2018/07/26

هل يندفع ترامب الى الحرب مع إيران؟

يتصاعد التوتر بين إيران والإدارة الأميركية الحالية بعدما قام كل من الرئيس الايراني حسن روحاني ونظيره الأميركي دونالد ترامب، بإطلاق التحذيرات والتهديدات المتبادلة، على خلفية محاولة ترامب تطويق إيران ومنعها من بيع نفطها في العالم.
ولعل التصريح الأقوى كان من الرئيس روحاني المعروف بدبلوماسيته واعتداله، حين حذّر ترامب "من اللعب بذيل الأسد لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى الندم" وأن على أميركا أن تعلم " أن السلام مع إيران هو السلام الحقيقي والحرب مع إيران هي أم كل الحروب".
واقعيًا، تدرك القيادة الايرانية اليوم أنها في مرحلة ضغوط لم تعانِ مثيلاً لها منذ الاتفاق الذي عقدته مع الدول الكبرى عام 2015، وعليها أن تقوم بهجوم استباقي للتعامل مع تحديات مستجدة أبرزها:
- مشكلة بيع النفط الايراني والتي تريد إدارة الرئيس ترامب منعها من القيام بذلك. لذا يريد الايرانيون منع أي تفكير أميركي بهذا الأمر وهو ما دفع روحاني للتهديد بإغلاق مضيق هرمز معلنًا بأنه إذا لم تستطع ايران تصدير نفطها فلن تستطيع أي دولة خليجية من القيام بذلك. علمًا أن إغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره ما يقارب 30-40% من تجارة النفط العالمية، سيكون كارثيًا على دول الخليج التي لا تملك بدائل متاحة لتصدير النفط، كما سيؤدي الى ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي العالمية الى كارثة في الأسواق العالمية.
- تدرك إيران أن الشركات الإستثمارية الكبرى لن تبقى في السوق الايراني فيما لو تعرضت لتهديد بعقوبات أميركية من جرّاء ذلك، وحتى لو استمر الاتحاد الأوروبي متمسكًا بالاتفاق النووي ووعد بحماية تلك الشركات. وهذا سوف يؤدي الى خسائر اقتصادية للإقتصاد الايراني وستدفع التومان الايراني الى مزيد من الانهيار.
- تعرف إيران جيدًا أن لا مصالح دائمة ولا عداوات دائمة في العلاقات الدولية، وأن على كل دولة أن تحقق مصالحها على حساب الآخرين. وعليه، فإن التوجه الروسي للاتفاق مع الإدارة الأميركية على حلِ سياسي في سوريا، وإعلان الرئيسين بويتن وترامب في هلسنكي إلتزامهما أمن اسرائيل في المنطقة، بالتزامن مع إعلان ترامب استمراره في احتواء ايران ونفوذها في المنطقة، كلها أمور تثير قلقًا لدى القيادة الايرانية التي تدرك جيدًا أن لا شيء يحميها سوى قوتها الذاتية وما حصّلته من قوة عبر تحالفاتها وامتداداتها الإقليمية في المنطقة.
إنطلاقًا من كل ما سبق، تبدو التهديدات الإيرانية النارية التي وجهها كل من خامنئي وروحاني وقادة الحرس الثوري الايراني وغيرهم، رسائل موجهة في اتجاهات عدّة؛
 أولها: الى الإدارة الأميركية للقول بأن الحرب مع إيران لن تكون نزهة، ومن يعتقد أن بإمكانه التخلص من الإحراج الداخلي الذي يعيشه بتصدير أزمته الى الخارج، أي بخلق توتر وحرب مع ايران، هو واهم لأن الحرب لن تكون نزهة.
ثانيها: الى الأوروبيين للقول بأن السير وراء الإدارة الأميركية في إحراج إيران والضغط الاقتصادي عليها، لن يمر بسهولة وأن أي محاولة لخنق الاقتصاد الايراني عبر منع تصدير النفط وإلغاء الاستثمارات سوف يدفع ثمنه الاقتصاد العالمي برمته، ومنها الإقصاديات الاوروبية.
ثالثها: الى دول الخليج لتحذيرها من مغبة السير في الخطة الأميركية المعدّة لتطويق إيران وإحتوائها، وأن المركب الخليجي بضفتيه العربية والفارسية سوف يغرق سويًا.
رابعها: الى الداخل الايراني للقول بأن الأمة تتعرض الى حرب خارجية، وحان الأوان لتوحيد الموقف والتكلم بلغة واحدة، تمنع الإدارة الأميركية من استغلال الخلافات الداخلية في السلطة واستثمار الغضب الشعبي على السلطة بسبب الأزمات الإقتصادية والإجتماعية.

وهكذا، هي شهور صعبة تمر بها ايران وتتأثر بها منطقة الشرق الأوسط لغاية تشرين الثاني المقبل، سنشهد خلالها إرسال رسائل متفرقة في أكثر من ساحة، ولكن لا نستغرب إن تدخلت الوساطات الدولية وأدى اشتداد الأزمة وحدّة التصريحات الى إنفراج يصحبه لقاء ترامب روحاني شبيه بلقائه مع زعيم كوريا الشمالية، يغرّد بعدها ترامب واصفًا نظيره الإيراني "بأنه شخص رائع".

2018/07/19

قمة هلسنكي: عودة روسيا الى القمة العالمية؟


 نشر في الميادين بتاريخ 19 تموز 2018
بانتهاء المونديال بنجاح كبير وبلقاء الرئيسين ترامب وبوتين في قمة تاريخية في هلسنكي، والانتصارات الميدانية التي يتم تحقيقها على الأرض السورية... تشهد روسيا اليوم أفضل وضع لها منذ سقوط الإتحاد السوفياتي، وتكرّس نفسها دولة كبرى صاعدة بعزم ويقين نحو القمة العالمية.

أساساً، ينطلق الخلاف الأميركي - الروسي حول تحديد ماهية ما حصل عام 1990، وتعريف سقوط الاتحاد السوفياتي، فالأميركيون والغرب بشكل عام يعتبرون أنهم انتصروا في الحرب الباردة وأسقطوا الاتحاد السوفياتي، وهو ما عبّر عنه بوضوح الرئيس جورج بوش الأب حين قال: "الحرب الباردة لم تنتهِ، بل تمّ الانتصار فيها"، بينما يرى الروس أن غورباتشوف حاول نقل روسيا إلى اقتصاد السوق، ولم يكن انهيار الاتحاد السوفياتي ربحاً غربياً للحرب، لذا لا يحق للولايات المتحدة الادعاء بالتفوُّق والأحقية بحكم العالم بشكل آحادي.

من هنا، فإن الروس يرون أن كل ما يطبع سياسات الغرب اليوم هو التعالي والغرور، ومحاولة منع روسيا من استعادة قوتها ودورها العالمي، ويأخذون على الأميركيين أنه ما أن بدأ الروس بمحاولة استعادة بعض من القوة كدولة، حتى بدأ حلف "الناتو" بالتوسُّع شرقاً، وجذب الدول التي تشكّل عمقاً استراتيجياً لروسيا.

قبل فلاديمير بوتين، لم يهضم الروس قيام "الناتو" بقصف صربيا، ثم محاولة التمدُّد الغربية في الحديقة الخلفية للروس عبر الثورات الملوَّنة، التي أسقطت الحُكام المرتبطين بروسيا وأحلّت مكانهم حُكاماً موالين للغرب، ثم محاولة جذب أوكرانيا وجورجيا وباقي دول أوروبا الشرقية للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلى أن وصل الأمر بالاستراتيجيين الروس إلى الاقتناع المطلق بأن الأمر لا يمكن مقاومته أو الحد من تأثيره إلا باستعمال "القبضة الحديدية".

عمليًا، وبالرغم من قدوم الرئيس بوتين الى السلطة عام 2000، وفي جعبته الكثير من الأحلام والطموحات لإعادة بناء مجد روسيا، إلا أن التطورات العالمية والانهيار الذي خلّفه الرئيس يالتسين في الداخل، والفساد وسيطرة المافيات، عطّلت على الرئيس القدرة في النهوض السريع.

لم يستطع بوتين، بالرغم من شخصيته القوية، منع الثورات الملونة في كل من جورجيا وأوكرانيا وقيرغستان من الإطاحة بحلفاء روسيا بين عامي 2003-2005، ومرغمًا ترك الأمور تتدحرج في تلك الجمهوريات بين مدِّ وجزر، بالرغم من المخاطر والتحديات التي واجهها المواطنون من أصل روسي في تلك الجمهوريات.

فعليًا، كان الغزو الروسي لكل من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في آب 2008، ردًا على ما قام به الرئيس الجورجي في الاقليمين اللذين يتمتعان بحكم ذاتي، ويقطنهما غالبية روسية، التاريخ المفصلي الذي أرّخ لمرحلة جديدة قطعت مع كل المراحل السابقة من القبول الروسي بالتهميش واقتراب الأميركيين وحلف الناتو من حدودهم.

وبالرغم من الانخراط العسكري في سوريا، وقدرة الروس على تعطيل الخطط الأميركية في الشرق الأوسط، حاول الرئيس الأميركي باراك أوباما ومعه وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، التقليل من شأن روسيا في العالم، ولم يعترفوا لبوتين وللروس سوى بالقوة "الاقليمية"، كما اعتبر أوباما في إحدى تصريحاته التي أغاظت الروس والتي حدد فيها فيها أنه روسيا دولة إقليمية ولا ترقى لمصاف الدول الكبرى في العالم.

أما اليوم، وبلقاء تاريخي استثنائي في هلسنكي، قطع ترامب مع سياسة أميركية متمادية في العداء مع روسيا، معتبرًا ذلك "خطأ" كما أعلن بنفسه في المؤتمر الصحفي. لقد أرّخت قمة بوتين وترامب الى بدء مرحلة جديدة من الإنفراج الدولي، وكرّست اعترافًا أميركيًا بالنفوذ الروسي العالمي، فالقضايا التي ناقشها الزعيمان، والبيان الختامي الذي أعلناه أكد على أن الأميركيين لن يستطيعوا بعد الآن الإدعاء أن لهم الكلمة في سوريا أو في أوروبا الشرقية، أو في تقرير أسعار النفط العالمي، أو سباق التسلح النووي... بدون الأخذ بعين الإعتبار الموقف الروسي من القضية.

كرّس الزعيمان نفسيهما اليوم، كزعيمين على العالم مؤكدين على تشابه المقاربتين الروسية والأميركية والنظرة إلى النفس والدور من نفس الرؤية العالمية، أي الإيمان باستثنائية تاريخية وتفوُّق حضاري؛ فكما الأميركيون، يؤمن الروس بأن الله خلق هذه الأمة وأوكلها مهمة حضارية في العالم.



هذا الشعور بالاستثنائية هو ما يجعل الروس بكافة شرائحهم يشعرون بالفخر الوطني الذي يغذي السخط على كل محاولة غربية "لإذلال روسيا"، وهو ما سيدفع كل روسي اليوم، الى الافتخار، بعدما استطاع بوتين أن يعيد روسيا الى الساحة العالمية.

2018/07/12

ماذا بعد الانتصار في الجنوب السوري؟

نشر في الميادين- 12 تموز 2018
يتجه الجيش السوري وحلفاؤه الى الانتهاء من المعارك والمصالحات في الجنوب السوري، تمهيدًا لخروج الحدود الأردنية السورية من دائرة الخطر على الدولة السورية، خاصة بعد تسلّم معبر نصيب الحدودي الذي سينعش إقتصاديًا كل من سوريا ولبنان والأردن.
وكما هو متوقع، من المفترض أن تنتهي المعارك في الجنوب السوري وتعود هذه المناطق الى كنف الدولة، قبيل إجتماع ترامب وبوتين المقرر انعقاده في منتصف الشهر الجاري في هلسنكي، والذي من المفترض أن يؤدي الى إنفراج في العلاقات بين البلدين بشكل عام، كما من المتوقع أن يتم خلاله تحديد أطر لمسار الحل السوري السياسي، ولمسار المعارك في الميدان السوري.
بالرغم من الانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش السوري وحلفاؤه في الميدان، وبالرغم من بروز ذكاء روسي خارق، استطاع إدارة اللعبة الميدانية والسياسية بشكل متقن، من خلال استخدام فذّ للمصالحات ولمناطق خفض التوتر، وحسن العلاقات مع دول الجوار، وتوازن دقيق بين المصالح الدولية والإقليمية على الساحة السورية.. بالرغم من كل ذلك، ما زال الأميركيون يملكون الكثير من الأوراق التي يستطيعون من خلال الضغط ميدانيًا على الجيش السوري ( بدليل أن بؤرة داعش المحاذية للتنف تتمدد وتتوسع نحو دير الزور)، كما يسيطرون على مساحة ما يقارب 25 بالمئة من الجغرافيا السورية، ويقيمون فيها القواعد العسكرية، ما يعني أن التفاؤل باستسلام القوى المعادية للنظام السوري وتسليمها بإنتهاء الحرب ما زال مبكرًا جدًا.
بات الجميع اليوم ينتظر نتائج لقاء ترامب وبوتين، علمًا أن الحرب السورية كانت قد أظهرت خلال سنواتها السبع (2011- 2018) أنها عصيّة على التنبؤ، بسبب تداخل المصالح الدولية والإقليمية، والمفاجآت التي ظهرت في الميدان السوري، وتبدّل صنّاع القرار الدوليين خلال تلك السنوات.
ولكن، يمكن على الأقل، التنبؤ بسيناريوهات محددة انطلاقًا من المستوى الذي وصلت إليه خريطة المعارك في الداخل السوري، ومن سلوك الفاعلين الدوليين والإقليميين، ومن رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتحقيق إنجاز ما في ملف دولي، بالإضافة الى خطته الأهم وهي الضغط على النظام الإيراني لتغييره أو على الأقل دفعه لتقديم تنازلات مؤلمة في الشرق الأوسط مقابل تخفيف العقوبات عنه، أو إعادة التفاوض على إتفاق جديد وهو ما ترفضه إيران بشدّة.
وهذه السيناريوهات تتجلى في ما يلي:
- السيناريو الأول: التوصل الى تفاهم روسي أميركي حول سوريا:
في هذا السيناريو، يمكن تصوّر ما يلي:
- الحل الأول انسحاب أميركي - تركي من المناطق السورية مقابل إنسحاب إيران وحزب الله، كما يطرح الروس.
- الحل الثاني بقاء القوات الأميركية في مناطق الشمال الشرقي السوري، وإنسحابها من التنف مقابل إبتعاد الإيرانيين عن الحدود مع الجولان المحتل.
- الحل الثالث؛ إبقاء الحال على ما هو عليه وبقاء القوات الأميركية في سوريا الى ما بعد الحل السياسي الشامل.

السيناريو الثاني: عدم قدرة الأميركيين والروس على التوصل الى إتفاق:
في هذا السيناريو، يمكن تصوّر ما يلي:
- توجه الجيش السوري لتحرير الأجزاء التي تسيطر عليها "قسد" والتي يقيم الأميركيون قواعد عسكرية فيها. هذا التوجه من المفترض أن ترفده حركة مقاومة شعبية في الداخل، تعمل على إستهداف الأميركيين لدفعهم الى الانسحاب بدون قتال.
- توجه الجيش السوري لقضم المناطق التي تسيطر عليها جبهة النصرة في ريف حماه وفي إدلب.
- تبقى المنطقة الأصعب على الإطلاق، هي المناطق التي يتواجد فيها الجيش التركي، حيث أن التاريخ يثبت أن الأتراك - بعكس الأميركيين الذين لا يثبتون في أرض فيها مقاومة شعبية- لا ينسحبون من أي أرض يحتلونها بدون هزيمة، ما يعني قتالاً مباشرًا بين الجيشين السوري والتركي، وهو ما لن يقبله الروس.

2018/07/05

هل ينجح لقاء ترامب - بوتين؟


نشر في 5 تموز 2018 في الميادين
تتجه أنظار العالم اليوم الى الجنوب السوري باعتبار أنه سيكون من أواخر المعارك التي سيشنّها الجيش السوري وحلفائه قبل لقاء ترامب وبوتين في هلسنكي في 16 تموز الجاري.
وكان لقاء ترامب بوتين السابق قد أقرّ إتفاق منطقة خفض التوتر في الجنوب السوري، الذي أدخل المنطقة المحاذية للجولان المحتل وللحدود الاردنية في هدنة استمرت لغاية انتهاء الجيش السوري وحلفائه من معاركهم على الحدود العراقية السورية والانتهاء من جميع بؤر المسلحين في الداخل السوري.
وهكذا، لن يأتِ موعد لقاء بوتين وترامب، إلا وتكون هذه المنطقة قد عادت الى حضن الدولة السورية، وبقي خارجها المنطقة التي يسيطر عليها مجموعات "قسد" ومحافظة إدلب، بالاضافة الى المناطق التي يسيطر عليها الاتراك ضمن مناطق "غصن الزيتون" و"درع الفرات". وعليه، من المرجح أن ينجح لقاء ترامب بوتين في تكريس تفاهمات حول سوريا لأسباب عدّة أهمها:
أولاً: اعتراف العالم أجمع بأنه بات من غير الممكن الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، بعد الانجازات العسكرية التي حققها الجيش السوري نتيجة للدعم الروسي والايراني وحزب الله وغيره. ما يعني أن الأطراف التي شنّت الحملة تحت شعار "إسقاط النظام" قد فشلت في خطتها، وعليها أن تتعامل اليوم مع نتائج الميدان بكل واقعية.
ثانيًا: لقد حاول أوباما في وقت سابق أن يعقد تفاهمات مع الروس، ولكن أجنحة داخلية في الإدارة عرقلت قيام هذه الاتفاقيات، ونذكر على سبيل المثال التفاهم الذي عقده جون كيري مع الروس، وإفشاله بعد قيام طائرات التحالف الدولي بالإغارة على الجيش السوري في جبل الثردة.
قد يكون مرد هذه العرقلة من داخل الإدارة وبالتحديد من الجيش والبنتاغون الى اسباب عدة، ولكن الظاهر منها أقلّه أمران:
الأمر الأول متعلق بالتصورات الايديولوجية المتوارثة منذ الحرب الباردة وعقيدة الجيش الأميركي الذي ما زال يجد في الروس خطرًا على الأمن القومي، ويجب منعه من التحوُّل إلى قوة عالمية، أو على الأقل من التحوُّل إلى قوة تُقاسم الأميركيين النفوذ في الشرق الأوسط.
الأمر الثاني متعلق بالتحديد باستراتيجية أوباما "للتحول نحو آسيا" مع ما تعنيه تلك الاستراتيجية من تقليص موازنة الجيش الأميركي خاصة فيما يختص بالقوة البرية، إذ أن مواجهة الصين واحتواءها يفرض أن تخصص معظم موازنة الجيش الأميركي للقوتين البحرية والبرية، بعكس الانخراط في الشرق الأوسط وأفغانستان الذي تطلّب زيادة الانفاق على الجيش البرّي الى حدٍ أقصى.
وكان أوباما الذي ورث حربين غير منتهيتين وتقشف مفروض على موازنة الدفاع بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، ارتأى "التوجه نحو آسيا" لإحتواء الصين، ولأن كلفة ذلك التوجه أقل من كلفة استمرار الإنخراط في الشرق الأوسط.
وهكذا، مدفوعًا بتصورات إيديولوجية وقلق من موازنة تقشفية للدفاع، كان لا بد على البنتاغون أن يقوم بإفشال أي توجه لتسوية مبكرة في سوريا تخرجه من الميدان السوري وتظهر انتصارًا روسيًا واضحًا.
أما اليوم، وبعد أن قام ترامب بزيادة موازنة الدفاع الى أقصى حدٍ في التاريخ المعاصر ما يزيل قلق الجيش من التقشف المفروض، وبعد أن تبدلت أولويات السياسة الأميركية في عهد ترامب عن عهد أوباما، وبعد إعلان ترامب رغبته في انسحاب الجيش الأميركي من الميدان السوري، ولحاجة ترامب الى إنجازات يبرزها بوجه معارضيه في الداخل... بات من الممكن التفاؤل بنجاح لقاء ترامب - بوتين في الاتفاق على ترتيبات الحلّ السياسي، أو على الأقل وضع تصور لكيفية إنتهاء الحرب في سوريا.