2018/10/31

ماذا بعد خسارة ميركل!


في اعتراف واضح بالهزيمة خاصة بعد الخسارات الانتخابية المتكررة التي مني بها حزبها والأحزاب المتحالفة معه، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها ستتخلى عن رئاسة الحزب الديمقراطي المسيحي، لكنها ستبقى في منصب "المستشارة" حتى نهاية ولايتها الحالية التي تنتهي عام 2021.
لقد أسهمت سياسات ميركل بتراجع حزبها في الانتخابات المحلية( في منطقة هيسي) حيث لم يستطع الحصول سوى على 27% من الأصوات، متراجعًا 11 نقطة عن عام 2013. كما أثّرت سياسات ميركل على حليفها البافاري الذي خسر الغالبية الانتخابية في بافاريا، لأول مرة منذ عقود.
اللافت أن الناخبين الإلمان يعاقبون ميركل وحزبها وحلفاؤهم ويبتعدون عنهم، علمًا أن السياسات الإقتصادية للمستشارة الإلمانية - وبحسب الخبراء- قد أفادت المواطن الإلماني، والدليل ان معدلات البطالة في إلمانيا ما زالت في تراجع منذ استلام ميركل الحكم بعد أزمة اقتصادية كبرى. وبحسب وكالة العمل الإلمانية، تراجعت نسبة البطالة في إلمانيا خلال شهر أيلول 2018، إلى 5.1 في المئة، لتسجل أدنى مستوياتها منذ توحيد البلاد عام 1990.
إذًا هي سياسة الأبواب المفتوحة التي جعلت ميركل تخسر مستقبلها السياسي، وبسقوط ميركل سوف يتغير وجه أوروبا، على عدّة صعد، أهمها:
- أولاً في الداخل الإلماني: بعد الدرس العميق الذي سوف يستخلصه حزب ميركل بالدرجة الأولى والأحزاب الأاخرى بالدرجة الثانية، سوف يكون من الصعب على أي سياسي إلماني الاستمرار بنفس السياسات القديمة التي انتهجتها ميركل والتي أدّت الى خسارة شعبيتها، بل قد يجنح أكثر صوب اليمين.
وبالرغم من أن ميركل حاولت القيام بتدابير عاجلة لوقف التدهور الحاصل في شعبيتها، وإرتفاع أسهم اليمين في إلمانيا وفي أوروبا، كأن تقوم بعرض الأموال على لبنان والأردن لاستضافة اللاجئين، أو تضغط على دول الاتحاد للقبول بتوزيع اللاجئين، ووافقت على عقد اللقاء الرباعي في اسطنبول وعودتها لتبني الخطاب الروسي الأساسي حول الأزمة وهو "مكافحة الارهاب" ، والابتعاد عن السياسة الاوروبية المعتمدة منذ سبع سنوات حول "إسقاط الأسد".. بالرغم من كل ذلك، إلا أن الأزمات المستفحلة والمشاكل المتفاقمة وأعداد اللاجين الكبيرة كانت أكبر من قدرة الشعب الإلماني على تقبلها.
ثانيًا، على صعيد الإتحاد الأوروبي:
يعاني الإتحاد الاوروبي من مشاكل عديدة ليس أقلها خروج بريطانيا من الإتحاد والمفاوضات الصعبة التي يجريها الاتحاد مع لندن من أجل إيجاد صيغة خروج مقبولة للجميع. إن إضعاف ميركل سوف يؤدي الى إضعاف الاتحاد ككل، وإعطاء زخم أكبر للمتشائمين بمستقبل الاتحاد الاوروبي.
أما بالنسبة لفرنسا، والتي كان لميركل التأثير الأكبر في منع اليمين الفرنسي من الوصول الى الحكم، ووصول إيمانويل ماكرون من خارج الطاقم السياسي التقليدي، فسيكون الأمر مختلفًا نوعًا ما، حيث قد يعود التنافس الفرنسي الالماني على تزعّم أوروبا الى الواجهة.
يعاني ماكرون - كما ميركل- من إنخفاض شعبيته الى أقل من 30% خلاف فترة 18 شهرًأ من تسلمه الحكم، وذلك بسبب غروره وتكبّره، والفضائح التي لاحقته، والأهم فشل الاصلاحات الإقتصادية التي وعد بها، وارتفاع البطالة الى 10%.
إن ماكرون المنتشي بنفسه، سيحاول استغلال ضعف حليفته ميركل ليكرّس نفسه زعيمًا للإتحاد الاوروبي، معوّلاً على الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي ستعقد في شهر أيار من سنة 2019. وقد يكون ماكرون قد بدأ يميّز نفسه عن ميركل، وكان الأبلغ في هذا المجال تصريحه الفجّ والذي ردّ فيه على إعلان ميركل أنها قررت تعليق تصدير أسلحة إلى السعودية بعد جريمة قتل خاشقجي، والذي قال فيه إن "الدعوة لوقف بيع السلاح" الى السعودية إثر مقتل الصحافي جمال خاشقجي هي "من باب الديماغوجية البحت".

2018/10/24

حروب السعودية "الافتراضية"


في خِضمّ قضية خاشقجي، بدا لافتاً حجم الاستثمار الذي قامت به المملكة العربية السعودية في الفضاء الافتراضي والحروب المُتعدِّدة الاتجاهات التي قامت بها من ضمن حملتها سواء لإسكات المُعارضين لها، أو التسويق لوليّ العهد ورؤيته "الإصلاحية"، ودعمه لتوليّ العرش بعد والده.

وكان لافتاً في هذا الإطار، البيان الذي أصدرته شركة ماكينزي للدراسات والتي أسِفَت لكون تقريرها (الذي أعدّته للحُكم السعودي) قد تمّ استخدامه لاضطهاد المُعارضين. وكانت الشركة قد قامت عام 2015 بإعداد تقرير يقيس استجابة المواطنين السعوديين للتدابير التقشّفية ورأيهم بها، وقد تبيّن أن تويتر كان أكثر تأثيراً من وسائل الإعلام المحلية السعودية، وأن الآراء أتت سلبية وحدّدت ثلاثة أشخاص كان لهم أثر كبير على الرأي العام، ما دفع بالحُكم السعودي لإلقاء القبض على أحدهم، واعتقال إثنين من أخوة الثاني الخ..

ويتبيّن من خلال الاطّلاع على التقارير المنشورة في الغرب أن المملكة قد استفادت بشكلٍ كبيرٍ من التطوّر التكنولوجي ومن الأموال الطائِلة التي تمتلكها لتُحارب "افتراضياً" على مواقع التواصل الاجتماعي، ولتموّل ما يتمّ تسميته اصطلاحاً في العِلم الاستراتيجي بـ "حرب النت"، و"الإرهاب السيبراني"، و "حرب المعلومات".

فما هي هذه الوسائل؟

1- تُمثّل "حرب النت" حرباً حقيقية على الشبكة العنكبوتية، ويمكن بشكلٍ عام، أن تؤدّي إلى نزاعات واسعة النِطاق. وهي تعني محاولة التشويش أو إلحاق الأذى بالخَصْمِ أو العدو بحيث يطال الأذى الحقلين الدبلوماسي والسياسي، وذلك من خلال نشر الشائعات، والحملاتِ النفسية والتخريب السياسي والثقافي، وبثّ الأخبار الكاذِبة، والخِداع والدخول إلى الشبكاتِ المحلّية والتسلّل إلى شبكاتِ المعلوماتية الخ... وهو ما حصل خلال الأزمة مع قطر، حيث دخل القراصنة إلى وكالات الأنباء القطرية الرسمية وبثّوا تصريحاً مُفبركاً لأمير قطر، بدأت بعده الأزمة بين قطر والدول العربية التي تدور في الفلك السعودي.

2- الإرهاب السيبراني هو استخدام التقنيات الرقمية لترهيب وإخضاع الآخرين. ويمكن أن يتطوَّر الإرهاب السيبراني - بحسب القدرة التكنولوجية لمَن يستخدمه- ليصل إلى استخدام الإنترنت كوسيلةٍ يُمكن من خلالها شّن هجوم مُتعدِّد من قِبَل "الهاكرز"، لاختراق شبكات اتصال دولةٍ ما، أو أنظمة الأمن الخاصة بها، لنشر الفيروسات وتدمير الحواسيب.

في الحال السعودية وخاصة في قضية الخاشقجي، يُلاحَظ قيام الجيوش الالكترونية السعودية بالدخول إلى صفحات الذين يُعبِّرون عن رأيهم بالقضية أو ينتقدون المملكة، لممارسة التنمير وتهديدهم وإطلاق أبشع الصفات والنعوت عليهم، بشكلِ منهجي مُركّز، وممارسة الإرهاب عليهم ليحجموا عن القول أو التغريد حول القضية.
وقد قام هذا الجيش بتركيز حملته في الفترة الأولى على خطيبة الخاشقجي، بحيث لم تسلم من المساس بشرفها، وإطلاق الوسوم التي تمسّ بكبريائها كإمرأة والتحدّث عن "قباحتها"، وغير ذلك...

3- حرب المعلومات تعني استخدام التكنولوجيا الحديثة بغية إلحاق الأذى بالخَصْمِ أو لتحقيق التفوّق، وتستخدم الإنترنت كوسيلةٍ للتجسّس على الخصوم، ونشر الدعاية السياسية لتسويقِ فكرةٍ أو الترويج لعقيدةٍ أو لشخص.
وقد وظّف السعوديون الشركات الكبرى الأميركية (ماكينزي وغيرها)، وذلك للتجسّس على المُعارضين السعوديين في الخارج واختراق حواسيبهم، أو للترويج لوليّ العهد وسياسته ورؤيته الاقتصادية، وتسويقه على أنه "صاحب الفكر الإصلاحي" الذي يمكن للغرب التعامُل معه، ويجب عليهم دعمه.

وفي النتيجة، لقد استغل الديمقراطيون في أميركا والصحافة العالمية قضية الخاشقجي للتصويب على وليّ العهد السعودي ومعه دونالد ترامب. لذا، يبدو أن الأموال الطائِلة التي دفعتها السعودية في إطار استفادتها من حروب العالم الافتراضي التي تخوضها، أو في إطار حملة العلاقات العامة المدفوعة التي صرفت عليها المليارات في أميركا والغرب، لن تجدي.

2018/10/04

ما هي جدية شنّ الحرب الاسرائيلية على لبنان؟

يومًا بعد يوم، يثبت التفاهم الذي عقده التيار الوطني الحر وحزب الله، قدرته على الإستمرار بالرغم من كل التحديات التي واجهها في مفاصل عدّة، ومنها الإنتخابات النيابية الأخيرة. وقد يكون استمرار هذا التفاهم هو نتيجة لما يؤمن به الطرفان من مبادئ وطنية، تتجلى في مقاومة العدو، ومحاربة الفساد، وبناء الدولة القوية العادلة، وهو ما يتمظهر في كل مناسبة وحدث جلل.

لقد تكاملت كلمة رئيس الجمهورية اللبنانية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والإجراءات التي قام بها وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل الذي دعا السفراء الأجانب لجولة في مطار بيروت دحضًا لأكاذيب نتنياهو حول أسلحة حزب الله، مع التهديد الذي وجهه السيد نصرالله الى "اسرائيل"، بأن حزب الله يملك صورايخ دقيقة، وإن فرضت إسرائيل حرباً على لبنان ستواجه مصيراً وواقعاً لم تتوقعه في يوم من الأيام.

لقد دعا الرئيس عون دول الأمم المتحدة الى "الاستفادة من دروس التاريخ، لأن الظلم يولد الانفجار، وانتفاء العدالة والكيل بمكيالين يولدان شعورا بالنقمة ويغذيان كل نزعات التطرف وما تستولده من عنف وإرهاب، مؤكدًا أن انعدام العدالة أشعل حروبًا كثيرة في الشرق الأوسط وأوجد مقاومة لن تنتهي إلا بانتفاء الظلم وإحقاق الحق"، وأكد في لقاءاته الصحفية ومع الجالية اللبنانية على أهمية الدور الذي قام به حزب الله في مكافحة الإرهاب ومنعه من الإعتداء على لبنان، بالإضافة الى مقاومة العدو الإسرائيلي.

أما وزير الخارجية جبران باسيل، فلقد قرر المواجهة الدبلوماسية على شتى المستويات، بالرغم من إدراكه أن تلك المواجهة سوف تفتح عليه أبوابًا جديدة من الإنتقادات الداخلية، خاصة من قبل بعض الأطراف التي ترى ضرورة إضعاف حزب الله تمهيدًا لعزله ونزع سلاحه...

وهكذا، وبتكامل المواجهة العسكرية والدبلوماسية والسياسية اللبنانية، تكتمل عناصر القوة اللبنانية، وتكون المواجهة مع العدو قد تطورت لصالح لبنان بحسب المراحل التالية:

المرحلة الأولى: قبل حرب تموز 2006: كانت إسرائيل تملك قرارين أساسيين في المواجهة سواء مع لبنان أو مع أي دولة عربية: قرار الدخول في الحرب وقرار الخروج منها وإنهائها ساعة تشاء، وبالشكل الذي تريد. لقد شكّل تفوق الجيش الاسرائيلي العسكري والقدرة الجوية والتكنولوجية التي يملكها عاملاً مساندًا لإسرائيل في تحقيق هيمنتها على المنطقة، حيث استمرت اسرائيل في الاقتناع بأنه يكفي قرار سياسي بالنزهة الى لبنان، حتى تصل قوات الجيش الاسرائيلي الى حدود الليطاني.

المرحلة الثانية: تجربة حرب تموز 2006، والتي أدخلت مفهوم التوازن الردعي لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، والتي بيّنت أن قراراً واحداً فقط كان بيد إسرائيل، وهو قرار الدخول في الحرب، لكنها خسرت في المقابل ما يلي:

-القدرة على اتخاذ قرار الخروج من الحرب وبأي ثمن وبأي خسائر لأول مرة في تاريخها، ولم تستطع استعادته لغاية الآن، بالرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومات الاسرائيلية بناءً على توصيات لجنة فينوغراد.

-القدرة على أخذ "الحرب إلى أرض العدوَ"، بحيث يعيش الشعب الاسرائيلي بأمن وسلام، بينما تقوم الطائرات الاسرائيلية بتطبيق "سياسة الأرض المحروقة" في البلاد العربية. لقد عانى الاسرائيليون في حرب تموز وما بعدها، لأول مرة في حياتهم من الخوف من صواريخ المقاومة التي استطاعت أن ترسي معادلة "عاصمتنا مقابل عاصمتكم، مطارنا مقابل مطاركم" كما حددها السيد حسن نصرالله.

-خسرت اسرائيل قوة التأثير من خلال التهديد والتهويل بالحرب، التي تهزم العدو إدراكيًا ونفسيًا قبل شنّ الحرب عليه، فيقوم بتنفيذ بما تريده أن يقوم به، أو يمتنع عن القيام بما لا تريده أن يفعله، وذلك من دون أن تضطر لشنّ الحرب.

المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد الحرب السورية وانخراط حزب الله في قتال التكفيريين، بحيث امتلك من الخبرة القتالية ما يجعل الاسرائيلي يخاف من "حفيف الشجر، وضربات المعاول…" على الجزء اللبناني من الحدود كما قال الأمين العام لحزب الله في إحدى خطبه، وباتت المقاومة تعلن جهارًا امتلاكها صواريخ دقيقة، وأن مقاتليها يتدربون على سيناريو اقتحام الجليل في أي حربٍ مقبلة.

والنتيجة، أن اسرائيل التي تهدد يوميًا بشنّ حرب على لبنان، من المؤكد أنها باتت تتمنى الحرب وتخشاها في نفس الوقت؛ لذا لن تدخل اسرائيل في مغامرة لا تستطيع التأكد من انتصارها الحتمي فيها، والأكيد أنها لن تخرج الى مغامرة شبيهة بحرب تموز 2006، بالرغم من اطمئنانها الى مواقف بعض الدول العربية التي ستأتي أكثر جهرًا بالمساندة هذه المرة.

وعليه، إن حسابات الربح والخسارة في أي حرب مع لبنان لن تكون لصالح اسرائيل، والمنطقي والواقعي أن لا تلجأ اسرائيل الى الحرب، ولكن هذا لا يعني أن لا يتحسب اللبنانيون لأي جنون متفلت، ويحصّنوا وحدتهم في وجه الاسرائيلي، ويرسلوا له رسالة شديدة اللهجة بأن حلم عزل حزب الله داخليًا لن يحصل، وإن لبنان السياسي والدبلوماسي والعسكري مستعد للقتال في أيّ مواجهة قادمة، وسننتصر، وسيندم الاسرائيليون ندمًا شديدًا.