمة بخيانة وطنية.

وهكذا يبدو من مسار الأحداث في الأزمة السورية، أن كافة الأوراق المتاحة التي استعملها المهاجم لم تؤدِّ الهدف المرجو منها بانهيار النظام، بينما ما زال المُدافع يتلقى الضربات السياسية والأمنية والعسكرية والإعلامية، ويصدّها محققاً نجاحات ميدانية وقدرة على التماسك وامتصاص الصدمات، محتفظاً بأوراق قوة إقليمية ودولية لم يستخدمها بعد.

في المحصلة، تشكّل استقالة رئيس الوزراء السوري السابق ضربة للنظام السوري، لكنها ضربة معنوية إعلامية، لا تؤثر في سير الصراع الدائر في سورية، ولا تؤثر في سير المواجهات الميدانية بين المسلحين والجيش السوري في مناطق عدة من سورية، خصوصاً بعد وصول الصراع إلى مرحلة الحسم العسكري بين الطرفين.

ليلى نقولا الرحباني


2012/08/08

حَفظَ المرأة - الإنسان... أتى "الربيع" يدميها

 ليلى نقولا الرحباني 

لم تكن مقاومة ظلم المرأة في المجتمع
 الإسلامي بالنسبة للسيّد محمد حسين فضل الله ترفًا فكريًا، أو نوعًا من التباين مع الفكر السّائد لإظهار الذات، بل كانت خيارًا عقلانيًّا ايمانيًا بناءً على حاجة وضرورة للدفاع عن قيم الإسلام الصحيح، وردّة فعل ضدّ ظلم وتشويه الإسلام، وحق المرأة – الإنسان المهدور باسم الدين. ومن البديهي القول بأن رجلاً يمتلك فكرًا ووعيًا وعقلاً راجحًا كما يملك السيد محمد حسين فضل الله، كان ومن منطلق إيمانيّ صحيح، قد حسم خياره بالدّفاع عن الكرامة الكيانية للإنسان والسَّير في معركة إخراج الدين من التصوّرات الإنسانية المشوّهة، التي جعلته في كثير من المحاور مليئًا بالخرافات والأساطير وبأساليب مختلفة للحطّ من قدر الإنسان وكرامته، وجعله أداةً لعبودية الإنسان للإنسان من خلال تعاليم وقيم متخلّفة ألصقت بالدين، وهو بريء منها.
لقد رأى السيد أنّ الجهل والحرمان والتناحر الاجتماعي وحرمان المرأة – أي نصف المجتمع- من حقوقها الأساسية واعتبارها من قِبل البعض وكأنّها أَمَةٌ أو جارية للخدمة في المنزل، هي آفات تهدّد المجتمع في بنيانه وقوّته، وتحرم المجتمع من السَّير بطاقاته الكاملة بل تجعله مجتمعًا أعرج يسير بساق واحدة، ممّا يؤدّي الى تخلّفه وجهله. لقد وجد أنّ الموروثات الثقافيّة الحاطّة من شأن المرأة تنتشر في مجتمعاتنا أفقيّاً وعاموديّاً متخطّية الحواجز الدينيّة والطائفيّة والاقتصاديّة، ومنتشرة في الأمثال الشعبيّة المتوارثة عبر الأجيال. فمن المثل الشعبي "المرأة مثل السّجادة من مرة لمرة بدها تنفيض"، نجد السيّدات المعنفّات في مختلف الطّبقات الاجتماعيّة وبغضّ النظر عن انتمائهنّ الدينيّ أو الطائفيّ أو المذهبي، كما يذهب بعض الأزواج- بغضّ النظر عن مستواهم التعليميّ والفكريّ والمادي- الى اعتبار عقد الزواج، عقد عبوديّة وقّعته المرأة أو مَن ينوب عنها، أو عقدًا بموجبه اشترى الرجل من المرأة عقلَها وقلبَها وعملَها وجُهدَها وفكرها وجسدها، ولم يعد بإمكانها استرجاع أيٍّ منها أو استرجاع قدرة التحكّم فيها.
وهكذا، حسم السيّد قراره واعتمد المواجهة ومقاومة واقع مركّب من صور الظّلم والعدوان على كرامة الإنسان وبالأخصّ كرامة المرأة، فكان خياره بمقاومة الموروثات الثقافيّة الحاطّة من قيمة ذلك الإنسان الأضعف بنيويّاً، ومجابهة الكثير من تقاليد "الجاهلية" التي جعلتها في كثير من الأحيان، عبدًا أو على الأقل إنسانًا أقل شأنًا من الرّجل، وهو ما يناقض الإسلام الصحيح، وما جاءت به تعاليم النبيّ محمد.
تمثّل السيّد فضل الله قولَ رسول الله: " من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الايمان". وإذا أردنا أن نعطي تفسيرًا حقيقيّاً للمعروف والمنكر، فالمعروف لا ينحصر بالصّلاة والصّوم والحجّ وغيرها من العبادات وأعمال الخير، بل يمكن أن يتّسع لكلّ عدل وحقٍّ في الحياة، والمنكر لا ينحصر بشرب الخمر وأكل مال اليتيم وغيرها من المحرّمات، بل هو يتّسع لكلّ الظّلم والباطل في الحياة. وإذا عرفنا أنّ العلم والعدل هما أعلى أنواع المعروف، وأنّ التخلّف والجهل والظلم هي أشدّ أنواع المنكر، فالمؤمنات - كما المؤمنون- مدعوَّات إلى التحرك في خطّ العلم والثقافة وفي خطِّ العدل، وللتحرّك ضدّ خطّ الظّلم والجهل والتخلّف والانحراف.
انطلق السيّد فضل الله في مسيرته لإعلاء شأن المرأة معتمدًا مبدأَين "التوعية الاجتماعية والبناء العقائدي" من أجل شرح الإسلام الصحيح، فدعا إلى نصرة الحقّ والدفاع عن المظلوم، ولم يكتفِ بالموقف الشخصيّ بل إنه ومن مسؤوليّته الشرعيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والإنسانيّة، حضّ الناس على نصرة الحقّ والدّفاع عن المظلوم ودعاهم لمواجهة الظّالم، أيّاً يكن هذا الظّالم سواء كان عدوّاً مغتصبًا للحقوق، أو حاكمًا مستبدّاً جائرًا، أو مجرّد زوج يظلم زوجته وبناته في المنزل ويحرمهنّ من حقوقهنّ الأساسيّة.
  وهكذا، كان للسيد، صديقَ المرأة العربيّة والمسلمة ورافع شأنها، الكثير من الفتاوى التي أكّدت على هذا الدّور الذي أناطه بها الإسلام، والتي كان لكثير من الغلاة انتقادات عليها، فكان أهمّها أن "قوامة الرجل على المرأة لا تعني سيادته عليها" و"تكريس حقّ المرأة كإنسان في الدفاع عن نفسها إذا اعتدى عليها زوجها". لقد انطلق السيد في الفتوى الأخيرة من منطلق أنّ القرآن يقرّ بالمساواة في الكرامة الإنسانيّة بين الرجل والمرأة، ويعطي الإنسان الحقّ في الدّفاع عن نفسه إذا اعتُدي عليه ظلمًا، ومنحه حقّ مقاومة المعتدي، لذا يكون من حقّ المرأة المظلومة كإنسان أن تدافع عن نفسها ضدّ الظالم المعتدي وحتى لو كان زوجها، وهو إنسان مثلها وهي ليست عبدة له أو أَمَة لديه.
لم يرد الإسلام للمرأة أن تنكفئ بعيدًا عن حركة المجتمع والإطار السياسيّ والاجتماعيّ العام، فالمجتمع يحتاج إلى جميع الطّاقات، ويحتاج إلى طاقة كلٍّ من المرأة والرجل، ويفرض على المرأة أن تنمّي طاقاتها كما يفرض على الرجل ذلك. وهكذا عندما يواجه المجتمع تحدّيات كبرى ويشهد انحرافًا ما، سواء كان انحرافًا في الحكم أو في السياسة وغيرها، لا بدّ من أن يكون للمرأة دور في مواجهة الانحراف، بكلّ ما لديها من طاقات وقدرات، وإلا إعتُبرت مُخلّة بواجباتها التي دعاها إليها القرآن، وهذا ما أراد السيّد محمد حسين فضل الله، أن يثبّته وأن يؤكّده في جميع خطبه وفتاواه بخصوص المرأة.

طيلة حياته، عاش السيد فضل الله همّ الأمّة، وهو يراها تسير في التخلّف والجهل، وتنحرف عمّا أوصاها به النبيّ محمد، خاصّة بشأن التعامل مع المرأة المسلمة. فماذا كان سيقول السيّد فضل الله اليوم وهو يرى الفتاوى المشينة بحقّ المرأة تطفو على وسائل إعلامية معدّة للفتنة والتجهيل، وماذا كان سيفعل لو شاهد الأمّة تسير في نفق من الظلاميّة والتكفير والجهل والتعصّب وحجب المرأة وإعادتها الى ثقافة جاهليّة، أسموه زورًا "ربيعًا عربيًا"؟.
هل سنجد في هذه الأمّة مجدَّدًا رجالاً تعتمد سلطانَ العقل، وتدرك كما أدرك السيّد قبلهم أنّ الدين أتى لخدمة إنسانٍ جعله الله القيمة الأسمى على الأرض وليس العكس، أو بالتحديد كما أتى في عبارة السيد المسيح للفريسيّين حين لاموه لأنه قام بمعجزة شفاء يوم السّبت، فوبخهم قائلاً "السبت إنما جُعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت"، أي إنّ كرامة الإنسان هي الأهم والأسمى، وإنّ القانون والشريعة والدين كلّها خُلقت من أجل الإنسان، مخالفًا بذلك المفهوم اليهوديّ التقليديّ الذي يقوم على المظاهر الخارجيّة والطقوس وقشور الدّين، ومؤكّداً أنّ الإيمان الحقيقي هو ذلك النابع من القلب والذي يحترم كرامة كلّ إنسان بما هو خليقة الله وصنيعته.
بحسب فهمنا، وكما لمسنا من فكر السيّد فضل الله، يريد الله رحمةً لا ذبيحة، يريد قلوبًا لا عروشًا، يريد محبّة وسلامًا لا اقتتالاً وحقدًا وفتنة بين المؤمنين، يريد مؤمنينَ طاهري القلوب لا منافقين يبطّنون الكفر ويدّعون الإيمان. إنّ ما يحصل اليوم، يشير إلى أنّ البعض يريد للعرب أن يسيروا في التاريخ في مسارٍ تراجعيٍّ يسير بهم بسرعة الى العصر الجاهليّ وعصور ما قبل الإسلام،  فهل من فكرٍ نيّرٍ في هذه الأمّة كفكر السيّد فضل الله يقف في وجه هذا المسار التأخيريّ، ويعيد للأمّة ذلك الفهم لصورة الله ومراده؟
    

2012/08/02

ثالوث الانهيار.. وحكومة الابتكار

تتعاقب فصول الأزمات اللبنانية المتنقلة بين صيدا وبيروت وعكار، ومن مجلس الوزراء إلى المجلس النيابي إلى الساحات الداخلية، ومن أوضاع مزرية اقتصادية إلى اجتماعية فأمنية وسياسية.. الوطن يئن لأن معظم الطبقة السياسية اللبنانية تعيش على وقع المشهد المتفجر في المنطقة، فمنها مَن يترقب سقوط النظام السوري لتتبدل موازين القوى ويحكم لبنان بمفرده، ويستأثر بالحكم أو ليقيم الإمارة، ومنهم مَن ينتظر أن يحسم الجيش السوري معركته الداخلية مع الإرهاب لكي يخفّ فجور بعض الأطراف الداخليين اللبنانيين، ويستطيع الانطلاق نحو بناء الدولة.
وهكذا، وعلى وقع المشهد السوري، تقام مجالس العزاء أو تُنصب خيم الاحتفالات، فمع اغتيال القادة الأمنيين السوريين، علت تهليلات الفرح وطلقات الابتهاج في شوارع طرابلس، موقعة قتلى وجرحى من المدنيين والجيش اللبناني، لكن، ما همّ، ومن يسأل! فالموت بالابتهاج نعمة يختلف عن الموت بوسائل أخرى، ولـ"الشباب" أعذارهم، وبحسب وزير الداخلية "فشوا خلقهم الشباب".. وكأن الموت والاستقرار وحياة المواطنين أصبحت فشة خلق معذورة، و"حارة كل مين إيدو إلو" اللبنانية لا يراها الوزير من نافذته مشهداً يومياً مقرفاً.
وهكذا، من اعتصام الأسير في صيدا، إلى حركة "عمال غب الطلب" الذين يطلَق عليهم اسم المياومين، إلى حركة خالد الضاهر والتكفيريين في عكار، نجد سلسلة مترابطة من الحلقات المتشابهة قد يبدو أبرزها ما يلي:
 -         تهدف الحركات الثلاث إلى تقويض سلطة الدولة وإظهارها عاجزة عن حماية مواطنيها وحماية المرافق العامة، وهكذا يسيطر الأسير على الطريق العام، ويعتدي على المواطنين في وضح النهار، ويقوم بتكسير السيارات على مرأى من قوى الأمن، والدولة تتفرج، وبنفس الطريقة يعتدي المياومون على حياة اللبنانيين وأرزاقهم، ويقطعون عنهم أهم مرفق حيوي حياتي، ويرشقون المعتصمين بالحجارة ويهددون الموظفين، وكله بغض نظر أو باشتراك ومؤازرة من القوى الأمنية! أما في عكار، فحدّث ولا حرج، يقوم المدججون بالسلاح بقطع الطرقات وتهديد المارة وتكسير سياراتهم، وترهيب المواطنين الآمنين في منازلهم، في تحدٍّ واضح للدولة، والجيش والقوى الأمنية.

-         يتستر كل من هؤلاء بالطابع الديني، فالأسير يرفع شعاراً مذهبياً للمطالبة بنزع سلاح المقاومة، والمياومون يرفعون شعاراً مذهبياً آخر لتبرير "تشبيحهم" على المرفق العام والأموال المجباة من المواطنين، أما خالد الضاهر والمجموعات التكفيرية الشمالية فشعارهم المذهبي مزدوج ضد المقاومة وضد النظام السوري "العلوي"، وكل شيء مستباح ومسموح في سبيل جعل لبنان "ساحة نصرة وجهاد" للإرهابيين القادمين من كل أنحاء العالم للقتال بدماء السوريين.
-         أما في الأهداف المحققة، فنرى أن الحركات الثلاث تقوم بإظهار عجز الدولة، ومحاولة تقويضها، خدمة لمشاريع خارجية مشبوهة، قد تظهر لنا في التساؤلات التالية:
أ- مَن تخدم حركة الأسير المطالب بنزع سلاح حزب الله، خصوصاً إذا ما عطفناها على مطالبات إخوانه بإضعاف الجيش اللبناني، في ظل التهديدات "الإسرائيلية" المستمرة للبنان، وما هو ترابطها مع كشف أمن اللبنانيين وأعمالهم وخصوصياتهم، من خلال تسليم داتا الاتصالات؟
ب- لماذا لم تقم الحكومة اللبنانية بإرسال الجيش إلى الشمال مبكراً حين وردت التقارير عن انتشار القاعدة واستباحة المسلحين السوريين للشمال اللبناني؟ ولماذا انتظرت ضوءاً أخضر خارجياً للقيام بذلك؟
ج- ما صحة التقارير التي تتحدث أن الأميركيين كانوا يريدون إقامة مناطق عازلة في لبنان، لكن بعض "المخلصين" نصحوهم بأن ذلك قد يؤدي إلى عدم استقرار لبنان وانفلات الوضع، وإن موازين القوى الداخلية لا تسمح بإقامة مناطق كهذه، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالمصالح الأميركية؟
د- ما صحة التقارير التي تتحدث عن أن عرقلة مشاريع تكتل التغيير والإصلاح مرده إلى تقاطع مصالح بعض مكونات الحكومة التي اعتادت على قبض "ثمن" ما لتمرير المشاريع؟
ه- التساؤل الأهم والأكثر خطورة: هل نستطيع أن ننأى بموضوع النفط عن كل ما يحصل في لبنان اليوم؟ ألا يحق لنا أن نسأل عن الطمع والجشع اللذين يستحوذان على الأميركيين ووكلائهم في لبنان، خصوصاً عندما نقرأ التقرير المنشور على موقع هيئة المساحة الجيولوجية الأميركية، والذي قدر أن حجم احتياطيات البترول منطقة "المخروط النيلي" الواقعة في منتصف المياه البحرية المصرية بحوالي 1763 مليون برميل من النفط، ومتوسط يقدَّر بـ223 تريليون قدم مكعب من الغاز، فيما قُدِّر احتياطي الغاز في السواحل التي يطل عليها لبنان و"إسرائيل" بما لا يقل عن 120 تريليون قدم مكعب من الغاز؟
في خضم كل هذه التساؤلات، لا يسعنا إلا أن نقلق على مستقبل الوطن، ومستقبل الأجيال القادمة بحقها في دولة قوية، في ظل وصول أمراء الميليشيات ورجال الأعمال والمال إلى السلطة والاستئثار بها.. اليوم نرى أن الحنين إلى زمن الميليشيات يعود إلى الواجهة، فيعود الأمراء إلى أسلحتهم ومتاريسهم وقطع الطرق وترهيب المواطنين، ورجال الأعمال يجوبون العالم، فيعقدون الصفقات ويبيعون ويشترون ويعدون الدول العظمى بصفقات مربحة على حساب الوطن والمواطنين.
ويبقى على المواطن اللبناني الوعي وانتظار نتائج المعركة العالمية الدائرة في سورية، فبعد انقشاع غبار المعارك، وبعد انتصار سورية على المؤامرة والقضاء على البؤر الإرهابية ــ كما هو متوقع ــ سيعود المشهد اللبناني إلى نيسان 2010؛ حين أقامت السفارة السورية احتفالاً تدافع فيه ثوار "شلوح الأرز" لأخذ الصور التذكارية مع السفير السوري، وتمنى كثيرون منهم  لو وُجد تمثال للرئيس السوري للتبارك.. حينها، نقترح على الأخوة السوريين إقامة الاحتفال في ساحة الشهداء لتتسع للجميع، ولئلا يدوس "ثوار الأرز" على أقدام أخصامهم السابقين خلال تدافعهم للتهنئة وإعلان الولاء، وعليهم أن لا يقلقوا بخصوص التمويل، فرئيس الحكومة المبدع قد يحوّل أموال المحكمة الدولية لشراء المفرقعات ابتهاجاً.