2016/12/29

مقابلة حول مفاوضات آستانة والدور التركي

ما بعد حلب... تحوّل في الاستراتيجية الأميركية؟


د. ليلى نقولا
لم تتضح بشكل مفصّل السياسة الخارجية التي سينتهجها الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، وما زال من المبكّر الحكم على مدى التزامه بالوعود التي قطعها في حملته الانتخابية فيما خصّ سياسته الخارجية، خصوصاً الشرق أوسطية.

من خلال اختياره للشخصيات في إدارته، ومن خلال دراسة سيرة المرشحين لتبوء مناصب رفيعة في الإدارة الأميركية، ومن خلال دراسة تصريحات ترامب ومستشاريه، يمكن القول إن الرئيس الأميركي سينتقل من استراتيجية "الاستنزاف" التي اتبعها الرئيس السابق باراك أوباما، إلى استراتيجية "تفكيك الأحلاف".

خلال عهد الرئيس باراك أوباما، كان واضحاً أن الولايات المتحدة الأميركية لا تريد الانخراط العسكري المباشر في الحرب السورية الدائرة، لكنهاالتزمت بتقديم الدعم السياسي واللوجستي والتقني والإعلامي لما تسميه "المعارضة المعتدلة"، بهدف إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، وفيما بعد، وبعد تعذّر تحقيق الهدف المنشود خلال "أشهر معدودة"، كما وعد الرئيس أوباما ومعاونوه مراراً، وبعد تيقّن الإدارة عدم إمكانية تحقيق هذا الهدف بعد التدخُّل العسكري لكل من إيران وروسيا وحزب الله، وعدم وجود بديل "مقبول" للحكم في سورية تستطيع تسويقه في سورية والعالم، انتقل الأميركيون إلى استراتيجية "الاستنزاف"، من خلال تحقيق توازن القوى، بحيث يقوم الأميركيون بإمداد المجموعات المسلّحة بالأسلحة والعتادوالتدريب، وتأمين مصادر تمويل، ليس بهدف إسقاط الأسد، بل بهدف الاستمرار بالقتال إلى ما لا نهاية، حيث يُنهك الجميع (الارهابيون، والروس، والإيرانيون، والجيش السوري، وحزب الله)، فيستفيد الأميركيون و"الإسرائيليون" من استنزاف الكل في حرب الكل ضد الكل.

لكن وصول ترامب الى السلطة، واختيار فريق إدارته، وإعلانه المستمر عن نيته التعاون مع الروس، يشير إلى أن الهدف سيكون "تفكيك الأحلاف"، خصوصاً تلك التي ساهمت إدارة أوباما بتمتينها وتقويتها انطلاقاً من وحدة المصالح والمخاطر، فما هي الأحلاف التي قد يحاول ترامب تفكيكها؟

أولاً: الحلف الروسي - الصيني

يشير اختيار الثلاثي؛ وزيري الخارجية "تيلرسون" والدفاع "ماتيس" ومستشار الرئيس لشؤون الأمن القومي "فلين"، والمعروفين بتعاطفهم وتأييدهم للتقارب مع الروس،إلى أن الرئيس الأميركي المقبل سيكون جدياً في سياسة التعاون مع روسيا، وفي فتح صفحة جديدة في العلاقات الروسية الأميركية، لطالما نادى بها الروس خلال عهد أوباما، لكن إدارة الأخير والبنتاغون كانا ضدها.

أما بالنسبة للصين، فلترامب نظرة مختلفة، وتسيطر على فكر مرشحي إدارته؛ هاجس "احتواء" الصين كونها مرشحة لتنافس الولايات المتحدة على الساحة العالمية، وقد أعلن ترامب مسبقاً عزمه على إعادة التفاوض مع الصين حول قضايا التجارة المتبادلة.

من هنا، فإن ترامب قد يستخدم التقارب مع الروس للضغط على الصين، وكما استفادت الصين - في وقت سابق - من قيام الروس بإشغال الأميركيين في الشرق الأوسط، لتأخيرهم عن تنفيذ استراتيجية "الاستدارة نحو آسيا"، قد يستفيد ترامب من التقارب مع الروس وتوفير الجهد العسكري المبذول في كل من العراق وسورية، وتحويله إلى بحر الصين الجنوبي، للقيام باحتواء الصين عسكرياً، للضغط عليها في مجلات أخرى كالاقتصاد والتجارة وغيرها.

ثانياً: الحلف الروسي - الإيراني

شخصيات ثلاث في إدارة ترامب مهيّأة لتنفيذ سياسة ترامب العدائية تجاه إيران: مستشار الأمن القومي "فلين"، ووزير الدفاع"ماتيس"، ومدير سي أي أي "بومبيو".

بشكل عام، لم تكن العلاقات التاريخية بين كل من إيران وروسيا موسومة بالثقة، لكن المصالح المشتركة في تحدي المشروع الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً بعد الحرب في سورية، جعلت هذه العلاقة تختلف عما سبق، ما يعني أن الاميركيين (خلال عهد أوباما) ساهموا بشكل أو بآخر بتمتين العلاقة الروسية - الإيرانية ونقلها إلى إطار استراتيجي مختلف عما قبله.

قد يفكّر الأميركيون بأن التعاون مع الروس في القضية السورية، وأولوية محاربة "داعش" على إسقاط النظام السوري، وإعطاء روسيا ما تريد من نفوذ في أوروبا الشرقية، سيجعلون روسيا تعيد النظر في تحالفها الاستراتيجي مع إيران، باعتبار أن ما يريد الروس تحقيقه من مصالح من خلال هذا الحلف قد أعطتها إياه الولايات المتحدة مباشرة، فلماذا تُبقي على حلفها مع إيران، خصوصاً أن للدولتين مصالح اقتصادية متباينة ستظهر تباعاً بعد حل الأزمة في سورية؟

قد يكون هذا ما يفكّر به ترامب، ولا شكّ أنها استراتيجية ذكية، لكن ليس بالضرورة أن تنجح في تنفيذ الأهداف الأميركية المرسومة، فمنذ الحرب الأميركية على العراق ولغاية اليوم، تعاني الاستراتيجيات الأميركية في الشرق الأوسط من مشاكل في التنفيذ، لكن هذا لا يعني أن الأميركيون لا يمتكلون أدوات القوة الكافية لفرض نفوذهم في الشرق الأوسط، والانتقال من خطة إلى أخرى لتحقيق الأهداف المرجوّة.

2016/12/21

مستقبل العلاقات التركية الروسية بعد اغتيال السفير


د. ليلى نقولا
كانت لافتة مسارعة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الالتفاف على الغضب الروسي بعد اغتيال السفير كارلوف في أنقرة؛ بإدانة الاغتيال والسماح للمحققين الروس بالقدوم إلى تركيا والمشاركة في التحقيق بحادثة الاغتيال، وهو العارف بأن الروس لن يتسامحوا مع الأمر، وأنهم لا ينسون ضحاياهم، ولا يصفحون بسرعة بدليل الردّ الروسي على حادثة إسقاط الطائرة الروسية، والذي لم تنتهِ مفاعيله الاقتصادية لغاية الآن (لم يُزل الروس كافة العقوبات الروسية على تركيا لغاية الآن)، وبدليل أن الاستخبارات الروسية ما زالت تقوم بتنفيذ إعدامات لقادة الفصائل الشيشانية الذين يعيشون في تركيا أو في قطر.

لا يمكن بأي حال من الأحوال فصل اغتيال السفير الروسي في تركيا عن الظروف المحيطة بهذا الاغتيال تركياً وسورياً، والتي تشكّلت قبل الاغتيال مباشرة وأفضت إليه، والتي ستؤسس لمرحلة ما بعده، لذا، من الصعب الاعتقاد بأن قاتل السفير الروسي قد نفّذ عمليته بصفته "ذئباً منفرداً"، ومن المهم جداً الالتفات إلى ما قاله الرئيس فلاديمير بوتين حول "اليد التي وجّهت القاتل"، لندرك أن الشكّ الروسي يتّجه إلى أبعد من "داعش" أو "العمل الفردي".

لذا، تبدو مسارعة كل من أردوغان وبوتين إلى تحييد دور الحكومة التركية في عملية الاغتيال والإشارة إلى أن الاغتيال "يستهدف العلاقات الطيّبة بين روسيا وتركيا والتسوية في سوريا"، محاولة للإشارة، ولو بصورة غير مباشرة،إلى هوية "اليد" التي وجّهت القاتل، ولو لم يتمّ تسميتها علناً.

يبدو من غير المفيد استباق التحقيق والإشارة إلى الجهة التي يمكن أن تكون قد حرّضت على عملية الاغتيال، والتكهُّن أو الإشارة بإصبع الاتهام إلى "كل المتضررين" من التسوية السورية والخاسرين في معركة حلب لاتهامهم بهذه العملية، بل يبدو مفيداً أكثر تصوُّر ما يمكن أن تكون عليه العلاقات التركية - الروسية بعد هذه العملية:

أولاً:بغض النظر عن التنصُّل التركي من العملية وإدانة أردوغان للعمل، تبقى الحكومة التركية والرئيس أردوغان مسؤولَيْن بصورة مباشرة، كونهم لم يستطيعوا أن يحفظوا أمن السفير والبعثات الدبلوماسية في تركيا، وهي مسؤولية سيادية بالدرجة الأولى، وترتبط بأن المنفذ شرطي بالدرجة الثانية.

من هنا، فإن الإتراك سيعمدون إلى تقديم الكثير من التنازلات في الملفات المشتركة بينهم وبين الروس، تحاشياً لغضب الروس، وخوفاً من الانتقام الذي يمكن أن يقوم به الرئيس بوتين، وسيستغل الروس هذه العملية، التي تضاف إلى "الطعنة التركية" في الظهر، والتي تجلت بإسقاط الطائرة الروسية في سورية، ليدفعا تركيا إلى مزيد من التنازلات في الملف السوري، "تكفيراً" عن الأخطاء التي قاموا بها.

ثانياً: تُظهر السياسة الروسية الكثير من البراغماتية والحذق في الشرق الأوسط، فقد أثبتوا أنهم قادرون على اللعب على التناقضات والاستفادة من الكثير من الأمور، منطلقين من حسابات الربح والخسارة، فعملوا على الاستفادة من الأرباح بدل التشفّي بالانتقام الموجع؛ فبدل أن يقوم الروس بالرد الانتقامي المباشر على تركيا في موضوع إسقاط الطائرة، عمدوا إلى الضغط على الاقتصاد التركي؛ بضرب السياحة والزراعة والتجارة والشركات والعمّال الأتراك، وحينما اعتذر أردوغان عن فعلته وجاء طالباً العون بعد الانقلاب الفاشل ضده، أخذ الروس منه ما يريدون في ملف الغاز (مشروع السيل التركي). وفي الملف السوري، قايض الروس أردوغان على المشروع الكردي في سورية؛ بتخلّي الأتراك عن جزء من المجموعات المسلّحة في معركة حلب، وسحب أكبر عدد منهم للمشاركة في "درع الفرات"، ما عجّل في إنهاء معركة حلب بسرعة.

من هنا، فإن اغتيال السفير الروسي في تركيا، ومسؤولية تركيا المعنوية كدولة ذات سيادة، ستكون حافزاً للروس للمطالبة بمزيد من التنازلات التركية في الملف السوري، وإجبارهم على تنفيذ التعهدات التي قطعوها في آب الماضي بعد المصالحة الشهيرة بين أردوغان وبوتين، والضغط على الأتراك لفكّ تحالفهم مع "جبهة النصرة"، أو على الأقل توقُّف الدعم العسكري التركي لـ"النُّصرة" التي تُعتبر أكثر التنظيمات قوة وفعالية في الشمال السوري. أما سياسياً ودبلوماسياً، فقد تكون تركيا هي المبادر - بدون ضغوط روسية مباشرة - إلى تقديم "الهدايا" السياسية للروس في حلف "الناتو"، منها - على سبيل المثال لا الحصر - تعطيل قدرة "الناتو" على اتخاذ قرارات ضد الروس أو إصدار بيانات إدانة ضدهم؛ كما فعلوا حين رفض الأتراك النقاش في موضوع شرق حلب في اجتماع حلف "الناتو" الأخير، والذي كان من المفترض أن يخرج ببيان إدانة "يحمّل الروس المسؤولية عن المجازر التي حصلت في حلب".

إذاً، المراهنون على سوء العلاقات التركية - الروسية بعد حادثة الاغتيال سيخيب ظنّهم، وستشهد العلاقات التركية - الروسية تحسناً سينعكس إيجاباً على ملف التسوية السورية، فيستفيد الروس من الأهمية الاستراتيجية لتركيا، ويستفيد الأتراك بتكريس أنفسهم اللاعب الإقليمي "السُّني" الذي سيوازن اللاعب الإيراني في المنطقة.

2016/12/15

تحرير حلب وسقوط تدمر!... كيف ولماذا؟


د. ليلى نقولا
بانتصار الجيش السوري وحلفائه في حلب، تكون قد فُتحت صفحة جديدة من صفحات الحرب السورية، عنوانها قدرة الدولة السورية على استرجاع الأراضي من سيطرة المسلحين، أو كما وعد الرئيس السوري بشار الأسد: تحرير كامل الأراضي السورية بدون استثناء.

ولعل المفاوضات الروسية - الأميركية التي رافقت الحملة العسكرية السورية في حلب، أظهرت عدم قدرة الأميركيين على السيطرة على قرار المسلحين، بدليل أنهم رفضوا دعوات جون كيري للانسحاب، بينما استمر الأتراك في المفاوضة حتى اللحظات الأخيرة، وهو ما أثمر اتفاقاً يقضي بخروج المسلحين إلى الأرياف.

لكن، بلا شكّ، كانت لعودة "داعش" للسيطرة على تدمر، نتائج سلبية على مسار الحرب الدائرة في سورية ضد الإرهاب، وعلى الانتصار الذي حققه الجيش السوري وحلفاؤه في حلب، ويتبين من التصريحات الروسية بعد سقوط تدمر مرة أخرى بيد "داعش"، أن الروس كانوا الأكثر استياءً من سقوط تدمر، وفي تبريرهم لأسباب السقوط، ركّز الروس - بحسب إعلامهم - على عاملين:

أولاً: فشل الاستخبارات العسكرية السورية، فقد دخل المئات من مقاتلي "داعش"إلى الرقة في شهر تشرين الثاني كمدنيين، وهؤلاء استطاعوا السيطرة بسهولة على مراكز الجيش السوري على المرتفعات،والتي لم تكن محميّة بشكل جيد كما يؤكد الروس، بالإضافة إلى تأخُّر الاستخبارات العسكرية السورية في إيصال المعلومات حول أرتال "داعش" المهاجمة إلى الروس في قاعدة حميميم وقيادة السفن الروسية في البحر الأبيض المتوسط، ما تسبب في العجز عن توجيه ضربات قبل دخولهم إلى المدينة الأثرية.

ثانياً: يشير الروس إلى قيام التحالف الدولي بفتح ممر خاص سُمح لمقاتلي "داعش" المحاصَرين في الموصل بالخروج منه، وتمّ توجيههم فوراً نحو تدمر.

إن صحّت التبريرات الروسية، وإن ثبُت بالفعل أن التحالف الدولي قد وجّه "داعش" نحو الرقة لاحتلالها، فهذا قد يشير إلى معطيات هامة أبرزها ما يلي:

1-      أن صلاحية استخدام "داعش" كورقة للاستنزاف لم تنتهِ بعد، وأنه ما زال بيَد الأميركيين الكثير من الأوراق للعبها، حتى لو انفردت تركيا بورقة المسلحين من المجموعات المسلحة الأخرى. ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى تقدم "داعش" والسيطرة على تدمر بهذه السهولة، كما قتاله على مشارف مدينة الباب لصدّ الأتراك ومجموعاتهم المسلّحة، بينما قام في وقت سابق بتسليم مناطقه تسليماً لقوات "درع الفرات" التركية.

2-      كما تشير إلى أن الأميركيين، وبالرغم من تصريحات الرئيس المنتخَب دونالد ترامب الواعدة حول التعاون مع الروس وقيامه بتشكيل إدارته من المؤيّدين لعلاقات أفضل مع الروس، يحاولون في هذه الفترة الفاصلة اكتساب أوراق تفاوضية إضافية يقدمونها للرئيس، لاستخدامها خلال المفاوضات المقبلة حول تقاسم النفوذ في سورية.

3-      قد يهدف البنتاغون إلى إرسال رسالة مزدوجة إلى الرأي العام الأميركي وإلى الرئيس المنتخَب دونالد ترامب، الذي اعتبر أن استراتيجية مكافحة الإرهاب فاشلة، وأن المعركة ضد "داعش" كارثية وتحتاج إلى إعادة نظر.

سقوط تدمر مرة أخرى يشير إلى فشل الاستراتيجية الروسية لمكافحة الإرهاب، خصوصاً بعدما تباهى الروس مراراً بنجاحهم في مكافحة الإرهاب، بدليل تحرير تدمر بعد وقت قصير نسبياً من تدخّلهم العسكري المباشر في سورية، وعدم قدرة الأميركيين على استعادة المدن العراقية من "داعش" بسرعة.

وقد يكون الأميركيون قد استفادوا  إعلامياً من سقوط تدمر، للقول إن الحفاظ على الانتصار وتثبيت الاستقرار بعد تحرير مدينة من الإرهاب، أصعب من التحرير نفسه، وإنه باستطاعة جيش ما أن يسيطر على مدينة عسكرياً، لكن استكمال السيطرة وفرض الاستقرار هو التحدي الأساسي، وإن "داعش" لم يستطع استعادة أي مدينة عراقية بعد تحريرها، وذلك بسبب استراتيجتهم المعتمَدة على دراسة المعطيات وتثبيت مقومات الدفاع بعد نجاح الهجوم.

بالنتيجة، تحرير حلب وتزامنها مع سقوط تدمر يكشف - بشكل أساسي - أن انتصار الجيش السوري واستعادة مدينة كبرى مثل حلب، لا يمكن أن يشكّل نهاية للحرب السورية، باعتبار أن الدول الكبرى والدول الإقليمية ما زالت مستعدّة للقتال حتى آخر سوري،إلى أن تحقق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، وأن جميع القوى ما زالت قادرة على التحشيد وإمداد المعارك السورية بالمقاتلين الذين لا يملكون سوى الاختيار بين الموت في الأراضي السورية أو الاعتقال في بلدانهم،ويخطئ من يعتقد أن الحلّ في سورية هو حلّ عسكري، بل هو حلّ سياسي بالضرورة، وما الميدان إلا وسيلة يهدف من خلاله كل طرف إلى تحقيق مكاسب ونفوذ في منطقة سيتغيّر شكلها بعد الحرب السورية لمئة سنة مقبلة.

2016/12/08

هل سيؤدي تعاون ترامب مع الروس الى حل سوري؟


د. ليلى نقولا
قد تتعدد الأسباب التي أدّت إلى انهيار المسلحين في حلب، وفرارهم أو تسليم أنفسهم للجيش السوري الذي يتقدم بسرعة غير مسبوقة في أحياء حلب لتحريرها، لكن اللافت في الأمر أن المسلحين فوّضوا الأتراك بالتفاوض على خروجهم من حلب بعد يوم واحد من إعلانهم أنهم لن يخرجوا، وذلك في ردٍّ واضح وصريح على جون كيري الذي كان يفاوض الروس على خروجهم، وكأنهم بذلك يقطعون على الأميركيين أي إمكانية للاستفادة من هذا الخروج، ويمنحون الأتراك ورقة تفاوضية تضاف إلى الأوراق التي يجمعها التركي في سوريا.



أساساً، لم تكن أطراف الإدارة الأميركية الفاعلة على الأرض السورية متّفقة على المفاوضات التي يُجريها وزير الخارجية مع الروس، وأتت تصريحات المسلحين لتعمّق الإحراج الذي يشعر به جون كيري، ففي سيناريو مكرر عن حادثة دير الزور التي قطعت الطريق على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي عقده كيري مع لافروف، وما أن انتشرت أخبار عن لقاء مرتقَب بين كيري ولافروف للاتفاق على إخراج المسلحين من حلب، حتى تمّ استهداف المستشفى الميداني الروسي، حيث يذكر الكرملين أن إحداثياته أُعطيت للمسلحين بدقة.

واقعياً، تبدو جميع الأطراف الضالعة في الحرب السورية على عجلة من أمرها، لمحاولة تغيير موازين القوى على الأرض، ويجنح أطراف الإدارة الأميركية الحالية إلى فعل شيء ما يحفظ المجموعات المسلحة السورية، وذلك قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض، خصوصاًأن الأسماء التي يختارها ترامب لإدارته تؤشّر إلى تغيير حقيقي في السياسة الأميركية في سوريا، خصوصاً بالنسبة لدعم تلك المجموعات.

بالتأكيد، تخشى الإدارة الحالية ومعها صقور البنتاغون من تأثير مستشاري ترامب والوزراء الجدد، خصوصاً مايكل فلين؛ مستشار الرئيس للأمن القومي،والذي سيكون له تأثير كبير على سياسة ترامب السورية، فمن المعروف أن فلين كان رئيساً للاستخبارات العسكرية الأميركية بين 2012 و2014، واستقال بعد نشوب خلافات بينه وبين فريق الرئيس الأميركي باراك أوباما حول سوريا بالتحديد.

وقد نشبت تلك الخلافات بعدما أصدرت وكالة الاستخبارات العسكرية بقيادة فلين وهيئة الأركان المشتركة في الجيش الأميركي بقيادة الجنرال مارتن ديمبسي تقريراً عام 2013، تشير فيه إلى "عدم وجود معارضة معتدلة قابلة للحياة في سوريا"، وأن "الولايات المتحدة بالتالي تسلّح المتطرفين". كما توقع التقرير أن يؤدي سقوط الأسد إلى الفوضى، وربما سيطرة "الجهاديين" على سوريا؛ كما حصل في ليبيا. ويُعتبر فلين من أكثر المؤيدين لخيار التعاون والتنسيق مع الروس للقضاء على "المتطرفين"، وفي مقابلات صحفية بعد استقالته، اعتبر فلين أن الادارة تجاهلت عمداً تقرير الاستخبارات العسكرية، واعتبر أن "ذلك كان قراراً مدروساً"، وأن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته إدارة أوباما هو الاستمرار بدعم المجموعات المسلحة السورية.

انطلاقاً مما سبق، يمكن القول إنّ توجُّه الإدارة الجديدة بمحاربة الإرهاب يبدو جدياً لغاية الآن، خصوصاً بعدما أعلن رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد، أن البنتاغون يقوم حالياً بمراجعة استراتيجيته لمحاربة الإرهاب بتوجيهات من الرئيس المنتخَب دونالد ترامب، وعلى هذا الأساس يحاول كل من البنتاغون ووكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إي) ووزارة الخارجية الأميركية في الفترة الانتقالية بين عهدَي ترامب وأوباما، أن يحافظوا على المجموعات السورية المسلحة، والاستفادة منها قدر المستطاع.

لكن هل يعني هذا الحل السوري بات قريباً بعد مجيء ترامب؟

من خلال ما رشح من أسماء الإدارة الجديدة للرئيس ترامب، يبدو الرئيس الأميركي جدياً في تطبيق ما جاء في عناوين حملته الرئاسية من أنه يريد أن يتعاون مع الروس في القضية السورية، وأن أولويته القضاء على "داعش"، وأن مشكلته ليست في بقاء بشار الأسد، ولعل تلك المعايير تُنهي الإشكاليات الرئيسية التي عطّلت جنيف وأفشلت الحوار السوري - السوري، لكنّ عداءه لإيران قد يمنع الوصول إلى حلٍ سريع في سوريا، إذ إن الاتفاق على فكرة التعاون مع الروس من أجل الوصول إلى حل سياسي في سوريا لا يعني بالضرورة أن الاتفاق على أسس هذا الحل السياسي قد تمّ، بالإضافة إلى أن تصوُّر الحل الذي قد يرضي الروس والأميركيين قد لا يرضي الإيرانيين، وهم فاعل أساسي في القضية السورية، ولا يمكن تجاهله أو المسّ بمصالحه في سوريا.

المشكلة التي قد يواجهها الوصول إلى حل في سوريا، هو محاولة ترامب تحجيم الإيرانيين ومنعهم من تحقيق مكاسب ونفوذ في سوريا، ومحاولة إلغاء الاتفاق النووي، أو على الأقل تحجيم قدرة الإيرانيين على الاستفادة من هذا الاتفاق، بالإضافة إلى مستقبل الوجود العسكري الأميركي والتركي في الشمال السوري، ناهيك عن مستقبل القواعد العسكرية الأميركية في تلك المنطقة. في المقابل، سيجد الروس أنفسهم أمام إشكالية التوفيق بين مصلحتهم الاستراتيجيةبالتعاون مع الأميركيين وتقاسم النفوذ في الشرق الأوسط، وبين مصالح السوريين ومصالح حلفائهم الإيرانيين، الذين سيتعرّضون لمحاولة احتواء من الإدارة الجديدة.

2016/12/01

كيف سيتعامل العهد الجديد مع المبادرة السعودية؟


د. ليلى نقولا
منذ بداية ما سُمِّي "الربيع العربي"، تجد المملكة العربية السعودية نفسها في بيئة استراتيجية مختلفة عمّا عرفته منذ عقود، إذ إنها تواجه أزمات اقتصادية، معطوفة على استنزاف عسكري في اليمن، بالإضافة إلى عدم استقرار علاقاتها مع مظّلتها الأمنية الأميركية. ولعل السياسة التي استخدمتها السعودية للردّ على هذه التحديات، أدّت إلى تردّي الأوضاع المالية في المملكة، والتي حذّر صندوق النقد الدولي من أنها قد تؤدي إلى إفلاس السعودية.
بالغت المملكة في الإنفاق وشراء صفقات أسلحة لأهداف سياسية، ومحاولة القيام باستثمارات مالية دولية لمقايضتها بمواقف سياسية لم تؤدِّ إلى تبدُّل موازين القوى لا في اليمن ولا في سورية، كما أنفقت المبالغ الطائلة على تأسيس "لوبي سعودي" في الولايات المتحدة لتسويق أفكار المملكة، والتي لم تحصد سوى قانون "جاستا" الذي أيده الكونغرس بأغلبية ساحقة تقارب الإجماع، إضافة إلى كلفة تمويل الحروب العسكرية، خصوصاً تمويل المجموعات المسلحة في سورية، وكلفة حرب الاستنزاف في اليمن، والتي بلغت مئات مليارات الدولارات.
أما في قرار سياسة إغراق أسواق النفط بزيادة الإنتاج، لإلحاق الضرر بالاقتصادَين الروسي والإيراني، ولإفلاس شركات إنتاج النفط الصخري في أميركا، فبدت السعودية كمن يطلق النار على رجليه، فانهيار أسعار النفط أضرّت باقتصاد المملكة أيضاً، إذ إن 90 بالمئة من الدخل القومي السعودي يعتمد على النفط.
إذاً، تعيش المملكة في بيئة استراتيجية تتسم بالقلق على المستقبل، فلم تحقق أي انتصار عسكري لا في اليمن، ولا في سورية، ولم تستطع أن تجعل مصر تدور في فلكها، ويبقى لبنان الساحة التي لها نفوذ تاريخي فيه، والتي تحاول إعادة تعويم دورها فيه بعد عودة الرئيس سعد الحريري إلى الحكم، وتجلّى ذلك في مبادرتها للتقارب مع الرئيس عون ودعوته إلى السعودية، فكيف يمكن أن يتصرف العهد؟
تبدو الخيارات المتاحة أمام الرئيس عون على الشكل الآتي:
1- الانقطاع عن السعودية والانخراط كلياً في "محور المقاومة"، الذي يحقق انتصارات هامة في الإقليم، خصوصاً في سورية، والمساهمة اللبنانية في إضعاف النفوذ السعودي إقليمياً من البوابة اللبنانية. هذا الخيار الذي يطالب به بعض الصحافيين والسياسيين المقرَّبين من المقاومة، خصوصاً بعد وصول العماد عون إلى الرئاسة، دونه عقبات كبيرة وخطيرة تجعله مُضراً بلبنان ووحدته وسلمه الأهلي، فقد يؤدي إلى المسّ بالاستقرار الداخلي، وإغراق لبنان بأزمات داخلية متتالية، نتيجة شعور طائفة بالغبن والتهميش، بالإضافة إلى تعطيل العهد الجديد قبل أن يبدأ.
2- إعادة تعويم الدور السعودي في لبنان، ومحاولة انتشال السعودية من مأزقها الإقليمي بجذبها لأداء دور هام في لبنان يشبه إلى حد بعيد نفوذها السابق، وهذا ضرب من الخيال، ولا يمكن لأي طرف لبناني أن يتحمّل تبعاته، خصوصاً بعدما أدرجت السعودية حزب الله على لائحة الإرهاب، وأقرّت عقوبات على اللبنانيين المرتبطين به.
3- الحفاظ على نوع من التوازن الحكيم والمدروس في علاقات لبنان الإقليمية بين المحورين المتصارعَين، بالتوازي مع احترام الميثاقية التي تمنع إلغاء أي طائفة من منطلق أن إلغائها يعني إلغاء لبنان. وهكذا، يحترم لبنان تعهداته الدولية وقرارات الأمم المتحدة، ويلتزم بما أعلنه رئيس الجمهورية في خطاب القسم لناحية التزام لبنان ميثاق الجامعة العربية حول عدم التدخُّل في الشؤون الداخلية للدول العربية الأخرى، وعدم السعي لتغيير الأنظمة بالقوة، وهذا الخيار المفترَض لا يعني ألا يكون للبنان موقف من القضايا الإقليمية، ولا أن يكون محايداً في الصراع العربي - "الإسرائيلي"، بل أن يؤمّن لمواطنيه حرية الرأي السياسي والتعبير عنه، وألا ينخرط كلياً في محور ضد آخر، مما يجعل لبنان ساحة لصراع الآخرين على أرضه.
وعليه، قد تكون السعودية متجهة إلى الخسارة في الإقليم، خصوصاً بعد مجيء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض واتجاه أوروبا إلى "اليمين"، وبعد قلب موازين القوى العسكرية في سورية والاستنزاف في اليمن، لكن هل من مهمة اللبنانيين زيادة هذه الخسارة، وحتى لو كلّفتهم استقرارهم الداخلي؟ وهل يجب أن يسير لبنان وراء الرؤوس الحامية في المحورين المتصارعين التي تريد دفع لبنان إلى أتون حرب أهلية؟ وهل يتخيل عاقل أن الرئيس عون الذي دفع أثماناً كبيرة نتيجة تفاهمه مع المقاومة، والذي يدين للسيد حسن نصر الله بمقاومته للضغوط الإقليمية والداخلية، مما أوصله إلى رئاسة الجمهورية، قد يقفز إلى السفينة الغارقة لإنقاذها؟ وهل يقبل السيد حسن نصر الله، الذي أعلن يوماً "فلنحيّد لبنان ونتقاتل في سورية"، بإدخال لبنان في صراع محاور لن يُبقي ولن يذر؟
بالنتيجة، لا يمكن للرئيس عون إلا أن يلتزم الثوابت اللبنانية التي أعلنها دوماً، وهي أن على اللبنانيين أن يكونوا "أبعاداً لبنانية في الخارج لا أبعاداً خارجية في لبنان"، ما يعني السعي للحفاظ على لبنان، وعلى الاستقرار فيه، وإخراجه من دوامة الأزمات السياسية المتكررة التي أفقرت الشعب وعطّلت بناء الدولة.