2017/06/29

ماذا يريد ترامب من بيان الكيماوي السوري؟


د. ليلى نقولا

تباينت المواقف في واشنطن حول التحذير الذي أطلقه البيت الأبيض من أن النظام السوري يستعد لشنّ هجمات كيميائية محتملة، محذرًا الرئيس الأسد من أن هذا الفعل سوف يكلفه غاليًا.
ولقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز أن الاستخبارات الأميركية ووزارتا الدفاع والخارجية، تشكك في صدقية بيان البيت الأبيض بشأن ما سمّاه احتمال استخدام السلاح الكيميائي في سوريا، بل على العكس من ذلك، تبيّن أن الجهات المكلفة بعمليات جمع المعلومات الاستخبارية في سوريا وحتى بالتحضير للردّ العسكري، ليست على علم بما أثاره البيت الأبيض!.

وبعد تراجع البيت الأبيض عن التهديد، وإعلان الأميركيين أن الرئيس السوري قد فهم الرسالة الأميركية جيدًا وتراجع عن استخدام الكيميائي، تطرح على بساط البحث، أسئلة حول الأهداف الحقيقية للرسالة الأميركية والتهديد بتدخل عسكري.

وقد تكون من جملة الأهداف، ما يلي:
- الردّ على انتصارات الجيش السوري وحلفائه في الميدان، إذ تذكر التقارير الواردة من الميدان السوري تقدم القوات السورية على جميع الأصعدة ووصوله الى الحدود العراقية السورية، وسعيه الحثيث للوصول وتثبيت تمركزه على الحدود الأردنية ومع فلسطين المحتلة كما تقدمه باتجاه تحرير دير الزور.

وتمامًا كما في حادثة كيماوي خان شيخون وما تلاها من قصف لمطار الشعيرات، كان الجيش السوري متقدمًا ميدانيًا، ما يعني عدم حاجته لاستعمال أي سلاح كيميائي وهو القادر على تكبيد المسلحين خسائر كبيرة بالقصف العادي لذا لا حاجة لاستعمال سلاح قد يستخدم كذريعة للغرب للرد العسكري ضده.

- حاجة ترامب لإظهار القوة أمام حلفائه الغربيين، خاصة قبل ذهابه الى باريس في حال قرر تلبية دعوة الرئيس الفرنسي. ولم يتأخر الفرنسيون والبريطانيون، فقد سارعوا الى التعبير عن استعدادهم للتدخل العسكري، ولعل الرئيس الفرنسي الشاب الذي يحتاج كما ترامب لإظهار قوته كان الأسرع فلقد زايد على ترامب معلنًا استعداده لقصف من جانب آحادي فرنسي في حال استخدام السلاح الكيميائي.

- حاجة ترامب لعمل ما يخفف عنه الضغوطات الداخلية خاصة في ظل التحقيقات المستمرة بعرقلته للعدالة، والتحقيقات حول تورط من حوله ومنهم صهره، بالتخابر مع الروس. لم ينسَ ترامب كيف حصد تشجيعًا وتصفيقًا من قبل معارضيه حين قام بقصف مطار الشعيرات في سوريا، فقد يكون بحاجة لعمل شيء ما، يخفف عنه وطأة الضغوط الداخلية التي تكبله وتقلقه بشكل أكيد.

لكن، لم تطابق حسابات البيدر مع حسابات حقل ترامب، فالرسائل الروسية والايرانية والسورية أتت واضحة غير ملتبسة، بأن حلفاء سوريا لن يسكتوا عن أي عدوان يقوم به ترامب أو مغامرة يريد أن يفكّ فيها أزمته الداخلية.

فالايرانيون حذروا من اللعب بالنار، ولكن الردّ الروسي أتى بشكل أكثر وضوحًا وقوة وذلك على مستويات متعددة، من وزارة الخارجية الى الكرملين، وحتى من قبل رئيس الأركان الروسي الذي اصطحب الرئيس السوري بشار الأسد معه في طائرة عسكرية، لزيارة قاعدة حميميم الخ.. وفي ذلك رسالة واضحة وجليّة حول طبيعة الردّ الروسي على أي عدوان أميركي على سوريا، واستعداد الروس للقتال للحفاظ على مصالحهم في سوريا، وحتى للدفاع عن الرئيس السوري بشار الأسد.

ثانيًا، كان التسريب الذي قامت به نيويورك تايمز واضحًا لجهة عدم قبول الجنرالات الأميركيين بأي مغامرة متهورة غير محسوبة النتائج في الميدان السوري، وخاصة أنهم سارعوا الى إفراغ بيان البيت الأبيض من الصدقية وشككوا فيه، ما يعني نزع الشرعية الداخلية عن أي عمل عسكري يريد ترامب القيام به في سوريا.

ثالثًا، في التاريخ الحديث ما زالت ذاكرة الدول والشعوب حافلة بالأكاذيب التي أطلقها جورج بوش الأبن ووزير خارجيته حول امتلاك العراق لإسلحة الدمار الشامل وشنّ حرب مدمرة ما زالت المنطقة تنوء تحت ثقل نتائجها لغاية الآن. لذا، فإن التذكير الروسي بذلك وإعلان وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون استعداد بلاده للمشاركة العسكرية "بشرط أن يكون التدخل مبررًا وقانونيًا"، يشير الى أن زمن تخطي القانون الدولي والعدوان على الدول السيدة، بذرائع وأكاذيب مفبركة صار من الماضي. 

2017/06/22

ما هو مصير داعش بعد انتهاء مهمته في المشرق؟


د. ليلى نقولا
أعلنت العديد من التقارير الاعلامية أن داعش قد فجّر الجامع النوري الكبير، أحد أبرز مساجد العراق التاريخية، ومئذنته "الحدباء" التي تعتبر من أهم الآثار التاريخية والتي يطلق على الموصل اسم الحدباء تيمنًا بها.
مسجد "النوري الكبير"، بناه مؤسس الدولة الزنكية، الأمير نور الدين محمود زنكي عام 1173، بمدينة الموصل، وهو المكان الذي ألقى فيه أمير داعش أبو بكر البغدادي  خطبته الشهيرة والتي أعلن فيها الخلافة، حيث كان لاختيار ذلك الجامع بالتحديد رمزية تاريخية، باعتبار أن المساحة التي كان داعش ينوي السيطرة عليها واعلان خلافته فيها هي نفسها المساحة التي سيطر عليها نور الدين زنكي قبل حوالى تسع قرون.

ويأتي تفجير الجامع النوري، مؤشرًا مبكرًا لانتهاء داعش في بلاد الشام، فالتنظيم الارهابي بات يتقهقر في كل من سوريا والعراق بعد أن أدّى العديد من المهام، فنشر الفوضى والقتل والرعب في كل أرجاء المنطقة بتنفيذه عمليات انتحارية في كل من دول المشرق، كما زاد الشرخ بين المذاهب الاسلامية السنية والشيعية، وقضى على وحدة المجتمعات بقيامه بالفظائع ضد الاقليات الدينية في المنطقة وسبي النساء وتعذيبهن وبيعهن في سوق الرقيق.
هذا على الصعيد الاجتماعي والسياسي، أما على الصعيدين العسكري والاستراتيجي، فقد قام داعش لفترة ليست بقصيرة بإلغاء الحدود التاريخية بين سوريا والعراق، واستنزف الجيشين العراقي والسوري، لكنه بالمقابل أدّى الى ظهور الحشد الشعبي العراقي المدعوم ايرانيًا، كما أدّى الى عودة الأميركيين عسكريًا الى العراق وتشكيل تحالف عسكري دولي لمحاربة التنظيم، والأهم أنه سمح للأميركيين بالتواجد عسكريًا في سوريا، لأول مرة في تاريخهم، وتأسيس قواعد عسكرية ضمن هذه الدولة تحت ستار مكافحة الارهاب الداعشي.

واليوم، يتقهقر داعش أمام الضربات التي يتعرض لها في كل من سوريا والعراق، وتتقلص المساحة التي يسيطر عليها، ويبدو أن مهمته المشرقية قد انتهت وما هي إلا شهور قليلة حتى يُعلن انتهاء التنظيم في بادية الشام، بعد أن يكون كل طرف قد استفاد من رقعة جغرافية "حررها من قبضة داعش"، فيحصل الأكراد على جزء من الجغرافية السورية يأملون تأسيس دويلتهم عليها، ويسيطر الأميركيون على جزء آخر على الحدود المشتركة بين العراق وسوريا والاردن، ويقيمون قواعد عسكرية فيها وفي مناطق الأكراد، ويسيطر الأتراك على جزء جغرافي في الشمال السوري، ويبقى الجيش السوري مشغولاً بمحاولة تحرير ما تبقى من الجغرافيا السورية التي خرجت بفعل الحرب عن السيادة السورية.

فما هو مصير داعش بعد انتهاء مهمته في المشرق العربي؟

على ما يبدو هناك 3 طرق سيسلكها عناصر داعش المهزومين في المنطقة:

- الطريق الاول: بقاء بعض عناصر التنظيم من أبناء العراق وسوريا في المنطقة، وذلك من خلال خلع بدلة داعش والالتحاق ببعض المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام السوري وذلك لإشغال الجيش السوري وحلفاءه لأطول مدة ممكنة.

- الطريق الثاني: شمال أفريقيا
رغم فقدان داعش لمراكزه الثابتة في ليبيا، لكن التنظيم يتمتع بحضور وانتشار في الداخل الليبي، ويبدو أن مهمة داعش في ليبيا لم تنتهِ وما زال التنظيم الارهابي مصرًا على التواجد في ليبيا، واعتمادها مقرًا للانطلاق الى الدول المجاورة، للتغلغل في أفريقيا ولتهديد كل من تونس ومصر والجزائر ومالي ونيجيريا وغيرها.

- الطريق الثالث: أفغانستان
بالرغم من محدودية الجغرافيا التي يسيطر عليها داعش في أفغانستان، إلا أن بروزه بشكل مفاجئ وسيطرته على مناطق استراتيجية هامة، ومنها تورا بورا المقر التاريخي لزعيم القاعدة أسامة بن لادن  والذي خسرها فيما بعد، كما قتاله ضد طالبان، والأخطر صدور تقارير وتصريحات روسية رسمية(لافروف) تشير الى أن طيرانًا "مجهولاً" يلقي الاسلحة والمساعدات لداعش في أفغانستان غازمًا من قناة البنتاغون وحلف شمالي الاطلسي اللذان نفيا الأمر.... كل ذلك يشير الى أن ظهور داعش المفاجئ وسيطرته المستغربة على مساحات واسعة من العراق وسوريا وليبيا قد تتجدد في أفغانستان.

ولعل من المهم الإشارة الى أن بروز داعش في أفغانستان وسيطرته على مناطق حيوية، سيؤدي الى مزيد من الاضطرابات في آسيا الوسطى ودولها، ما قد يدفع الأميركيين الى الاسراع في إرسال آلاف الجنود الى هناك لمحاربة داعش.

وقد يكون من المجدي التذكير بأن أمن آسيا الوسطى مرتبط الى حد بعيد بالأمن القومي الروسي والأمن القومي الصيني، كما بطريق الحرير الجديد الذي تقوم من خلاله الصين بتجارة بريّة سريعة مع اوروبا، تهدف من خلالها الى تفعيل طريق الحرير القديم، وهو يتضمن حاليًا 7 خطوط تنقل البضائع بريًا بين اوروبا والصين بمعدل 18 يومًا للرحلة.

وفي كلا الحالتين الأخيرتين، سيشكّل داعش قلقًا للصين سواء في افريقيا حيث تتغلغل شركاتها وتنافس بقوة، أو في آسيا الوسطى وفي الدول المجاورة للصين والتي ستؤثر بشكل كبير على استقرار الصين الداخلي خاصة في ظل انضمام الآلاف من الايغور الصينيين الى داعش في وقت سابق.

2017/06/15

نتائج الصراع الخليجي على سوريا وليبيا


د. ليلى نقولا
ما زالت الأزمة الخليجية تتفاعل بدخول لاعبين جدد على الأزمة، وقيام كل من ايران وتركيا بحماية قطر ومنع مغامرة عسكرية خليجية بتدخل عسكري مباشر كان قد تردد أن السعوديون وحلفاؤهم من دول الخليج ينوون القيام به لتأديب قطر، أو تدخل خليجي غير مباشر عبر دعم انقلاب من داخل قطر يطيح بالشيخ الشاب تميم لصالح شخص آخر من العائلة الحاكمة، أو حتى تبديل هوية الأسرة  الحاكمة بمجملها.

تجدر الإشارة الى أن الصراع القطري الخليجي الذي يتخذ خطوات تصعيدية في هذه الفترة، ما هو إلا استمرار لما بدأ عليه الربيع العربي من سنوات ست، وذلك على الشكل التالي:

بدأ الثورات في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، وسارت التظاهرات في الاردن للإطاحة بحلفاء السعودية أو ما كان يُسمى قديمًا "محور الاعتدال" في الصراع العربي الاسرائيلي، وكانت نتيجة تلك الثورات تنصيب الإطاحة بحلفاء السعودية وتنصيب قادة الإخوان المسلمين، أو ما أسماه الرئيس الأميركي باراك أوباما "الاسلام المودرن المعتدل"، وحيث انتشرت دعوات في الاعلام والسياسة الغربية تدفع الى تقليد "الاسلام التركي" في جميع أنحاء العالم العربي.

انخرطت قطر في ذلك الصراع اعلاميًا وماديًا وتسليحًا لدعم الإخوان، وانتشت تركيا بهذه الموجة، واندفع داود اوغلو في خطابه خلال مؤتمر الإخوان المسلمين العالمي الى التبشير بأن تركيا " ولأول مرة منذ مئة عام، سوف تعيد أراضيها التي سلخت منها بعد انهيار الامبرطورية العثمانية، وأنها ستربط الأراضي من ليبيا الى جورجيا، ومن اليمن الى تركيا، بدون حرب!!".

في المقابل، دعمت ايران تلك الموجة في مرحلتها الاولى وذلك من خلال اعتبارها ما يحصل في العالم العربي "صحوة اسلامية"، ومن خلال دعم الثورة البحرينية لإكمال الطوق على حلفاء السعودية في المنطقة. فقط، عندما امتد حلم الإخوان الى سوريا لإسقاط النظام السوري الحليف، استشعرت ايران خطورة المرحلة، وقررت مساندة الجيش السوري في حربه ضد المجموعات التي تقاتل في الداخل، فكان دخول حزب الله الى سوريا رسميًا عام 2012.

في المرحلة الثانية، استجمعت السعودية وحلفاؤها القوى وتمّ استيعاب الضربة الاولى؛ وما أن فشل مشروع إسقاط النظام السوري عسكريًا، وعادت القصير وقلعة الحصن في حمص الى حضن الدولة السورية، حتى بدأت ثورة مضادة في كل من تونس ومصر، دعمتها السعودية والدول الخليجيةـ أدت الى انهيار الحكم الاخواني في كل من تونس ومصر، وأدّت الى فشل استراتيجية "حكم اخواني تركي على كامل مساحة الأرض العربية" نهائيًا، واستلم السعوديون دفة القتال في سوريا، وأقصى الأميركيون جماعات الاخوان لصالح جماعات بندر بن سلطان.

وبالرغم من كل التطورات وبالرغم من تقاطع المصالح القطرية السعودية في دعم مشروع إسقاط النظام السوري، استمر كل من قطر والسعودية في تأمين الدعم الاعلامي والمادي والتسليحي في رعاية المجموعات المسلحة في كل من سوريا وليبيا والعراق وغيرها، لدرجة أن تلك المجموعات تقاتلت فيما بينها في كثير من الأحيان مشكّلة إحراجًا لخطط الولايات المتحدة الأميركية.

والآن، بعدما انتقل الصراع القطري السعودي بالوكالة في الميادين العربية المشتعلة، ما هي مآلات انتقال الصراع الى العلن في الخليج نفسه؟

منطقيًا، إن انتقال الصراع الى الخليج واستشعار قطر الخطر الكبير على أمنها ووجودها، سيدفعها الى تغيير تعاملها مع الأزمات، وقد يدفع المجموعات الموالية لقطر وتركيا الى مقاتلة المجموعات الموالية للسعودية كما كان عليه الحال في سوريا قبل الهدنة حين اشتعلت إدلب بقتال "الأخوة الأعداء".

أما في ليبيا، فإن الصراع الخليجي المستعر، سوف يدفع كل من السعودية والإمارات - كما في مصر وتونس سابقًا- الى التحالف مع من تبقى من نظام القذافي ومجموعاته، لمقاتلة وإخراج المجموعات الموالية لقطر وتركيا، وهو بالضبط الهدف من الافراج عن سيف الاسلام القذافي، وإقامة إفطار لشخصيات من النظام السابق، وهو ما تريده مصر التي تتهم مجموعات اخوانية تدعمها قطر بشنّ حملات ارهابية في الداخل المصري انطلاقًا من الأراضي الليبية.

إذًا، قد يكون من نتائج الصراع القطري السعودي في الخليج نفسه، أي انتقال الصراع الى ساحته الأساسية، انشغال المجموعات المسلحة في قتال بعضها البعض بدل مقاتلة الدولة السورية التي ستوظف طاقاتها لمقاتلة داعش ومنع المخطط الأميركي بالتقسيم، كما سيؤدي الى انخراط المجموعات القطرية بالمصالحات مع الدولة السورية، وسيعني دعمًا قطريًا للحشد الشعبي في العراق انطلاقًا من عرفان الجميل لايران، وقد يعني أيضًا السير في حل سياسي في ليبيا يعيد نظام القذافي مجمّلاً الى الحكم في ليبيا والانتهاء من تقسيم ليبيا والتفرغ لمقاتلة داعش فيها. ويبقى الأكيد، أن الخليج بعد هذه الأزمة لن يعود الى ما كان عليه قبلها، حتى ولو لم يحصل أي تطور ميداني وهو مستبعد.

2017/06/08

هل يكون الخليج شرارة الحرب العالمية المقبلة؟


د. ليلى نقولا
تزامنت الأزمة القطرية الخليجية، مع توتر أمني وأعمال إرهابية ضربت العمق الايراني بهدف توجيه رسائل بغاية الأهمية الى الداخل الايراني والى الحرس الثوري الايراني، بأن الداخل الايراني مكشوف وأن إيران ليست بمنأى أمنيًا عن الارهاب وهناك قدرة على اختراقها في أكثر المناطق حساسية ورمزية.
وبالرغم من محاولات أمير الكويت القيام بواسطة بين الدول الخليجية لنزع فتيل التوتر الخليجي، إلا أن المواقف السعودية والاماراتية والتي ما زالت تتخذ منحى تصاعديًا تؤشر الى عدم امكانية حلّ الأزمة في وقت قريب، وتدفع الى الاعتقاد بإمكانية زيادة التصعيد بدل تخفيفه في الايام القادمة.
من هنا، يتحدث كثيرون عن امكانية تدخل عسكري خليجي في قطر، فما هي احتمالاته وما هي مآلاته؟
لعل المعلومات المتوافرة من قطر أنها وضعت قواتها في أعلى درجات التأهب في ظل مخاوف من تدخل عسكري محتمل عبر حدودها الجنوبية، وأن «وزارة الدفاع القطرية بعثت رسالة إلى السعودية والإمارات والبحرين، حذرتها فيها من أنها ستطلق النار على أي سفن تدخل مياهها الإقليمية»، كما أشار مصدر أميركي ل سي أن أن.
وأعلنت تركيا في رسالة صريحة من البرلمان التركي، الذي وافق على مشروع قانون يتيح نشر قوات في قاعدة عسكرية تركية في قطر، أعلنت بشكل لا يقبل الشكّ أنه في حال نشوب نزاع مسلح بين الدول الخليجية فإنها ستصطف الى جانب قطر.
بالنسبة لايران، إن تزامن زيارة وزير خارجيتها محمد جواد ظريف مع الاعلان التركي، بالاضافة الى وعي ايران الرسمي والشعبي والأمني بخطورة الرسالة التي بعثتها المحاولات الارهابية بزعزعة استقرارها أمس، واتهام إيران "الدولة الرجعية" في المنطقة بإنها وراء هذه الرسائل، تشير الى أن ايران لن تقف مكتوفة الايدي في حال قيام نزاع عسكري على الحدود المقابلة لها في الخليج وعلى ضفته العربية، لما في ذلك من مخاطر على الامن القومي الايراني وعلى أمن الخليج برمته.
في المقابل، تبدو التصريحات الأميركية الرسمية مشجعة للسعوديين والخليجيين بالاستمرار بالتصعيد، مضافًا اليها الموقف الفرنسي الذي قال "إنه يتعين على قطر الرد على الأسئلة المطروحة من قبل جيرانها الذين يتهمونها بدعم الإرهاب"، والذي شدد على أن فرنسا "بلد صديق لتلك الدول التي اتخذت موقفًا من قطر، وتعاوننا معها تاريخي وعميق".
هذه المواقف، تشير الى انحياز غربي لصالح السعودية والامارات، علمًا أن الاسئلة التي يشير اليها الفرنسيون هي ليست أسئلة بل هي شروط طلبتها الدول الخليجية لحل الأزمة، وتتجلى في التخلي القطري عن دعم الاخوان المسلمين بكافة فروعهم وطرد قياداتهم واغلاق الجزيرة الخ.. باختصار، المطالب الخليجية تحاول أن تقلّم أظافر قطر الاقليمية وتمنعها من اي دور سياسي أو نفوذ خارج اقليمها الجغرافي.
وهذه الاشكالية والمطالب والتهديدات المقرونة بانذار، تُحضر التاريخ وتسترجعه، وتذكرنا بالحرب العالمية الاولى، حيث استغلت الدول الاوروبية حادثة اغتيال قام بها طالب صربي لولي عهد النمسا وزوجته، لفرض شروط قاسية على صربيا، وبالرغم من الصرب التزموا بمعظم تلك الشروط إلا أن ذلك لم يمنع الحرب من أن تقع وتتحول الى حرب عالمية انخرطت فيها جميع الدول الاوروبية وسببت الضحايا والكوارث والدمار على أوروبا برمتها.
من هنا، فإن قبول قطر بتلك الشروط والتزامها بها، قد يمنعها من القيام بأي دور اقليمي مقبل، ولكنه قد لا يكون مانعًا للتدخل العسكري الخليجي أو لمحاولة قلب نظام الحكم فيها عبر تدبير انقلاب داخلي مفتعل.
ما قد يمنع المغامرة العسكرية الخليجية ضد قطر يبدو -لغاية الآن- الموقفين التركي والايراني، اللذان سيجعلانه مكلفًا الى حد بعيد ويمنعان من أن يكون الأمر نزهة سعودية أماراتية في الأراضي القطرية. ولكن، إلى أي مدى ستلعب شخصية صاحب القرار السعودي الشاب في التغاضي عن حساب الاكلاف، والى أي مدى قد يذهب ترامب في تشجيع تلك المغامرة العسكرية بهدف زعزعة الخليج وجرّ ايران الى حرب في محيطها الاقليمي تربكها قد يكون هو العامل الحاسم في مغامرة قد تبدأ بجنون ما وتنتهي بكارثة دولية تضاف الى الكارثة السورية التي افتعلها هؤلاء الأطراف أنفسهم.

2017/06/01

الحدود العراقية السورية: من يحسم صراع الإرادات الايرانية الأميركية؟


د. ليلى نقولا

تتواصل المعارك في سوريا للقضاء على تنظيم داعش الارهابي، وتشي الأنباء الواردة من الميدان السوري بأن مسألة الانتهاء من داعش باتت مسألة وقت ليس أكثر، وأن العام المقبل قد يأتي وتكون "اسطورة داعش" قد انتهت بشكل كامل.

والمفارقة، أن القضاء على داعش سوف ينهي فصلاً من فصول الأزمة السورية لكنه يفتحها على مزيد من التعقيد، حيث ستنتفي "المنطقة العازلة" التي يشكّلها داعش بين قوات الجيش السوري وحلفاؤه، وبين قوات المعارضة المدعومة من الأميركيين والدول الاقليمية.

ولعل الأسابيع التي تلت إعلان " مناطق خفض التوتر" قد أبرزت بشكل واضح وجلّي، أن الاستراتيجية الاميركية وبعد ست سنوات، قد انتقلت من هدف إسقاط الأسد والسيطرة على سوريا بالكامل، الى هدف قطع التواصل الجغرافي بين كل من العراق وسوريا، ومحاولة السيطرة على الحدود العراقية السورية لمنع التواصل الجغرافي الاستراتيجي الذي تستخدمه ايران في دعم محور المقاومة الممتد من طهران الى بيروت مرورًا عبر العراق وسوريا، ما يعني إضعافًا لكل مكونات هذا المحور بقطع شريانه الحيوي.

وقد ظهر للوهلة الأولى، أن الروس لا يضيرهم أو لا تعنيهم هذه المسألة باعتبار أن التواصل الجغرافي بين العراق وسوريا ليس من أولوية اهتماماتهم، وأن مصالحهم في سوريا تتجلى في القضاء على الارهاب، وحفظ النظام واستقراره، والإبقاء على القواعد العسكرية على المتوسط وهو حلم لم يستطع الروس تحقيقه حتى في عزّ الامبراطورية القيصرية، علمًا أن مسألة تلك الحدود تعني مسألة حياة أو موت بالنسبة للإيرانيين في المنطقة ما يعني أنهم قد يكونوا مستعدين لتحمل أكلاف كبيرة أو حتى الدخول في اشتباكات مباشرة مع الأميركيين لمنع اغلاقها بوجههم بشكل كامل كما يود الأميركيون.

وبما أن المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين، فقد تبين من الإنزال الروسي الداعم للقوات المتقدمة نحو بلدة التنف، أن الروس يدركون أهمية دعم الحلفاء في مسألة مصيرية بالنسبة لهم كالحدود العراقية السورية، وخاصة أن الأهداف الأميركية في سوريا ما زالت ثابتة، علمًا أن الاستراتيجية المتبعة لتحقيق تلك الأهداف تبدلت على مدى سنوات الحرب الست وذلك على الشكل التالي:

- اعتمد اوباما في البداية استراتيجية هجومية تقضي بدعم المقاتلين المعارضين والسماح لدول إقليمية متعددة بدعم عسكري ومالي وتدريبي تحت اشراف أميركي، واستبيحت الحدود السورية مع كل من تركيا والاردن والعراق ولبنان.

- وبفشل الاستراتيجيات الهجومية المتعددة في إسقاط النظام بشكل كامل، والاكتفاء بإشغاله وتشديد الضغط عليه، وبدخول حلفاء النظام بشكل تدريجي في القتال، وباصرار الروس على التدخل العسكري ومنع إسقاط النظام بالقوة، انتقل اوباما الى استراتيجية الاستنزاف، أي محاولة تحقيق أكبر قدر من المكاسب عبر ترك الكل يستنزف الكل، على أن تقوم المجموعات التكفيرية باستنزاف كل من الروس والايرانيين والجيش السوري وحزب الله، فيتم إضعاف الجميع وتربح أميركا بدون أكلاف حقيقية.

- ومع مجيء ترامب، تمّ الترويج لإمكانية عقد تفاهمات مع الروس تعطيهم ما يريدونه في كل من سوريا وشرق أوروبا، على أمل أن يتمّ تحقيق هدف أكبر وهو " تفكيك التحالفات" بإبعاد الروس عن كل من الصين والايرانيين، ما يسمح بالضغط على الصين وباحتواء النفوذ الايراني في المنطقة بشكل أساسي.

لكن المشاكل التي يعانيها ترامب في الداخل، واستخدام الذريعة الروسية في محاولة عزله، والتهديدات الداخلية الدائمة لفريق ترامب بالخيانة، لجمت إندفاعة ترامب وفريقه تجاه الروس ودفعت الإدارة الى مسرحة حادثة "خان شيخون" وما تلاها من قصف الشعيرات، لإظهار ترامب وكأنه "بطل" ينفذ ماعجز أوباما عن تحقيقه، ولكسب التأييد في الداخل أو على الأقل، لتخفيف الانتقادات ضده.

وبالفعل، سكتت الأصوات الداخلية المنتقدة لفترة قصيرة، وأعلن بعض معارضيه أن ترامب بعد قصف سوريا "بات فعلاً رئيسًا للولايات المتحدة"!... لكن شهر العسل لم يدم، وسرعان ما استعيد الهجوم على الإدارة أقوى من ذي قبل.

إذًا، يدرك الروس أن ترامب مهما فعل ومهما قدم للداخل الاميركي، لن يُسمح له بالحكم بدون مشاكل داخلية، وستكون العلاقات مع الروس موضع ابتزاز دائم للرئيس الأميركي وإدارته، لذا لا يمكن لهم أن يراهنوا على بناء الثقة مع الأميركيين والتعاون في سوريا، لأن التجاذبات داخل الإدارة والضغوط عليها ستجعل من السهل الانقلاب على أي تفاهم أميركي روسي، وخذلان "الشريك الروسي" مجددًا.

من هنا، بات الجميع بانتظار جلاء معركة الحدود العراقية السورية ومعارك البادية السورية باعتبار أن نتائجها ستكون المؤشر الحقيقي لما سيكون عليه مستقبل سوريا ومحور المقاومة، فإن استطاع الأميركيون السيطرة على كافة الحدود العراقية السورية ( وهو أمر بات مستبعدًا بعد التطورات الأخيرة ووصول الحشد الشعبي العراقي الى الحدود مع سوريا) فيستطيعون تضييق الخناق على محور المقاومة وقد يفرضون التقسيم، وإن استطاع محور المقاومة السيطرة على أجزاء من تلك الحدود، فيعني أن السيطرة الأميركية على أجزاء أخرى قد أفرغ من مضمونه الاستراتيجي بشكل كبير.