2013/08/28

التصعيد.. تمهيداً للتسوية أو للحرب؟


د. ليلى نقولا الرحباني
الثبات
يكثر الحديث عن حرب مقبلة ستشنّها الولايات المتحدة الأميركية على سورية، كردّ على "مسرحية" الكيماوي المجترّة والمكررة، والتي تشبه إلى حد بعيد التلفيق والأكاذيب حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، مهدت لاحتلاله وإغراقه في أتون من الدم والدمار والتفجير.

إن التهويل والحرب النفسية الحاصلة والحديث عن تأكيد بشنّ خيار حرب، يرافقه نوع من الإرباك الأميركي المتمثل بعبارات "درس الخيارات"، وتأكيدات بأن الهدف ليس الذهاب إلى حرب شاملة، إنما عمليات محدودة هدفها إضعاف النظام السوري، وليس شنّ حرب تؤدي إلى انفجار المنطقة بشكل كامل، ويعكس الإرباك الأميركي - الغربي هذا تقدير وإدراك للنتائج الخطرة المترتبة على هذا السيناريو، فسورية وحلفاؤها يملكون من القوة والأوراق ما يجعل الخيار بالذهاب إلى الحرب الكبرى خياراً مكلفاً جداً، إن لم نقل خياراً انتحارياً.

وفي تقييم للخيارات المتاحة ودوافعها نجد ما يلي:

أولاً: استحالة القيام بتدخل عسكري واسع النطاق والزج بالجيوش إلى الداخل السوري، لأن هذا قد يؤدي إلى فتح باب جهنم، حيث سيشتعل الحريق في منطقة متداخلة ومتشابكة بشكل قد يُعرف كيف يبدأ، لكن لن يُعرف كيف تنتهي، والأكيد أن الحرب الشاملة التي سيشنّها الغرب ستستوجب رداً من قبل المحور المتحالف مع سورية، وستدخل إيران الحرب، ولن تتأخر روسيا عن الرد - ولو أعلن لافروف صراحة أن روسيا لن تدخل حرباً عسكرية - لكن بإمكانها الرد بوسائل أخرى غير تقليدية، وقد لا تستوجب بالضرورة إدخال الجيوش النظامية في حرب على الأراضي السورية، وبالتأكيد لن تسمح روسيا للغرب بأن ينتزع منها المكاسب التي كسبتها على الصعيد الدولي خلال العامين الماضيين من عمر الأزمة السورية.

من هنا، فإن خيار الحرب الشاملة يستبعده العقل والمنطق، وهو ما يعلنه الغرب مع كل عبارة تهديد باعتماد الخيار العسكري، لأن الحرب الشاملة قد تؤدي إلى خروج كامل لأميركا من المنطقة، ولن تنجو "إسرائيل" من تداعيات هذا الأمر، وهذا ما لا يرغبه الغرب بالتأكيد.

ثانياً: القيام بضربات محدودة لأهداف سورية عسكرية، وهو ما انفك الغرب يعلن عنه ويؤكد عليه في حال اللجوء إلى الخيار العسكري، علماً أن اللجوء إلى مثل هذا الخيار فيه مؤشرات عدة أهمها:

أ- أن الأميركيين تيقنوا من فشل "الوكيل الوهابي" في استراتيجية إعادة التوازن التي أعلنوها كعنوان لمرحلة ما بعد القصير، التي أسقطت الحصان "الإخواني" في سورية بالضربة القاضية، كما أن خيار الاعتماد على "إسرائيل" للقيام بمثل هذه الضربات قد بات متعذراً لأسباب عدّة، منها أن قيام الذراع "الإسرائيلية" بتنفيذ المخططات الأميركية لا يمكن أن يمر بسهولة هذه المرة، خصوصاً بعد التهديد الواضح على أثر الضربة الأخيرة، والتأكيد أن أي عدوان "إسرائيلي" هذه المرة سيستوجب رداً كبيراً ومؤلماً لـ"إسرائيل"، قد لا تستطيع أن تتحمله.

وهكذا، تكون أميركا بقيامها بالعمل العسكري بنفسها قد تيقنت من فشل جميع وكلائها في المنطقة؛ "إسرائيل" و"الإخوان" و"الوهابيين"، وبات عليها أن تتخلى عن سياسة "تصدر القيادة من الخلف" وتقوم بالعمل بنفسها، وهو يعتبر - في جميع الحالات - فشل للسياسة الأميركية في المنطقة، يضاف إلى فشلها السابق في العراق وأفغانستان وغيرها.

ب- حاجة الغرب إلى "انتصار ما" في سورية يمكن استثماره للذهاب إلى المفاوضات، وللتحصّل على أوراق ميدانية للاستخدام سياسياً في "جنيف 2"، ومن يتابع المسار الزمني والمحطات التاريخية التي مرت بها الحرب السورية، يلاحظ أن اقتراح الذهاب إلى "جنيف 2"، تمّ خلال زيارة كيري إلى موسكو على أثر الإعلان الأميركي عن الغارة "الإسرائيلية" على مواقع عسكرية سورية، والتراجع عنه تمّ بعد الهزيمة في القصير، وتم إعلانه خلال قمة أوباما بوتين على هامش مؤتمر قمة الثمانية، حين أعلن أوباما أنه لن يذهب إلى المفاوضات إلا بعد "إعادة التوازن" في الميدان السوري. من هنا تكون الضربات العسكرية المحدودة التي يتم الإعلان عنها كخيار هي مؤشر على يأس غربي من أي إمكانية لإحراز تقدم ميداني على الأرض السورية يستثمرونه في المفاوضات.

والسؤال: هل سيذهب الغرب إلى هذا الخيار، أم أن الأمر مجرد تهويل وحرب نفسية؟

الجواب رهن بالاتصالات السرية الجارية لمحاولة جسّ نبض الطرف المقابل، فإن وصلت الرسالة واضحة إلى الغرب بأن هذه الضربات سيتم الرد عليها بقوة ولن تمر مرور الكرام ولن يقوم الحلف المقاوم بضبط النفس، فعندها ستكون زوبعة في فنجان، وإذا كان الجواب أن ضبط النفس سيُمارَس وسيسمح للغرب بتحقيق انتصار "إعلامي" يسمح له بالنزول عن الشجرة، والذهاب إلى حل سياسي يتوّجه مؤتمر "جنيف 2"، فعندها سنتوقع قيام الغرب بالتصعيد وضرب بعض "الأهداف" السورية التي سيقال إنها "ستقضي على قدرته الكيماوية".

د. ليلى نقولا الرحباني

2013/08/22

interview about chemical weapons in Syria









بيان المستقبل: مراجعة أم عنصرية ؟


د. ليلى نقولا الرحباني
منذ التفجير الإرهابي الذي هزّ الضاحية الجنوبية وأسقط الشهداء الأبرياء، يعيش اللبنانيون قلقاً أمنياً لم يشهدوه من قبل، وتعيش الضاحية على وقع إجراءات أمنية مشددة لم تعرفها في السابق، وبغض النظر عن قدرة هذه الإجراءات وغيرها على حفظ أرواح اللبنانيين أو عدمها، ومع التأكيد على أن الأمن هو بطبيعة الحال سياسي قبل أن يكون أمنياً - عسكرياً، لكن لا يمكن أن يُلام أهل الضاحية على قلقهم على مصير أبنائهم وأرواحهم من الإرهاب المتنقّل الذي يتهددهم بالصميم، خصوصاً بعد ازدياد التهديدات الأمنية واشتداد الحرب العالمية والإقليمية ضد "حزب الله".

وبتقييم شامل للتهديدات التي يتعرض لها "حزب الله" داخلياً وإقليمياً ودولياً، يمكن أن نرصد تقاطع التهديدات "الإسرائيلية" المستمرة للبنان والمقاومة، حيث قام الجنود "الإسرائيليون" بتخطي الخط الأزرق وانتهاك السيادة اللبنانية براً، محاولين القيام بعملية أمنية في الداخل اللبناني، ثم الضغط الأوروبي بإدراج "الجناح العسكري" للحزب على لائحة الإرهاب الأوروبية، تضاف إليها التهديدات التي تصدر عن المجموعات التكفيرية، وتهديدات "الجيش السوري الحر"، الذي يحمّل "حزب الله" مسؤولية دعم النظام السوري عسكرياً وميدانياً، ولا ننسى الداخل اللبناني، حيث تصدر مواقف رسمية وغير رسمية تطالب بعدم القبول بإشراك "حزب الله" في الحكومة المقبلة، والانتقاد الرئاسي للمقاومة، في موقف مستجد لا يشبه مواقفه قبل انتخابه رئيساً، ولا يشبه خطاب القسم، وأخيراً التهديدات التي صدرت عن الناطق الرسمي باسم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان؛ مارتن يوسف، وكل التسريبات حول إصدار قرار اتهامي جديد سيشكّل صدمة في لبنان، بالأدلة الدامغة التي يملكها.

إذاً، هي حرب مفتوحة بين "حزب الله" وكل هؤلاء، ولا بد لها من أن تُشعر أهل الضاحية الجنوبية ومختلف بيئة "حزب الله" بالتهديد والقلق على أمنهم وحياتهم، ولا تنفع معها تطمينات أو دعوات "تيار المستقبل" لترك الأجهزة الأمنية اللبنانية تقوم بحماية هؤلاء، وهي - كما أشار البيان المستقبلي - "تتحمل وحدها مسؤولية القيام بهذا الدور، وهي التي تتمتع بالغطاء الشرعي والسياسي والشعبي الكامل لحفظ أمن المواطنين".

نحن في المبدأ مع إعطاء الأجهزة اللبنانية الدور الكامل في حماية لبنان ومواطنيه، وهي مهمتها في الأساس، لكن لنا مع بيان "كتلة المستقبل" ورئيسها فؤاد السنيورة بعض الاستفسارات البديهية:

أولاً: أين عكار وعرسال وطرابلس وصيدا والشمال من هذا التفويض الذي يريد "تيار المستقبل" أن يمنحه للأجهزة الأمنية في الضاحية؟ ولماذا لا تُعطى الأجهزة الأمنية - وهي قادرة حسب التصريح المستقبلي - على القيام بما يتوجب عليها من حماية المواطنين وأمنهم؟  وهم لو أعطوا هذا التفويض للجيش اللبناني منذ بداية الأزمة السورية، لكانوا وفروا على الجيش وعلى اللبنانيين الكثير من التضحيات والدماء البريئة والهزات الأمنية.

ثانياً: كيف يمكن للرئيس فؤاد السنيورة بالتحديد، أن يتحدث عن "قدرة الأجهزة" و"قدرة الدولة اللبنانية"، وهو الذي كان قد أرسل رسالة إلى مجلس الأمن بصفته رئيساً للحكومة اللبنانية، يطلب فيها تدخله في التحقيق وفي مقاضاة من ارتكب الجريمة الإرهابية في 14 شباط، ويطلب الحماية من الاغتيالات، وذلك بسبب "عدم قدرة الدولة اللبنانية وعجز الأجهزة اللبنانية عن القيام بذلك" - بحسب رسالته - وهو ما أنشأ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وكلّف الدولة اللبنانية ملايين الدولارات سنوياً، وبتحليل بسيط للبيان، نكون أمام احتمالات ثلاثة:

- إما أن الأجهزة الأمنية اللبنانية كانت عاجزة سابقاً وباتت قادرة اليوم على القيام بالتحقيقات التامّة والشفافة وكشف الجناة في التفجيرات الإرهابية وحماية اللبنانيين، وهو أمر يستدعي رسالة أخرى إلى مجلس الأمن من قبَل الدولة اللبنانية تبلغه فيها بأن الدولة اللبنانية باتت "قادرة"، وبالتالي لا داعي للاستمرار في الآليات الدولية، ولتحوَّل القضايا والتحقيقات إلى الأجهزة اللبنانية التي يثق السنيورة بقدرتها الآن.

- أو أن تكون الأجهزة الأمنية عاجزة في كل الحالات، وما يقوم به السنيورة هو إعلان عنصري يميّز بين الشهداء، أي أن ضحايانا لهم العدالة و"التحقيق القادر" والآليات الدولية، وضحاياهم من الدرجة الثانية "لا قيمة لدمائهم"، ولْتستباح مناطقهم بتفويض قوى "عاجزة" بحمايتها.

- أو أن تكون الأجهزة الأمنية اللبنانية قادرة بكل الحالات، وهو الأمر الواقعي والحقيقي الذي يعرفه الجميع، وعندها كان من المفترض أن يقوم السنيورة بمراجعة تاريخية ويعتذر عن تشكيكه بأجهزة الأمن اللبنانية وقدرتها، ويعتذر من الجيش اللبناني على ما صرّح به نواب ووزراء من "تيار المستقبل" من إهانات بحق الجيش اللبناني، والمطالبة بتحويل ضباطه إلى التحقيق، ويعتذر من المواطنين اللبنانيين لأنه سبّب عبئاً إضافياً على الخزينة اللبنانية، ولأنه استجلب التدخلات الخارجية من خلال المحكمة الدولية وغيرها.

واقعياً، وبحسب الشواهد التاريخية، لطالما كانت الأجهزة الأمنية اللبنانية قادرة على القيام بمهماتها على أكمل وجه، وما تكشّف من التحقيقات في الأعمال الإرهابية التي طاولت اللبنانيين منذ 14 شباط ولغاية الآن، يؤكد أن الأجهزة اللبنانية كانت - وما زالت - قادرة، ويُشهد لها بالاحترافية، والمطلوب فقط كفّ أيدي السياسيين عنها.. وهذه مأساة لبنان.

2013/08/15

روسيا- "إسرائيل": معركة النفط قادمة

خلال الأسبوع الثاني من شهر آب الجاري، وقّع وزراء الطاقة في "إسرائيل" واليونان وقبرص، مذكرة تفاهم بشأن تنفيذ مشاريع مشتركة في مجال الطاقة والمياه، واتفق الوزراء خلال اجتماعهم الخميس 8 آب على إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز بين الدول الثلاث، ومرفأ لتخزين الغاز المسال في قبرص لتصديره إلى أوروبا، وتفيد تصاريح هؤلاء أن هناك موافقة مبدئية من المفوضية الأوروبية، وأن هذا الخط الذي سيمدّ أوروبا بالغاز، قادر على تأمين الاحتياجات الأوروبية لمدة سبع سنوات.
وكانت تقارير أوروبية وأميركية عدّة قد تحدثت - في وقت سابق - عن مشروع لضخ الغاز "الإسرائيلي" إلى أوروبا عبر تركيا، ولكنه سقط بعد التطورات التي حصلت في سورية، وكان المشروع الذي يتمّ الحديث عنه والذي كان معداً لمشروع وصل أنابيب الغاز من "إسرائيل" إلى أوروبا عبر تركيا، فكان يرتبط بسقوط الرئيس السوري بشار الأسد وهو ما كان من المفترض أن يؤدي إلى عزل إيران وإسقاط المقاومة في لبنان، وبالتالي وصول المعارضة السورية المدعومة من الغرب إلى سدة الحكم في سورية، مما يقوي حلفاء أميركا في لبنان والمنطقة ويضعف القوى المناهضة لها، وبهذا السيناريو، تقوم "إسرائيل" بمد أنانيب الغاز برياً، عبر سورية فتركيا ومنها إلى أوروبا، وبما أن سقوط بشار الأسد بات أمراً صعب المنال باعتراف الغربيين أنفسهم، وقد لا يتحقق مطلقاً، فعلى ما يبدو، ومن خلال توقيع اتفاقيات التفاهم، أنه تمّ الاستعاضة عنه بمشروع بحري يمد أنابيب الغاز "الإسرائيلي" إلى قبرص فاليونان ثم إلى أوروبا التي تعتمد في الوقت الحالي على الغاز الروسي.

وهكذا ظهرت بسرعة إلى السطح الخديعة التي حاول رئيس المخابرات السعودية بندر بن سلطان أن يقوم بها مع الجانب الروسي، من خلال العرض الذي قدّمه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي يندرج في شقه النفطي، عرضاً بضمان ألا يهدد الغاز المستخرج من الخليج وضع روسيا كمورد رئيسي للغاز للدول الأوروبية، مقابل أن يتخلى الروس عن دعمهم القوي لنظام الأسد، ويوافقوا على عدم عرقلة أي قرار يصدره مجلس الأمن الدولي بخصوص سورية في المستقبل.

وعلى الرغم من الإغراءات المادية التي قدمها بندر للرئيس الروسي، إلا أن العرض السعودي لا يعدو كونه خديعة كبرى، والروس ليسوا أغبياء للقبول بصفقة كهذه، فحتى لو ضمن السعودي أن لا يهدد نفط الخليج المصالح الروسية في أوروبا، فهل ستلتزم جميع الدول الخليجية - ومنها قطر- بهذا العرض؟ وهل يمكن للأمير بندر بن سلطان أن "يمون" على "إسرائيل" ألا تفعل هي أيضاً كذلك، خصوصاً أن مدّ أنبوب برّي عبر سورية يجعل كلفة النفط أقل بكثير من كلفة إمداده بحرياً، كما أن وصول حكم حليف لأميركا في سورية، سيدفع إلى إعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط بكاملها بما يخدم المصالح "الإسرائيلية" والأميركية، ويهدد المصالح الروسية الاستراتيجية، سواء من ناحية بيع منتجات الغاز الروسي، أو من ناحية عقود إعادة الإعمار، أو التهديد المباشر الذي ستخلقه القوى الإسلامية المتطرفة على الجمهوريات الروسية، أو لناحية إعادة روسيا قطباً وازناً وفاعلاً على الساحة الدولية يحسب له حساب.

وإن كان الأمير بندر قد نسق الموقف مع الأميركيين، وهو أمر مرجّح بشدة، ففشل الوساطة - أو الصفقة - السعودية قد تكون من جملة الملفات التي جعلت الرئيس أوباما يعدل عن زيارته لموسكو، وتختلف موسكو وواشنطن حول جملة من الملفات الكبرى التي تجعل قضية سنودن تأتي في مرتبةٍ دنيا من الأهمية، منها مسألة الدرع الصاروخي، والمصالح الروسية في الشرق الأوسط، والحلف الصيني الروسي الذي ينافس النفوذ الأميركي في الشرق الأقصى، والأهم اليوم هو الصراع الدائر في سورية، والذي تسبب فيه روسيا للأميركيين فشلاً تلو الآخر، ما قد يتسبب بإخراجهم من المنطقة محرجين ومهزومين، وهو ما لا تستطيع الولايات المتحدة أن تتحمله لما له تداعيات على صورتها الدولية وهيبتها وقدرتها على فرض نفوذها على حلفائها التقليديين.

واقعياً، لقد أصاب الروس في "الرهان" على دعم بشار الأسد مقابل الغرب الذي حاول إسقاطه بالقوة، وقد تبين من خلال التطورات التي حصلت منذ بدء الأزمة السورية ولغاية اليوم، أن ذلك الرهان كان على "الحصان الأقوى"، وبالتالي لا يحتاج قبض ثمن هذا الرهان وجني ثماره إلا بعض الصبر والثبات على الموقف، وبعده يمكن للروسي أن يقف على ضفة النهر منتظراً جثث أعدائه لتأتي إليه.

2013/08/01

"الربيع العربي" الثاني: سقوط السلطة والأيديولوجيا

يسود الارتباك والقلق جماعة "الإخوان المسلمين" في جميع أنحاء العالم العربي، فلم تكد حركة "تمرّد" تنجح في مصر، وتطيح بحكم "الإخوان"، حتى باتت جميع الشعوب العربية مستعجلة لتكرار السيناريو المصري في البلدان التي قيل إنها شهدت "ربيعاً عربياً" في العامين الماضيين.

وعلى أثر ما حصل في تونس من مظاهرات، وما يجري في ليبيا من أعمال عنف وإحراق لمقرات "الإخوان"، واغتيالات متنقلة تؤجج مشاعر الغضب ضد "الإخوان" في كلا البلدين، يرتاب "إخوان" تونس وليبيا اليوم بشكل خاص، وحركة "الإخوان" العالمية بشكل عام، من أن يكون هذا الأمر مقدمة لانتشار العدوى المصرية وسقوط حكمهم بنفس الطريقة التي استعملوا فيها هم ثورات "الربيع العربي" ليسيطروا على السلطة، وحاولوا بسط نفوذهم في كل من مصر وتونس وليبيا وسورية والأردن وغيرها، للتأسيس لهلال "إخواني" يحكم الشرق الأوسط ويتمدد إلى الخليج العربي.

قد يكون القلق "الإخواني" مبرَّراً، فمبدأ "العدوى الثورية" هو مبدأ معروف في التاريخ، فحين انطلقت موجة الديمقراطية في أميركا اللاتينية أواخر السبعينات، شهدت المنطقة ما يشبه عملية الدومينو أو العدوى، فانهار الحكم الديكتاتوري في كل من إيكوادور وبوليفيا وتشيلي والأرجنتين وأروجواي والبرازيل، وذلك في مدة لا تتجاوز السبع سنوات، وحين بدأت الثورات الملوّنة في أوروبا الشرقية السابقة، انتشرت العدوى في أرجاء المنطقة، فأطاحت بالحكام السابقين في عدد من الدول في فترة زمنية لا تتجاوز سنونها عدد أصابع اليد الواحدة.

وكما يبدو من خلال المسار الانتقالي الذي تعيشه هذه الدول، يمكن مقارنة تداعيات التحول الديمقراطي في العالم العربي بتداعيات الانتقال الذي عاشته دول الاتحاد السوفياتي السابق، أما وجه الشبه بين الاثنين فيعود إلى أن ثورات 1989 أطاحت في نفس الوقت بالحُكام السابقين، وأطاحت بالأيديولوجيا التي بُنيت عليها السلطة في تلك الدول، فكان سقوط سلطة وأيدولوجيا معاً في دول بعضها سار مسيرته في التحول الديمقراطي بطريقة هادئة، ومنها من أدخل في دوامة الفوضى والاقتتال المذهبي والطائفي الذي أدى إلى انفجار بعض الدول وتقسيمها على أساس عرقي ومذهبي، وهو قد يشبه إلى حد بعيد ما هو حاصل في العالم العربي اليوم، من مسارات فوضى واقتتال في العديد من البلدان التي قد تؤدي إلى انفجار الحروب الأهلية التي ستؤثر حتماً على وحدة اقتصادها ووحدة نسيجها الاجتماعي.

وهكذا نرى أنه في الوقت الذي أطاح العرب بحكامهم الديكتاتوريين السابقين، يستكملون اليوم مسارهم الثوري بعملية انقلاب شعبية على مفاهيم أيديولوجية حكمتهم في العامين المنصرميْن منذ سقوط الحكمين التونسي والمصري، ما سيؤدي حكماً إلى تخلي كثيرين في العالمين العربي والإسلامي عن تأييد أيديولوجيا "الإخوان" لأسباب عدة، منها المصلحي والاقتصادي، ومنها السياسي، ومنها النفور من التسلط الذي مورس بشكل يشبه الديكتاتوريات السابقة.

أما وجه الاختلاف بين تلك الثورات وثورات العرب المتجددة، فهو أن شعوب دول الاتحاد السوفياتي السابق تخلّت عن العقيدة الشيوعية لصالح أيديولوجية واضحة ومحددة هي المبادئ الليبرالية الغربية، التي تقوم على حرية اقتصاد السوق، والتعددية السياسية والحزبية، وسيادة مفاهيم حقوق الإنسان والديمقراطية بحسب التصورات الغربية، بينما لا تتجه مسيرة العرب في إسقاط أيديولوجا "الإخوان" نحو مسار حتمي في فرض أيديولوجيا محددة دون سواها.

واللافت أن المستفيد من سقوط حكم "الإخوان"، أو من قد يكون مساهماً في التحريض على إسقاط حكمهم ويعمل على المساهمة في تمويل انتشار عدوى إسقاطهم في "دول الربيع العربي"، هو "التيار الوهابي" السعودي، الذي يقوم بتمويل المجموعات السلفية المناوئة لحكم "الإخوان" وتحريضها على الثورة ضدهم، ولا يتردد في القيام بالاغتيالات والتفجيرات واستعمال الممارسات العنفية التكفيرية ضد كل مخالف للرأي.. وهكذا، يعيش "الإخوان" في جميع أنحاء العالم العربي القلق والارتياب نفسه الذي عاشه الشيوعيون وهم يرون انهيار منظومة العالم الاشتراكي بشكل متسارع، وبات "الإخوان" يحصدون ثمار ما زرعوه خلال فترة حكمهم، فهم عمدوا إلى استغلال الحركات السلفية، والاتكاء عليها للوصول إلى السلطة، واستغلوها للقيام بالنيابة عنهم - بما يسمى في العلوم السياسية - أساليب "الحرب القذرة"، أي تصفية الخصوم والمعارضين، إلى أن انقلب السحر على الساحر وبات "الإخوان" اليوم يدفعون ثمناً باهظاً لسياسة التحريض والتعمية والتورية والإقصاء التي مارسوها.

المشكلة التي قد تقع الشعوب العربية بها اليوم، هو أن يستطيع "التيار الوهابي" الحصول على جزء مهم من السلطة، متكئاً على تمويل خليجي كبير وقدرة على التجييش وفرض النفوذ بسبب الدوغما الدينية التي يفرضها، مستنداً إلى التشرذم الذي يعيشه التيار الديمقراطي الليبرالي، باعتباره خليطاً من الأحزاب القومية والعربية، والليبرالية والعلمانية والمنظمات الشبابية وغيرها، وهو ما سيحتاج إلى ثورات أخرى، ودورات متجددة من العنف لتصحيحه.