2018/11/22

مكافحة الارهاب: هل يخلي الأميركيون الساحة الأفريقية؟


في خطوة لافتة ومستغربة، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية  نيّتها خفض عديد قوات مكافحة الإرهاب في أفريقيا بنسبة 10% بهدف تحسين بنية الجيش الأميركي لمواجهة التهديدات الجديدة التي تمثلها دول مثل الصين وروسيا، وذلك تطبيقًا لسلم الأولويات التي وضعتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في استراتيجية الأمن القومي، حيث احتل الخطر الارهابي المرتبة الثانية لأول مرة منذ عام 2001، بينما اعتبر "التنافس مع القوى الصاعدة، كالصين وروسيا"، من أبرز التهديدات الأكبر التي تتعرض لها الولايات المتحدة.
وبغض النظر عن الاعلان عن سحب المئات من الجنود الأميركيين، يبقى لأفريقيا مكانة هامة في التخطيط الاستراتيجي الأميركي، وقد عكس وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون الأسبق هذه الأهمية حين اعتبر “إن أمن بلادنا وازدهارها الاقتصادي مرتبطان بأفريقيا كما لم يحدث من قبل.” وأشار إلى أن ستة من أسرع عشرة اقتصادات نموًا في العالم هذا العام ستكون أفريقية، وأضاف “لكي يفهم المرء الاتجاه الذي يسير إليه العالم، يجب أن يفهم أن أفريقيا هي المستقبل”.
لماذا يقلّص الأميركيون، إذًا، عديد قوات مكافحة الارهاب الأفريقية؟
عام 2007،  أنشأت الولايات المتحدة قوة "أفريكوم" AFRICOM، وهي وحدة مكونة من قوات مقاتلة موحدة تحت إدارة وزارة الدفاع الأميركية وهي مسؤولة عن العمليات العسكرية الأميركية، وعن العلاقات العسكرية مع 53 دولة أفريقية في أفريقيا عدا مصر، التي تقع في نطاق القيادة المركزية الأميركية.
ولقد توسعت مهمة تلك الوحدة رويدًا رويدًا، لتشمل مهمات غير قتالية؛ كالمساعدة على بناء الدولة والمجتمع والتنمية الشاملة. ولقد برر الجيش الأميركي هذا التوسع المستمر في نطاق مهام أفريكوم، بأن بيئة المنطقة الرمادية بين المهام القتالية وبناء الدولة تبدو معقدة، وأن التهديدات الأمنية تنبع بشكل أساسي من البطالة وعدم التنمية والحرمان بالإضافة الى أن مشاكل الفساد وتصرفات قوات الأمن الحكومية المسيئة تجعل المواطنين الأفارقة "أهدافًا رئيسية للاستغلال من قبل المجرمين ومنظمات الإرهابيين في جميع أنحاء القارة" .
        وكان الرئيس باراك أوباما قد أعلن عام 2012 عن استراتيجية جديدة في إفريقيا تقوم على مفهوم الأمن الوقائي وذلك من خلال تنفيذ خطوات إستباقية في مجالات إنسانية واقتصادية واجتماعية عدّة جنبًا إلى جنب مع الخطوات العسكرية والأمنية بهدف تجفيف منابع الارهاب من جذورها.
وبدت أفريقيا أقل أهمية في الاستراتيجية الأميركية في إدارة ترامب، عندما وصف الرئيس ترامب البلدان الأفريقية بـ”الحثالة”، إلا أنه عاد ووجه رسالة الى رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي أثناء تجمعهم في أديس أبابا، وأرسل زوجته ميلانيا للقيام بجولة في بعض الدول الأفريقية.
وعليه، يدرك الأميركيون أن مكافحة الارهاب في أفريقيا هي جزء من الصراع الدائر بين القوى الكبرى على خيرات هذه القارة والسيطرة على مواردها وأسواقها، لذا لا يمكن أن يكون الاعلان عن تقليص عدد الجنود هو بداية إنسحاب أميركي أو اتجاه لترك فراغ في أفريقيا سيهرع كل من الصينيين والروس لملئه بسهولة. لكن - باعتقادي - قد يقلّص الأميركيون العنصر العسكري ليحل محله العنصر المدني المتخصص، وذلك لعدم زيادة موازنة مكافحة الارهاب من جهة، وللعمل بفعالية أكبر خاصة بعد دخول الروس الى الساحة الأفريقية، بعدما كان التنافس أميركيًا صينيًا لفترة طويلة.
لطالما أعلن الأميركيون أن مكافحة الارهاب في أفريقيا تحديدًا لا تتطلب عملاً عسكريًا بالدرجة الاولى، إذ تشير الدراسات الى أن البطالة وليس الدين هو ما يجذب الشباب للانخراط في بوكو حرام وممارسة الارهاب (على سبيل المثال)، بالاضافة الى استفادة الارهابيين من ضعف الدولة المركزية وغياب التنمية والفقر والجوع وتعسف السلطة لاستغلال الشباب وتجنيده، خاصة في البيئات التي يستطيع فيها الارهابيون أن يقدموا المساعدات الاجتماعية. ولطالما شكا الأميركيون من أن الجيش الاميركي - وضمن نطاق عملياته في أفريقيا- يقوم بمهمات ليست من مهام الجنود أصلاً.
إذًا، إن انسحاب بعض الجنود الأميركيين من أفريكوم، قد يكون هدفه إعادة تموضع، وسحب لبعض العناصر العسكرية تمهيدًا لاستبدالها بقوى ذات طابع غير عسكري، ومن ضمن التنافس مع الصين وروسيا في أفريقيا أيضًا وليس خارجها.

2018/11/15

حرب اليمن ستنتهي، ولكن!


ليلى نقولا - الميادين
14 تشرين الثاني 2018
شغلت حرب اليمن والمأساة الإنسانية التي يعيشها اليمنيون حيّزاً مهماً من النقاشات وتصريحات القادة المجتمعين في باريس لإحياء ذكرى الحرب العالمية الأولى، وقد يكون ذلك مردّه إلى الإحراج الذي سبّبته قضية الخاشقجي للمملكة العربية السعودية وللدول الداعِمة لها، وأهمها الدول الغربية التي استمرت تبيعها الأسلحة بالرغم من الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي حصلت في اليمن بسبب استخدام تلك الأسلحة.
وقد تكون إدراة ترامب أرادت استباق أيّ اجتماع للكونغرس للبحث في مصير المُشاركة العسكرية (ولو الرمزية) للولايات المتحدة الأميركية في حرب اليمن، فتمّ الاتفاق على وقف خدمة تزويد طائرات التحالف السعودي بالوقود في الجو. وتشير التقارير إلى أن الأميركيين يُسهمون بأكثر من هذه المشاركة الرمزية، فيقومون بتزويد التحالف بصواريخ ذكية، بالإضافة إلى تقديم إحداثيات عن مواقع الحوثيين وتقديم معلومات استخبارية وغيرها..
وهكذا، قد تكون حرب اليمن قد اقتربت من نهايتها لأول مرة منذ اندلاعها وشنّ التحالف السعودي حربه بحجّة إعادة الشرعية، فلأول مرة تستفيق المُستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على الكارثة اليمنية فتصفها بأنها "أسوأ كارثة إنسانية على وجه الأرض"، وتحدّث الرئيسان الفرنسي والأميركي عن إمكانية أن تُتيح قضية مقتل الصحافي السعودي جمال الخاشقجي فرصة للتوصّل إلى حلٍ سياسي في اليمن. وقام وزير الخارجية البريطاني جيريمي هانت بزيارة إلى كلٍ من السعودية والإمارات للضغط من أجل إنهاء الحرب في اليمن ودعوة قادة السعودية للتعاون في التحقيق بشأن مقتل الصحافي جمال الخاشقجي.
قد يكون ترامب أقل المُهتّمين بإنهاء حرب اليمن، كون هذه الحرب تشكّل حافِزاً للسعودية لشراء المزيد من الأسلحة الأميركية، وباعتبار أن الدعم الأميركي والمال السعودي يستطيعان كبح جماح الانتقادات الدولية لما يُسمّى أسوأ كارثة إنسانية في العالم على الإطلاق، بحسب تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش. لكن مشكلة ترامب الحقيقية تبدو في هذا الإطار مُتعدّدة الوجوه، وذلك باختصار على الشكل التالي:
أولاً، هو يريد الاستمرار بدعم الحُكم الحالي في المملكة لأنه يستفيد منه، ولكنه لا يريد لهذا الدعم أن يؤثّر على مستقبله السياسي في الداخل الأميركي، أو أن يسمح لأعضاء الكونغرس بالدخول من هذه النافذة للتضييق عليه أو إحراجه في الداخل.
ونذكر في هذا الإطار، أن أعضاء جمهوريين وديمقراطيين في الكونغرس بدأوا يتحدّثون عن ضرورة وقف الدعم الأميركي للسعودية في حربها على اليمن، كما أن ثلاثين مسؤولاً أميركياً في إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بعثوا برسالة إلى البيت الأبيض، يقرِّون فيها بخطأ التدخّل العسكري في اليمن، داعين إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب إلى وقفه. وقالت صحيفة "واشنطن بوست" إن المسؤولين اعترفوا في الرسالة بدورهم ومسؤوليّتهم عن التدخّل الأميركي في الحرب المُدمِّرة التي يعيشها اليمن، داعين إدارة دونالد ترامب، لوقف هذا التدخّل.
ثانياً، يُدرِك ترامب أن تخليص السعودية من قضية الخاشقجي تبدو مستحيلة، لذا هو يريد على الأقل أن يمنع دول العالم من المُطالبة بتغيير في هيكلية الحُكم في السعودية، لذا أكّد لماكرون بأن السعودية مهمة لاستقرار المنطقة، ويجب العمل على حفظ استقرار السعودية الداخلي ( أي أنه يُلمّح إلى أن أيّ اتّهام لأعضاء من الأسرة الحاكِمة أو محاولة الإطاحة بوليّ العهد لن يمر بسهولة، وقد يُسبِّب اضطرابات وعدم استقرار في السعودية).
ثالثاً، إن الضغط الأميركي لإنهاء حرب اليمن، والدعوة التي وجَّهها وزير الخارجية بومبيو لوليّ العهد السعودي بضرورة إنهاء حرب اليمن، لا يعني تخلّي إدارة ترامب عن السعوديين، بل تهدف إلى حدٍ بعيدٍ إلى الحدّ من الخسائر السعودية في المنطقة وعلى الصعيد العالمي، وذلك للتخفيف من القضايا التي يمكن للرأي العام العالمي أن يستخدمها ضدّ المملكة وداعميها الدوليين.
وهكذا، يبدو أن الحلّ السياسي بات يقترب في اليمن، بسبب الإحراج السعودي الدولي في قضية الخاشقجي، ولكن إلى أن يتمّ ذلك الحلّ وإلى أن تستطيع الأمم المتحدة جَمْع أطراف النزاع على طاولة الحوار، سيقوم التحالف السعودي بتكثيف حربه على اليمن، وذلك لتحقيق مكاسب ميدانية للمفاوضة من باب القوّة على طاولة الحوار... وعليه، قد تكون أيام ما قبل المفاوضات، أسوأ أيام يعيشها المدنيون اليمنيون، على الإطلاق، منذ بدء الحرب.

2018/11/07

ما هي فعالية العقوبات الأميركية على إيران؟

ليلى نقولا- الميادين
بدأت الإثنين في 4 تشرين الثاني الحالي، حزمة العقوبات الأميركية الجديدة على إيران، والتي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعدما أعلن انسحابه من الاتفاق النووي المُبرَم مع إيران والذي توصّلت إليه مجموعة الدول الست، والذي تحوَّل إلى قرارٍ دولي صادِرٍ عن مجلس الأمن (القرار رقم 2231).

وبالرغم من الترحيب الصادِر عن الإسرائيليين وبعض الإعلام الخليجي بإعادة فَرْض العقوبات على إيران، إلا أن هذه العقوبات يبدو أنها لن تكون على قدر آمال هؤلاء أو آمال الرئيس ترامب بحيث "تحدُّ هذه الإجراءات من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، أو توقِف برنامجها الصاروخي أو تدفعها إلى تغيير سلوكها.."، بحسب تعبير ترامب وأفراد من إدارته.

ويمكن القول إن الاقتصاد الإيراني سيُعاني بسبب عدم قدرة الشركات العالمية على الاستثمار في الداخل الإيراني، خوفاً من التعرّض لعقوباتٍ أميركيةٍ، وسيكون الإيرانيون أمام صعوبات إقتصادية تُضاف إلى الصعوبات السابقة التي يعانونها، والتي تظاهروا من أجلها في السابق. لكن في تقييم مبدأ العقوبات على قطاع النفط بالتحديد، يبدو أنها - وبالرغم من أنها ستكون مؤلِمة وستؤثِّر سلباً على الإقتصاد الإيراني- إلا أنها تبدو لغاية الآن عاجِزة عن تحقيق أيٍّ من أهدافها، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: من المعروف أن الايرانيين يعانون من عزلةٍ وعقوباتٍ إقتصاديةٍ منذ زمنٍ طويلٍ، ولقد اعتادوا على التقشّفِ في الميزانية. ويُصرِّح العديد من الخُبراء والمسؤولين الإيرانيين أن العقوبات السابقة على إيران دفعتها إلى الاعتماد على الذات وتطوير صناعات محلية، ما كانت لتطوّرها لو كان باستطاعتها استيرادها بسهولة من الخارج.

ثانياً: إن إعادة فَرْض العقوبات على إيران والخروج من الإتفاق النووي، أظهر الولايات المتحدة الأميركية كشريكٍ لا يمكن الوثوق به، وهذا ما يُقوّي موقف المُحافظين في الداخل ويدفع بعض الفئات في الداخل الإيراني - خاصة الشبابية - التي عوَّلت على الانفتاح على الغرب وطالبت به، إلى الإحباط والإيمان بعدم الاتّكال على القوى الغربية للمُساعدة، وبالتالي إن المُراهنة على تغيير في سلوك النظام لا تبدو في محلها.

ثالثاً: إن الإعفاءات التي منحتها إدارة ترامب لثماني دولة "حليفة" للاستمرار بشراء النفط الإيراني لفترةٍ محدودةٍ، تقوّض نظام العقوبات قبل أن يبدأ. بحسب التقارير العالمية، إن أهم الدول التي تستورد النفط الإيراني هي: الصين (بالدرجة الأولى) تليها الهند، كوريا الجنوبية، تركيا، إيطاليا، اليابان، الإمارات، إسبانيا، فرنسا واليونان الخ...

وفي نظرةٍ على هذه الدول، وبحسب ما أُعلِن من نظام الإعفاءات، وبعد إعلان الاتحاد الأوروبي وكل من بريطانيا وإلمانيا وفرنسا، عن آليّةٍ خاصةٍ للاستمرار في شراء النفط الإيراني... يبدو أن النفط الإيراني سيستمر بالتدفّق وقد يعود الإنتاج اليومي إلى سابق عهده، بعد أن تنتهي زوبعة الحرب النفسية التي يقوم بها ترامب على أبواب الانتخابات النُصفيّة.

رابعاً: إن اليمينية الشعبوية التي يحاول ترامب نَشْرها في كلٍ من أميركا اللاتينية والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى المُعاملة السيِّئة والضغوطات والكلام القاسي الذي وجّهه في وقتٍ سابقٍ إلى حلفائه الأوروبيين، يدفع هؤلاء إلى مزيدٍ من التحدّي للإدارة الأميركية الحالية، وبالتالي ستستفيد إيران من هذا التبايُن بين الطرفين للظهور بمظهر المُحافِظ على العلاقات الدولية والالتزام بالقانون الدولي، في حين يقوِّض ترامب أُسُس القانون الدولي وخاصة إتفاقية فيينا لقانون المُعاهدات (1969)، والتي دخلت حيِّز النفاذ عام 1980.

إذاً، وفي المُحصّلة، إن الصعوبات الاقتصادية التي سيُعانيها الإيرانيون من غير المُرجَّح أن تدفعهم إلى الاستسلام لشروط ترامب، فالإيرانيون يُتقِنون فن التهرّب من نظام العقوبات وهو ما قاموا بفعله على مدى سنين من العقوبات الدولية الشاملة، هذا بالإضافة إلى امتلاك إيران للعديد من أوراق القوّة الاستراتيجية في المنطقة والتي لم تستخدمها لغاية الآن.


2018/10/31

ماذا بعد خسارة ميركل!


في اعتراف واضح بالهزيمة خاصة بعد الخسارات الانتخابية المتكررة التي مني بها حزبها والأحزاب المتحالفة معه، أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها ستتخلى عن رئاسة الحزب الديمقراطي المسيحي، لكنها ستبقى في منصب "المستشارة" حتى نهاية ولايتها الحالية التي تنتهي عام 2021.
لقد أسهمت سياسات ميركل بتراجع حزبها في الانتخابات المحلية( في منطقة هيسي) حيث لم يستطع الحصول سوى على 27% من الأصوات، متراجعًا 11 نقطة عن عام 2013. كما أثّرت سياسات ميركل على حليفها البافاري الذي خسر الغالبية الانتخابية في بافاريا، لأول مرة منذ عقود.
اللافت أن الناخبين الإلمان يعاقبون ميركل وحزبها وحلفاؤهم ويبتعدون عنهم، علمًا أن السياسات الإقتصادية للمستشارة الإلمانية - وبحسب الخبراء- قد أفادت المواطن الإلماني، والدليل ان معدلات البطالة في إلمانيا ما زالت في تراجع منذ استلام ميركل الحكم بعد أزمة اقتصادية كبرى. وبحسب وكالة العمل الإلمانية، تراجعت نسبة البطالة في إلمانيا خلال شهر أيلول 2018، إلى 5.1 في المئة، لتسجل أدنى مستوياتها منذ توحيد البلاد عام 1990.
إذًا هي سياسة الأبواب المفتوحة التي جعلت ميركل تخسر مستقبلها السياسي، وبسقوط ميركل سوف يتغير وجه أوروبا، على عدّة صعد، أهمها:
- أولاً في الداخل الإلماني: بعد الدرس العميق الذي سوف يستخلصه حزب ميركل بالدرجة الأولى والأحزاب الأاخرى بالدرجة الثانية، سوف يكون من الصعب على أي سياسي إلماني الاستمرار بنفس السياسات القديمة التي انتهجتها ميركل والتي أدّت الى خسارة شعبيتها، بل قد يجنح أكثر صوب اليمين.
وبالرغم من أن ميركل حاولت القيام بتدابير عاجلة لوقف التدهور الحاصل في شعبيتها، وإرتفاع أسهم اليمين في إلمانيا وفي أوروبا، كأن تقوم بعرض الأموال على لبنان والأردن لاستضافة اللاجئين، أو تضغط على دول الاتحاد للقبول بتوزيع اللاجئين، ووافقت على عقد اللقاء الرباعي في اسطنبول وعودتها لتبني الخطاب الروسي الأساسي حول الأزمة وهو "مكافحة الارهاب" ، والابتعاد عن السياسة الاوروبية المعتمدة منذ سبع سنوات حول "إسقاط الأسد".. بالرغم من كل ذلك، إلا أن الأزمات المستفحلة والمشاكل المتفاقمة وأعداد اللاجين الكبيرة كانت أكبر من قدرة الشعب الإلماني على تقبلها.
ثانيًا، على صعيد الإتحاد الأوروبي:
يعاني الإتحاد الاوروبي من مشاكل عديدة ليس أقلها خروج بريطانيا من الإتحاد والمفاوضات الصعبة التي يجريها الاتحاد مع لندن من أجل إيجاد صيغة خروج مقبولة للجميع. إن إضعاف ميركل سوف يؤدي الى إضعاف الاتحاد ككل، وإعطاء زخم أكبر للمتشائمين بمستقبل الاتحاد الاوروبي.
أما بالنسبة لفرنسا، والتي كان لميركل التأثير الأكبر في منع اليمين الفرنسي من الوصول الى الحكم، ووصول إيمانويل ماكرون من خارج الطاقم السياسي التقليدي، فسيكون الأمر مختلفًا نوعًا ما، حيث قد يعود التنافس الفرنسي الالماني على تزعّم أوروبا الى الواجهة.
يعاني ماكرون - كما ميركل- من إنخفاض شعبيته الى أقل من 30% خلاف فترة 18 شهرًأ من تسلمه الحكم، وذلك بسبب غروره وتكبّره، والفضائح التي لاحقته، والأهم فشل الاصلاحات الإقتصادية التي وعد بها، وارتفاع البطالة الى 10%.
إن ماكرون المنتشي بنفسه، سيحاول استغلال ضعف حليفته ميركل ليكرّس نفسه زعيمًا للإتحاد الاوروبي، معوّلاً على الانتخابات البرلمانية الأوروبية التي ستعقد في شهر أيار من سنة 2019. وقد يكون ماكرون قد بدأ يميّز نفسه عن ميركل، وكان الأبلغ في هذا المجال تصريحه الفجّ والذي ردّ فيه على إعلان ميركل أنها قررت تعليق تصدير أسلحة إلى السعودية بعد جريمة قتل خاشقجي، والذي قال فيه إن "الدعوة لوقف بيع السلاح" الى السعودية إثر مقتل الصحافي جمال خاشقجي هي "من باب الديماغوجية البحت".

2018/10/24

حروب السعودية "الافتراضية"


في خِضمّ قضية خاشقجي، بدا لافتاً حجم الاستثمار الذي قامت به المملكة العربية السعودية في الفضاء الافتراضي والحروب المُتعدِّدة الاتجاهات التي قامت بها من ضمن حملتها سواء لإسكات المُعارضين لها، أو التسويق لوليّ العهد ورؤيته "الإصلاحية"، ودعمه لتوليّ العرش بعد والده.

وكان لافتاً في هذا الإطار، البيان الذي أصدرته شركة ماكينزي للدراسات والتي أسِفَت لكون تقريرها (الذي أعدّته للحُكم السعودي) قد تمّ استخدامه لاضطهاد المُعارضين. وكانت الشركة قد قامت عام 2015 بإعداد تقرير يقيس استجابة المواطنين السعوديين للتدابير التقشّفية ورأيهم بها، وقد تبيّن أن تويتر كان أكثر تأثيراً من وسائل الإعلام المحلية السعودية، وأن الآراء أتت سلبية وحدّدت ثلاثة أشخاص كان لهم أثر كبير على الرأي العام، ما دفع بالحُكم السعودي لإلقاء القبض على أحدهم، واعتقال إثنين من أخوة الثاني الخ..

ويتبيّن من خلال الاطّلاع على التقارير المنشورة في الغرب أن المملكة قد استفادت بشكلٍ كبيرٍ من التطوّر التكنولوجي ومن الأموال الطائِلة التي تمتلكها لتُحارب "افتراضياً" على مواقع التواصل الاجتماعي، ولتموّل ما يتمّ تسميته اصطلاحاً في العِلم الاستراتيجي بـ "حرب النت"، و"الإرهاب السيبراني"، و "حرب المعلومات".

فما هي هذه الوسائل؟

1- تُمثّل "حرب النت" حرباً حقيقية على الشبكة العنكبوتية، ويمكن بشكلٍ عام، أن تؤدّي إلى نزاعات واسعة النِطاق. وهي تعني محاولة التشويش أو إلحاق الأذى بالخَصْمِ أو العدو بحيث يطال الأذى الحقلين الدبلوماسي والسياسي، وذلك من خلال نشر الشائعات، والحملاتِ النفسية والتخريب السياسي والثقافي، وبثّ الأخبار الكاذِبة، والخِداع والدخول إلى الشبكاتِ المحلّية والتسلّل إلى شبكاتِ المعلوماتية الخ... وهو ما حصل خلال الأزمة مع قطر، حيث دخل القراصنة إلى وكالات الأنباء القطرية الرسمية وبثّوا تصريحاً مُفبركاً لأمير قطر، بدأت بعده الأزمة بين قطر والدول العربية التي تدور في الفلك السعودي.

2- الإرهاب السيبراني هو استخدام التقنيات الرقمية لترهيب وإخضاع الآخرين. ويمكن أن يتطوَّر الإرهاب السيبراني - بحسب القدرة التكنولوجية لمَن يستخدمه- ليصل إلى استخدام الإنترنت كوسيلةٍ يُمكن من خلالها شّن هجوم مُتعدِّد من قِبَل "الهاكرز"، لاختراق شبكات اتصال دولةٍ ما، أو أنظمة الأمن الخاصة بها، لنشر الفيروسات وتدمير الحواسيب.

في الحال السعودية وخاصة في قضية الخاشقجي، يُلاحَظ قيام الجيوش الالكترونية السعودية بالدخول إلى صفحات الذين يُعبِّرون عن رأيهم بالقضية أو ينتقدون المملكة، لممارسة التنمير وتهديدهم وإطلاق أبشع الصفات والنعوت عليهم، بشكلِ منهجي مُركّز، وممارسة الإرهاب عليهم ليحجموا عن القول أو التغريد حول القضية.
وقد قام هذا الجيش بتركيز حملته في الفترة الأولى على خطيبة الخاشقجي، بحيث لم تسلم من المساس بشرفها، وإطلاق الوسوم التي تمسّ بكبريائها كإمرأة والتحدّث عن "قباحتها"، وغير ذلك...

3- حرب المعلومات تعني استخدام التكنولوجيا الحديثة بغية إلحاق الأذى بالخَصْمِ أو لتحقيق التفوّق، وتستخدم الإنترنت كوسيلةٍ للتجسّس على الخصوم، ونشر الدعاية السياسية لتسويقِ فكرةٍ أو الترويج لعقيدةٍ أو لشخص.
وقد وظّف السعوديون الشركات الكبرى الأميركية (ماكينزي وغيرها)، وذلك للتجسّس على المُعارضين السعوديين في الخارج واختراق حواسيبهم، أو للترويج لوليّ العهد وسياسته ورؤيته الاقتصادية، وتسويقه على أنه "صاحب الفكر الإصلاحي" الذي يمكن للغرب التعامُل معه، ويجب عليهم دعمه.

وفي النتيجة، يبدو أن السحر قد انقلب على الساحِر، واستغلّ الديمقراطيون في أميركا والصحافة العالمية قضية الخاشقجي للتصويب على وليّ العهد السعودي ومعه دونالد ترامب. لذا، يبدو أن الأموال الطائِلة التي دفعتها السعودية في إطار استفادتها من حروب العالم الافتراضي التي تخوضها، أو في إطار حملة العلاقات العامة المدفوعة التي صرفت عليها المليارات في أميركا والغرب، لن تفيد السعوديين أو وليّ العهد محمّد بن سلمان من التخلّص من مسؤولية مقتل الخاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول... وسرعان ما سنجد ترامب يتخلّى عن وليّ العهد السعودي فيما لو تبيّن أن التمسّك به سوف يغرقه معه، أو سيجعل موقفه أضعف في الانتخابات النصفية للكونغرس.

2018/10/04

ما هي جدية شنّ الحرب الاسرائيلية على لبنان؟

يومًا بعد يوم، يثبت التفاهم الذي عقده التيار الوطني الحر وحزب الله، قدرته على الإستمرار بالرغم من كل التحديات التي واجهها في مفاصل عدّة، ومنها الإنتخابات النيابية الأخيرة. وقد يكون استمرار هذا التفاهم هو نتيجة لما يؤمن به الطرفان من مبادئ وطنية، تتجلى في مقاومة العدو، ومحاربة الفساد، وبناء الدولة القوية العادلة، وهو ما يتمظهر في كل مناسبة وحدث جلل.

لقد تكاملت كلمة رئيس الجمهورية اللبنانية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والإجراءات التي قام بها وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل الذي دعا السفراء الأجانب لجولة في مطار بيروت دحضًا لأكاذيب نتنياهو حول أسلحة حزب الله، مع التهديد الذي وجهه السيد نصرالله الى "اسرائيل"، بأن حزب الله يملك صورايخ دقيقة، وإن فرضت إسرائيل حرباً على لبنان ستواجه مصيراً وواقعاً لم تتوقعه في يوم من الأيام.

لقد دعا الرئيس عون دول الأمم المتحدة الى "الاستفادة من دروس التاريخ، لأن الظلم يولد الانفجار، وانتفاء العدالة والكيل بمكيالين يولدان شعورا بالنقمة ويغذيان كل نزعات التطرف وما تستولده من عنف وإرهاب، مؤكدًا أن انعدام العدالة أشعل حروبًا كثيرة في الشرق الأوسط وأوجد مقاومة لن تنتهي إلا بانتفاء الظلم وإحقاق الحق"، وأكد في لقاءاته الصحفية ومع الجالية اللبنانية على أهمية الدور الذي قام به حزب الله في مكافحة الإرهاب ومنعه من الإعتداء على لبنان، بالإضافة الى مقاومة العدو الإسرائيلي.

أما وزير الخارجية جبران باسيل، فلقد قرر المواجهة الدبلوماسية على شتى المستويات، بالرغم من إدراكه أن تلك المواجهة سوف تفتح عليه أبوابًا جديدة من الإنتقادات الداخلية، خاصة من قبل بعض الأطراف التي ترى ضرورة إضعاف حزب الله تمهيدًا لعزله ونزع سلاحه...

وهكذا، وبتكامل المواجهة العسكرية والدبلوماسية والسياسية اللبنانية، تكتمل عناصر القوة اللبنانية، وتكون المواجهة مع العدو قد تطورت لصالح لبنان بحسب المراحل التالية:

المرحلة الأولى: قبل حرب تموز 2006: كانت إسرائيل تملك قرارين أساسيين في المواجهة سواء مع لبنان أو مع أي دولة عربية: قرار الدخول في الحرب وقرار الخروج منها وإنهائها ساعة تشاء، وبالشكل الذي تريد. لقد شكّل تفوق الجيش الاسرائيلي العسكري والقدرة الجوية والتكنولوجية التي يملكها عاملاً مساندًا لإسرائيل في تحقيق هيمنتها على المنطقة، حيث استمرت اسرائيل في الاقتناع بأنه يكفي قرار سياسي بالنزهة الى لبنان، حتى تصل قوات الجيش الاسرائيلي الى حدود الليطاني.

المرحلة الثانية: تجربة حرب تموز 2006، والتي أدخلت مفهوم التوازن الردعي لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، والتي بيّنت أن قراراً واحداً فقط كان بيد إسرائيل، وهو قرار الدخول في الحرب، لكنها خسرت في المقابل ما يلي:

-القدرة على اتخاذ قرار الخروج من الحرب وبأي ثمن وبأي خسائر لأول مرة في تاريخها، ولم تستطع استعادته لغاية الآن، بالرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومات الاسرائيلية بناءً على توصيات لجنة فينوغراد.

-القدرة على أخذ "الحرب إلى أرض العدوَ"، بحيث يعيش الشعب الاسرائيلي بأمن وسلام، بينما تقوم الطائرات الاسرائيلية بتطبيق "سياسة الأرض المحروقة" في البلاد العربية. لقد عانى الاسرائيليون في حرب تموز وما بعدها، لأول مرة في حياتهم من الخوف من صواريخ المقاومة التي استطاعت أن ترسي معادلة "عاصمتنا مقابل عاصمتكم، مطارنا مقابل مطاركم" كما حددها السيد حسن نصرالله.

-خسرت اسرائيل قوة التأثير من خلال التهديد والتهويل بالحرب، التي تهزم العدو إدراكيًا ونفسيًا قبل شنّ الحرب عليه، فيقوم بتنفيذ بما تريده أن يقوم به، أو يمتنع عن القيام بما لا تريده أن يفعله، وذلك من دون أن تضطر لشنّ الحرب.

المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد الحرب السورية وانخراط حزب الله في قتال التكفيريين، بحيث امتلك من الخبرة القتالية ما يجعل الاسرائيلي يخاف من "حفيف الشجر، وضربات المعاول…" على الجزء اللبناني من الحدود كما قال الأمين العام لحزب الله في إحدى خطبه، وباتت المقاومة تعلن جهارًا امتلاكها صواريخ دقيقة، وأن مقاتليها يتدربون على سيناريو اقتحام الجليل في أي حربٍ مقبلة.

والنتيجة، أن اسرائيل التي تهدد يوميًا بشنّ حرب على لبنان، من المؤكد أنها باتت تتمنى الحرب وتخشاها في نفس الوقت؛ لذا لن تدخل اسرائيل في مغامرة لا تستطيع التأكد من انتصارها الحتمي فيها، والأكيد أنها لن تخرج الى مغامرة شبيهة بحرب تموز 2006، بالرغم من اطمئنانها الى مواقف بعض الدول العربية التي ستأتي أكثر جهرًا بالمساندة هذه المرة.

وعليه، إن حسابات الربح والخسارة في أي حرب مع لبنان لن تكون لصالح اسرائيل، والمنطقي والواقعي أن لا تلجأ اسرائيل الى الحرب، ولكن هذا لا يعني أن لا يتحسب اللبنانيون لأي جنون متفلت، ويحصّنوا وحدتهم في وجه الاسرائيلي، ويرسلوا له رسالة شديدة اللهجة بأن حلم عزل حزب الله داخليًا لن يحصل، وإن لبنان السياسي والدبلوماسي والعسكري مستعد للقتال في أيّ مواجهة قادمة، وسننتصر، وسيندم الاسرائيليون ندمًا شديدًا.