2018/06/21

النازحون السوريون: حماية دولية أو مراهنة على التوطين؟

توتّرت الأجواء الدبلوماسية بين لبنان والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعدما قام وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل بوقف العمل بالإقامات الممنوحة لمسؤولي المفوضية، على أثر قيام موظفين من المفوضية بترهيب وحثّ النازحين السوريين المتواجدين في عرسال اللبنانية على عدم العودة إلى وطنهم الأمّ، بعدما كان هؤلاء قد سجلّوا أسماءهم وأعلنوا أنهم يرغبون بالعودة "طوعاً" إلى سوريا.
ولقد أعلن لبنان أنه كان في أوقاتٍ سابقة، قدّ نبّه المفوضية وحذّرها من القيام بمُمارسات تخالف سياسة الدولة اللبنانية التي تعتبر "أن لبنان ليس بلد لجوء، وأن الهدف الأساسي للحكومة اللبنانية هو تأمين عودة طوعية آمنة وكريمة للنازحين السوريين على الأراضي اللبنانية"، وقد اضطر إلى اتخاذ هذا الإجراء التصعيدي ضد المفوضية بعدما استمرت بتجاهُل المطالب اللبنانية، وحجَبت عن الأمن العام اللبناني لوائح أسماء النازحين السوريين، وخاصة وأنه الجهاز المُكلّف رسمياً بمهمة الإحصاء والتدقيق في أسماء المتواجدين على الأراضي اللبنانية من غير اللبنانيين والإشراف على دخولهم وخروجهم.
من هنا، ما هي معايير القانون الدولي المُنطبقة على هذه القضية، خاصة وأن بعض اللبنانيين انتقد ما حصل وطالب "المجتمع الدولي بفرض عقوبات على وزير الخارجية اللبناني"؟!
بالمبدأ، تمّ إنشاء المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من قِبَل الجمعية العامة للأمم المتحدة، من أجل "قيادة وتنسيق العمل الدولي الرامي إلى حماية اللاجئين وحلّ مشاكلهم في كافة أنحاء العالم... كما لتسعى لضمان قدرة كل شخص على ممارسة حقّه في التماس اللجوء والعثور على ملاذٍ آمنٍ في دولةٍ أخرى، مع إمكانية اختيار العودة الطوعية إلى الوطن أو الاندماج محلياً أو إعادة التوطين في بلدٍ ثالث".
إن التعريف الوارِد أعلاه لمهام المفوضية، يشير بما لا يقبل الشكّ إلى أن المفوضية خالفت القانون الدولي في أمرين أساسيين، الأول أنها أنكرت على النازحين السوريين في لبنان حقهم في اختيار العودة الطوعية إلى بلادهم وهو في صُلب توصيف مهامها، والثاني إخلالها بمعيار أساسي وهو ضرورة تعاونها مع الدول صاحبة السيادة لتنسيق العمل لحماية اللاجئين وحلّ مشاكلهم، وليس لتنصيب نفسها منظمة فوق الدول وسيادتها.
قانونياً، إن المفوضية - وهي جزء من المنظمات العاملة ضمن إطار الأمم المتحدة - لا تتمتّع بأية سلطة تقريرية أو تنفيذية تسمح لها بالمسّ بسيادة دولة من الدول، وذلك انطلاقاً من (المادة 2/فقرة 7) من الميثاق والتي تنصّ على أنه " ليس في هذا الميثاق ما يسوّغ "للأمم المتحدة" أن تتدخّل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي ‏لدولةٍ ما"...
وبما أن لبنان قَبِل طوعياً عمل تلك المنظمة على أرضه، ولم يكن عملها مفروضاً على لبنان بطريقةٍ إكراهيةٍ بموجب الفصل السابع من الميثاق، هذا يعني أن المفوضية وجميع أجهزة الأمم المتحدة يجب أن تخضع لإرادة وتوجّهات الدولة اللبنانية في ما يخصّ السياسة المُتبّعة للتعامُل مع النزوح السوري وسواه.
ثانياً؛ يحق للدولة اللبنانية صاحبة السيادة وبموجب القانون الدولي للعلاقات الدبلوماسية، أن تُعلِن أي دبلوماسي أو عامِل باسم منظمة الأمم المتحدة "شخصاً غير مرغوب فيه" نتيجة عدم احترامه لقوانين الدولة المُعتمَد لديها، أو قيامه بالتدخّل في شؤونها الداخلية الخ..
ونشير في هذا الإطار، إلى أن للدولة سلطة استنسابية في هذا المجال وليست بحاجة لتبرير إعلانها هذا. على سبيل المثال، اعتُبر أن الأمين العام السابق للأمم المتحدة كورت فالدهايم وزوجته "شخصين غير مرغوب فيهما" في الولايات المتحدة وبلدان أخرى، بعد اتهامه بحصوله على معلومات بخصوص جرائم حرب قام بها النازيون ولم يقم بما يلزم تجاه ذلك.
ثالثاً، إن المطالبة بفرض عقوبات على وزير خارجية لبنان لممارسته أمراً سيادياً بحتاً، هو أمر غير مسبوق في تاريخ العلاقات الدولية ولا في القانون الدولي. وهو أمر مثير للاستغراب، إذ لم يسبق للأمم المتحدة أن فرضت عقوبات على دولةٍ سيّدةٍ أو على أيٍ من العاملين باسم الدولة لممارستهم حقاً من حقوق السيادة المكفولة في القانون الدولي وفي ميثاق الأمم المتحدة.
مع العِلم أن العقوبات الدولية المفروضة على دول أو كيانات أو أشخاص، تحتاج إلى قرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، الذي يشير إلى أن الفعل المُرتَكب يُهدّد السلم والأمن الدوليين أو أنه عمل من أعمال العدوان. أما العقوبات الفردية التي يفرضها مجلس الأمن على الأفراد والتي تتجلّى بمَنْعِ السفر وحجز الأموال، فهي تصدر بقرار من مجلس الأمن بحق مجرمين متّهمين بالإرهاب، أو بجرائم دولية كبرى وهذا أبعد ما يكون عن تصرّف وزير الخارجية اللبنانية الذي يُطبّق القانون الدولي ويحثّ على احترامه ولا يخالفه.
في النتيجة، إن تصرّفات المفوضية وتصريحات بعض الدول الأوروبية باتت تثير الشكوك والقلق بأن هناك مُخطّطات قد تؤدّي إلى أن يكون مصير النازحين السوريين كمصير اللاجئين الفلسطينيين الذين استغلّهم بعض اللبنانيين لمآربهم السياسية الداخلية، ولم تنفعهم قرارات دولية ولا مساعدات في تأمين حياة كريمة ولائقة لهم ولأطفالهم خارج وطنهم الأمّ.

2018/06/13

محاكمة اسرائيل على جرائمها: الى متى؟


في 7 كانون الثاني 2015 انضمت دولة فلسطين الى نظام روما الأساسي وقبلت فلسطين اختصاص المحكمة على الجرائم التي تمّ ارتكابها «في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ضمنها القدس الشرقية، منذ 13 حزيران 2014». وبالرغم من الانضمام وتقديم الطلب الفلسطيني إلا أن المحكمة لم تبدأ إجراءات التحقيق تمهيدًا للمحاكمة.
ولقد تقدم الفلسطينيون خلال أيار الماضي، وبعد سلسلة من الارتكابات الاسرائيلية بحق الفلسطينين العزل، بطلب جديد الى المحكمةالجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة من قبل الاسرائيليين؛ ومنها الاستيطان، والفصل العنصري، والقيام بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والتي تتجلى في تشريد الفلسطينيين، والقتل العمد، والاعدام خارج إطار القانون، والمصادرة غير القانونية للأراضي، وهدم منازل الفلسطينيين وممتلكاتهم، وكذلك ممارستها للاعتقال التعسفي والتعذيب على نطاق واسع.
وبالرغم من وضوح هذه الجرائم وارتكابها على الملأ وبطريقة علنية وقيام العديد من المنظمات الدولية والاقليمية بتوثيقها، تذرعت اسرائيل بأن الطلب الفلسطيني "سخيف" لأن "فلسطين ليست دولة" ولأن "اسرائيل ليست عضوًا في نظام روما الأساسي".
من هنا، كان لا بد من تفنيد الذرائع الاسرائيلية:
1- فلسطين "الدولة" كشرط لاختصاص المحكمة
في 22 كانون الثاني 2009 أودع وزير العدل في الحكومة الفلسطينية لأول مرّة اعلاناً يقبل بممارسة المحكمة الجنائية الدولية لولايتها القضائية بشأن «الافعال التي ارتكبت في الأراضي الفلسطينبة منذ الأول من تموز 2002» وذلك بموجب المادة 12 من نظام روما الاساسي التي تحدد الشروط المسبقة لممارسة اختصاصها.
وقد اختلفت الآراء القانونية بشأن الصلاحية القانونية للتحقيق في الجرائم الاسرائيلية؛ حيث اعتبر البعض في المحكمة ان المادة 12 من نظام روما لا تنطبق على فلسطين لأنها ليست دولة معترف بها دولياً، ودفع البعض الآخر باتفاقية أوسلو للقول إن السلطة الفلسطينية قد تنازلت عن حقها في مقاضاة اسرائيليين بموجب تلك الاتفاقية.

وكان على انضمام فلسطين الى الجنائية الدولية أن يتأخر الى 7 كانون الثاني 2015  حين أعلنت المحكمة انضمام دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي وقبلت فلسطين اختصاص المحكمة على الجرائم التي تمّ ارتكابها "في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ضمنها القدس الشرقية، منذ 13 حزيران 2014".
وبناءً على ذلك بدأت المدعية العامة الدولية فاتو بنسودا دراسة أوّلية للحالة في فلسطين في 16 كانون الثاني 2015.
وفي 16 كانون الأول 2017، انتخبت جمعية الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، دولة فلسطين عضوًا في مكتب جمعية الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية.
وهذا يعني أن فلسطين هي دولة كاملة العضوية في نظام روما الأساسي وأن التذرع الاسرائيلي بعدم اختصاص المحكمة لأن فلسطين ليست دولة لا يمكن الاعتداد به بعد قبول المحكمة بعضوية دولية فلسطين، علمًا أن المحكمة لا تقبل عضوية غير الدول، وهذا يعني أن فلسطين استوفت شروط الانضمام للمحكمة ويمكن اعتبارها دولة.
2- اسرائيل ليست عضو في نظام المحكمة
بالمبدأ، تمارس المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بجريمة معينة: أ) إذا أحالت دولة طرف إلى المدعي العام حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر قد ارتكبت. ب) إذا أحال مجلس الأمن، متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.
ج) إذا كان المدعي العام قد بدأ بمباشرة تحقيق فيما يتعلق بجريمة من هذه الجرائم وفقاً للمادة 15.
ولكن يضيف نظام روما الأساسي حالات أخرى يمكن الاستناد اليها من ضمن "الشروط المسبقة لممارسة الاختصاص"، وهي المدرجة في المادة 12(2)، فإنه يجوز للمحكمة أن تمارس اختصاصها إذا كانت "الدولة التي وقع في إقليمها السلوك قيد البحث" طرفُ في النظام الأساسي أو قبلت باختصاص المحكمة.
من هنا، فإن إدعاء اسرائيل بأنها ليست طرفًا وبالتالي ليس للمحكمة اختصاص عليها يصحّ فيما لو كانت الجرائم المرتكبة بد حصلت على أراضٍ "اسرائيلية، لكن وبما أن ممارسة اسرائيل للقتل العمد وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد حصلت على "الأراضي الفلسطينية" فهذا عامل يسمح لفلسطين بمقاضاة الاسرائيليين على ارتكابهم هذه الجرائم، استنادًا الى أن الجرائم قد حصلت على ارض دولة عضو في نظام روما الأساسي وقد قبلت اختصاص المحكمة للنظر في هذه الجرائم (المادة 12/ 2- أ).
بكل الأحوال، إن قبول المحكمة بالاضطلاع بمهمة التحقيق في تلك الجرائم التي حصلت على أرض فلسطين، لا يعني أن المعوقات السياسية والضغوط الدولية لن تكون عائقًا أمام تحقيق العدالة الدولية، لكن يبقى أن اثبات الحق الفلسطيني في هذا الشأن أساسي، عسى أن تتبدل الظروف الدولية يومًا فيكتسب الفلسطينيون القوة اللازمة لمحاسبة اسرائيل على جرائمها المرتكبة في غزة والضفة الغربية والتي تضاف يوميًا الى جريمة احتلال الأرض وتشريد أهلها في الأساس.

2018/06/07

الجنوب السوري: تباين روسي إيراني أم تقسيم أدوار؟


د. ليلى نقولا
نشرت وسائل إعلام غربية تقارير حول اتفاق الجنوب السوري، حيث اعتبرت أن الروس والأميركيين قد اتفقوا على إخراج القوات الإيرانية والقوى الرديفة، بالإضافة إلى "الميليشيات السورية وغير السورية" من تلك المنطقة، امتثالاً لخط أحمر "إسرائيلي" كان العدو قد وضعه للقبول بتسوية أوضاع المسلحين الموجودين على الحدود السورية الجنوبية، على أن يتمّ انتشار الجيش السوري فيها لتأمين الاستقرار وعودتها إلى حضن الدولة السورية.

هلّل العديد من الصحف لما اعتُبر أنه تبايُن روسي إيراني في ما يخص الوجود العسكري الإيراني في سورية، خصوصاً بعد تصريح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال المؤتمر الصحفي الذي تلا الاجتماع مع الرئيس السوري بشار الأسد، وقوله "في أعقاب النجاحات الملحوظة التي حققها الجيش السوري في محاربة الإرهاب، ومع تفعيل العملية السياسية، سوف تشرع القوات الأجنبية المتمركزة في سورية في الانسحاب من البلد"، ثم قام المبعوث الروسي إلى سورية؛ ألكسندر لافرينتييف، بتوضيح ما كان يقصده بوتين بالقول "إن الرئيس كان يشير إلى كافة القوى العسكرية الأجنبية المتمركزة في سورية، بما فيها الأميركية، والتركية وحزب الله والقوات الإيرانية".

ولقد استوجبت التصريحات الروسية رداً من الإيرانيين، حيث اعتبر الإيرانيون على لسان أكثر من مسؤول أن الوجود الإيراني في سورية هو بطلب من الحكومة الشرعية في دمشق، وأن هذه المساعدة التي تقدّمها إيران للسوريين ستستمر مادام هناك إرهاب في الداخل السوري، ومادامت الدولة السورية راغبة بذلك.

لعل هذا التباين بين الطرفين أوحى بانتهاء التحالف الاستراتيجي بين الروس والإيرانيين، وأن الآوان قد حان للاقتتال بين الأطراف الداعمة للنظام في سورية على تقاسم النفوذ في هذا البلد المنهك بالحرب، فإلى أي مدى تصحّ فعلاً مقولة انهيار التحالف بين الروس ومحور المقاومة، وبدء عملية الاقتتال بين الطرفين؟

في البداية، لا يمكن إغفال تبايُن المصالح الاستراتيجية الطويلة الأمد بين كل من الروس والإيرانيين، إذ تتباين المصالح الروسية مع الإيرانية في موضوع تقاسم وتوسيع النفوذ في المنطقة، كما تتنافس خطوط إمداد الغاز الإيرانية، التي كان من المفترض مدّها عبر العراق إلى الساحل السوري لتزويد أوروبا بالغاز، مع رغبة الروس باحتكار إمداد الغاز إلى أوروبا، ورغبتهم بإقامة "السيل التركي" الذي يرفد أوروبا بالغاز عبر اليونان، ولقد قدّم الروس الكثير من التنازلات لأردوغان في سبيل التوقيع على خط الغاز هذا، خصوصاً بعدما ربط أردوغان التسريع بمدّ الأنبوب، بموافقة موسكو على صفقة "أس 400".

أما اليوم، فيستفيد الروس والإيرانيون من تقسيم الأدوار بينهما خلال فترة التفاوض مع الأميركيين و"الإسرائيليين"، فالروس يطلبون خروج جميع القوات الأجنبية من الجنوب السوري، بينما يرفض الإيرانيون تقديم "هدية مجانية" للأميركييين و"الإسرائيليين"، ويصرّون على مطلب انسحاب الأميركيين من التنف، مقابل ابتعادهم عن الحدود الجنوبية السورية (وهو ما أيّده الوزير المعلم في مؤتمره الصحفي).

إن التنصُّل الروسي من الموقف الإيراني، والدعوة الروسية العلنية لانسحاب الإيرانيين وحزب الله وباقي الميليشيات من الجنوب السوري، يمكن أن يخفف الضغوط التي يمكن أن يمارسها الأميركيون على الروس لتنفيذ التزاماتهم السابقة في اتفاق الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب نهاية العام الماضي.

وفي حال تمّت التسوية على هذا الأساس، يكون "اتفاق الجنوب" قد حقق مكاسب متعددة للدولة السورية، أهمها سيطرتها على المنطقة الواقعة في الجنوب، وفتح معبر نصيب الحدودي، وتفكيك قاعدة التنف، التي تقع في مثلث استراتيجي هام على تقاطع الحدود العراقية - السورية - الأردنية، والتي شكّلت لفترة طويلة عامل ضغط عسكري يهدد البادية السورية.

في النتيجة، لم تنتهِ الحرب بعد، ولا تستطيع روسيا إعلان انتصارها وبسط نفوذها في سورية، ولم يستتب الأمر للقوى التي تريد التنافس على النفوذ وعقود إعادة الإعمار.. لذا، من المبكّر القول بافتراق أطراف الحلف الداعم للدولة السورية، وهذا يعني أن كل ما يحصل، سواء كان تقاسماً للأدوار، أو تعنُّتاً إيرانياً - سورياً بضرورة تفكيك القاعدة الأميركية في التنف، فهو يصبّ في مصلحة السوريين أولاً وأخيراً.


2018/05/23

مآل الضغوط على إيران: إنفجار أو تسويات صعبة؟


د. ليلى نقولا
يوماً بعد آخر تزداد الضغوط الأميركية على إيران، وتكثر الشروط والمطالب والتهديدات الأميركية، معلنة نيّتها تغيير النظام في إيران، وذلك عبر فرض عقوبات "غير مسبوقة"، وتشجيع المجتمع الإيراني على المطالبة بالتغيير، و"حقه في اختيار نظام الحكم الذي يريده".

عملياً، يدرك الأميركيون عدم قدرة المجتمع الإيراني على التغيير من خلال القيام بثورة "ملونة" كان قد جرّبها في وقت سابق، كما يعلمون أن التغيير المنشود في إيران قد لا يكون لمصلحة الغرب، إذ إن الضغط المفرط على النظام من خلال العقوبات الاقتصادية، قد يؤدي الى الإطاحة بحكومة روحاني الإصلاحية، من خلال قوى متشددة تعيد علاقة إيران مع العالم إلى ما يشبه عهد أحمدي نجاد.

أما المطالب الإثنتي عشرة التي أعلنها وزير الخارجية الأميركي، والتي تتلخص في حزمة شروط تعجيزية، فيمكن وضعها في سلات أربع:

السلة الاولى: حرمان إيران من أي قدرة على التخصيب النووي، حتى للاستخدامات السلمية.

السلة الثانية: إيقاف البرنامج الصاروخي الإيراني، وحرمان إيران من قدرتها الردعية، وعجزها عن تجنّب أي ضربة عسكرية مستقبلية.

السلة الثالثة: "اجتثاث" النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وسحب قواتها من سورية، ووقف دعم حركات المقاومة، والموافقة على حلّ "الميليشيات" التي تدعمها في المنطقة.

السلة الرابعة تتعلق بالصراع الفلسطيني- "الإسرائيلي"، ويُطلب من إيران مهادنة "إسرائيل"، ووقف دعمها للفلسطينيين.

هي مطالب يدرك ترامب وإدارته عدم قدرة إيران على تلبيتها، ويدرك أنها ليست شروطاً للتفاوض، بل هي أقرب إلى توقيع صكّ استسلام لن تقوم إيران بتلبيته، وهو غير منطقي أصلاً: كيف يمكن لإيران أن تتخلى عن قدرتها الردعية، في وقت تتعرض بشكل يومي إلى التهديد بضربات عسكرية "إسرائيلية" وأميركية؟ وكيف لها أن تتخلى عن حقّها في المعرفة النووية السلمية وقدامتلكتها بعد سنين عجاف من العقوبات الدولية والحصار الاقتصادي؟ وكيف لها أن تتخلى عما امتلكته من نفوذ في الشرق الأوسط، وهو ما جعلها تتحوّل من دولة عادية إلى دولة إقليمية كبرى؟

بالتأكيد، يدرك ترامب وإدارته أن إيران لا تستطيع أن تلبّي هذه الشروط، وهو لا يبدو أنه يطلبها بعينها، بل يبدو أن عقلية التاجر الأميركي، والمفاوض على الصفقات الكبرى، يعرف أن دفع الجانب الإيراني إلى إعادة التفاوض على الاتفاق النووي الموقَّع مع الدول الست، يجب أن يقترن بأمرين: تهديد بعقوبات اقتصادية كبرى (خصوصاً أن الخيار العسكري غير متاح في هذه القضية)، وسقف شروط عالية جداً، بحيث إن أي اتفاق جديد على ما دون هذا السقف ستعتبره إيران نجاحاً لها ولمفاوضيها.

وهكذا، ومن جملة التطورات التي حصلت في الأسابيع التي تلت إعلان ترامب انسحابه من الاتفاق النووي، نجد أنه قد يكون هناك تقسيم للأدوار بين كل من الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا، لحشر إيران لتقديم التنازلات في بعض الملفات الأساسية، كشرط لاستمرار العمل بالاتفاق النووي، وعدم انهيار الاقتصاد الإيراني، وذلك كما يلي:

-         تضغط الولايات المتحدة على الاقتصاد الإيراني بشدّة، وتهدد بعقوبات غير مسبوقة على الشركات العالمية العاملة والمستثمرة في السوق الإيراني، ما يجعل استمرار أوروبا والعالم في الاتفاق حبراً على ورق.
ولقد بدأت تبرز مؤشرات هذا الضغط في انهيار سعر العملة الإيرانية، والقلق الاقتصادي الذي ترافق مع التهديدات الجديدة بالعقوبات. ويراهن الأميركيون على أن يؤدي هذا إلى تشجيع القطاعات المختلفة على التظاهر، مدفوعة بشبح الأزمات الاقتصادية التي ما انفكت تعاني منها منذ عقود.

- في المقابل، يُظهر الاتحاد الأوروبي تمسُّكاً بالاتفاق النووي، مع مطالبات أوروبية – فرنسية خصوصاً –لتأمين مزيد من الضمانات الإيرانية والتنازلات في موضوع التخصيب النووي، وحشر الإيرانيين بين أمرين: إما انهيار الاتفاق كلياً، أو تقديم مزيد من التنازلات.

- تمارس الدول ضغوطاً مباشرة، وعبر وكلاء، لتحجيم دور إيران المتزايد إقليمياً، وفيها نفهم المطالبات الروسية بانسحاب الإيرانيين وحزب الله من سورية، بالتوازي مع الانسحاب التركي والأميركي، وندرك العودة المستجدّة للسعوديين لترميم تحالف"14 آذار"، في مواجهة الانتصار الذي حققه حزب الله وحلفاؤه في الانتخابات اللبنانية، والترحيب الأميركي بالدور السعودي العائد إلى لبنان بقوة، كما ندرك أهمية خلط الأوراق التي أفرزتها الانتخابات العراقية على صعيد الكتل والتحالفات، بالإضافة إلى التقدُّم - ولو المحدود – الذي تحرزه قوات التحالف الدولي في بعض أنحاء اليمن.

من خلال ماسبق، تبدو حكومة روحاني اليوم في وضع لا تُحسدعليه، والضغوط تشتد في كل مكان، فهل سيؤدي هذا الضغط إلى انفجار داخل إيران، أو في الإقليم، أو تتجه الأمور إلى تسويات صعبة؟ الأشهر المقبلة ستُظهر كل شيء.


2018/05/18

بين ايران وكوريا: ماذا يريد ترامب فعلاً؟


كما كان متوقّعاً، انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، بالرغم من كل التحذيرات الدولية التي حثّته على عدم القيام بذلك، وبالرغم من أن شركاءه الأوروبيين سيكونون من الأكثر المتضرّرين من العقوبات التي سيُعيد ترامب فرضها على إيران والتي هدّد بأنه سيفرضها على الشركات العالمية التي تستثمر في إيران.

يُجمِع الباحثون على أن دراسة صُنع القرار في الإدارة الأميركية هي مغامرة صعبة، فهناك العديد من العوامِل والظروف الموضوعية والتاريخية والاجتماعية، بالإضافة إلى تعدُّد اللاعبين والقوى في صوغه والتأثير عليه، مع العِلم أن أياً منها ليس له صفة الحسم في كل منها، فما يستطيعه طرف ما في قضية ما، قد لا يجعله المؤثّر الحاسِم في كل القضايا.

يتعدّد اللاعبون القادرون على التأثير في صنع السياسة الخارجية الأميركية، فبالإضافة إلى الرئيس هناك الكونغرس ووزارة الخارجية والبنتاغون ووكالة الأمن القومي واللوبيات المتعدّدة والشركات الكبرى والإعلام ومراكز التفكير إلخ، ما يجعل القدرة على معرفة أيٍ من هؤلاء ساهم في التأثير على قرار معيّن عملية مُعقّدة نوعاً ما وغير واضحة تماماً.

وإذا ما أردنا أن نستخدم العِلم والدراسات العلمية حول آليات صنع القرار الأميركي لمعرفة التصوّرات التي يبني عليها ترامب لصنع السياسة الخارجية الأميركية، فنجد أن أنماط التفكير التقليدية الأميركية لا تصحّ في دراسة شخصية ترامب ولا للتنبّوء بقراراته.

عادةً، وبالرغم من إدراكهم لتأثير وأهمية العامل النفسي والشخصي لصاحب القرار، يميل الأكاديميون في عِلم العلاقات الدولية إلى الجنوح لاستعمال نظرية "الخيار العقلاني" عند دراسة سلوك الدول وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، والتي تعني أن صاحب القرار يقوم بدراسة البدائل، واختيار الموقف الأقل كلفة والأكثر ربحاً، أي تحقيق الربح النسبي الأكبر.

وفي فترة الحرب الباردة، سيطر "النموذج الإدراكي" (Cognitive model)، أي رفض الخيارات التي أثبتت عدم جدواها في السابق، والبحث عن البدائل التي تتّفق مع التصوّرات والعقيدة الأميركية التي تجد في السوفيات "خطراً دائماً" على الأمن القومي الأميركي، ما يعني أن اتّخاذ القرار كان يتم بناءً لتصوّرات إيديولوجية وليست عقلانية.

أما في مرحلة ترامب، فلا يصحّ البناء على أيٍ من النظريّتين السابقتين، فقراراته غير عقلانية في معظم الأحيان، هو شديد البُعد عن التصوّرات الإيديولوجية، لذا لا يكون من الممكن إلا التحليل بناءً على التحليل النفسي، فنجد ما يلي:

- يتمتّع ترامب بشخصية "تسلّطية ومُنغلقة"، فالشخصية التسلّطية تتميّز عادةً (بحسب الدراسات العلمية) بالتمحور العِرقي، التعصّب العام والفاشية، النزوع إلى السيطرة على المرؤوسين، الإذعان لمَن هم أكثر قوةً، الاستعمال المُفرط للتصوّرات النمطية في تصوير الأحداث والأشخاص. أما الشخصية المُنغلِقة، فتتمّيز بدرجةٍ عاليةٍ من القلق النفسي، الاهتمام بمصدر المعلومات أكثر من مضمونها، عدم تقبّل المعلومات التي لا تتوافق مع عقائدها، غير قادرِة على صوغ سياسة خارجية عقلانية نظراً لإهمالها للعديد من البدائل.

- وبالاستناد إلى الدراسات النفسية التي أعدّها "هارولد لاسويل" نجد أن ترامب ينطبق عليه معيارين:  المعيار الأول: "الحاجة إلى القوّة" وهؤلاء الأشخاص يجدون في القوّة تعويضاً عن الإحساس المنخفض بأهمية الذات، الانعدام الأخلاقي، الضعف، وعدم احترام الآخرين لهم. أما المعيار الثاني فهو  "الحاجة إلى الإنجاز" ويعرّف الشخص الذي لديه الحاجة إلى الإنجاز، بالشخص الميّال إلى المُخاطرة إن كان فيها فرصة لتحقيق أهدافه، لكن المخاطرة هنا تقترن بشرط تحقيق الأهداف فقط.

وانطلاقاً مما سبق، بات من الممكن التنبوء بتصرّفات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي لطالما تبجّح بعدم قدرة أحد على التنبوء بتصرّفاته. وباتت تُفهم الأسباب التي تجعل ترامب يطرد جميع مَن يخالفه الرأي في إدارته، وكيف قام بإلغاء جميع ما قام به الرئيس باراك أوباما في ولايته سواء في الخارج أو الداخل... أما على صعيد "الإنجاز"، فنجد أن ترامب قام بتنفيذ جميع ما وعد به في حملته الانتخابية في فترة قصيرة نسبياً لا تتعدّى السنة ونصف السنة من حكمه.

ويبقى الإنجاز الأهم لترامب بالفعل (فيما لو تحقّق) هو الاتفاق مع كوريا الشمالية على نزع سلاحها النووي، وتوقيع اتفاقية اقتصادية - نووية معها. ويبقى اللافت في هذا المجال، أن ما تمّ تسريبه وما تحدّث عنه وزير الخارجية الأميركي حول بنود الاتفاق النووي المُزمَع عقده مع كوريا الشمالية، إنه استنساخ لبنود الاتفاق النووي مع إيران. المشكلة إذاً ليست في الاتفاق النووي الإيراني، وليست في بنوده التي تفاوضت عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها مع إيران لسنوات طويلة، بل المشكلة تكمن في أن أوباما هو من أنجزه، وفي أن ترامب يحاول أن يثبت لنفسه وللأميركيين في الداخل وللعالم أجمع أنه "قوّي وصاحب إنجازات كبرى".


2018/05/09

انهيار الاتفاق النووي... هل زادت احتمالات الحرب في المنطقة؟


د. ليلى نقولا
كما كان متوقعًا، إنسحب ترامب من الاتفاق النووي الايراني بصورة إنفرادية، وهو قرار يُتوقع أن يجلب المزيد من التوتر الى الشرق الأوسط، بدليل أن الاسرائيليين حاولوا البناء على ذلك بدفع المنطقة الى حافة حرب إقليمية باستهدافهم مواقع عسكرية في سورية وإعلان الاستنفار في الجولان المحتل مباشرة بعد إعلان ترامب، مما يؤشر الى أن ترامب ونتنياهو يدفعون الأمور الى التصعيد ليجبروا إيران على الردّ.
وفي خضّم هذا القلق المتنامي، يتبادر الى الذهن سؤالان: ما الهدف من خروج ترامب من الاتفاق النووي، وهل ستحصل حرب بين ايران واسرائيل؟

بالنسبة للسؤال الأول:
من الطبيعي أن ترامب وإدارته من الصقور بخروجهم من الاتفاق، سيعملون الى إعادة فرض العقوبات على ايران وتهديد الشركات التي تستثمر في السوق الايراني بفرض عقوبات عليها، مما يدفعها الى الخروج من ايران وهذا يعني أنه لو بقيت أوروبا وروسيا والصين في الاتفاق، فإن خوف الشركات من العقوبات عليها سيجعل من العقوبات الأميركية الآحادية أكثر فعالية.
ويعتقد ترامب أن إعادة فرض العقوبات، سوف يدفع الى أحد أمرين: إما الضغط على النظام الايراني وإنهياره، أو إجبار الايرانيين على إعادة التفاوض على الاتفاق وبالتالي يستطيع الغرب وتحت وطأة الضغوط الاقتصادية، دفع إيران الى القبول بالتفاوض على برنامجها للصواريخ الباليستية ونفوذها في الشرق الأوسط.

بالنسبة للأمر الاول، أي إنهيار النظام الايراني من الداخل، فإن التاريخ والتجارب تنبئ أن هذه الآمال لن تتحقق، فالضغوطات الاقتصادية السابقة على إيران وما سمي "الثورة الخضراء" لم تستطع إسقاط النظام الايراني، ثم إن أي ضغوط داخلية على الحكم في إيران كنتيجة لسقوط الاتفاق النووي سوف تقوي قبضة المحافظين الرافضين أساسًا للأتفاق والذين يتحينون الفرصة للانقضاض على روحاني وحكومته ما يعني خسارة للغرب بعودة المتشددين الى السلطة وهم الذين لم يتوانوا عن تحدي العالم بالاستمرار بتخصيب اليورانيوم بالرغم من العقوبات الأممية السابقة.

أما الهدف الثاني، أي إدخال برنامج الصواريخ الباليستية ونفوذ ايران الاقليمي ضمن التفاوض اللاحق للعودة الى العمل بالاتفاق، فهو من الخطوط الحمراء التي لا يمكن للايرانيين المساومة عليها خاصة وأنإيران محاطة بالعديد من الأعداء ومعرّضة للتهديدات الاسرائيلية والاميركية بشكل دائم وهو ما يجعلها مجردة من القوة ومستباحة بشكل كامل فيما لو تخلت عن صواريخها الباليستية. بالاضافة الى أن هذا الأمر، وباعتباره ضمن الإطار العسكري الاستراتيجي وضمن الاستراتيجية الاقليمية التي يتولاها الحرس الثوري، فقد لا يكون بمقدور حكومة روحاني مجرد القبول بالبحث به حتى لو شاءت ذلك.

وهنا يأتي السؤال الثاني الذي يقلق الجميع في الشرق الأوسط؛ هل ستحصل الحرب؟

الاحتمال الأكثر رجوحًا، هو أن لا حرب اقليمية مباشرة بين ايران واسرائيل، بل ستستمر الحرب بالوكالة على الأرض السورية، ولن تنجر ايران الى الاستفزاز الاسرائيلي بالتصعيد، فهي الجهة التي تحقق انتصارات ميدانية مع حلفائها في كامل أنحاء سوريا، وبالتالي ليست بوارد إعطاء هدية مجانية لترامب ونتنياهو للتصويب على دورها في سوريا ومحاولة إخراجها من هناك عبر الضغط الذي ستنخرط فيه أوروبا بالتأكيد ولو بطريقة غير مباشرة.

ثانيًا، إن أي تصعيد عسكري تجد إيران نفسها محرجة بالرد عليه، سوف لن تبقى دائرته ضمن الأرض السورية، بل سيمتد الى جبهات أخرى تستطيع ايران الضغط فيها، بالإضافة الى قدرتها على القيام بعمليات في الداخل الاسرائيلي عبر وكلائها، ناهيك عن قدرتها على استهداف القواعد العسكرية الأميركية في الخليج وإغلاق مضيق هرمز مما يدفع أسعار النفط العالمية الى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي سيضر بالاقتصاد العالمي ومنها اقتصاديات الدول الأوروبية والولايات المتحدة.

هذا بالاضافة الى أن الحرب الشاملة التي سيُعرف كيف تبدأ ولن يُعرف كيف تنتهي، سوف تدفع الايرانيين الى التوحد خلف قيادتهم، ما يعني أن إمكانية إسقاط النظام الايراني من الداخل - كما يريد ترامب- سوف تنتفي بشكل تام. علمًا أن التهديدات المستمرة بالحرب، سوف تدفع الايرانيين الى التمسك ببرنامجهم الصاروخي أكثر من أي وقت مضى، فليس من الحكمة التخلي عن مصادر القوة في وقت تتعرض فيها الدولة وأمنها القومي الى التهديد المستمر.

إذًا إنطلاقًا مما سبق، يمكن القول  أن خروج الولايات المتحدة بشكل إنفرادي من الاتفاق النووي، سوف يكلّف ايران إقتصاديًا ولن يكون سهلاً على الشركات العالمية غير الأميركية الاستثمار في السوق الايراني مما يعني عمليًا العودة الى نظام العقوبات بالواقع وليس بالقانون. لكن الايرانيين سيصمدون كما صمدوا في وقت سابق، وسيفاوض روحاني وحكومته الاوروبيين بهدوء ( وليس تحت الضغط كما يعتقد ترامب)، مدركين أن هناك خطوطًا ايرانية داخلية حمراء لا يستطيعون تخطيها، فإن أي محاولة تخلٍ عن القوة (الصاروخية أو النفوذ الاقليمي) في المفاوضات، سيعرّض ايران لخطر كبير: أو هجوم من الأعداء أو الإطاحة بروحاني وحكومته.

2018/05/03

لماذا يريد الغرب منع السوريين من العودة؟


عانى السوريون من الحرب الدائرة في وطنهم ما لم يُعانه شعب من الشعوب، فبالإضافة إلى الدمار والقتل والفظائع التي حلّت بهم، وانخراط 86 دولة عسكرياً على أرضهم، تشرّدوا في بقاع الأرض ونزحوا داخلياً وإلى دول الجوار وأوروبا، وقضى منهم مَن قضى في البحر المتوسّط غرقاً أو إغراقاً. وكأن كل ما حصل لم يكفِ، فتظهر اليوم على السطح وبعد مؤتمر بروكسل 2، قضية استغلال المأساة السورية سياسياً، وهي ككل القضايا المُشابهة حيث تتداخل قضايا النزوح والتهجير الإنسانية بشكل عام مع القضايا السياسية في أية قضية تهجير سكاني ونزوح قسري بسبب الحروب، سواء كان التهجير داخلياً أو إلى خارج البلد المعني.

كان مؤتمر بروكسل 2 حول النازحين السوريين الذي دعت إليه الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي علامة فارقة في ملف النزوح السوري سواء الداخلي (داخل سوريا) أو خارجها، وحين نقول علامة فارقة فإننا لا نشير الى النتائج التي انبثق عنها وهي بمجملها اقرار مساعدات مادية بدون حلول جدية؛ بل إلى الملاحظات التي وُجّهت إليه، والتساؤلات والهواجس المشروعة التي طرحها هذا المؤتمر وما تلاه من بيان مشترك أصدرته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، ولعلّ أبرزها ما يلي:

- أولاً إن عدم دعوة الدولة السورية إلى المؤتمر، يُشير إلى حدٍ بعيد إلى أن الجهات الداعِمة ليست جدّية في إنتاج حلول لوضع اللاجئين السوريين سواء في الداخل السوري أو خارجه. من المعروف والطبيعي أن تقوم الجهات المانِحة بالتنسيق مع الدولة السورية لتأمين وصول المساعدات إلى السوريين المُهجرّين داخلياً، خاصة أولئك الذي يعيشون في المناطق التي تسيطر عليها الدولة السورية، ويُقدّر عددهم بالملايين.

إن التذرّع بالأسباب السياسية لعدم دعوة الحكومة السورية للتنسيق معها في ما يخصّ المساعدات، يدفع إلى الشكّ بنوايا الجهات المانِحة خاصة وأن حاجة الأمم المتحدة لضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين لها، حتّم عليها في وقتٍ سابق التعامُل مع قوى الأمر الواقع في الجنوب السوري المُسيطر عليه من قِبَل المسلحين، وتكليفهم بإيصال المساعدات إلى النازحين السوريين تحت سيطرتهم. عِلماً أن التقارير الدولية ومنها تقرير دولي في شباط الماضي بعنوان "أصوات من سوريا 2018" أكدّ أن استغلالاً جنسياً للنساء السوريات حصل بشكلٍ واسعٍ في الجنوب السوري ، حيث كانت تتم مقايضة المساعدات بالخدمات الجنسية. ورغم التحذيرات من سوء المعاملة التي أطلقتها المنظمات العامِلة في مجال الإغاثة منذ نحو 3 سنوات، فقد أشار عدد من العمال الإنسانيين إلى أن بعض الوكالات الإنسانية تغضّ النظر عن الاستغلال ، لاعتقادها بأن استخدام أطراف ثالثة ومسؤولين محليين يبقى الطريقة الوحيدة لإيصال المساعدات.

ثانياً: إن البيان المُشترك الصادر عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عقب مؤتمر بروكسل، والذي أثار حفيظة اللبنانيين، وبالرغم من التوضيحات الأوروبية والأممية التي صدرت في ما بعد، يشير بما لا يقبل الشكّ أن هناك أهدافاً سياسية وانتخابية وراء إبقاء النازحين السوريين خارج سوريا ، ورفض المفوضية العليا للاجئين لخيار النازحين السوريين بالعودة الطوعية، وهو ما تجلّى في البيان الذي أصدرته بعد مغادرة 499 شخصاً من قرية شبعا اللبنانية إلى بيت جن السورية.

لا شكّ إن تجربة اقتراع اللبنانيين في الخارج، والتي كشفت عن تراجُع من قِبَل اللبنانيين الداعمين لحزب الله عن التصويت في العديد من دول الانتشار، وذلك خوفاً من تضييق قد يشهدونه في بعض الدول الغربية، أو طردٍ من الدول الخليجية، قد يُعطينا فكرة عما ينتظر السوريين الناخبين في الخارج الذين يودّون الاقتراع لصالح الرئيس السوري بشّار الأسد في الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2021، فيما لو بقيوا خارج البلاد إلى تلك الفترة. وهذا يعني أن الدول الغربية تريد إبقاء النازحين السوريين خارج سوريا، وستحاول منع عودتهم قبل الانتخابات الرئاسية السورية القادمة للتأثير على نتائجها، وهو ما تمّت الإشارة إليه ( في البيان المشترك) برفض عودة اللاجئين قبل الحل السياسي الشامل.

انطلاقاً مما سبق، يبدو أمام كل من لبنان وسوريا والأردن تحديات كبرى ، تتجلّى في منع القدرات السورية البشرية من المساهمة في إعادة إعمار بلادها، ومنع الحياة الطبيعية من أن تعود إلى المدن والقرى السورية التي انتهت فيها الحرب، بالإضافة إلى محاولة فرض تغيير ديمغرافي في كلٍ من البلدان الثلاثة، ما يُعزّز من إمكانيات الفوضى وعدم الاستقرار. من هنا، باتت مسألة عودة النازحين السوريين مسألة أمن قومي سوري لبناني أردني مشترك، يجب على الدول الثلاث التعاون لحلّ هذه المسألة الإنسانية تحقيقاً لكرامة النازحين، وعودتهم الكريمة إلى أرضهم، وقطعاً لأية إمكانية لاستغلال هذا الموضوع الإنساني سياسياً وانتخابياً في المستقبل.