2017/12/20

أفق المبادرة الفرنسية: الحديث مع الأسد وتحويله للمحاكمة؟


ليلى نقولا
كما كان متوقعًا، انتهت مفاوضات "جنيف 8" الى فشل يضاف الى جولات من الفشل انتهت اليها مؤتمرات جنيف السابقة. وقد تكون الأسباب التي أدت الى فشل الجولات السابقة مشابهة لهذه الجولة وهي؛ عدم اقتناع الأطراف المتحاورة بانتهاء وظيفة الميدان، بالإضافة الى أن رعاة المعارضة من القوى الدولية لم يخسروا الرهان على قدرتهم على الكسب بالسياسة ما خسروه في الميدان، أي الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، كما قيام الروس بفتح مسارات موازية لجنيف ما يعني أنهم لم يعودوا معنيين بانجاح مسار جنيف طالما أثبتت المسارات الموازية قدرتها على تحقيق نجاحات لم تستطع جنيف أن تقدمها.

وكان لافتًا الحديث الذي أدلى به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عبر قناة "فرانس 2" وتحدث فيه عن ما أسماه "المبادرة الفرنسية" لدعم مسار الحل المدعوم من الأمم المتحدة، والتي تهدف الى جمع الأطراف السورية مجددًا ضمن طاولة حوار جديدة في مطلع العام المقبل، وقد يكون الأبرز في حديثه أن أولوية فرنسا هي "إنهاء داعش وليس بشار الأسد"، الذي وصفه بأنه "عدو للشعب السوري"، وكشف عن رؤيته لمرحلة ما بعد داعش بالقول: "سيكون بشار الأسد موجوداً... سيكون هناك لأنه محميّ من الذين فازوا بالحرب على الأرض، سواء إيران أو روسيا... لكن سيتعيّن عليه الرد على جرائمه أمام شعبه، وأمام العدالة الدولية".

وانطلاقًا من العبارة الأخيرة لماكرون والتي تبدو نوعًا من التهديد بتحويل الرئيس السوري الى العدالة الدولية، ما هي أفق المبادرة الفرنسية؟

لمناقشة أفق المبادرة الفرنسية؛ يجب أن نعود الى الأسس التي يمكن من خلالها محاكمة رؤساء الدول أمام المحاكم الدولية وذلك لارتكابهم جرائم دولية كبرى؛ كالإبادة أو جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الانساني الخ، ولهذه المحاكم أنواع ثلاث: الخاصة، والمختلطة، والمحكمة الجنائية الدولية الدائمة في لاهاي.

- بالنسبة للمحاكم الخاصة Ad hoc، والتي تنشئ بقرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، فإن قدرة فرنسا على إنشائها مرتبطة بتجاوز الفيتو الروسي والصيني.

- بالنسبة للمحاكم المختلطة Hybrid ، والتي تنشئ باتفاقية بين الدولة المعنية والأمم المتحدة، فأمرها مستحيل لأن الحكومة السورية التي سيبقى على رأسها الرئيس السوري بشار الأسد ( كما اعترف ماكرون) هي التي ستعقدها، إلا إذا كان ماكرون يراهن على مفاوضة الرئيس بشار الأسد لتسليم السلطة للمعارضة وهذا توقّع ساذج في ظل الانتصارات التي يحققها الجيش السوري على الأرض، وبعد قدرة النظام على الصمود والانتصار.

- بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية ICC ، فإن قدرتها على النظر في النزاع السوري، مرتبطة بأحد أمرين: أن تكون سوريا طرفًا في اتفاقية المحكمة (نظام روما الأساسي) وهي ليست كذلك الآن، ولا يمكن أن تنضم في ظل حكم الرئيس السوري بشار الأسد،  أو بقرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، وهذا صعب أيضًا بسبب الفيتو.

في النتيجة، إن كانت المبادرة الفرنسية كما طرحها ماكرون تبدو سلة متكاملة، فهي وُلدت ميتة، لأنها متناقضة، لأسباب عدة أهمها:

أولاً: إن تجارب العدالة الانتقالية في العالم، أثبتت أنه لا يمكن إقامة المحاكمات كجزء من الانتقال التفاوضي، وذلك لأن الأطراف المتفاوضة، تشترط ضمانات بالحصانة القضائية. كما أن التجارب دلّت أن المحاكمات لا تحصل إلا في حالة انهيار النظام السابق وانتقال السلطة الى نظام جديد يقيم المحاكمات للنظام السابق المنهار سواء عبر الحرب أو الانقلاب أو المظاهرات أو سواها. وهذا عكس ما هو حاصل في سوريا.

ثانيًا: إن الأحلام التي تراود الفرنسيين باقناع الروس بعدم استخدام الفيتو لاستصدار قرار في مجلس الأمن بتحويل قضية النزاع السوري الى المحكمة الجنائية الدولية، يبدو نوعًا من الأوهام، لأن الروس ليس سذجًا وأي محكمة دولية ستنشأ قد تمتد لتحاكم الضباط والقادة الروس على ما يسميه الغرب "ارتكاب الطيران الروسي مجازر في سوريا"، كما ليس من مصلحة دول "التحالف الدولي" أن يُفتح ملف الجرائم الدولية المرتكبة في سوريا أمام محكمة دولية، لأن الناشطين الحقوقيين كانوا قد وثقوا العديد من المجازر التي ارتكبها التحالف خلال قصفه الرقة وغيرها.

ثالثًا: إن تاريخ المحاكم الدولية أثبت أنها محاكم المنتصر، أي أن المنتصرين في الحروب هم الذين يقيمون المحاكمات للمهزومين، وهذا ما تدل عليه جميع المحاكم منذ نورمبرغ و امتدادًا الى يوغسلافيا ورواندا الخ... وهذا - بحسب موازين القوى الميدانية الحالية-  يجعل النظام السوري يقيم المحاكمات للمجموعات المسلحة وليس العكس.

2017/12/13

المسيحيون والقدس: هلموا الى المقاومة


يعيش العالم اليوم على وقع التصعيد الذي افتعله دونالد ترامب بتوقيع القرار القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمة للدولة الاسرائيلية، مما لفت الأنظار الى ما يحاك في الخفاء للقضية الفلسطينية وخاصة الضغوط التي تمارس على الفلسطينيين لقبول بما يسمى "صفقة القرن" والتي انخرط فيها بعض العرب، للضغط على الفلسطينيين للتنازل التام عن الحقوق.
وقد يكون الموقف اللبناني بشكل عام، والمواقف الرسمية للدولة اللبنانية من النوادر حيث لم يشهد اللبنانيون وحدة تجاه أي قضية خارجية أو داخلية، كما توحدوا في مواجهة تهويد القدس، وضد قرار ترامب.

وانطلاقًا من أهمية المقاومة اليوم، يبدو من المفيد اليوم، ومن ضمن خطة المواجهة والمقاومة أن تنضم كل الكنائس الشرقية كما المؤسسات الدينية الاسلامية الى الأصوات السياسية الداعية الى المواجهة وعدم السماح باغتصاب القدس وإنهاء القضية الفلسطينية.
ننطلق من القدس، لما لها من أهمية دينية تاريخية، تشكّل مصدر إلهام روحي لجميع الديانات التوحيدية الثلاث، وتدخل في معادلة تكوينهم الثقافي وهويتهم الحضارية والتاريخية، لذا باستطاعتها أن تكون الجامع والإطار الذي تنطلق منه القوى العربية لرفض هدر الحقوق التاريخية للفلسطينيين في أرضهم ومقدساتهم، وهذا مطلوب من المسيحيين والمسلمين على حد سواء.

في الأساس، تنظر المسيحية بمختلف مذاهبها إلى القدس على أنها "مدينة الرب" لأنها المدينة التي شهدت الاحداث الاكثر أهمية في حياة السيد المسيح وقيامته؛ فقد ارتبط اسم القدس في الانجيل بمحطات أساسية في حياة يسوع المسيح، فقد أخذ والدا يسوع - الطفل إلى المعبد المقدسي "ليقدّماه إلى الرب"، وتحادث الطفل ذو الاثني عشر عاماً مع علماء الدين في المعبد... وارتبطت في هذه المدينة بمحطات آلامه الكبرى ودرب جلجلته، وقيامته. إذاً، في الفكر المسيحي ما عادت القدس مدينة أرضية، بل سماوية، فيها تكوّنت أول كنيسة مسيحية، وكانت مكاناً برزت فيه أولى دعوات الرسل للتبشير بالله واستشهاد أول مسيحي.

وبالرغم من هذه الأهمية الدينية، يختلف مسيحيو المشرق عن المسيحيين الغربيين في النظرة الى القدس ليس من منطلق ديني بل من منطلق سياسي قومي، فالقدس أو "أم الكنائس المسيحية" هي مدينة عربية بامتياز بالنسبة للكنائس الشرقية، أهلها عرب وجذورها عربية بالرغم من كل الإدعاءات التي حاولت تشويه صورة المدينة منذ أقدم العصور.
وقد تكون الضربة التي تلقتها الكنائس العربية، كانت حين تمّ تنصيب بطريرك يوناني وتسلّمه مقدرات الكنيسة الأرثوذكسية، فعلى أثر الفتح العثماني للقسطنطينية بات البطريرك القسطنطيني رئيس "الملّة الأرثوذكسية" في السلطنة، ونظر إليه العثمانيون على أنه ممثل جميع الأرثوذكس في السلطنة، مما أدى الى سيطرة البطريركية القسطنطينية ومن خلالها الإكليروس اليوناني على جميع البطريركيات الأرثوذكسية الخاضعة للأستانة. فتمت "يَوْنَنَة" البطريركية الأورشليمية في القرن السادس عشر، وحلّ البطاركة اليونان مكان العرب في الأبرشية، وهو ما أدى الى ضياع الكثير من الاماكن المقدسة، فقد قام البطاركة اليونانيون ببيع الأراضي المقدسة وأوقاف الكنيسة وفرطوا بالمقدسات، كونهم لا ينتمون الى هذه الارض العربية، ولا يتجذرون فيها.

أما بالنسبة للكنائس الغربية، فنجد أنهم، بشكل عام، لم يهتموا يوماً للقضية العادلة والمحقة في فلسطين عموماً والقدس خصوصاً الا من منطلق قدرتهم للوصول الى الاماكن المقدسة للحجّ. وبالفعل اتخذ الفاتيكان موقفا دينياً أضعف الموقف السياسي للمسيحيين الفلسطينيين بتوقيعه اتفاقاً مع إسرائيل في 30/12/1993 للاعتراف المتبادل وإشارته فقط إلى تسهيل حجّ المسيحيين إلى الأماكن المقدسة المسيحية، وهو ما ردّ عليه المطران اللبناني جورج خضر بالقول:
"...ان المدينة المقدسة أقدس شيء فيها حق سكانها عليها. فالانسان دائماً خير من المكان مهما عظم وسما. ولهذا يبدو لي تدويل القدس موقفاً فاسداً من أساسه لانه مشتق من قدسية الاثار ومحجّر لهذه القدسية على حساب حق الناس وتالياً حق الله...."

ويبقى هناك بعض الكنائس البروتستانية في أميركا، وهم الذين رحبوا بقرار ترامب نقل السفارة الأميركية الى القد، التي تذهب الى أكثر من ذلك، حيث يقرأون في نفس الكتاب الذي يقرأ به اليهود ويعتقدون بأن ما فعله ترامب اليوم سوف يؤجج النزاعات والصراعات وبالتالي سوف يسرّع في تحقق نبوءة "هرمجدون" وبالتالي مجيء المسيح الثاني.

وهكذا، نستطيع القول أن اليهود استطاعوا - على مرّ الزمن- اختراق موقف الكنائس لتأمين سيطرتهم الآحادية على القدس وإدعاء ملكيتها التاريخية، لكن مسيحيو المشرق ومسيحيو فلسطين خاصة ما زالوا يرفضون ويقاومون كل مخططات التهويد. لكن ما هو مطلوب اليوم أبعد من ذلك، مطلوب موقف مسيحيي عارم، ينطلق من الكنائس والمدراس والرهبانيات والبطاركة الخ...
في ظل الخطر الذي يحيط بالقضية الفلسطينية والمواجهة التي فرضت نفسها على الجميع ضد سمي "صفقة القرن"، إن السكوت جريمة، والحياد خيانة، ويصحّ اليوم قول المسيح: "مرثا مرثا، تهتمين بأمور كثيرة والمطلوب واحد"... المطلوب من الجميع اليوم وقفة مع الذات ومع الحق انتصارًا للعدل والسلام، وإلا علينا وعلى الدنيا السلام.


Attachments