2017/07/27

معركة الجرود... كيف استطاع لبنان استثمار الخلاف الخليجي؟


د. ليلى نقولا

لا شكّ في أن الصراع الخليجي - الخليجي سيُلقي بثقله على العديد من الملفات والساحات المشتعلة في العالم العربي، خصوصاً على سورية واليمن وليبيا، وبجزء هام أيضاً سينعكس على لبنان، من خلال المعارك الدائرة في جرود عرسال، بعدما أزيح الغطاء عن الجماعات الإرهابية هناك.

من المعروف أن كلاً من الدول الخليجية قد دعمت بعض المجموعات المسلحة في سورية وغيرها من الساحات المشتعلة على أثر "الربيع العربي"، فكانت للسعودية مجموعاتها، ولقطر مجموعاتها، وبالرغم من وحدة الهدف المعلَن، أي إسقاط النظام السوري، إلا أن هذه الفصائل تقاتلت في كثير من الأحيان، كلما احتاج الخليجيون إلى إرسال رسائل بالدم بين بعضهم بعضاً.

وبالرغم من اعتناق قطر للفكر "الوهابي"، إلا أنها وجدت في دعم "الإخوان المسلمين" فرصة للتميّز عن المملكة العربية السعودية، حيث أرادت أن يكون لحكمها شرعية دينية غير مرتبطة بالسعودية مباشرة، لذا فتحت أبوابها لقادة "الإخوان" ودعمتهم مادياً وعسكرياً، واستفادت منهم لمدّ نفوذها عبرهم إلى أنحاء شتى في العالم الاسلامي، مستفيدة من تحوّلهم إلى حركة متسعة عالمياً، مما زاد من حجم نفوذها الخارجي، والذي بات يفوق بكثير حجمها كدولة صغرى.

استفادت قطر إلى حدٍّ بعيد من موجات "الربيع العربي"، وحاولت دعم "الإخوان المسلمين" للسيطرة على الحكم في دول عربية على أنقاض حلفاء السعودية. ومع بدء الحرب في سورية، ساهمت قطر إلى حد بعيد في تمويل الانشقاقات التي حصلت داخل النظام، كما دعمت العديد من الفصائل المسلحة التي شنّت الهجمات على الجيش السوري، منافسة في ذلك النفوذ السعودي الذي حاول أن يحجز له مكاناً أيضاً.

وفي لبنان، حاولت قطر، خصوصاً بعد حرب تموز، توسيع نفوذها على حساب نفوذ السعودية التاريخي، وذلك عبر مساعدات إعادة الإعمار التي قدّمتها، والمواقف التي دعمت فيها المقاومة خلال الحرب، ثم رعاية اتفاق الدوحة على أثر أحداث 7 أيار، لكن ما لبث التأثير القطري أن اتخذ طابعاً أكثر سلبية بعد الحرب السورية، حيث نقلت صحيفة "الصنداي تلغراف" أن عبد العزيز بن خليفة العطية، وهو شقيق وزير الخارجية القطري، قد أدين غيابياً في بيروت بسبب تمويله جماعات إرهابية في لبنان، وأنه التقى شادي المولوي وبعض مسؤولي "القاعدة" الآخرين، وأنه اعتُقل في لبنان لكن الضغوط التي مارستها قطر على لبنان أدت إلى الإفراج عنه. زد على ذلك أن عملية التفاوض على إطلاق سراح العسكريين المختطفين من قبَل "جبهة النصرة" أثبتت أن الوسيط القطري كان له الدور الأكبر في تحقيق تلك الصفقة ودفع الفدية المالية لإطلاقهم، مع العلم أن التقارير الغربية التي تتّهم قطر بتمويل الإرهاب تشير إلى أن الدوحة تعتمد أسلوب دفع الفدية للإرهابيين لإطلاق سراح مختطَفين غربيين، فتكون بذلك وجدت طريقة مشروعة لتمويلهم، واكتسبت نفوذاً سياسياً لدى الدول لمساهمتها في إنقاذ مواطنيها.

وبالعودة إلى جرود عرسال، لا شكّ أن الضوء الأخضر الإقليمي والدولي كان قد أعطي للتخلُّص من هذه البؤرة الإرهابية، وقد ساهمت الأزمة الخليجية في جعل "تيار المستقبل" في لبنان يعطي الضوء الأخضر "الضمني" لاجتثاث الإرهاب، ولو كان قد استدرك وأطلق بعض البيانات الشاجبة من أجل حفظ ماء الوجه، ولعدم إعطاء حزب الله مكاسب شعبية في الداخل اللبناني.

إذاً، استفاد لبنان وستستفيد سورية من الصراع الخليجي - الخليجي، وسيكون لتحرير جرود عرسال من الإرهابيين تأثير إيجابي على الداخل اللبناني والسوري معاً، وذلك على الشكل التالي:

1-    تأمين حماية مستدامة للداخل اللبناني من الاختراقات الإرهابية، وإنهاء الأحلام التي راودت البعض باقتطاع جزء من لبنان لتحقيق "الإمارة".

2-    سيكون لتحرير جرود عرسال واستئصال البؤر الإرهابية تأثير إيجابي على ملف النازحين السوريين إلى لبنان، خصوصاً هؤلاء القاطنين في المخيمات في ظروف إنسانية ومعيشية صعبة، لذا ستكون عودتهم إلى بلادهم أسهل من قبل.

3-    بالرغم من البيانات التي يطلقها "تيار المستقبل" ضد حزب الله وحربه في جرود عرسال، إلا أن "التيار" بذاته سيستفيد من اجتثاث المجموعات الإرهابية في الجرود، لأن هذا سيُضعف قدرة حالة التمرد السُّنية (ريفي وغيره) على استقطاب مناصرين في الشارع الموالي له، باعتبار أن حالة التمرُّد تلك تستقي دعمها من الأتراك والقطريين، ومن وجود مجموعات من المسلحين تستطيع تهديد عرسال وباقي الأطراف اللبنانية ساعة تشاء.

4-    انتصار حزب الله على "جبهة النصرة"، وفي هذا الوقت القياسي في الجرود، سيشكّل رادعاً قوياً لأي مغامرة "إسرائيلية" للاعتداء على لبنان، كما ستشكّل إنذاراً لكل طرف إقليمي أو دولي كان يمنّي النفس باستخدام مخيمات اللجوء السوري في لبنان لتقويض الاستقرار اللبناني، أو لاستخدام النازحين وقوداً في معارك ضد حزب الله في الداخل.

2017/07/13

تحرير الموصل...هل انتهت وظيفة التوحش؟


د. ليلى نقولا
يؤشر انتصار العراقيين على "داعش" وتحرير الموصل إلى بداية نهاية التنظيم الإرهابي في نسخته المشرقية، والتي ستكون حافزاً للسوريين للانتهاء من ظاهرة "داعش" في سوريا، علماً أن السباق لوراثة الأراضي التي يحتلّها "داعش" اليوم في سوريا وملء الفراغ الذي سيخلّفه انتهاء "داعش" يشكّل المعركة الجدّية للمحاور المتصارعة.
بعد نهاية "داعش" في المشرق، ما هو مصير هذا التنظيم الإرهابي؟ وهل سيتمّ استخدامه في مناطق أخرى كما تمّ استخدامه في العراق وسوريا؟
بداية، يجب الإشارة إلى أنه من الواضح أن "داعش" وسواه من المجموعات الإرهابية، مازالت وسيلة ممتازة للاستخدام في تقويض استقرار الدول، بهدف اخضاعها وتفتيتها، أو بهدف إغراق الجيوش والمجتمعات في معارك لا طائل لها تستنزف كل طاقتها البشرية والمادية والنفسية، لذا لن تكون نهاية "داعش" هي نهاية الإرهاب العالمي، بل إن انتهاء وظيفة "داعش" في ساحة من الساحات ستؤدي إلى إعادة تصدير الإرهابيين إلى أماكن أخرى لوظائف ومهام أخرى.
ويمكن القول إن نشاط التنظيم الإرهابي قد يتحوّل إلى شمال أفريقيا، لدعم "بوكو حرام"، خصوصاً المنطقة الحدودية بين الكاميرون وتشاد ونيجيريا، وآسيا الوسطى، لاسيما في أفغانستان، حيث ينشط التنظيم منذ 2014 باسم ولاية خراسان، وجنوب الفليبين، حيث تعمل جماعة "أبو سيّاف".
وفي كل من المناطق المذكورة أعلاه، يمكن أن تستفيد الدول الكبرى من وجود "داعش" ومحاربته، لكننا سنركّز في ما يلي على أهمية ووظيفة تحوّل "داعش" إلى أفغانستان:
يعمد "داعش" - أفغانستان، أو ما يسمى "ولاية خراسان"، منذ فترة إلى شنّ هجمات إرهابية متكررة على العديد من المناطق، خصوصاً على المراكز الدينية الشيعية، بالإضافة إلى تصعيد خطابه ضد الحكومة، ومحاولة توسيع نفوذه على حساب "طالبان"، واتهامها بالكفر.
ولعل وجود "داعش" وتمدّده في ما يسمى ولاية خراسان، يحقق أهدافًا عدّة، منها:
أولاً: محاولة تقويض الاستقرار والأمن في إيران، وذلك عبر تغلغل "داعش" في مناطق البلوش (بلوشستان)، والتي تتوزع اليوم بين ثلاث دول: باكستان وأفغانستان وإيران. وتشير التقارير المختلفة إلى أنه ومنذ مطلع القرن العشرين والحركات القومية البلوشية تحاول أن تؤسس دولة مستقلة لها في بلوشستان، واتخذ الصراع طابعاً مذهبياً بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران عام 1979، ويتغلغل "داعش" وبعض المجموعات الإرهابية في تلك المناطق، مستغلين الحاجة والفقر والدِّين لتجنيد المقاتلين، خصوصاً ضد إيران.
ولعل ما يزيد أهمية الأمر، اكتشاف حقول نفطية تحتوي على مخزون هائل من الغاز الطبيعي في منطقة بلوشستان، ووقوعها على طول المسار المقترح لخط "أنابيب السلام"، والمصمَّم لنقل الغاز الطبيعي من إيران إلى الهند عبر باكستان، وهو ما يغري "داعش" للسيطرة عليها كما سيطر على حقول النفط في سوريا والعراق وليبيا في وقت سابق.
ثانياً: يمكن لولاية خراسان (داعش أفغانستان) أن تُستخدم كما تمّ استخدامها في العراق؛ لزيادة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، وبالتالي إعادة نشر قوات أميركية في ذلك البلد، لما لتلك المنطقة من أهمية حيوية في الصراع الجيوسياسي؛ الأميركي - الروسي والأميركي - الصيني.
ثالثاً: يمكن لتمدد "داعش" (خراسان) في دول آسيا الوسطى، والتي تعاني من مشاكل عديدة منذ التسعينات بعد بروز حركات "الإسلام السياسي" الراديكالي، خصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وإعلان الاستقلال، أن يؤثر سلباً على طريق الحرير الجديد، الذي تقوم الصين بإنشائه لتطوير التجارة بين الصين وأوروبا، مستخدمة التنمية كأداة لفرض هيمنة جيوسياسية اقتصادية في تلك المنطقة.
ثالثاً: تؤمّن ولاية خراسان عمقاً استراتيجياً للايغور المسلمين الصينيين، الذين يقطنون مقاطعة صينية تتمتع بنظام إداري خاص، تقع في أقصى شمال غرب البلاد، وتمرّ فيها طريق الحرير الجديد، علماً أن التقارير أشارت في وقت سابق إلى أن 5000 من الايغور الصينيين قد التحقوا بـ"داعش" في سورية في السنوات السابقة.
رابعاً: من شأن ازدياد نفوذ "داعش" في آسيا الوسطى أن يهدد الأمن القومي الروسي، وذلك لأن أمن روسيا مرتبط إلى حدّ بعيد بأمن جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ولأن إغراء التطرُّف الديني قد يمتد كالنار في جميع جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز.
إذاً، انتهت وظيفة "داعش" في العراق، وعاجلاً ستنتهي وظيفته في سوريا، وسيتحوّل إلى مناطق أخرى يزرع فيها الرعب ويمارس التوحش ويقوّض استقرار الدول، خصوصاً في المناطق الاستراتيجية والنفطية.