2012/07/28

اغتيال العقول العربية.. "فتّش" عن "إسرائيل"

تزايد في الآونة الأخيرة إصدار بيانات القلق والشجب والإدانة من قبل الدول الغربية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية الدولية لما تقوم به قوات الجيش النظامي السوري من عمليات عسكرية، حيث يتحدث هؤلاء عن استهداف المدنيين، وعدم قدرة الحكومة السورية على حماية مواطنيها، واللافت أن أي استنكار لم يصدر عن هذه الجهات لاغتيال العالِم الدكتور نبيل زغيب وزوجته وأولاده، أو سابقاً لاغتيال ابن المفتي حسون، ولا تنديد بعد التقارير التي تتحدث عن تصفية مدنيين لمجرد انتمائهم المذهبي أو الديني.
إن الركيزة الأولى والأساسية للقانون الدولي الإنساني، أو ما كان يطلَق عليه "قانون النزاعات المسلحة"، هي مبدأ التمييز بين المدنيين والعسكريين، حيث يحظّر القانون على القوى المتنازعة أن تقتل مدنيين عمداً، أو أن تتسبب بمعاناة إنسانية لا داعي لها لغير أسباب الضرورة العسكرية، وإلا اعتُبر هذا العمل جريمة حرب وانتهاكاً جسيماً وجب معاقبته. انطلاقاً من هنا، فإن اغتيال العالم السوري وعائلته، وغيرها من أعمال قتل المدنيين من أي جهة أتت، تُعدّ جرائم حرب موصوفة يجب المعاقبة عليها، أما القتل الذي يحصل بهدف إزالة مجموعة معينة بكاملها، فهو يعدّ جرائم ضد الإنسانية، ويمكن أن يرقى إلى مصاف الإبادة الجماعية في حال توفرت النيّة المتعمدة لذلك.
وهكذا، يختلف اغتيال القادة الأمنيين السوريين عن الاغتيالات التي تحصل للمثقفين وأساتذة الجامعات السوريين، باعتبار أن هؤلاء مدنيون لا يحق للمتقاتلين استهدافهم، لأنهم محميون بموجب القانون الدولي، وقد يقول قائل، إن اغتيال المهندس الدكتور زغيب جاء كونه أحد خبراء الصواريخ في مركز الأبحاث العلمية التابع لوزارة الدفاع السورية، ويحمل دكتوراه في هندسة المحركات الصاروخية وتوجيهها، مما يبرر حادثة الاغتيال، إلا أن هذا القول مردود لاعتبارات عدة أهمها:
أولاً: الاغتيال الذي حصل أودى بحياة عائلته من المدنيين، أي زوجته وولديه، وهو أمر محظور في القانون الدولي الإنساني، باعتبار أن استهداف المدنيين عمداً هو جريمة حرب يعاقب عليها القانون الدولي.
ويعرّف البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف الصادر عام 1977 المدني، بأنه "يُعتبر مدنياً كل من ليس بمقاتل"، وهو التعريف الذي يستخدمه جيش الولايات المتحدة الأميركية أيضاً، ويضيف البروتوكول الأول: "أما إذا ثار الشك حول ما إذا كان شخص ما مدنياً أم غير مدني، فإن ذلك الشخص يُعدّ مدنياً".
ثانياً: إن الاعتبارات التي قد تبرر قتل مدنيين، هي فقط مبدأ "الضرورة العسكرية"، وأن تكون تلك الأعمال العسكرية غير المعتادة المبررة "تسهم مساهمة فعالة في العمل العسكري"، وبما أن الجيش السوري لا يستعمل الصواريخ في قتاله ضد التنظيمات المسلحة، فليس هناك من ضرورة عسكرية تبرر قتل المهندس والمدنيين الموجودين معه، إلا إذا كان سبب استهدافه هو انكشاف الخبر الذي يفيد أن الصواريخ السورية قادرة أن تطال "إسرائيل" بكاملها، وأن الصورايخ التي أطلقتها المقاومة في لبنان على حيفا وما بعد حيفا، كانت سوريّة مطوّرة، فهنا يصبح  قتله ضرورة "إسرائيلية" وليست سورية.
ثالثاً: إن الادعاء بأن المهندس هو مسؤول صواريخ في وزارة الدفاع السورية، لا يبرر اغتياله أيضاً، فبموجب القانون الدولي الإنساني، يفقد الشخص الحماية التي يقرّها له القانون الدولي إذا شارك "مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية"، أما المشاركة "غير المباشرة" في العمليات العدائية، والتي تساهم في المجهود الحربي العام لإحدى الأطراف، لكنها لا تسبب ضرراً مباشراً، فهي لا تؤدي إلى فقدان الحماية التي يقرّها القانون الدولي.
في جميع الحالات، إن ما يحصل في سورية من استهداف متعمد للمدنيين، واستهداف للعلماء والعقول السورية وغيرها، يعدّ جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، أما ادّعاء بعض المجموعات المسلحة بأن ما تقوم به هو "تنفيذ لأمر الله" و"جهاد ضد الكفار"، فهو لا يبرر أيضاً قتل المدنيين الأبرياء، وهنا نذكّر بما جاء به الإسلام من واجبات شرعية للمجاهدين المسلمين، أهمها، قصر الحرب على رجال العدو المحاربين فقط، حيث يُروى عن النبي محمد أنه قال موصياً زيد بن حارثة لما أرسله إلى مؤتة: "لا تقتلوا وليداً ولا امرأة وكبيراً ولا فانياً ولا منعزلاً بصومعة".
يبدو مفهوماً وواضحاً عدم الاستنكار الأوروبي والأميركي لاغتيال العقول السورية، بل يبدو طبيعياً في ظل محاولة هؤلاء قتل أي فكر عربي يمكن أن يبرز، أو أي علم يمكن أن يهدد الاحتكار "الإسرائيلي" للعلم والمعرفة والتكنولوجيا، وهو ما شهدناه من خلال تصفية العقول العراقية والإيرانية سابقاً، لكن ما لا يمكن فهمه هو سكوت المنظمات غير الحكومية، كمنظمة العفو الدولية، أو لجنة الصليب الأحمر الدولي، وسواها ممن ساهموا مساهمة فعالة في تطور القانون الدولي الإنساني عن عمليات قتل المدنيين المتعمد التي يتم التباهي بها ونشر صورها في الإعلام وعلى صفحات الإنترنت.
واقعياً، في ظل هذا الكمّ الهائل من قتل الأبرياء المثقفين وتدمير العقول الممنهج، وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى تطور معرفي عربي.. فتش عن "إسرائيل".

2012/07/19

إسقاط الجيش: المسمار الأخير في نعش الوطن

منذ أن بدأت المعارك في سوريا، وتحولت المعارضة الى عسكرة وتسليح وارهاب متنقل، سعى بعض اللبنانيين مجاراة ما يحصل في دمشق من خلال السيطرة الميدانية والعسكرية والسياسة على منطقة الشمال بوسائل عدة. وبلا شكّ، وبما أن الجيش اللبناني بقي المؤسسة الوحيدة الثابتة على وطنيتها، وعلى عقيدتها القتالية بالرغم من كل محاولات التضييق عليها التي مارسها تيار المستقبل وحكوماته المتعاقبة منذ رفيق الحريري، بات هذا الجيش عرضة للاستهداف، فتمّ التعدي عليه، بشكل لم يسبق له مثيل منذ انتهاء الحرب وحلّ الميليشيات في التسعينات من القرن الماضي. ويمكن إدراج أسباب ذلك الغلو في استهداف الجيش والتجني عليه بما يلي:
1-  سكوت الطبقة السياسية عن هذا الاستهداف، ونأي الحكومة ورئيسها ورئاسة الجمهورية عن التعدي والتطاول على الجيش وتكفيره، واعتباره عدوًا يثير وجوده حساسية مواطني عكار. نأت الطبقة السياسية بنفسها، ولم يطالب أحد بتحويل المرتكبين الى القضاء وهم يخالفون القانون من خلال المسّ بالسلم الأهلي واطلاق الخطابات التحريضة المذهبية، والأنكى محاولة السلطة السياسية ضرب معنويات الجيش وهيبته، بتحويل ضباطه وعسكرييه الى المحاكمة وذلك نزولاً عند رغبة بعض قطاع الطرق.
2- سلوك قيادة الجيش "الاحتوائي" والذي استغلّه المعتدين على الجيش لزيادة افترائهم على العسكريين والضباط بعد حادثة الكويخات.  فقد سارعت القيادة العسكرية الى تقديم اعتذار عن مقتل الشيخين في عكار، بالرغم من أن الوقائع أثبتت ان السيارة التي كانت تقلّ الشيخين هي التي بادرت باطلاق الرصاص على الحاجز. ثم كان القرار بسحب القوات العسكرية من عكار لتجنب الاحتكاك، وقد فهم مقوّضي الاستقرار في لبنان أن هذا بمثابة ضوء أخضر لهم للسيطرة على الشمال ولقطع طريق صيدا، وأن الجيش يترك المواطنين لمصيرهم ليتحكم بهم قطاع طرق وميليشيات تتستر بالدين.
3- تقاعس مجلس الوزراء عن دعم الجيش سياسيًا، واتخاذ القرار المناسب بنشر الجيش على الحدود الشمالية، إلى أن أدرك الأميركيون أن كلفة عدم استقرار لبنان هي أكبر بكثير من كلفة تأمين ملاذ آمن للمتمردين في سوريا. حينئذٍ، وصلت الرسالة الأميركية الى مَن يعنيه الامر في الحكومة اللبنانية، التي توافق اطرافها المتباينين على ارسال الجيش الى الشمال بعدما فلت الوضع الأمني وبات من الصعب ضبطه.
إذًا صمت سياسي مريب، انعكس تمييعًا واحتواءًا وما يشبه التخاذل الأمني، أدى الى كل هذا التخطي للقانون، وظلم العسكريين والضباط واحتلال مؤسسة عامة وقطع طريق صيدا وقطع أرزاق المواطنين. أما أسباب هذا الاستهداف للجيش فتتجلى في ما يلي:
1- يترافق استهداف الجيش مع تزايد المطالبات بنزع سلاح المقاومة، ففي نفس الوقت الذي تُنفذ فيه اعتداءات على الجيش وسعي لتفتيته واضعافه نشهد تزايد مطالبات تلك القوى نفسها بنزع سلاح المقاومة، وهذا ما يثير الريبة، إذ إن المطالبة بنزع سلاح المقاومة يجب أن يترافق "منطقيًا" مع تفعيل دور الجيش وتسليحه وتقويته للتعويض عن دور المقاومة في مواجهة اسرائيل، إلا اذا كان الهدف اضعاف الاثنين خدمة لإسرائيل.
2- ابعاد  الجيش عن منطقة الشمال، لاستباحتها وتحويلها الى منطقة نفوذ "مستقبلي" تستخدم في شنّ هجمات على الداخل السوري، وانشاء ملاذ آمن للمسلحين والارهابيين الذين يفرّون من سوريا. ولعل محاولة استباحة الشمال بهذه الطريقة، تذكّر بما حصل في الجنوب خلال عمل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، والتي حوّلت الجنوب الى ما سمي "فتح لاند"، ما لبثت بعدها أن تحولت الى سبب من أسباب اندلاع الحرب في لبنان.
3- إن تقاطع الهجمات على الجيش والتحريض ضده بين التكفيريين وتيار المستقبل والقوات اللبنانية، يشير الى مخطط ما، يريد إظهار فشل الجيش في حفظ الأمن، ما يبرر المطالبات بالأمن الذاتي واقتناء السلاح والعودة الى زمن الميليشيات وفرض الخوّات على اللبنانيين، وبالتالي مواجهة سلاح المقاومة بسلاح داخلي محلي يفقدها شرعيتها.
4-  ان سقوط الجيش يبدو حلقة من مخطط جهنمي يهدف الى تهجير المسيحيين من المشرق، والعمل على اشعال نار الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة. إن سقوط الدولة اللبنانية، أو سقوط أجزاء منها بيد المجموعات التكفيرية، سيؤدي بطبيعة الحال الى أعادة أجواء الفرز السكاني الذي حصل خلال الحرب. وبدون الأمان الذي يوفره الجيش اللبناني، ستفقد المناطق المسيحية أمنها، وعندها يكون مصيرها إما التهجير، أو القبوع تحت سيطرة الميليشيات التي ستسارع الى الحديث عن خطر يتهدد المسيحيين والادّعاء أن السلاح الذي يصلها هو لحماية و"أمن المجتمع المسيحي" وهو "فوق كل اعتبار".
واقعيًا، لم يبقَ من هيكل الدولة المهترئ شيئًا، فلا الوضع الأمني ولا الاقتصادي ولا السياسي ولا الاجتماعي ولا الخدماتي بات مقبولاً أو يمكن السكوت عنه، في أسوأ مرحلة يشهدها لبنان منذ انتهاء الحرب. إن ما وصلت اليه أحوال البلاد من التردي الأمني وتخطي القانون واحتلال المؤسسات العامّة، تبدو أمورًا غير مسبوقة في تاريخ الدولة اللبنانية، وسياسة النأي السياسي والعسكري والقضائي عن محاسبة المرتكبين وضبط الوضع الأمني تعيد عقارب الساعة الى الوراء، وتؤكد أن اللبنانيين لم يفهموا شيئًا من دروس الحرب، والا لما كرروها. مصيبة لبنان ابتلائه بمجموعة من السياسيين القاصرين العاجزين اللاهثين الى السلطة، غير مدركين ان سقوط الجيش سيعني سقوط الهيكل على مَن فيه، والسلام على لبنان.

2012/07/12

روسيا والغرب ...حرب باردة مستمرة

لم يقل بوتين كل الحقيقة عندما اتهم الغرب في تصريح له بالسعي للمحافظة على تأثيره المعتاد من خلال ما سمّّاه تصدير "ديمقراطية الصواريخ والقنابل"، فهو ومن خلال تجربة بلاده الخاصة يدرك أن الغرب لم ينفك يستعمل أساليب أخرى - تسمى في علم العلاقات الدولية "الحروب القذرة" - لإخضاع الدول، والتأثير عليها أو إضعافها في الساحة الدولية.
وبلا شك، لم يوفر الغرب أياً من تلك الوسائل في صراعه الطويل مع الروس، والذي بدأ على إثر الحرب العالمية الثانية، واستمر في حرب باردة طويلة سادها الاحتواء المتبادل، وسباق التسلح، ومحاولات بسط النفوذ عالمياً. وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ومساهمة الغرب في تنصيب بوريس يلتسين، وهو أسوأ رئيس يمكن أن يحكم دولة في العالم، استمر الغرب في حربه على روسيا داخلياً وخارجياً، والتي لم تنته لغاية الآن، بل ازدادت حدة بعد وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم.
ويمكن إبراز مؤشرات الحرب الغربية على روسيا بما يلي:
-       الحروب والثورات ومطالبات الانفصال: وهو ما شهدته دول الاتحاد السوفياتي السابق في دورتين تاريختين منفصلتين، فعلى أثر انهيار الاتحاد السوفياتي، شهدت دول أوروبا الشرقية مطالبات بالانفصال أدّت إلى حروب عرقية وحملات تطهير أخرجت الموالين للاتحاد السوفياتي من الحكم، وقسّمت الدول إلى دويلات طائفية متناحرة ضعيفة وهشّة، يتحكم بها حلف الناتو اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، من خلال السيطرة المباشرة، بالإضافة إلى الأمم المتحدة والمحاكم الدولية التي ابتدعها.
ثم في مرحلة ثانية، وفي خضم الحرب العالمية على "الإرهاب"، وبعد وصول بوتين إلى الحكم وخشية الغرب من عودة روسيا إلى الساحة الدولية، قام الغرب بالتحريض على قيام ثورات ملونة في الحديقة الخلفية لموسكو، والتي أدّت إلى إنهاء سيطرة الحكام الموالين لموسكو في كل من أوكرانيا وجورجيا وغيرها، بالإضافة إلى تحريض الشيشان على الانفصال واستخدام "الإرهاب"، ما جعل روسيا تدخل في حربين أهليتين في الشيشان.
-       داخلياً: ارتفاع معدل الجريمة، ومشاركة ضباط بتأسيس منظمات مافيا قامت بالسطو على المنازل والبنوك، وترويج المخدرات وتهريب الاستثمارات وغيرها، واستمر الحال على ما هو عليه إلى حين وصول بوتين إلى الحكم، وقيامه بحملة أمنية واسعة وهيكلة شاملة، من خلال تسريح وسجن عشرة آلاف ضابط من الشرطة، وزيادة الرواتب بما يوازي ثلاثة أضعاف الرواتب السابقة، وتفعيل دور المخابرات والجيش.
-       المخدرات: بعد قيام روسيا الاتحادية، وصل عدد المدمنين والمتعاطين إلى 15 مليون شخص عام 1997، وارتبط تهريب المخدرات وصناعتها بالمافيا الروسية التي كانت تعمل مع المافيا الإيطالية والأميركية، وبلغ حجم التعاملات في سوق تجارة المخدرات حوالى 18 مليار دولار في السنة، رغم تدني مستوى المعيشة لغالبية السكان. أما بعد سيطرة الناتو على أفغانستان، فتشير التقارير الروسية إلى تورط حلف الناتو بإغراق المدراس بالمخدرات المجانية للطلاب الروس، بهدف تهديم المجتمع من الداخل، وهو ما قام بوتين بمحاربته بقوة، ما أدى إلى تقلّص عدد المدمنين إلى النصف.
-       الحرب الاقتصادية التي ما زالت مستمرة لغاية الآن، والتي ازدادت شراسة بعد حصول التطورات في العالم العربي، ووقوف روسيا سداً منيعاً في وجه التفرد الأميركي بحكم العالم، وقد تجلت في العام الماضي بضخ الغرب الأموال للمظاهرات المناوئة لبوتين بالعملات الصعبة، والضغط المالي على الروبل، ما أدى إلى هبوط سعره، بالإضافة إلى تخفيض سعر برميل النفط عالمياً، وهي سياسة تهدف بالدرجة الأولى إلى الضغط على روسيا، وإحراجها لتغيير موقفها من القضية السورية.
-       هجرة العقول: بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، قامت "إسرائيل" والمنظمات الصهيونية بدور كبير في إفراغ روسيا من طاقاتها البشرية الفكرية والعلمية، فهاجر عدد كبير من العقول والخبراء والكوادر المتخصصة في مجالات البحث العلمي إلى الخارج، ومعظمهم إلى ألمانيا و"إسرائيل"، وفقدت روسيا بعض التخصصات العلمية، فراحت تستوردها فيما بعد بالصفقات وبالعمليات المخابراتية، كما حدث مع العلماء الذين سافروا إلى "إسرائيل".
وهكذا، ورث بوتين إرثاً ثقيلاً وهيكلاً مهترئاً بالفساد، استطاع بقوة شخصيته وحزمه، وبالارتكاز على عوامل القوة في حكمه، وهي الجيش والمخابرات والكنيسة، القضاء على المافيا الروسية من خلال حرب أمنية أتقنها، بالإضافة إلى إعادة الثقة بالاقتصاد الروسي، وإقامة التحالفات الدولية الثابتة، وهو ما جعله يصرّ على القيام بزيارة للصين، في أول زيارة خارجية له بعد تنصيبه رئيساً لروسيا هذا العام، ناهيك عن رفع المستوى الاجتماعي للمواطنين، وإعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها؛ بالإنفاق على المرافق الحياتية، كالصحة والتعليم، ودفع الرواتب في تاريخها، بعد أن كان موظفو القطاع العام يعيشون القلق الدائم بسبب تأخر الدولة في دفع رواتبهم.
في المحصلة، يبدو أنه بالرغم من فترات التعاون بين الروس والغرب، والتي سادت خلال العقدين المنصرمين، ما تزال عوامل الشك وسباق النفوذ وآليات الحرب الباردة تسيطر على العلاقات الروسية الغربية، ولا يمكن أن تأمن روسيا يوماً للغرب وهو يحاول أن يهزمها بشتى الوسائل الأمنية والاقتصادية والسياسية، ويحاول احتواءها عسكرياً، من خلال إقامة الدرع الصاروخي، وإحراجها في الساحة الدولية.
لكل هذه الأسباب، لن يسلّم الروس للغرب في الشرق الأوسط، وقد خسروا الكثير في شمال إفريقيا، كما أن سقوط سورية يعني سقوط القلعة الأخيرة في الدفاعات الروسية، والتي ستؤدي إلى نقل الحرب إلى الداخل الروسي مجدداً، وهو ما لن يسمح به بوتين مطلقاً.

2012/07/10

الاهتراء السياسي يزيل الغطاء التجميلي عن "الطائف"

نُشر في الثبات في 5 تموز 2012
منذ الاستقلال وحتى منتصف السبعينات من القرن الماضي، حمل العقد بين الطوائف اللبنانية اسم "الميثاق الوطني"، وهو العقد الذي قامت به طوائف - سبق وجودها وجود الدولة - خشيت على نفسها من سلطة دولة مدنية قوية قادرة، فأقامت نوعاً من الدستور الذي كرّس لها دورها ونفوذها، ثم أعادت صياغته في وثيقة الوفاق الوطني التي استبدلت كلمة "كيان" الميثاقية بكلمة "وطن" ذات المدلول الروحي.

منذ ذلك الوقت ولغاية الآن، جعلت الطائفة من نفسها ممراً ومعبراً ضرورياً للفرد من أجل الوصول إلى وظائف الدولة، وإلى المجلس النيابي، وهكذا أصبح الانتساب إلى الوطن انتساباً غير مباشر عن طريق الطائفة، فانتُقصت المواطنية، وتمت التضحية بالكفاءة والجدارة، على حساب المحسوبية والزبائنية.

مما لا شك فيه أن الأزمات المتلاحقة التي يعيشها الوطن اللبناني منذ عام 2005 ولغاية الآن، تشهد أن الطائف، وبعدما أزيل الغطاء التجميلي الضابط له، ظهر على حقيقته، بوصفه نظاماً معطلاً غير قادر على إدارة النزاع في الدولة بالوسائل الدستورية والقانونية والديمقراطية، وهو لم يخرج عن كونه "تسوية" تمّ بموجبها تكريس ميثاق جديد عكس موازين القوى التي استجدت بعد الحروب التي أنهكت اللبنانيين وأضعفت المسيحيين.

ولعل الأداء الحكومي التعطيلي، يضاف إليه النظام المعطل أساساً، هو ما جعل اللبنانيين يشعرون أنهم بحاجة إلى حل جراحي للوضع اللبناني الهشّ والمهترئ، خصوصاً في ظل الأحداث السورية، والتحريض المذهبي المنتشر في منطقة عائمة على بركان من البارود، يُخشى انفجاره في أي لحظة.

وفي تحليل للأسباب التي تجعل من هذه الحكومة فاقدة القدرة تعتمد سياسة الهروب إلى الأمام، وإدارة الأزمات لا حلّها، نجد الأسباب الآتية:

-      
الحسابات الانتخابية الضيقة لبعض الفرقاء في الحكومة، والتي جعلتهم يقومون بإسقاط هيبة الدولة، كما فعل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والوزير الصفدي في قضية شادي المولوي؛ المطلوب بتهم تهديد أمن الدولة والانضمام إلى تنظيم مسلح، ما أعطى رسالة قوية بأن الإفلات من العقاب ممكن في حال تلطى الإرهابيون وقُطاع الطرق وتستروا بطوائفهم، وهي بريئة منهم، وهذا ما أدى إلى تسيّب أمني جعل بعض المواطنين يستسهلون اللجوء إلى الشارع وقطع الطرقات الرئيسية، وقطع أرزاق اللبنانيين، وحرق الإطارات وقطع الطرق الدولية، وتهديد القوى الأمنية.

-      
الهدف التعطيلي والتوتيري للوزراء المحسوبين على النائب وليد جنبلاط، والذي اعترف به أكرم شهيب صراحة قائلاً: "إنهم دخلوا من أجل تعطيل المشاريع التي يتقدم بها تكتل التغيير والإصلاح، وإنهم نجحوا في ذلك مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة".

-      
أداء رئيس الجمهورية الذي يتخلى عن صلاحياته - وهي نادرة بالمناسبة - لمنافسة وزراء تكتل التغيير والإصلاح على صلاحياتهم، فالرئيس الذي من المفترض أنه رئيس كل لبنان، ينافس في الدائرة المذهبية والمناطقية الضيقة، ما يجعل الفرقاء الآخرين في الحكومة يتذرعون بموقف الرئيس لعرقلة المشاريع التي يتقدم بها وزراء تكتل التغيير والإصلاح، وهي بمعظمها مشاريع حياتية حيوية، وأهمها ملف الكهرباء.

-      
شعور الاطمئنان بعدما برزت ضرورة المحافظة على هذه الحكومة في ظل الوضع الإقليمي المتفجر، جعل الحكومة اللبنانية تستخدم نفس السياسة التي استخدمها الحكام العرب سابقًاً للتهرب من مسؤولياتهم تجاه شعوبهم، حين تستروا بالخطر الخارجي ليحرموا شعوبهم لقمة الخبز والأمن الاجتماعي والكرامة والديمقراطية.

كل هذه الحسابات السياسية الضيقة، بالإضافة إلى الوضع الإقليمي الفائق الدقة والحساسية، جعل الدولة اللبنانية تعيش اهتراء أفقياً وعمودياً، وتسير مسرعة للدخول في نفق مظلم قد لا تظهر تباشير النور منه إلا بعد انقضاء الانتخابات الأميركية وإيجاد تسوية للقضية السورية، والتي يبدو أنها مؤجلة إلى السنة المقبلة، فهل يستطيع الاقتصاد اللبناني الصمود كل هذه الفترة؟

من هو مطالب بالتعطيل وتأجيج الفتن، واختراع أصناف التوتير الأمني والطائفي والمذهبي، قد لا يدرك أن الحرائق المطلوب منه إشعالها في لبنان قد تمتد لتحرقه قبل أن تنتشر في هشيم المجتمع اللبناني، وهذه الحكومة التي عطّلت مصالح الناس وخربت أرزاقهم وحرمتهم الكهرباء لصالح تمويل المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بلبنان، تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى، وبعد إعلان تكتل التغيير والإصلاح مقاطعة جلساتها، عارية من ورقة التوت التي ظللتها طوال الفترة الماضية، وقد لا تستطيع بعدها الاستمرار بالتذرع بالوضع الإقليمي لبقائها، وقد لا يعلم مَن وضع العصي في دواليب الإصلاح التي حاول تكتل التغيير والإصلاح إطلاق عجلته بأن عباءة الحكومة التي قد يخلعها وزراء التغيير والإصلاح عنهم هي أضيق بكثير من عباءة المعارضة القوية من الخارج لكل طبقة الفساد التي يغذيها أمراء الطوائف، والتي إن استمرت في سياسة هدم الدولة المنظمة فهي ستهدم الهيكل على الجميع.

في المحصلة، وبالرغم من كل ذلك التغني بفذاذة تلك الصيغة الطائفية التوافقية، يتبدى لنا يوماً بعد يوم أن التوافقية لا تقوم بوظيفتها الأساسية المرجوة منها عندما تكون الحاجة ماسة إليها، أي في زمن الأزمات، وأثبت النظام السياسي الطائفي اللبناني أنه نظام لا ينتج إلا الأزمات، ولا يسمح للبنانيين بالعيش في ظل حكم القانون، والتأسيس لبناء السلام في لبنان.. إن اجتماع الطوائف في بقعة جغرافية لا يشكل مجتمعاً، كما أن الاتفاق العمودي بين الطوائف لا يشكل وطناً، هو اتفاق، إن حصل، يهدف إلى تجميد الوضع من قبل تلك الطوائف - المَزارع حتى يتسنى لها استغلاله لتأمين حصتها، والقضاء على أي محاولة للتغيير أو التجديد، أو الإصلاح.

2012/07/03

روسيا من الداخل: سوريا قضية أمن قومي


نشر يوم
الخميس 28 حزيران 2012
إن الزائر إلى العاصمة الروسية موسكو، والعاصمة الثانية سان بيترسبورغ في هذه الأيام، والباحث عن أكثر من سياحة ثقافية وحضارية تاريخية، لا شكّ يشعر أن الصراع في الشرق الأوسط والتحضيرات الروسية لتبوء مركز جديد على الساحة الدولية، تأخذ حيزاً هاماً من الاهتمام الروسي الداخلي، والنقاش إن على صعيد النخب أو على صعيد الاهتمام الإعلامي.

يستعيد الروس في هذه الفترة بالذات، أحلام العودة إلى مجد دولتهم السابق، متسلحين بتاريخ من المجد الامبراطوري، ومدعومين بثقة كبيرة بقيصر روسيا الجديد فلاديمير بوتين، فيؤكدون أن روسيا اليوم على عهده هي أقوى مما كان عليه الاتحاد السوفياتي السابق خلال فترات ضعفه، إذ أعيد الاعتبار للدولة، وتمّ البطش بالمافيا، وتعزيز وضع الموظفين والمحاربين القدامى وغيرهم من الفئات الشعبية الفقيرة والمتوسطة التي عانت الأمرّين بعد سقوط الاتحاد.

ويبدو للمطلع على توجهات الرأي العام الروسي من داخل العاصمتين، أن السياسة الخارجية لبلادهم في الشرق الأوسط، تتلاءم كلياً مع تطلعات الشعب الروسي وتوجهاته، في الإصرار على عدم السماح للغرب بإسقاط سورية، وتبرز مؤشرات عدّة تؤكد هذه التوجهات، لعل أبرزها ما يلي:

-         الحنين إلى الجذور الدينية في الشرق الأوسط، أو ما يطلق عليه الروس اسم "الأم الدينية" لروسيا، مشيرين إلى تضمن العلم الروسي لصورة "القديس جاورجيوس"، فروسيا لم تعرف المسيحية إلا بعد التبشير الآتي من الشرق الأوسط، ومن سورية بالتحديد، ولعل الدولة الخارجة من إلحاد وتغييب للمقدس في الإطارين العام والخاص، تعيش ردة حقيقية إلى الجذور، وتمسكاً حقيقياً بالاعتبارات الدينية في سياستها الخارجية والداخلية.

-         يشير البعض إلى أن نجاح بوتين في حكم روسيا، وإعادتها إلى الساحة الدولية، مرده في الداخل إلى "ثلاثية حكم" تمسك بقبضة حديدية على مفاصل الحياة الروسية الاجتماعية والسياسية، وهي الجيش والمخابرات والكنيسة، ومن هنا، يمكن أن نفهم الخط الأحمر الذي رسمه الروس، بالنسبة لتهجير الأقليات من الشرق، ويعيدنا هذا التنافس الروسي الغربي المتخذ طابعاً دينياً بالذاكرة إلى عهود السلطنة العثمانية الأخيرة، ودعم الدول الكبرى للطوائف الذي أعطاها جواز مرور إلى الساحة الشرق أوسطية، مع فارق جوهري أن الإلغاء الكامل لوجود بعض الطوائف والأقليات لم يكن على أجندة بعض الدول الكبرى كما يحصل اليوم، حيث يبدو وبشكل أكيد أن الغرب يسير بخطة منهجية لتهجير المسيحيين من الشرق، وهو ما يؤكد أن الروس لن يسمحوا به.

واللافت أنه بالرغم من سيطرة اللوبي اليهودي في روسيا على الجزء الأكبر من الإعلام الروسي، لكن التوجّه الإعلامي المحلي، يميل بشكل عام لمصلحة بوتين وخياراته الاستراتيجية الجديدة، ونرى البرامج الحوارية، التي تعتمد آليات التفاعل مع الجمهور، تشهد تفاوتاً هائلاً في الميزان التصويتي لصالح بوتين وسياسته الشرق أوسطية، ويتحدث الروس عن "تشويه إعلامي" وبروباغندا غربية تتعرض له روسيا وسورية معاً، كما يبدو لافتاً إحجام الإعلام عن الانتقاد الشديد للسياسة الروسية في الشرق الأوسط وفي الموضوع السوري بالتحديد،  باعتبار أن القضية في سورية باتت "قضية أمن قومي روسي" بالدرجة الأولى.
-         يؤكد الروس ثبات التحالف الاستراتيجي والعسكري مع سورية، وكان الروس قد أرسلوا رسائل شديدة اللهجة إلى الناتو وتركيا، بأن فكرة السيطرة الجوية الأطلسية على أجواء المتوسط لن تمر، كما استحالة فرض منطقة حظر جوي فوق سورية على غرار ما طبقه الغرب فوق العراق في العام 1991.
وفي هذا الإطار، تتعدد الرسائل الروسية، فمنها المعلن ومنها المخفي في كواليس سياسات الدول الكبرى ومؤتمراتها وقممها ومباحثاتها، فمن الصاروخ العابر للقارات، إلى استخدام السوريين صاروخاً روسياً لإسقاط الطائرة التركية المعتدية على سيادة الأجواء السورية، والذي أتى بضوء أخضر روسي أكيد، متبوعاً برفض روسي واضح للتراجع عن تزويد سورية بالسلاح، بالإضافة إلى الخبراء الروس الموجودين على الأراضي الروسية.. كلها تؤكد ما كان بوتين قد أعلنه مراراً "أن عهد تغيير الأنظمة في الشرق الأوسط قد انتهى"، وأن "الروس مستعدون لمواجهة ما يقوم به الناتو من تهديد للأمن القومي الروسي سواء في الشرق الأوسط أم في أوروبا.

ولعل الرسالة الروسية الأقوى في هذا المضمار، هو رفض بوتين المطلق لبناء الدرع الصاروخي في أوروبا، معتبراً أن روسيا مستعدة لتطوير نظام مضاد مهما بلغت كلفته، ما يوحي بتهديد روسي بالاستعداد لسباق تسلح جديد إن اقتضت مصالح روسيا وأمنها القومي ذلك، ولن يثنيها عن ذلك كلفة مادية يتكل الغرب على عدم قدرة روسيا على الاضطلاع بها.

-   من الناحية الاقتصادية، يشير الروس إلى معركة الأنابيب على الساحل السوري، التي تأتي من ضمن حرب اقتصادية يمارسها الغرب على روسيا، والتي يبدو من أحد معالمها، تخفيض سعر النفط بالإضافة إلى الضغط المالي والاقتصادي على الروبل، وضخ الأموال للمتظاهرين بالعملات الصعبة.. وهنا، يشير الروس إلى أنهم والإيرانيين لن يسمحوا لقطر بالسير بمشروعها أو حلمها الإمبراطوري بالسيطرة على النفوذ النفطي في الشرق الأوسط، وفيه سيناريوهات قطرية تتحدث عن تقسيم السعودية وسيطرة قطر على الساحل السوري وعلى شبكات توزيع النفط في الشرق الأوسط والخليج.

في المحصلة، يعطي الحديث مع النخب الروسية انطباعاً أكيداً، أن السياسة الروسية في الشرق الأوسط غير قابلة للتراجع – أقلّه في المدى المنظور والمتوسط - ويتحدث الروس عن إرث من الغدر العربي بهم، فهم لن ينسوا ما فعله عرب الخليج بهم في القوقاز، ولن يغضوا النظر عن التقارير التي تفيد عن تمويل وتدريب عربي خليجي للانتحاريين الذين فجرّوا أنفسهم في روسيا، مؤكدين أن المعركة الحاصلة على أرض سورية هي قضية أمن قومي روسي، وأن الاعتبارت الاستراتيجية تطغى على كل ما عداها من مصالح مشروعة أو غير مشروعة على الساحة الدولية.

المقابلة التي اجرتها اذاعة صوت روسيا/ مع ليلى نقولا الرحباني