2013/03/27

السيناريوهات المحتمَلة لمرحلة ما بعد استقالة ميقاتي

يعيش اللبنانيون اليوم فترة قلق متزايد ترافقت مع استقالة رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي ودخول البلاد مرحلة تصريف أعمال، يبدو أنها ستكون طويلة نوعاً ما، خصوصاً بعد التأزّم على صعيد الملف السوري، الذي يشهد تطورات نوعية وهامة.

وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت الرئيس نجيب ميقاتي إلى الاستقالة، والتي لوّح فيها مرّات عدّة قبل ذلك، يبدو من المفيد التأكيد على أن الاستقالة لم تكن لتتمّ لو لم يوافق عليها ممثلو الدول الغربية، والسفير السعودي في لبنان الذي زاره ميقاتي قبل الجلسة الحكومية الشهيرة. وهكذا، سمحت الدول الكبرى لميقاتي بالمغادرة وأطلقت سراحه، وارتاحت الأكثرية من ابتزاز تعرضت له على مدى سنتين، قامت فيها بـ"بلع الموس" مرات ومرات، حيث أعطى ميقاتي التيار الغربي أكثر مما استطاع أن يحصّل له "تيار المستقبل" في سنين عديدة.
ها قد استقال الميقاتي ودخلت البلاد في مرحلة تصريف الأعمال، فما هي السيناريوهات المحتمَلة للمستقبل؟
السيناريو الأول: انفجار الساحة اللبنانية، وهو ما يتخوّف منه كثير من اللبنانيين، خصوصاً بعد احتدام المعارك في طرابلس، والذي حصل قبل استقالة ميقاتي مباشرة، علماً أن احتدام المعارك في طرابلس قبيل الجلسة الحكومية الشهيرة قد يكون هدفه الضغط على الحكومة اللبنانية وعلى الأكثرية للقبول بالتمديد لريفي، خوفاً من انفلات الوضع الأمني في البلاد.
بلا شك، إن لهذا السيناريو تداعيات كبرى على الساحة اللبنانية، وعلى المنطقة بأكلمها، في ظل عدم توازن القوى الميداني في الداخل، لذلك تخشى الدول الغربية وأميركا أن يكون هذا الانفجار حافزاً لحزب الله للدفاع عن نفسه وتكرار تجربة "7 أيار"، وبعدها السيطرة على لبنان، ما سيخسّرها ساحة إقليمية هامة، ونفوذها في لبنان، وهو ما لا تستطيع أن تقبل به.

السيناريو الثاني: حوار وانفراج تتبعهما حكومة وحدة وطنية، وحيث يكون الربيع الحالي فترة ربيع ووئام لبنانييْن. قد يكون هذا الحل هو الحل المأمول لدى كثيرين من اللبنانيين، لكن دون هذا الحل صعوبات عديدة، أهمها الصراع المحتدم في المنطقة، وترابط الساحات اللبنانية والسورية والعراقية، حيث لا يمكن الوصول إلى حل في أي ساحة، في ظل اشتعال الساحات الأخرى.

السيناريو الثالث: ستاتيكو، يترافق مع بعض التشجنات السياسية والحوادث الأمنية التي تترافق مع توتر الاوضاع في سورية، وسخونة الجبهات في الداخل السوري، ومحاولات تبديل موازين القوى، ويتخلله فترات من الهدوء التي تفرضها أجندات الدول الخارجية المتدخلة في الملف السوري، والتي لها أذرع ونفوذ في لبنان.
وهو سيناريو قد يكون أقرب إلى الواقع، خصوصاً أن الساحة اللبنانية مفتوحة على شتى أنواع التدخلات الخارجية ومرتبطة بشكل وثيق مع الساحة السورية، وبالرغم من أنه لا يُقلق اللبنانيين كما السيناريو الأول، إلا أن لهذا السيناريو تداعيات على الاقتصاد والإدارة، وعلى صعيد تعطيل وشلّ البلد وملفاته المؤجَّلة منذ سنوات. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السيناريو: ما الذي سيتغير؟ فحكومة الميقاتي، وتحت ذريعة النأي بالنفس، كانت قد أدخلت البلاد في تعطيل كامل، ونأت بنفسها عن الأمور الحياتية، وعن سيادتها الاقتصادية والسياسية والأمنية، وشرّعت الأبواب مفتوحة للميليشيات الأصولية، والجماعات المسلحة لكي تعيث فساداً بأمن المواطنين وأرزاقهم وأطفالهم ولقمة عيشهم.
في الواقع، لقد دخلت المنطقة منذ منتصف آذار الماضي ولمدة ثلاثة أشهر - نتمنى أن لا يتم تمديدها - فترة سياسية حرجة، حيث سيحاول كل طرف من أطراف الصراع الدولي والإقليمي استعمال كافة وسائل القوة والنفوذ لديه لتحصيل الكمّ الأكبر من أوراق القوة قبل الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وهكذا سيعيش لبنان فترة سياسية قلقة، سِمتها التشنج السياسي والأمني الذي لن يصل إلى حد الانفجار، وتصريف الأعمال وتأجيل كل الملفات الحيوية الأخرى.
وهكذا، قد يكون الخاسر الأكبر من استقالة الحكومة ليس الشعب اللبناني الذي ضاق ذرعاً بسياسات رئيس الحكومة المذهبية الضيقة، ولا الموظفين الذين وُعدوا بسلسلة تُنصف جيوبهم، ولا الأكثرية التي رضخت لابتزاز لم يسبق له مثيل، ولا رئيس الحكومة نفسه الذي وخلال سنتين استطاع أن يوحّد اللبنانيين ضد سياساته، ويجمعهم على الرغبة برحيله.. بالفعل، إن الخاسر الأكبر هو المجموعات "الوهابية الأصولية" التي دعمها رئيس الحكومة معنوياً وسياسياً، فأولم على شرف إرهابيّيها وبرّأها حين اعتدت على الجيش اللبناني، وقلِق عليها عندما اصطفّ الشعب اللبناني بكافة طوائفه وأحزابه ضد إجرامها في عرسال.

2013/03/22

فرنسا وبريطانيا: زبائنية دولية جديدة

تعيش الساحة السورية سباقاً محموماً وتباين مصالح أطراف الصراع المتعددة اللاعبة في القضية السورية. فالولايات المتحدة الساعية إلى حل سلمي، لا يضيرها إعطاء حلفائها بعض الوقت لمحاولة الكسب الإضافي، بينما الساعون إلى تغيير النظام السوري بالعنف والقوة، لا يضيرهم إراقة المزيد من الدماء السورية، وتهديم ما تبقى من الدولة وتمزيق المجتمع السوري، مقابل بعض المكاسب الإضافية، ولعل ذلك السباق المحموم هو السبب وراء بعض التطورات التي حصلت في الفترة الأخيرة، وأبرزها ما يلي:
- استخدام السلاح الكيميائي لأول مرة في تاريخ الحرب في سورية، وهو إن دلّ على شيء، فعلى يأس من عدم إمكانية التغيير الميداني وفرض واقع جديد على الأرض، إلا من خلال استخدام وسائل غير تقليدية، علماً أن تغيير موازين القوى على الأرض هو حاجة مُلحّة للمعارضة ومَن يدعمها، بعدما سجل النظام انتصاراً هاماً في السباق نحو فرض القوة، بأن أقرّ الجميع بحقه في المشاركة بالمفاوضات، ووجوده لاعباً أساسياً في أي سلطة مقبلة، وإن كان الجميع قد تنصلوا من مسؤولية هذا الصاروخ، إلا أن الحي الذي سقط فيه، وسقوط العسكريين من الجيش السوري، بالإضافة إلى صور الأقمار الصناعية الروسية تشير إلى مصدره، على الرغم من أنه لا يمكن استثناء فرضية إطلاق الصاروخ من قبل فصائل "جهادية تكفيرية"، وعدم معرفة - أو عدم موافقة - الأطراف المعارضة الأخرى أو بعض رعاتهم الدوليين على استعمال هذا النوع من الأسلحة المحرمة دولياً، لما في ذلك من نتائج سلبية على صعيد القانون الدولي، وعلى صعيد الرأي العام الدولي أيضاً.
 - انتخاب المواطن الأميركي من أصل كردي - سوري، و"الإخواني" الهوى؛ "غسان هيتو" من قبل الهيئة العامة لـ"الائتلاف الوطني السوري"، لرئاسة حكومة الائتلاف المؤقتة التي من المنتظر أن "تدير المناطق التي هي تحت سيطرة المعارضة المسلحة"، وذلك على الرغم من كل الخلافات والمماطلة، والتحذيرات التي أطلقها معارضون من أن هذا سيسهم في تقسيم سورية، وتفتيت المعارضة أكثر فأكثر، بعد تحييد رئيس الائتلاف معاذ الخطيب، ومكوّنات أساسيّة من القوى والشخصيات المعارضة.
وقد ساهمت تركيا وقطر في إنضاج هذا الانتخاب، علماً أن محاولة تقليد النموذج الليبي بتأليف حكومة انتقالية سورية في المنفى، تقوم باستلام السفارات السورية في الخارج، دونه عقبات كثيرة، وقد لا يتم الاعتراف بتلك الحكومة من قبل الدول الداعمة للمعارضة، وذلك لصعوبة ضبط حركة المعارضين السوريين، ومعرفة توجهاتهم ومن سيسيطر على تلك السفارات، وهو ما لن تستطيع الدول الغربية أن تتحمله بسهولة؛ بأن تصبح السفارات السورية ملجأ لشتى أنواع الإرهابيين بذريعة محاربة النظام السوري.
- الاقتراحان الفرنسي والبريطاني بتسليح المعارضة السورية، ودعوة الاتحاد الأوروبي إلى رفع الحظر عن توريد الأسلحة إلى سورية، علماً أن هذين الاقتراحين يبدوان لزوم ما لا يلزم، ولهما خلفية اقتصادية لا تخفى على أحد.
بالنسبة إلى تسليح المعارضة، فإن الأوروبيين والأميركيين، وعلى الرغم من الحظر الأوروبي والأميركي المعلَن، يقومون منذ زمن بتدريب المعارضة السورية، وإمدادها بالأسلحة والعتاد والمال، وقد يكون البيان الاستنكاري الأميركي على "قصف مفترض" للطيران السوري على جرود عرسال - والذي نفته الخارجية السورية - هو بمنزلة خطوة استباقية لمنع الجيش السوري من القضاء على مجموعاتها في البقاع، خصوصاً بعد ما أشيع عن وجود خمسة عشر ألف مقاتل تدربوا في لبنان، ويستعدون لمهاجمة سورية انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.
 واللافت أن التصريحات الفرنسية والبريطانية تزامنت مع تقارير صحفية عن استثمارات قطرية بقيمة عشرات مليارت الدولارات في البلدين، فقد كشفت صحيفة "فايننشال تايمز" أن قطر بدأت محادثات مع حكومة المملكة المتحدة لاستثمار ما يصل إلى 10 مليارات جنيه استرليني في مشاريع حيوية للبنية التحتية في بريطانيا، بالإضافة إلى مشروع بقيمة 14 مليار استرليني، لإنشاء مفاعل نووي في "هينكلي بوينت" في سومرست، الذي تعتزم شركة "إي.دي.اف" الفرنسية للمرافق إنشاءه.
وتبلغ قيمة مساهمة قطر في الشركات الفرنسية الكبرى أكثر من ستة مليارات يورو، كما اشترت قطر فنادق فخمة عريقة في باريس، إضافة إلى نادي كرة القدم الباريسي الأشهر "باريس سان جرمان"، كما تستثمر بقوة في شراء حقوق تلفزيونية وفي سوق الفنون، وقد وعدت قطر، على لسان سفيرها في فرنسا، أنها سوف تخصص مبلغ عشرة مليارات يورو أخرى للاستثمار في مجموعات فرنسية كبيرة.
إذاً، هي خدمات سياسية دولية تقوم دولة قطر بشرائها بأموال النفط من دول عريقة وشهيرة بتاريخها الداعم لحقوق الإنسان والحريات العامة، وقد يكون الأميركيون أكثر المستفيدين من هذا التهويل الفرنسي - البريطاني - العربي الذي يجعل موقعهم أقوى في أي مفاوضات قادمة مع الروس لتقاسم النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.
وهكذا، وعلى الرغم من كل هذا التهويل، يستمر الحل السلمي بالتقدم ولو ببطء، فالمايسترو المسيطر على أطراف المعارضة السورية أي الولايات المتحدة الأميركية، تعطي هامشاً للدول الدائرة في فلكها للعب في الوقت الضائع، والقيام بكل ما من شأنه أن يزيد قدراتها التفاوضية وأوراق القوة لديها، ويبقى الشعب السوري هو الخاسر الأكبر من سباق الدول نحو النفوذ والقوة، ومحاولة الجلوس - ولو طرفاً ثانوياً - إلى طاولة المفاوضات.

2013/03/14

ثورة مصر.. من الديمقراطية إلى التاريخ؟

على الرغم من صراحته التي تزعج كثيرين، كان لافتاً ما قاله هنري كيسنجر عندما صنّف الثورات بنوعين: ثورات ديمقراطية، وأخرى تاريخية، معتبراً أن ثورة مصر من النوع الثاني، التي لا تترك في أعقابها إلا الدمار، ولم يستفد منها إلا العسكريون و"الإسلاميون"، فالشباب الذين دعوا للثورة باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، لم تكن لديهم خطة واضحة لما بعد الثورة، وفى نهاية الأمر سيندلع صراع بين الجيش وجماعة "الإخوان".
بغض النظر عن صحة التنبؤ بأن الصراع سيندلع بين الجيش و"إخوان" مصر بالفعل، أو أن الأميركيين هم من سيغذون هذا الصراع ويفجرّونه، لكن من المهم لفت النظر إلى تصنيف "الثورة التاريخية" التي لا تترك في أعقابها إلا الدمار، وهو ما يبدو بالفعل من كل "ثورات" الدول العربية التي باتت تعاني من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والكثير من العسكرة المعلنة أو المضمرة.
وإذا كان لا بد للعالم العربي من مراجعة نتائج ثوراته لتقييم نوع تلك الثورة بحسب تصنيفات كيسنجر، فيمكن القول إن الحقائق المصرية تشير إلى ما يشبه كارثة تحكمها أزمات هائلة أهمها:
- أزمة اقتصادية تؤشر إلى ما يشبه الكارثة، فالاحتياطيات الرسمية المصرية من العملة الصعبة تدنت في شهر شباط الماضي إلى 13.5 مليار دولار، وهي ما يكفي لتغطية واردات شهرين أو أشهر ثلاثة فقط، وهو ما يشير إلى كارثة اقتصادية قادمة، بالإضافة إلى أزمة النقص الشديدة في الوقود، والتي أنتجت أزمة هائلة في قطاع النقل، وإلى توقف الكثير من مخابز الخبز وغيرها من القطاعات الحيوية، إضافة إلى توقف قطاع السياحة، خصوصاً بعد الثورة والتوترات الأمنية، والتصريحات المتطرفة.
- معارضة داخلية سياسية شرسة تتكئ على حجم شعبي لا بأس به، وتستطيع معه أن تبقي الحكم غير مستقر سياسياً وفاقداً الشرعية التامّة، خصوصاً مع تململ وثورة القضاء والقضاة على ما اعتبروه هيمنة وتدخل في شؤون السلطة القضائية من قبَل "الإخوان".
- صراع مكبوت وتنافس بين الجيش و"الإخوان"، يغذيه شعور كل طرف بدعم أميركي، ويقابله استياء من قبل أفراد وضباط الأمن من سلطة "الإخوان" وهيمنتهم.
- منافسة واضحة بدأت تبرز إلى العلن بين السلفيين و"الإخوان"، فقد تقاطعت مصالح الاثنين خلال مسيرة القبض على السلطة، لكن المنافسة بدأت بعد احتكار "الإخوان" للسلطات، وما اعتبره السلفيون "أخونة" الدولة من خلال آلاف التوظيفات "الإخوانية" التي كشف عنها السلفيون من خلال ملف جمعوه من مختلف المحافظات.
- تسرّب هائل للسلاح إلى الداخل المصري، عبر الأراضي المفتوحة مع دول الجوار، وهو ما يجعل أي انفجار للوضع في مصر قاتلاً ومؤدياً إلى دوامة عنف قد لا تنتهي بسرعة، بالإضافة إلى أزمة عدم الثقة المستفحلة بين أبناء الشعب المصري المتنوع.
هذه الأزمات الهائلة، ومع إدراك الأميركيين حجم براغماتية "الإخوان"، يمكن أن نفهم زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي أتى إلى مصر لفرض شروط سياسية واقتصادية، ما يعني أن الولايات المتحدة الأميركية لن تعوّم الحكم "الإخواني" بشكل كامل، ولن تسمح بانهياره بشكل كامل، إلى أن يلتزم بالشروط الأميركية، وهي تتضمن: الالتزام بأمن ووجود "إسرائيل"، والالتزام بمعاهدة السلام المصرية "الإسرائيلية"، والالتزام بأدوار إقليمية يتفق عليها بين واشنطن والقاهرة، ضرورة قبول مصر بالشروط المطلوبة من صندوق النقد الدولي.
الحقيقة المرّة التي يعانيها العالم العربي، أن ثوراته بالفعل تاريخية، وأن الثورات التاريخية تلك وكما يظهر لغاية الآن، يبدو أنها ستعيد المجتمعات إلى ما قبل التاريخ، وهو ما قد يخدم المخطط الغربي بجعل "إسرائيل" قبلة أنظار الغرب في ديمقراطيتها وتطورها في شرق يعيش التخلف والجهل والاستبداد.

2013/03/07

التقارير الدولية حول سورية.. تمهيد للتسوية أم موضوعية؟


يعقد مجلس حقوق الإنسان منذ 25 شباط الماضي ولغاية 22 آذار دورته السنوية، يناقش فيها من ضمن مسائل عدّة، التقرير الذي قدمته لجنة التحقيق الدولية المستقلة حول الوضع السوري.

عند الاطلاع على التقرير الأخير المقدم من اللجنة، يمكن التأكيد أن هناك تطوراً هاماً وإيجابياً في تحسين الأداء والموضوعية بين التقرير الحالي والتقارير السابقة التي كانت مُعدّة بطريقة إن دلّت على شيء فإنما تدّل على أحد أمرين: إما أن أحد أعضاء المعارضة السورية كتبها، أو أعدّها بعض الهواة.

يبدو التقرير الحالي المؤرَّخ في 5 شباط 2013، أكثر اتزاناً وأقل تسييساً من التقرير الصادر في 16 آب 2012، على الرغم من أنه لم يرقَ بعد إلى المستوييْن الاحترافي والموضوعي اللذين يجب أن يكون عليه أي تقرير للجنة تقصي حقائق دولية محترفة وموضوعية، ونبرز بعض النقاط التي يمكن أن تلفت النظر خلال القراءة السريعة للنصّين:

1- يورد التقرير الحالي عبارة "تمرّد" في أكثر من فقرة، ويختزل الاستنتاجات السياسية التي ظهرت في التقرير السابق، كمثال "تزايد التأييد الشعبي الذي تحظى به الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة"، والذي كان استنتاجاً سياسياً مستغرَباً من لجنة لم تقم بزيارة الأراضي السورية قط، ويعترف التقرير الحالي أن الأهالي يشكّلون لجاناً شعبية للدفاع عن أنفسهم ومناطقهم ضد المجموعات المسلحة المناهضة للحكومة.

2- أسقط التقرير الحالي ما كان التقرير السابق قد دخل فيه من تفاصيل بدت وكأنها حرب نفسية ليست من مهام لجنة تحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، كمثال الحديث السابق عن "الحالة النفسية للجيش السوري المتردية بسبب الانشقاقات، وتزايد أزمة الثقة ضمن ألويته، وعدم قدرة الحكومة على ضم مجنّدين جدد بسبب رفض الحضور"، علماً أن هذا الاستنتاج أتى بعد اعتراف مُعدّي التقرير أنه تعذّر عليهم الاتصال بالمسؤولين الحكوميين السوريين وأفراد القوات المسلحة وقوات الأمن.

3- اعترفت اللجنة بأنها بنت تقاريرها واستنتاجاتها على روايات الشهود، عبر السكايب أو الهاتف من جنيف، وأنه لم يتسنّ لها إجراء مقابلات شخصية مع الضحايا والشهود داخل البلد، لا سيما أولئك الضحايا والشهود الذين يُدّعى تعرّضهم للأذى على أيدي الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة، ما يعني أن التقرير اعترف مسبقاً بأن نتائجه قد تكون متحيّزة لطرف ضد آخر.

4- على الرغم من اعتراف اللجنة بأنها لم تستطع زيارة الأراضي السورية للتأكد من صحة الوقائع، فقد بنت استنتاجاتها واتهاماتها على فرضية "صحة" الروايات التي رُويت لها من طرف واحد، وبررت ذلك باعتماد عبارة "أسباب معقولة" لاتهام القوى الحكومية بارتكاب الانتهاكات المختلفة، ولم يذكر التقرير ماهية الأسباب المعقولة تلك، علماً أنه حين معالجة الانتهاكات التي ارتُكبت من قبل المجموعات المسلحة، لم تورد اللجنة أي استنتاجات أو اتهامات حاسمة، ولم تتحدث عن أسباب معقولة.

وحين أشارت اللجنة إلى الفيديو الذي يُظهر طفلاً يقطع عنق أحد الموالين للنظام، أضافت إليه عبارة "لم يوثّق"، لكنها أشارت في فقرة أخرى إلى أن "مشاهد الفيديو المسجلة للقتلى توضح أن القوات الحكومية أعدمت نساءً وأطفالاً وشيوخاً".

5- يتحدث التقرير عن الإعدامات خارج نطاق القضاء، وكان التقرير السابق قد أشار إلى أن اللجنة لم تستطع التثبت من أن الإعدامات الميدانية التي تمت من قبل المسلحين، قد احترمت معايير المحاكمة العادلة أم لا! وبينما تعترف اللجنة في تقريرها الأخير، أن "التقارير الواردة عن أعمال القتل التي ارتكبتها الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة أكثر نسبياً"، لكنها تعود فتبرر "الفتاوى" الداعية للقتل بقولها: "نظراً إلى اﻧﻬيار نظام إنفاذ القوانين والقضاء التابع للدولة في بعض مناطق البلد، لجأت الجماعات المسلحة المناهضة للحكومة، إلى الهياكل الاجتماعية التقليدية، المستندة إلى المؤسسات الدينية في كثير من الأحيان، لسد الفراغ".

في المحصلة، وعلى الرغم من التحسن الواضح في موضوعية التقرير الأخير، إلا أنه يبقى على المؤسسات القانونية السورية دراسة هذه التقارير، وتقديم تفنيد واضح للادعاءات التي سيقت فيها، بواسطة الأطر الدبلوماسية المعتمدة، وهذا جزء من المعركة الدائرة في سورية، فلا يمكن فصل المعركة القانونية الدولية الدائرة عن المعارك التي تدور رحاها في الميدان، والتي يبدو أن نتائجها بدأت تعكس نفسها في التقارير الدولية حول الوضع السوري.


2013/03/01

سقوط "الدولة اللبنانية"


الثبات - الخميس 28 شباط 2013
منذ انتهاء الحرب الأهلية ولغاية اليوم، لم يكن أي لبناني يتخايل أن يصل الحال في الدولة اللبنانية إلى ما وصل إليه اليوم، من قلق وهواجس أمنية وسياسية واجتماعية واقتصادية وبيئية وغذائية..

وإن يكن الحال السياسي والاقتصادي والاجتماعي معروفاً ومتوقَّعاً في ظل دولة طوائفها أقوى من الدولة، ومسيرتها الاقتصادية والاجتماعية منذ التسعينات جعلتها جنة للمتموّلين وأصحاب رؤوس الأموال، منذ لحظة قرر الرئيس رفيق الحريري سياسة "الجنة الضريبية" وتصوير لبنان وكأنه "ملهى الخليج" ومتنفسه، لكن ما لم يكن يحسب له حساب هو هذا التسيب الأمني والفلتان الذي تعيشه البلاد، والذي وصل إلى درجة غير مسبوقة، يكاد يجاري الوضع الذي كان سائداً حين استبدت الميليشيات بأمن الوطن والمواطن، وعاثت في جسد الدولة نهشاً وفي حياة اللبنانيين ومصائرهم استبداداً.

هل بتنا في عصر سقوط الدولة ومن بعدها الكيان؟

نعم، سقطت الدولة عندما تسابق رئيس الحكومة ووزيره على خطب ودّ الإرهابي شادي المولوي، والذي ضُبط مؤخراً بحيازة وتهريب أسلحة، وخرج بطلاً مرة أخرى، لكن من دون أن يستخدم وزيراً "شوفيراً" له ولزوجته هذه المرة.

وسقطت الدولة بالضربة القاضية عندما انتصرت "جمهورية عرسال" على هيبة الجيش اللبناني، وظهر رئيس بلديتها أقوى نفوذاً وهيبة من رئيس الجمهورية اللبنانية، وحين ساومت تلك "الدولة" على هيبة وكرامة ضباطها، فاعتقلتهم تعسفياً لمجرد أن نائباً أصولياً يريد أن يزيح الجيش من عكار لمساعدة المسلحين السوريين على إقامة منطقة ينطلقون منها لتقويض استقرار الدولة السورية.

وسقطت الدولة في طرابلس وصيدا وبيروت؛ العواصم التي يدفع أهلها من حياتهم واقتصادهم وأمنهم ورزقهم وحياة أطفالهم ضريبة خشية رئيس الحكومة من "أن تشعر مجموعة بأنها مستهدفة".

ذلك الاستهداف الوهمي في صيدا التي يفتعل "أسيرها" كل يوم عراضات سلاح، واستفزازات مذهبية وطائفية، و"يكزدر" ومسلحيه متسلحين بغض نظر الحكومة وقواها الأمنية.

وأي استهداف وممّن في طرابلس التي يطلق المسلحون النار في وضح النار على وزير وموكبه بهدف قتله، ويقوم "كوماندس" بالهجوم على مستشفى لتحرير متّهم؟

سقطت وتسقط الدولة كل يوم، في ظل ازدهار تجارة الخطف والفدية، التي تروّع كل المواطنين في جميع المناطق اللبنانية، مع اعتماد الحكومة اللبنانية سياسة الأمن بالتغاضي ودفن الرؤوس في الرمال، ومسايرة أمراء الشوارع وقطّاع الطرق، أو بالوقوف على خاطر الخاطفين الواضحة أسماؤهم وعناوينهم وأرقام هواتفهم.

سقطت الدولة بالضربات المتتالية تحت شعار رئيس الحكومة "الخشية من الشعور بالاستهداف".

نعم، هناك استهداف.. لكن الاستهداف الحقيقي ليس كما يصوّره ويخشاه رئيس الحكومة، هو استهداف للبنان الدولة والكيان، هو استهداف من هؤلاء لكل أهل بيروت وطرابلس وصيدا وعكار والبقاع، هو استهداف من بعض مجموعات ممن يتلبّسون المذهبية لتغطية خروجهم عن القانون والنظام والدولة.

يُستهدف الطرابلسيون يومياً بالخروق الأمنية، وبمسلسل رمي القنابل اليدوية الليلية في شوارع المدينة، حتى تلك البعيدة عن خطوط التماس، يستهدفون حين يقوم المسؤولون بشراء الأسلحة بمئات الآلاف من الدولارات لتوزيعها على الفقراء، بدل مساعدتهم في الطبابة والمأكل والملبس..

يُستهدف الطرابلسيون حين يكون للمدينة رئيس وزراء وكوكبة من وزراء مجتمعين في حكومة واحدة، وليس لديهم بنى تحتية أو طرقات صالحة للسير، بل إن معظم أحياء المدينة تبدو وكأنها أحياء من "تورا بورا".

وتستهدف صيدا وأهلها حين تنتشر مشاهد العراضات المسلحة على الشاشات، ما يحرم المنطقة من الازدهار الاقتصادي، ومن لقمة العيش، وحين تعيدهم مجموعة خارجة على القانون إلى زمن يشبه زمن الاحتلال "الإسرائيلي"؛ بقطع الطرقات وحواجزه، والانتشار المسلّح والخروج من المربع الأمني الذي أقامته "الدولة" مراضاة للأسير، وانتشار العناصر المسلحة المقنّعة وغير المقنّعة في الطرقات وفوق أسطح البنايات.

كل ما يُحكى وما يقال يذكّرنا بمشهد الميليشيات المتفلت زمن الحرب، فيعيش سُنّة لبنان اليوم ما عاشه المسيحيون خلال الحرب، حين قامت الميليشيات التي ادّعت التكلم باسم المسيحيين آنذاك، بترويع المسيحيين وقتلهم وتهجيرهم بذريعة حمايتهم و"أمن المجتمع المسيحي"، وحبذا لو يتعظ المسؤولون من التجربة، فلم تسبب هذه العراضات للمسيحيين سابقاً إلا الويلات والتدمير والخروج بإحباط وتهميش من النظام، وحبذا لو يمارس رئيس الحكومة سلطته لحماية اللبنانيين وأهل طرابلس وصيدا وبيروت وعكار كما يفعل في موضوع "الداتا"، وتمويل المحكمة الدولية، وحماية المرتكبين من الموظفين المحسوبين على "تيار المستقبل"