2019/09/30

عزل ترامب: هل يؤدي الى حرب أهلية أميركية فعلاً؟

ينشغل الرأي العالم الأميركي والعالمي بالحملة الديمقراطية في الولايات المتحدة والتي تتحدث عن إمكانية عزل الرئيس دونالد ترامب، بسبب ما يقال انه خالف القانون الأميركي بطلبه من رئيس خارجي (الرئيس الأوكراني) مساعدته على الإطاحة بمنافسه جو بايدن عبر التحقيق في ملابسات وشبهات تورط بالفساد له ولأبنه في أوكرانيا.
واقعيًا، إن مسار العزل وإمكانيته لا يمكن النظر اليها ضمن المسار القانوني وحده، علمًا أنه مسار صعب أيضًا. قانونيًا، تبدأ إجراءات عزل الرئيس من الكونغرس الذي يسيطر فيه الديمقراطيون على الأغلبية، لكن الإدانة الفعلية يجب أن تصدر من مجلس الشيوخ الذي يتمتع فيه الجهوريون بأغلبية واضحة، علمًا أن إقالة الرئيس تتطلب ثلثي المجلس أي 66 عضوًا.
هذا في المبدأ، أما في الواقع فيمكن النظر الى معطيات عدّة تفرض نفسها على عملية المساءلة، وهي موازين القوى السياسية والشعبية.
بالنسبة لموازين القوى، يخطئ العديد من الباحثين حين يعتبرون أن ترامب هو في مواجهة "الدولة العميقة" في الولايات المتحدة، فلو كان كذلك لاستطاعت تلك الدولة الاطاحة به منذ السنة الاولى. قد يتأتى عدم إدراك هذا مباشرة، لعدم فهم الناس ما الذي تعنيه الدولة العميقة، فالدولة العميقة ليست مجرد "مجتمع الاستخبارات". وعندما يتم اعتماد فهم أكثر دقة للدولة الأميركية العميقة والتكامل التكافلي فيما بينها، وعلى مساحة الكرة الارضية، يمكن تمييز أن الادارة الأميركية الحالية هي فصيل من هذه الدولة العميقة يتصارع مع فصيل آخر استمر حاكمًا لفترة من الزمن.
بالتدقيق، نرى أن إدارة ترامب وقراراته، تعمل لصالح عمالقة المال في وال ستريت، مجموعات النفط وخاصة النفط الصخري، شركات السلاح ( أو ما يسمى المجمع الصناعي العسكري) والبنتاغون (زاد موازنة الدفاع بشكل غير مسبوق) بالاضافة الى القوميين البيض والكنائس الانجيلية المتعصبة... أما المحيّدون من اهتمام ترامب، فهم وزارة الخارجية، وكالات الأمن القومي والاستخبارات المتهمون بالتجسس على ترامب ومحاولة تقويض حكمه، و شركات سيليكون فالي ممولي حملات التظاهر عليه ....
وبهذا المعنى، يمكن توصيف ظاهرة ترامب، بأنها قد تمثل انقلابًا قوميًا أبيض من جانب قطاع مستاء من داخل الدولة العميقة نفسها، وهذا القطاع أو الفصيل يعتقد أن بإمكانه إعادة وتنظيم هيكلية الدولة العميقة لإخراجها من أزمتها وبالتالي تجنيب النظام العالمي العميق من أزمة ترددية تواكب الأزمة الداخلية في الولايات المتحدة.
أما على الصعيد غير الرسمي، فيمكن القول أن احتمالات عزل ترامب قد تدفعه الى تحريض أنصاره على تقويض الاستقرار، ويمكن لفت النظر الى ما حصل في شارلوتسفيل عام 2017، حين اندلعت اشتباكات عنيفة في المدينة، وأظهرت الصور ووسائل الاعلام رجالاً بيض مدججين بالسلاح يشتبكون مه متظاهرين منددين بالعنصرية، بشكل تحولت معه المنطقة الى ساحة حرب فعلية، وقتلت فتاة بعد أن قامت سيارة بدهس المتظاهرين.
وهكذا، يبدو من الصعوبة بمكان عزل ترامب قانونيًا، بالاضافة الى الانقسام الذي ستثيره هذه الحملة التي يقودها الديمقراطيون اليوم... الواضح، أن الدولة العميقة دخلت في حرب حقيقية بين مكوناتها. باختصار، إن فرع الدولة العميقة الذي يدعم ترامب يعتقد أنه في مهمة فريدة وخاصة: إنقاذ الدولة العميقة من التدهور الناجم عن إخفاق الإدارات الأميركية المتعاقبة. هم في حرب وجودية، لإنقاذ "الرأسمالية" من أولئك الذين يريدون تدميرها، ولإعادة هيمنة الولايات المتحدة على العالم.





2019/09/23

المحكمة الخاصة بلبنان: ماذا في اتهام عياش مجددًا؟

أعلنت المحكمة الخاصة بلبنان أنها رفعت السرية عن قرار اتهام صدر بحق سليم جميل عياش، المنتمي إلى حزب الله، واعتبرت أن هناك قضايا متلازمة مع قضية اغتيال الحريري، وهي حوادث اغتيال كل من مروان حمادة وجورج حاوي والياس المر بين عامي 2004 و2005.

وبالتصديق على قرار الاتهام هذا، يعني أن المحكمة فتحت قضية جديدة بعدما شارفت قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري على الانتهاء مع ترقب صدور الحكم النهائي في الأشهر المقبلة.

وبموجب القرار الاتهامي، تم إسناد خمس تهم إلى عياش في قرار الاتهام، وهي: "مؤامرة هدفها ارتكاب عمل إرهابي، الانتماء الى جمعية أشرار، ارتكاب أعمال إرهابية، قتل السادة غازي أبو كروم وجورج حاوي وخالد مورا عمدًا، ومحاولة قتل السيّدين الياس المر، ومروان حمادة، وسبعة عشر شخصًا آخر عمدًا".

وهكذا، تكون المحكمة قد أطالت عمرها المفترض بفتح قضايا جديدة وسحب الاموال من المكلف اللبناني، وهي التي تكلّف سنويًا ما يزيد على 120 مليون دولار، تدفع نصفها الدولة اللبنانية، والنصف الآخر من الدول المانحة.

أما قراءة القرار الاتهامي، فتشير الى نيّة المحكمة بالاستمرار في اتهام حزب الله كمنظمة، بالرغم من أن القانون الجنائي الدولي، يؤكد على مبدأ "المسؤولية الجنائية الفردية"، باعتبار ان من ارتكبوا جرائم دولية كبرى هم أشخاص طبيعيون، ساهموا بشكل أو بآخر في تلك الجريمة من خلال التحريض أو التنفيذ أو تسهيل الجريمة، أو غضّ النظر عنها.

إن اعتماد عبارة "مجموعة أشرار"، تمكّن المحكمة – بحسب القانون الجنائي الدولي- من اتهام وإدانة "جميع من ينتمي إلى الحزب". وهذه الإدانة يمكن أن تتم بموجب مبدأ قضائي مستحدث في القانون الجنائي الدولي يطلق عليه اسم "المشروع الجنائي المشترك" joint criminal enterprise، والذي تعتمده المحاكم الدولية منذ عام 1999، وبالتحديد منذ الحكم الذي أصدرته محكمة يوغسلافيا في قضية تاديتش، والذي اعتبر علامة فارقة في القضاء الجنائي الدولي، والسابقة التي اعتمدت عليها المحاكم الدولية الأخرى لإدانة المتهمين بموجب "القصد المشترك" أو "الهدف المشترك"، وهو ما ورد في النظام الأساسي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان صراحة أيضًا.

ويمكن تلخيص هذا المبدأ بما يلي: يعتبر كل عضو في "مجموعة منظمة" (وهنا اعتبرت المحكمة صراحة أن حزب الله هو مجموعة أشرار) مسؤول مسؤولية جنائية فردية عن الجرائم التي ترتكبها المجموعة ضمن الخطة المشتركة أو الهدف المشترك، وهذه الإدانة مختلفة بالطبع عن الإدانة بالتحريض أو المساعدة.

وهكذا، نجد أن قرار المحكمة الذي لم يأخذ حيّزًا كبيرًا في الاعلام اللبناني، وتعامل معه اللبنانيون كخبر مرّ مرور الكرام، يستكمل الهدف الذي أنشئت من أجله تلك المحكمة.

ويبقى أن نشير الى أن السياسة التي تتدخل دائمًا في تحقيق العدالة الدولية أو منعها وتقويضها، وحيث تعتبر تلك المحاكم دائمًا محاكم المنتصرين... وعليه، لن تستطيع المحكمة أن تحقق أي هدف لمن أنشأها إلا إذا انتصر ميدانيًا (وهذا بات أقرب الى المستحيل)، فالمنتصر يكتب التاريخ، ويسنّ القانون، ويقيم المحاكمات للمهزومين، ويدّعي التفوق الاخلاقي.


2019/09/16

كيف تحلّ قضية العميل فاخوري؟

طغت قضية العميل عامر فاخوري العائد الى لبنان، على الحيّز الاعلامي والسياسي وذلك بسبب قيامه بممارسة التعذيب والقتل العمد والترهيب على الاسرى المعتقلين في سجن الخيام خلال وجود الاحتلال الاسرائيلي في لبنان، وحيث كان العميل يشغل رتبة آمر السجن وقتذاك.
وتبدو الهبّة الشعبية -التي حصلت لغاية الآن- ممتازة إذ شكّلت ضغوطًا على الدولة اللبنانية لإعتقال العميل، ولكنها اكتفت برفع شعار "عدم عودة العملاء الى لبنان"، وهو أمر يعدّ قاصرًا عن التعامل مع ملف هؤلاء المرتكبين وخطورته.
برأيي، على الحملة الشعبية التي يقودها الأسرى المحررون أن لا تكتفي برفع شعار عدم العودة بل يجب عليها المطالبة "بعدم إفلاتهم من العقاب"، ومحاسبة من قام بتنظيف ملفاتهم عام 2014 خلال حكومة الرئيس تمام سلام.
يقصد بالإفلات من العقاب عدم التمكّن،  قانونًا أو فعلاً، من مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان ومنها الجرائم ضد الانسانية والتعذيب.
وتتعدد أوجه وطرق الإفلات من العقاب، ويمكن إدراج هذه الأوجه في شكلين:
أ- الإفلات بحكم القانون وذلك من خلال قيام الدولة بمنح العفو لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ب- الإفلات من العقاب بحكم الواقع وهذا لا يحدث فقط عندما تفشل السلطات في التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، ولكن أيضًا عندما لا يتم التحقيق بشكل فوري وبجدية وفقًا للمعايير الدولية، وهو ما يسمى الإفلات من العقاب بحكم الواقع.
أما الشكل المموه للإفلات من العقاب بحكم الأمر الواقع أيضًا، فهو عندما يُحكم على المرتكبين بعقوبات لا تتفق مع خطورة الانتهاك (وهذا ما حصل بالفعل مع عملاء اسرائيل) أو عندما لا تضمن السلطات الوطنية تنفيذ الحكم، أو ببساطة، عندما يُحرم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان من الحق في العدالة، ويقيد وصولهم إلى المحاكم، أو لا ينظر إلى القضايا بشكل يتماشى مع المعايير الدولية المعمول بها. وقد يحدث أيضًا عندما يتم التلاعب بالأدلة أو عند إطالة أمد التحقيقات إلخ...
برأيي، لا يكفي أن يُمنع مرتكبو الجرائم الكبرى من زيارة لبنان، بل إن محاكمة هؤلاء وصدور مذكرات توقيف بحقهم وملاحقتهم في جميع أنحاء العالم، تؤدي خدمة كبرى ومنفعة لمستقبل لبنان بحيث تشكّل هذه رادعًا لكل من تسوّل نفسه التعامل مع العدو الاسرائيلي ومساعدته على فوز  قواته في لبنان مستقبلاً، كما يُكسب الدولة اللبنانية والقضاء اللبناني شرعية أكبر في نظر مواطنيها خاصة.
وهكذا، يستطيع أصحاب الحق والمتضررون من ممارسات هذا العميل وغيره، رفع دعاوى وإلزام الدولة اللبنانية بمقاضاته انطلاقًا من القانون الدولي الذي يقرّ بأن للأفراد في هذا الاطار حقوقًا لا تسقط بالتقادم، وفي الوقت نفسه يضع "التزامات مرتبطة بهذه الحقوق على الدول"، وذلك انطلاقًا من القانون العرفي والمعاهدات الدولية ذات الصلة.
ويتضمن قانون المعاهدات واجب المقاضاة عن الانتهاكات الجسيمة، وهذا الواجب تتضمنه معاهدات جنيف الأربع لعام 1949، كما نجده، على سبيل المثال، أيضًا في اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة، واتفاقية منع التعذيب وباقي العقوبات (الخاصة) بالإنسان، وكلها تتضمن التزام وواجب الدولة لمقاضاة جريمة التعذيب والابادة.
وعليه، يبدو من المهم بمكان اليوم، أن لا تتدخل التسويات السياسية في قضية محاكمة العميل فاخوري أو غيره، لأن عدم القيام بتلك المحاكمات يقوّض حكم القانون في لبنان، ويثير الشكوك في العدالة اللبنانية برمّتها، والكرة اليوم في ملعب أصحاب الحق والمتضررون والأسرى المحررون، لتحقيق العدالة ولو أتت متأخرة.

2019/09/09

كيف يستخدم العدو الداخل اللبناني في حربه النفسية؟

كما وعد السيد حسن نصرالله استطاع حزب الله ان يسقط طائرة استطلاع "اسرائيلية"، وذكرت قناة المنار أن المقاومين تصدّوا بالأسلحة المناسبة لطائرة "إسرائيلية" مسيرة أثناء عبورها للحدود ‏الفلسطينية - اللبنانية باتجاه بلدة رامية الجنوبية، حيث تم إسقاط الطائرة المسيّرة في خراج البلدة، ‏وأصبحت في يدهم.
وكان لافتًا تعامل حزب الله الاحترافي مع قضية العدوان "الاسرائيلي" على لبنان وعلى مقاوميه في سوريا، وحيث اصبحت عبارة "انضبوا" هي المحرك الرئيسي وباعث القلق لدى "الاسرائيليين"، في أكثر الحروب النفسية احترافًا ودقة.
وتعتبر الحرب النفسية من أخطر من الحروب التي تُشنّ على عدو، وقد تفوق بخطورتها الحرب العسكرية المباشرة؛ وقد اعتبر نابليون بونابرت؛ أن حرب العقول أقوى من حروب الأسلحة، إذ إن "هناك قوتان في العالم فقط: العقل والسيف؛ وعلى المدى الطويل؛ العقل دائمًا ما ينتصر على السيف".
وبالفعل احترف حزب الله ممارسة التأثير النفسي على العدو للوصول الى تحطيم الروح المعنوية لديه... بينما كانت الحرب النفسية  فيما مضى من احتكار "اسرائيل" خلال الصراع العربي "الاسرائيلي"، حين استطاع بتقنية واحتراف من القيام بممارسات لجعل العرب يفقدون الثقة بأنفسهم، ويتخلون عن الأمل، ويتملك منهم الخوف؛ حتى تتاح له فرصة الفوز بسهولة. وتعرّف موسوعة المعارف البريطانية الحرب النفسية بأنها استخدام الدعاية ضد عدو بهدف إضعاف الروح المعنوية لديه، وكسر إرادته في القتال أو المقاومة... وتستخدم لتعزيز موقع الحلفاء أو مقاتلي الجهة التي تقوم بها .
وعادة ما ترافقت الحرب النفسية ضد العرب مع الدعاية السياسية لـ "اسرائيل"، لإظهار تفوقها، ومن أهم أهداف تلك الحرب التي شنّها "الاسرائيليون" ما يلي:

  1. إقناع السكان العرب بدعم العملية العسكرية ضد حكومتهم أو على الأقل عدم إبداء الرغبة في المقاومة، إنطلاقًا من فكرة عدم القدرة على المواجهة، وهنا نرى انخراط بعض اللبنانيين في التخويف من الرد "الاسرائيلي" واتهام البعض لحزب الله بتخريب لبنان والدعوة الى عدم الرد على "اسرائيل".
  2. رفع المعنويات وسط صفوف جيش العدو وسكان الكيان  عبر الدعاية السياسية المكثفة لقدرة جيشهم الذي لا يقهر، ومؤخرًا استخدم "الاسرائيليون" سياسة الدعاية المكثفة عبر الادعاء  ان رد حزب الله الاسبوع الماضي باستهداف ناقلة الجند لم يصب احدًا.
  3. خلق جو عام من السجال الداخلي  اللبناني وسط ومحاولة استخدام بعض الاصوات او الاراء للتحريض ضد رئيس الجمهورية لدعمه المقاومة وعلى حزب الله.
  4. إضعاف الروح المعنوية لدى اللبنانيين ، علمًا ان هذه  بقيت  من دون جدوى، بعدما اتقن حزب الله القدرة على الرد والتحدي برفع الروح المعنوية للبنانيين بعدما استمر اللبنانيون والعرب فترة طويلة يعتقدون بعدم قدرتهم على المواجهة.
وهكذا قامت اسرائيل لفترة طويلة بتسويق قدرتها على الانتصار على العرب، وإمكانية هزيمتهم بسهولة، وهو ما انفكوا يقومون به من خلال تهديدهم للبنان وغزة، والدعاية لجيشهم بأنه "الجيش الذي لا يقهر" والذي يستطيع أن يكبد الآخرين آلامًا وخسائر موجعة.
في مجال الاستراتيجيات الدعائية يمكن أن نميز بين نوعين من الاستراتيجيات والتي استخدمت خاصة خلال حرب تموز وما بعدها: استراتيجية "الحقيقة"  واستراتيجية "الكذبة الكبرى".
استراتيجية "الحقيقة" وهي التي استخدمها حزب الله بشكل كبير واستطاع من خلالها كسب ثقة الجمهور الاسرائيلي الذي قال "انه يصدق حسن نصرالله اكثر مما يصدق حكومته"، وهي تعني تقديم المادة الإعلامية للمستمع أو القارئ بشكل إخباري يراعى فيه أكبر قدر من الدقة والموضوعية، مع تمرير بعض الرسائل التخويفية ضمن سياق حقيقي وواقعي الى حدٍ كبير. أما استراتيجية "الكذبة الكبرى" فهي تعني تحريف أو تشويه المادة الإعلامية من أجل التلاعب بالرأي العام، وإغراقه بكمّ من الإشاعات بحيث يتعذر عليه تمييز الحقيقة أو معرفة حجم الكذب في الموضوع.
وفي هذا الإطار، يبدو لافتًأ تعامل بعض الاعلاميين اللبنانيين والعرب بطريقة التهويل على اللبنانيين، وقيام هؤلاء بممارسة حرب نفسية لصالح العدو، مدّعين "الحرص على لبنان" وتسخيف كل من يقول بأن اسرائيل غير قادرة على شنّ الحرب، طالبين من الجمهور "عدم الانجرار وراء أوهام عدم قدرة "اسرائيل" على شنّ الحرب"، وهم - سواءً بحسن نية أو سوء نية- يقومون بالتسويق للعدو والمساهمة في حربه النفسية علينا.
في نهاية المطاف، لقد انتهى الزمن الذي تعتدي فيه اسرائيل ولا تتلقى ردًا . ولقد انكشفت كل الاقلام والشخصيات المشبوهة بحيث لم تعد تستطيع  هذا الشخصيات التأثير الا على من يشبهها بالرأي والايديولوجيا السياسية، وهؤلاء لا محل لهم من الاعراب في حسابات المعركة مع العدو ولا في حسابات معظم اللبنانيين بكافة طوائفهم.

2019/09/02

هل يردّ نتنياهو على رد حزب الله؟

لم يتأخر ردّ المقاومة على العدوان الاسرائيلي على لبنان، فبعد أن مرّ اسبوع من القلق الاسرائيلي والاستنفار على الحدود وإغلاق الأجواء أمام حركة الطيران، وفرض حظر التجوال الذي كلّف الاسرائيليين الكثير... جاء الردّ بتفجير آلية عسكرية في مدينة صلحا اللبنانية (من القرى السبع) متزامنًا مع اطلاق ذكرى الاحتفال بإعلان "دولة لبنان الكبير"، حيث كانت القرى السبع جزءًا منه قبل أن يتنازل عنها الاستعمار الفرنسي لصالح البريطانيين الذين كانوا يحتلون فلسطين آنذاك.

إنه لبنان فقط، الذي شكّل - وما يزال - استثناءً في الصراع العربي مع "إسرائيل"؛ فمع استمرار المقاومة في الجنوب بعد توقيع اتفاق الطائف، وقدرة اللبنانيين على إجبار العدو على الانسحاب من أراضٍ عربية بالقوة ودون قيد أو شرط ومن دون توقيع اتفاقية سلام أو استسلام، ودون تنازلات، كانت "إسرائيل" دائمًا تضع نصب عينيها حاجتها لإخضاع اللبنانيين وإذلالهم عبر الحديد والنار، إلى أن كانت حرب تموز.

تحولت حرب تموز الى استثناء لبناني ثانٍ، فلقد فرض اللبنانيون بدمائهم "معادلة الردع" المتقابل لأول مرة في تاريخ الصراع. أما الردع فهو يعني "محاولة طرف منع الطرف الآخر من القيام بعمل يرى فيه ضررًا له، أو على الأقل منعه من التفكير بالقيام بما يهدد له مصالحه أو مكانته"، ويرتكز على عنصرين حاسمين: الحرب النفسية، أي منع العدو من مجرد التفكير بالفعل، والثاني عسكري، وهو يرتكز على امتلاك القدرة على الردّ بالمثل، أو الانتقام وإيقاع الضرر.

وإذا أردنا أن نقيّم تطور مراحل معادلة الردع اللبنانية مع "اسرائيل" فيمكن أن نوجزها بما يلي:

أولاً - مرحلة طويلة من "التفوق الاسرائيلي"، امتدت الى عقود طويلة، كانت تملك خلالها "اسرائيل" قراري الحرب والسلم. فكانت تتنظر ذريعة أو تخترعها، للدخول الى لبنان واجتياح أراضيه، وبشكل نزهة.

في تلك المرحلة، لعب العنصر النفسي دورًا حاسمًا في معادلة الصراع مع العدو، إذ استطاع أن تخلق في ذهن العرب أن كلفة الاستسلام تبقى أخفّ كلفة من الحرب، لذا حققت "اسرائيل" ما تريد بأقل كلفة عسكرية ممكنة، الى أن أتت حرب تموز عام 2006.



ثانيًا: أدخلت حرب تموز لبنان والمنطقة في مرحلة جديدة، من "التوازن الردعي"مع العدو.أثبت انتصار لبنان في تلك الحرب ومنع اسرائيل من تحقيق أهدافها، وتكبدّها الخسائر المعنوية والعسكرية (بحسب تقرير فينوغراد) الى تبدّل في موازين القوى على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة.

لأول مرة في تاريح الصراع تفقد اسرائيل أحد قراري "الحرب - النزهة"، فقد استمر قرار الدخول في الحرب في يدها، لكن قرار الخروج منها لم يعد بيدها بالتأكيد.

بالمقابل، تحققت معادلة الردع بعنصريها النفسي والعسكري، فالقلق النفسي من الحرب لم يعد يسري على اللبنانيين وحدهم بل امتد الى السكان داخل "الكيان الاسرائيلي". وفقد الاسرائيليون القدرة على استخدام وسيلة "الحرب النظيفة"، أي التهديد بالحرب وتحقيق أهدافها حتى من دون خوضها عسكريًا. ولأول مرة في تاريخها، باتت اسرائيل تتمنى الحرب وتخشاها في نفس الوقت.

ثالثًا- منذ حرب تموز ولغاية اليوم وخلال عقد ونيّف من الزمن، عمل الطرفان اللبناني والاسرائيلي على دراسة نتائج الحرب والاستفادة من عِبرها...

خلال هذه الفترة، لعب حزب الله على العامل النفسي لدى الاسرائيليين، فزرع الخوف في نفوس المستوطنين، فبات الاسرائيلي يخاف من "حفيف الشجر، وضربات المعاول..."، وظهر على التفزيونات الاسرائيلية تقارير تفيد بأن المستوطنين قرب لبنان لا ينامون الليل وهم يتخيلون خروج المقاومة من الانفاق الى داخل بيوتهم.

أما العامل العسكري، فقد تطور لصالح المقاومة، بحيث بات الاسرائيليون يعتدون على المقاومة ويهرعون للدول الكبرى للتهدئة وردع اللبنانيين عن الردّ. ولأول مرة، بات بإمكان المقاومة التهديد بـ"أخذ الحرب الى أرض العدو"، والتأكيد على القدرة على ربحها أيضًا.

أما اليوم، وبعد ردّ المقاومة، يمكن القول أن لا أحد معني بالتصعيد، ولن يكون هناك حرب واسعة... ويبقى التساؤل: كيف ستؤثر هذه المغامرة والرد عليها على مستقبل نتنياهو: فإن ردّ بتصعيد عسكري كبير، ستكلّفه الحرب الكثير على الصعيد العسكري والسياسي والبشري والاقتصادي وقد تكلّفه مستقبله السياسي، وإن لم يرد فسيقال في اسرائيل انه ضعيف، لكن يبقى مصير نجاحه في الانتخابات مقبولاً ( قد يربح وقد يخسر)... لذا لن يرد.