2021/02/08

هل يمكن إخضاع لبنان للوصاية الدولية والفصل السابع؟

حفلت الساحة الاعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين، بكلام من جهات متعددة المشارب السياسية، منها ما يطرح موضوع الوصاية الدولية على لبنان، ومنها ما يهدد بأن مجلس الأمن الدولي سوف يفرض حلاً في لبنان تحت الفصل السابع وغيرها.

واقعيًا، إنها ليست المرة الأولى التي تتوجه فيها أنظار اللبنانيين الى الخارج لاستجلابه أو التهديد به ضد الخصوم السياسيين، ولكن من المفيد أن نضيء على قدرة هؤلاء في ما يهددون به.

أولاً- في التهديد بوضع لبنان تحت "الوصاية الدولية"

 قبل البدء بتفنيد موضوع الوصاية، من المفيد التأكيد أن طرح "الوصاية الدولية" هو طرح سخيف وساذج، فلقد انتهى "نظام الوصاية" الدولي بشكل نهائي في العام 1994، بعدما استقلَّت جميع الدول التي كانت مشمولة بالوصاية من قبل الأمم المتحدة.

مع تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، كانت بعض الدول ما زالت خاضعة للأستعمار ولمبدأ الانتداب الذي اقرّته عصبة الأمم قبلها، لذا تمّ إنشاء نظام الوصاية الدولي (الفصل 12 و13 من ميثاق الأمم المتحدة)، للإشراف على الأقاليم المشمولة بالوصاية الموضوعة تحته، بموجب اتفاقات فردية مع الدول القائمة بإدارتها.

علماً أن ميثاق الأمم المتحدة نفسه، اقرّ في المادة 78 أن "الوصاية الدولية" تسقط بمجرد انضمام دولة إلى الأمم المتحدة، لأن مبدأ الوصاية يتناقض مع مبدأ أساسي وجوهري في الأمم المتحدة، وهو مبدأ "المساواة في السيادة بين الدول".

زد على ذلك، إنَّ مبدأ الوصاية الدولية يسقط أمام مبدأ حقّ الشّعوب في تقرير مصيرها، والَّذي يُعتبر من المبادئ الآمرة في القانون الدولي، وبالتالي إن مبدأين آمرين في العلاقات الدولية: سيادة الدولة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

من هنا، فإن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وسقوط نظام الوصاية نهائيًا باستقلال الدول المحددة التي كانت مشمولة بقرار الوصاية، يؤكدون أن طرح مبدأ "الوصاية على لبنان" لا يعدو كونه طرحاً سطحياً من غير أصحاب اختصاص، وساقط قانونياً.

ثانياً- في التهديد بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة

يندرج هذا الأمر ضمن إطارين قانوني وسياسي:

من الناحية القانونية؛ يختص الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة - كما يشير عنوانه - الى "حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان". وتحدد المادة 39 (المادة الاولى ضمن هذا الفصل)، أن على مجلس الأمن أن "يقرر ما إذا كان قد وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملاً من أعمال العدوان" قبل الانتقال الى التدابير المذكورة في المواد اللاحقة. 

هذا يعني أن مجلس الأمن لا يصدر قراراته بموجب الفصل السابع إلا في حال اتفقت الدول المعنية (الخمس الكبرى) أن القضية المرفوعة تشكّل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين أو أنها عمل من أعمال العدوان. هذا في المبدأ، علماً أن اتفاق الدول على توصيف القضية يأخذ الكثير من الأخذ والردّ السياسي والمفاوضات بين الدول الخمس الدائمة العضوية، للاتفاق على التوصيف، الذي لا يصدر إلا بعد اخذ مصالح الدول الكبرى بعين الاعتبار.

ثم، في حال تمّ الاتفاق على توصيف القضية بأنها تشكّل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، فإن المواد اللاحقة في الفصل السابع (المواد 40 و41)  تحدد آليات تدريجية غير عسكرية يمكن أن يلجأ لها مجلس الأمن (مفاوضات، قطع علاقات دبلوماسية، حصار الخ...). وإذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لم تحقق الهدف، يجوز له أن يقرر الوسائل التي تساهم في حفظ السلم والأمن الدولي، اي استخدام الخيار العسكري.

إذًا، إن الاعتقاد أن الفصل السابع يعني حكماً استخدام القوة العسكرية من قبل الدول الكبرى للتدخل في سيادة الدولة المعنية، هو مجرد خطأ شائع. علماً ان مصالح الدول الكبرى هي التي تحدد الوسيلة المعتمدة، وفي معظم الأحيان، تتحاشى الدول التدخل العسكري المباشر بواسطة جنودها وذلك لئلا تزج بهم في منطقة نزاع قد تؤدي الى كلفة عسكرية بشرية كبيرة.

من هنا، نجد أن قفز اللبنانيين السريع الى تهديد الخصوم بالآليات الدولية مع كل أزمة داخلية ، قد يكون مرده الى تجربتهم خلال فترة عام 2005، بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاها من تدخلات دولية، وقرارات بالجملة حول لبنان من مجلس الأمن ومعظمها تحت الفصل السابع...

لكن الظروف الدولية اليوم اختلفت، فلا الأميركيين قادرين على تطويع مجلس الأمن كما كانوا يفعلون عام 2005، ولم يعد الاهتمام الأميركي بلبنان كما كان حينها، ثم إن تجربتي حرب تموز 2006، وتجربة اليونيفيل والقرار 1701، وتجربة أيار 2008،  تكبح رغبة الدول الكبرى بالتدخل المباشر في لبنان.

لذلك،ِ النصيحة الى اللبنانيين: تواضعوا، وعودوا الى لبنان واتفقوا، فالخارج له مصالحه، التي تكون دائماً على حساب الشعوب والدول الضعيفة وليس لمصلحتها. 

2021/02/05

خطة بايدن اليمنية: إنقاذ الأمن القومي السعودي

 

في كلمة متوقعة، أعلن الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن أن "الحرب في اليمن يجب أن تتوقف"، مُعلنًا أن بلاده ستتوقف عن دعم أي عمليات عسكرية وصفقات أسلحة مرتبطة بالهجوم السعودي على اليمين، ومؤكداً أن ما حصل في اليمن "كارثة استراتيجية". في المقابل، أكد أن بلاده ستواصل دعمها للسعودية للدفاع عن أمنها وسيادتها ومواطنيها.

 

وكانت السعودية قد بدأت تدخلها العسكري المباشر في اليمن، أو ما أسمته عاصفة الحزم، في 25 آذار/ مارس من عام 2015،  رداً على تحقيق الحوثيين انتصارات واسعة في الداخل اليمني ودخولهم الى صنعاء بعد نشوب الاقتتال الأهلي. وأنشأت السعودية تحالفاً من عدة دول عربية أطلقت عليه اسم "التحالف العربي"، وشاركت الولايات المتحدة وبريطانيا في تقديم الدعم اللوجستي، كما شاركت العديد من الدول الغربية في بيع الاسلحة المستخدمة في تلك الحرب.

 

أدت الحرب والقصف غير المسبوق من قبل التحالف الى مجاعة ونقص في الغذاء والدواء والمواد الحيوية ومقتل أعداد كبيرة من المدنيين وخاصة الأطفال ، جعلت الأمم المتحدة تصف الوضع في اليمن بـ "أسوأ كارثة إنسانية في العصر الحديث على الاطلاق".

 

وهكذا، يمكن اعتبار أن خطة بايدن الجديدة سيكون عنوانها "إنقاذ السعودية" خاصة بعدما تبيّن أن نتائج الاستراتيجية السعودية المطبقة منذ عام 2015، والهادفة الى ضمان أمنها أدّت الى إضعاف الأمن القومي السعودي أكثر، وباتت بحاجة الى إعادة مراجعة جذرية، ويمكن أن نشير الى الفشل السعودي ارتبط بأسباب عدّة أهمها:

 

- غياب الوضوح في تعريف الأمن القومي:

 

من وجهة نظر السعودية، كان نجاح الحوثيين في السيطرة على صنعاء وعلى العديد من المناطق اليمنية، انقلاب مدعوم من إيران على حدودهم الجنوبية، وبالتالي عليهم التحرك لضمان الأمن القومي للمملكة.

 

بالتأكيد، من الناحية الأمنية والعسكرية المطلقة، يشكّل تغيّر ميزان القوى الاستراتيجي في بلد مجاور للسعودية خطر على الأمن القومي السعودي، خاصة في ظل وضع اقليمي ضاغط وتنافس محموم في الخليج على اكتساب القوة، خاصة بعدما تمّ توقيع الاتفاق النووي بين ايران والدول الست عام 2015 أيضاً.

 

وهنا، تكمن المشكلة في استخدام السعودية للتعريف التقليدي للأمن القومي، والذي ساد في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، والذي ربط الأمن القومي بالتهديد العسكري، أو كما عرّفه  والتر ليبمان (1943): تتمتع الدولة بالأمن عندما لا تضطر إلى التضحية بمصالحها المشروعة لتجنّب الحرب، وتكون قادرة على الحفاظ على مصالحها من خلال الحرب إذا شعرت بالتهديد".

 

لكن الأمن القومي بمفهومه الحديث، لم يعد يقتصر على الحروب والقوة العسكرية، بل يتمّ تعريفه بأنه مزيج متناسب من "المرونة  والنضج السياسي، والموارد البشرية، والقدرة الاقتصادية، والكفاءة التكنولوجية، والقاعدة الصناعية وتوافر الموارد الطبيعية وأخيراً القوة العسكرية" التي تؤدي الى حفظ الدولة واستقلالها ومواردها وبقاءها ونفوذها الاقليمي.

 

من هنا، فإن الأمن القومي السعودي- حتى بمعناه التقليدي- لم يتم حفظه بعد حرب اليمن. فاليوم، وبعد ست سنوات على بدء تلك الحرب، حققت الإمارات العديد من الأهداف الاستراتيجية وسيطرت على الممرات البحرية وعززت مكانتها الاقليمية، بينما لم تحقق السعودية مكاسب واضحة، فهي أنفقت مليارات الدولارات، وعرّضت سمعتها الدولية للاهتزاز بسبب المجازر التي حصلت، وتعرّض الأمن القومي السعودي للخطر الشديد بعدما استمر الحوثيون في استخدام الطائرات بدون طيارات في قصف المدن والمطارات والبنى التحتية السعودية.

 

- غياب العقلانية:

 

يؤمن العلم السياسي وعلم العلاقات الدولية أن صانع القرار في الدولة هو شخص عقلاني، أي أنه عندما يواجه أزمة ما، فإنه يجمع المعطيات الكافية حولها، ويضع البدائل المختلفة فيدرسها؛ ليختار من بينها ما هو الأقل كلفة والأكثر ربحاً.

 

في هذا الإطار، بدا صانع القرار السعودي وكأنه يؤمن بأن السياسة "لعبة صفرية" أي أنه يستطيع أن يذهب الى خيار حرب بلا نهاية إلا تحت إطار "قاتل أو مقتول".

 

علماً أنه، منذ البداية،  كان واضحاً من خلال اعتماد نظرية الخيار العقلاني، أن خيار الحرب على اليمن هو خيار مكلف مادياً وبشرياً وإنسانياً، وبالتالي كان بإمكان صانع القرار السعودي، في معرض اختيار الوسائل الأنسب للردّ على التهديدات المتأتية من الاقتتال الأهلي اليمني، ان يختار طريق الدبلوماسية ورعاية حوار يمني - يمني، كما فعل سابقاً حين رعت السعودية "المبادرة الخليجية" عام 2011، والتي أمّنت انتقال سلس للسلطة بعد الثورة على علي عبد الله صالح.

 

واقعياً، لو اختارت السعودية أن تقوم مقام "الأخ الأكبر" لليمنيين، وترعى حوار يمني - يمني يؤدي الى توزيع عادل للسلطة بين القوى اليمنية المتصارعة، وقامت بدفع جزء من الأموال الطائلة التي انفقتها في الحرب على تنمية اليمن، والاستثمار في البنى التحتية والمدارس ومساعدة اليمن اقتصادياً واجتماعياً، لاستطاعت أن تحفظ أمنها القومي التقليدي (حماية اراضيها وحدودها من التهديدات)، وأن تجعل اليمن دولة صديقة، لا بل كان من الممكن أن تجعلها دولة حليفة تدور في الفلك السعودي.

 

عسى أن تكون خطة بايدن اليوم، وتقييم الخسائر التي تكبدتها السعودية على حرب اليمن، باب لفهم أوسع للأمن القومي الخليجي، فالسلام والتعاون المتبادل يمكن أن يحقق الأمن للجميع. 

2021/02/02

أوهام "التقسيم" وأخطاء اللبنانيين التاريخية

 

تزامناً مع كل أزمة سياسية، تطل بعض الأصوات اللبنانية خاصة المسيحية لتطالب بتقسيم لبنان تحت مسمى "الفيدرالية" والتي وصلت بالبعض لتسويق خريطة المتصرفية للقول أن "لبنان الكبير فشل بحدوده وصيغته الحالية" وبالتالي على المسيحيين المطالبة بكيان أصغر والانفكاك عن الوطن "الأم".

 

واللافت أن معظم هؤلاء ينتمون الى فكر بشير الجميل، علماً أن الجميّل في بداية صعوده السياسي في القوات اللبنانية طرح فكرة "الكونتون المسيحي من كفرشيما الى المدفون"، ثم ما لبث أن تنازل عنها بعد وصوله الى رئاسة الجمهورية فنادى بـ 10452 كلم أي بلبنان الكبير بحدوده الحالية. ولقد أدّت محاولة القوات اللبنانية بعد اغتيال بشير الجميل لفرض هذا المشروع الى مآسي كبيرة دفع المسيحيون ثمنها غالياً.

 

ومع مجيء دونالد ترامب الى السلطة في الولايات المتحدة ودخول لبنان في أزمات سياسية وإقتصادية عميقة، تحمّس البعض لإعادة إحياء طروحات الفيدرالية، متكلين على خطاباته الشعبوية - اليمينية معتبرين أن الوقت حان لتطبيق الطروحات اليمينية في العالم بشكل عام، وبالتالي لا مشكلة من إعادة طرح فكرة "القومية اللبنانية" التي تجد أن لبنان الكبير كيان مصطنع غير قابل للحياة، وأن لبنان - المتصرفية، ككيان متخيّل - فيه غلبة طائفية- هو البديل الانسب لللمشاكل التي يعانيها اللبنانيون ولفشل نظامهم السياسي.

 

ولكن، المشكلة لدى هؤلاء وغيرهم، عدم الاتعاظ من التجارب، وعدم استخلاص العبر من التجارب الفاشلة لتحاشي تكرارها في المستقبل، خاصة محاولة ملاقاة التصعيد الأميركي في المنطقة الذي سرعان ما يتراجع ربطاً بالمصالح الأميركية في لبنان، ونذكر بعض الشواهد التاريخية على سبيل المثال لا الحصر:

 

- ثورة 1958:

 

مع اشتداد الصراع بين الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفياتي، أعلن الأميركيون عقيدة "الاحتواء" التي استندت الى أفكار "جورج كينان" لمحاصرة الاتحاد السوفياتي ومنع الشيوعية من الانتشار.

 

وتطبيقًا لتلك الاستراتيجية، نبّه الرئيس أيزنهاور من نظرية الدومينو، التي تعني أن وقوع أي دولة من الدول في قبضة الشيوعية، سيؤدي الى إضعاف الدول المجاورة ووقوعها هي الأخرى، ما جعله يطلق مشروعه لمنطقة الشرق الأوسط عام 1957، لسدّ الفراغ الاستراتيجي الذي تركه انحسار النفوذين البريطاني والفرنسي ولئلا يستغله السوفييت.

 

وبالطبع، كان للبنان حصته، فأيد الرئيس كميل شمعون مشورع ايزنهاور وانضم الى حلف بغداد، ما أدى الى ثورة عام 1958 دعمها الرئيس عبد الناصر.

 

لم يكن الدعم الذي قدمه الاميركيون لحليفهم اللبناني ولا العراقي كافيًا، فحصل انقلاب عسكري في العراق أطاح بالمملكة الهاشمية، وحصلت تسوية أميركية مع عبد الناصر، أوصلت العدو السياسي للرئيس شمعون، اللواء فؤاد شهاب، قائد الجيش الذي امتنع عن زج الجيش في الصراع الداخلي ولم يقمع الثورة كما أراده شمعون أن يفعل.

 

- فترة حكم أمين الجميل:

 

استغل الرئيس أمين الجميل علاقته الجيدة مع الأميركيين، لإطلاق تصعيد كلامي خلال زيارته لواشنطن، معتبراً أن "كل طلقة سورية تستهدف بيروت، سيرد عليها باستهداف دمشق"!. ردّ السوريون على ذلك الكلام بقصف بيروت، ولم يحرّك الأميركيون ساكناً، كما لم يحركوا ساكناً لحماية الجميل عند نهاية عهده، من النفي القسري الذي فرضته عليه "القوات اللبنانية".

 

- البطريرك صفير وسمير جعجع:

 

بعد انتهاء عهد أمين الجميل وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة قائد الجيش العماد ميشال عون، بادر الأميركيون والسعوديون باتجاه البطريرك الماروني نصرالله صفير، ووعدوه باختيار رئيس جمهورية من بين لائحة مرشحين يختارهم بنفسه. لكنهم لم يفوا بوعدهم.

 

لكن هذا الخذلان، لم يمنع صفير من المساهمة في إضعاف ميشال عون والسير بمشروع "اتفاق الطائف" الذي قلّص صلاحيات الرئيس المسيحي في النظام وحوّل صلاحياته الى رئيس الوزراء والحكومة مجتمعة. كما لم يمنع قائد القوات اللبنانية سمير جعجع من التحرك، بعد دعوة السفير الأميركي جون مكارثي له - خلال زيارته لإهدن- " للوفاء بوعده والتحرك ضد الجنرال ميشال عون". وبالرغم من تلك المساهمات في إسقاط حركة ميشال عون عام 1990، غضّ الأميركيون النظر عن سجن جعجع خلال عهد الهراوي.

 

- 7 ايار 2008:

 

خلال عهد جورج بوش الأبن، وفي عزّ استراتيجيته لتغيير وجه منطقة الشرق الأوسط، قام السفير الأميركي جيفري فيلتمان بتقديم الدعم اللوجستى والعسكري والتدريبي والتمويلي لبعض المجموعات والأحزاب اللبنانية لمواجهة حزب الله، كما كشفت وثائق ويكليكس.

 

وبنتيجة التصعيد الذي قام به الوزير وليد جنبلاط، والذي أعقبه قرارات حكومية أقرّتها حكومة السنيورة ضد شبكة اتصالات حزب الله، في 5 ايار 2008، حصلت أحداث 7 ايار 2008، واستطاع حزب الله أن يسيطر على الوضع الميداني في فترة قصيرة جداً... وكان أن اكتفت الإدارة الأميركية ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس بإصدار "بيان إدانة" ودعوة تيار المستقبل والوزير جنبلاط للذهاب الى تسوية في الدوحة.

 

إذًا، هي أمثلة تشير الى أن الدول الكبرى لا تسعى إلا لتحقيق مصالحها، وأنها سرعان ما ستتخلى عن حليف ضعيف، لم يستطع فرض قوته على الأرض، لتعقد تفاهمات مع أخصامه الأقوياء.

 

من هنا، فإن بعض اللبنانيين، الذي اعتقدوا أنهم قد يحصلون على دعم إدارة ترامب في المنطقة، لتحقيق أحلام الانفصال والكونتونات الطائفية والمذهبية - التي تخدم الفكرة الاسرائيلية حول "يهودية الدولة" وعدم امكانية التعايش من ضمن التعددية - لا يفهمون الجغرافيا ولا الجيوبوليتيك ولا يتقنون الاستفادة من عبر التاريخ.

 

فها هي إدارة ترامب قد رحلت، ورحل معها مشروعها للمنطقة، ليحلّ مكانها إدارة جديدة ترفع شعار " تعزيز التعددية الحضارية" ومكافحة "التمييز العنصري"، وبالتالي، لن يكون هناك مكان للطروحات التقسيمية اللبنانية خلال السنوات الأربع القادمة. لكن، وكما تشير التجارب، من المتوقع أن تعود لتظهر بالتزامن مع المشاكل السياسية الداخلية وفي ظل إطارٍ دولي وإقليمي مساعد. 

2021/02/01

الحريرية السياسية: تجارب الصعود والهبوط

 

ليلى نقولا

 

مع كل تغيير اقليمي أو دولي، ومع تبدل كل إدارة أميركية، يندفع اللبنانيون لوضع بلدهم ساحة رسائل، معتقدين أن تبرعهم بمهمة إيصال الرسائل والتفاعل مع التطورات، سيمكّنهم من هزيمة خصومهم في الداخل والربح عليه والاستيلاء على السلطة او التحكم بالقرارات الداخلية، ولا تنفصل تجربة "الحريرية السياسية" عن هذا الإطار، حيث تتأثر قدرتها وقوتها بحسب الظروف الاقليمية والدولية، ونذكر في ما يلي بعض الشواهد التواريخية:

 

1- عام 1990، تأثر لبنان والعالم بالتغييرات غير المسبوقة التي حصلت بسقوط الاتحاد السوفياتي، فكان من سوء حظ اللبنانيين، دخول صدام حسين الى الكويت واحتلالها، الأمر الذي دفع الاميركيين الى استصدار قرارات من مجلس الأمن لتحرير  الكويت، ثم إقامة تحالف عسكري هدفه تحرير الكويت وإخراج القوات العراقية بالقوة.

 

في تلك اللحظة المصيرية، انخرط الرئيس السوري حافظ الأسد في التحالف الدولي لتحرير الكويت، فكان أن أطلق الأميركيون يده في لبنان، وحصلت تسوية "الطائف" التي وزّعت السيطرة على لبنان بين سوريا والسعودية بواسطة رجلها الأقوى في لبنان رفيق الحريري. واستمرت السيطرة المشتركة تحت عنوان "الحريرية السياسية" حتى عام 2005، تاريخ اغتيال الحريري الأب. 

 

2- عام 2011، وفي عزّ الاندفاعة الأميركية في المنطقة لدعم ما سمي "الربيع العربي"، والذي بدا واضحاً بأنه مشروع كان يهدف الى الاطاحة بحلفاء المملكة العربية السعودية من أركان "النظام الرسمي العربي"، وإحلال قوى الاسلام السياسي الاخواني مكانهم.

 

تفاعل لبنان داخلياً مع الموجة التي أطلقت عليها ايران اسم "الصحوة الاسلامية"، وتمّت إقالة سعد الحريري، الذي كان يعتبر الحليف الأقوى للسعودية في لبنان، باستقالة  ثلث وزراء حكومته وهو على أهبة الدخول للقاء الرئيس الأميركي باراك أوباما.

 

3- عام 2017، وبعد تغيّر الإدارة الأميركية ورحيل أوباما ومجيء ترامب الذي أطلق استراتيجيته للمنطقة التي تعتمد على سياسة الضغوط القصوى على إيران وحلفائها، وإعطاء الضوء الأخضر للمملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد محمد بن سلمان لتنفيذ أجندة طموحة في الداخل وفي المنطقة.

 

وكان من سوء حظ سعد الحريري، أن علاقته لم تكن جيدة، بل متوترة، مع القيادة الجديدة في المملكة، فكان أن تمّ استدعاؤه في تشرين االثاني من عام 2017، وإجباره على الاستقالة ببيان يتهم فيه ايران وحزب الله بالسيطرة على لبنان ومحاولة اغتياله، الأمر الذي كان من المفترض أن يؤدي الى مشاكل داخلية في لبنان، لولا حكمة الرئيس عون، الذي ماطل في قبول الاستقالة، لكسب الوقت للقيام بالاتصالات الدولية التي أدّت في النهاية الى الافراج عن الحريري وعودته الى لبنان.

 

- 17 تشرين الاول 2019:

 

اندلعت التظاهرات في لبنان على وقع التردي الاقتصادي والاجتماعي، الذي تفاقم على أثر تهديد وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو قبل أشهر بأيام صعبة. استغل الرئيس سعد الحريري التظاهرات ليستقيل وينقلب على التسوية الرئاسية التي أتت به الى السلطة، وهو الأمر المطلوب منه إقليمياً وأميركيًا.

 

اعتقد الحريري ان خروجه على وقع التظاهرات، سيعيده على حصان أبيض بعدما يتخلص من شريكه في التسوية جبران باسيل، لكن الأمور لم تجرِ كما يشتهي.

 

- اليوم:

 

بعد رحيل ترامب، يقف الحريري رئيسًا مكلّفاً غير قادر على تأليف حكومة ترضي الداخل والخارج معاً، فلا هو قادر على تخطي لاءات رئيس الجمهورية الشريك في التأليف، ولا هو قادر على السير بحكومة لا ترضي الكتل النيابية، ولا هو قادر على السير عكس إرادة القوى الاقليمية التي تضغط لتشكيل حكومة بدون حزب الله والتيار الوطني الحر.

 

وهكذا، انفجرت الرسائل الاقليمية الدموية في طرابلس، والتي من المفترض أنها ستدفع الجميع للذهاب الى تسوية، لا شكّ ستكون نتيجتها مشابهة لموازين القوى على الارض، فعادة ما تكون نتيجة المفاوضات أو التسويات مشابهة لموازين القوى على الارض، وهي ليست في صالح سعد الحريري بدون شك.

 

2021/01/26

ناخبو ترامب 74 مليوناً: مَن هم ؟



استلم جو بايدن السّلطة كرئيس للولايات المتحدة الأميركيّة، وأعلن أنَّ مهمته الأولى هي توحيد الولايات المتحدة الأميركية بعد أن شهدت انقساماً غير مسبوق عزّزه ترامب بسياساته الشعبوية التقسيمية وخطاباته الحادة والاتهامات التي ساقها حتى آخر يوم من عهده بأنَّ الانتخابات مزوّرة.

 

ولعلَّ ما يعزز قلق الديموقراطيين من عدم قدرة بايدن على الوفاء بعهده ومصالحة المجتمع الأميركي وتوحيده، هو وجود "الظاهرة الترامبية" التي استطاعت أن تفرض وجودها في المجتمع الأميركي، بدليل أنَّ الرئيس ترامب عزَّز أصواته الانتخابيّة، وحصد حوالى 74 مليون صوت في العام 2020، في تقدم واضح بحوالى 11 مليون صوت إضافيّ عن انتخابات العام 2016.

 

ولمعرفة مدى صواب هذا القلق الديموقراطي الأميركي، يجب تشريح القاعدة الانتخابية التي انتخبت دونالد ترامب وأعطته عشرات الملايين من الأصوات، فمن هم هؤلاء؟

 

- حزب الشاي

هو حركة شعبوية محافظة نشأت من رحم الحزب الجمهوري في العام 2009، بعد تولي أوباما رئاسة الولايات المتحدة الأميركية. أطلق أعضاؤها على أنفسهم اسم "حزب الشاي" تيمّناً بالحركة التي نشأت في العام 1773، حين اعترض الأميركيون على دفع الضرائب لبريطانيا من دون تمثيل، من خلال رمي الشاي البريطاني الموجود في السفن الراسية في الميناء، والذي أدى في ما بعد إلى حركة أوسع أدّت إلى استقلال أميركا عن العرش البريطاني.

 

من أبرز رموز هذا الحزب سارة بالين ورون بول وتيد كروز وغيرهم. حارب هؤلاء خطّة أوباما للضمان الصحّي الشامل، وتبنّوا أفكاراً راديكالية محافظة على "يمين" الحزب الجمهوري، وهم ينادون، شأنهم شأن معظم المحافظين، بتشديد سياسات الهجرة، وإقرار قوانين ضد الإجهاض، وتقليص التدخل الحكومي، وزيادة موازنة الجيش الأميركي. بالنسبة إلى السياسة الخارجيّة، يؤمن هؤلاء بـ"الاستثنائية الأميركية"، ويدعون إلى خفض المساعدات الخارجية وتخفيف انخراط أميركا العسكري في الخارج.

 

لا شكّ في أنَّ ترامب عرف كيف يجسّد هذه الأفكار، فتحدَّث عن عظمة أميركا واستثنائيّتها، ولاحظنا أنّه - على الرغم من جائحة كورونا والحاجة إلى الضمان الصحّي الشامل - استمرَّ بمهاجمة خطّة أوباما الصحّية من دون تقديم بديل لها، كما خفض المساعدات الخارجية وقرّر سحب الجنود الأميركيين من مناطق النزاع.

 

وهكذا، يبدو أنَّ حزب الشاي الّذي تراجع الحديث عنه في العام 2012، والذي يشير العديد من الباحثين إلى أنَّ أفكاره خيّمت بشكل عام على كامل الحزب الجمهوري في العام 2019، تحوّل إلى "جماعة ترامب" أو "طائفة ترامب الخاصة"، كما يصفها العديد من المحللين الأميركيين.

 

- الكنائس الإنجيليّة

لا شكّ في أنَّ ترامب خدم الكنائس الإنجيلية ومؤيّديها بشكل خاص. في السياسات الداخلية، عيّن قضاة محافظين وحاول تمرير قوانين محافظة... أما في السياسة الخارجية، فقد قام بتحقيق النبوءات التوراتية التي يؤمن بها هؤلاء بخصوص قيام "إسرائيل" التي تمهّد - في رأيهم - لعودة المسيح مرة أخرى.

 

- أنصار اليمين الشّعبوي

من الأسباب الأخرى المحفّزة للتصويت الانتخابي، خطابات اليمين الشعبوي التي اعتمدها ترامب، والتي خاطبت غرائز كثر من مختلف المجموعات العرقية.

 

لا شكّ في أنَّ العديد من الأميركيين والمواطنين حول العالم تأثّروا بشكل أو بآخر بعولمة الاقتصاد وانفتاح الحدود، وباتوا يشعرون بالتهميش والاغتراب في مجتمعاتهم، وباتوا أكثر قلقاً من الناحية الاقتصادية والثقافية – الهوياتية. لذا، باتوا أكثر انجذاباً وتأثراً بخطابات اليمين الشعبوي في الغرب بشكل عام.

 

وهكذا، حصد ترامب أصوات الّذين دغدغت عواطفهم وغرائزهم مهاجمته لما أسماه "اليسار الراديكالي"، وسياساته العنصريّة، وتلك المناهضة للهجرة والداعية إلى بناء جدار مع المكسيك، وتعابيره التي تنطوي على كره الآخرين، والأهم بالنّسبة إلى العديد من هؤلاء أنهم ضاقوا ذرعاً بادّعاءات التفوق الأخلاقي، وخصوصاً من جانب النخب الليبرالية في الغرب، التي تعتبر أنها تملك "الحقيقة السياسية المقبولة" (political correctness).

 

- المدفوعون بالهمّ الاقتصاديّ

لا شكّ في أنَّ جائحة كورونا ضربت الاقتصاد الأميركيّ بشكل لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن الاتّهامات التي تساق ضد ترامب من قبل الديموقراطيين بأنَّ الكارثة الاقتصادية مردّها عدم تعامله بشكل صحيح مع الجائحة، لم تجد لها صدى لدى مؤيّديه الذين يعتبرون أن دعوته لفتح الاقتصاد كانت كافية لتخفيف الأزمة، وأن إغلاق الأسواق وفرض الحجر الإلزامي كانا السّبب في الانهيار الاقتصاديّ.

 

- المدفوعون بالخوف من خسارة الوظائف

اعتمد ترامب في سياساته فرض عودة الشركات إلى العمل في الولايات المتحدة، ما يؤدي إلى انخفاض مستوى البطالة في الداخل. ولا شكّ في أنَّ هذا الأمر ساعد الكثير من العمال الأميركيين قبل الجائحة.

 

من ضمن هذه الفئة أيضاً، حصد ترامب أصوات معظم من يسكنون في المناطق التي تكثر فيها الحقول النفطية والبتروكيمائية، والتي تتسبّب بالتلوث البيئي فيها. ونلاحظ أنَّ الخوف من خسارة الوظائف في تلك المناطق كان الهاجس الأكبر الذي دفع البيض والملوّنين والمواطنين من أصول لاتينيّة إلى التصويت لترامب، بسبب وعده بالإبقاء على تلك الوظائف وخروجه من اتفاقيات المناخ التي اعتبرها مضرّة بالوظائف والشركات الأميركيّة.

 

 إذاً، نستنتج أنَّ التركيبة السكّانية للمصوّتين لدونالد ترامب متنوّعة ومعقّدة، وفيها نسب كبيرة من الرجال البيض غير الحاصلين على تعليم جامعي، والمحافظين، وسكّان الأرياف، وذوي الأصول الإسبانية الذين يكرهون الأفكار الاشتراكية، والجماعات الإنجيلية، ورجال الأعمال والأثرياء الذين لا يريدون دفع الضرائب، والعمال...

 

وبناءً عليه، استطاعت الظّاهرة الترامبيّة أن تتغلغل في المجتمع الأميركيّ، ويبدو أنّها ستبقى لبعض الوقت. لذا، من المنطقي أن نجد استمرار الحزب الديموقراطي بمحاولة محاكمة ترامب في الكونغرس، على الرغم من خروجه من السلطة، وذلك لمنعه من إمكانية شغل أيّ منصب عام في المستقبل، ومنعه أيضاً من المشاركة في السباق الرئاسي في العام 2024. 

2021/01/25

لبنان: "الشعبوية" من الثورة الى الأحزاب

تاريخيًا، بدأت الظواهر "الشعبوية" في العالم كنتيجة لفقدان الثقة بالطبقات الحاكمة، وبدأت تبرز مجموعات داخلية سياسية تعلن أنها تتكلم باسم "الشعب" ضد النخب السياسية.

بهذا المعنى التقليدي كان للموجات الشعبوية التي نشأت في منتصف القرن التاسع عشر مثلاً في روسيا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية والتي أرادت أن تدعم الفلاحين وسواهم من الطبقات الشعبية تأثير على السياسة الداخلية وعلى تطور أسس الديمقراطية في تلك البلدان.

لكن الحركات الشعبوية في العالم اليوم، باتت تأخذ اتجاهات مختلفة عما انطلقت عليه تلك الموجات التاريخية، فصرنا نجد:

-  "الشعبوية اليمينية" التي عمّت أنحاء أوروبا والولايات المتحدة الأميركية والتي تعاظمت قوتها بعد مجيء ترامب الى البيت الأبيض عام 2016، وتزامن معها خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، وصعود الأحزاب اليمينية في نختلف أنحاء أوروبا. وهذه تركّز على العوامل الثقافية وعلى صراع الهويات، وتهاجم المهاجرين والفئات الثقافية الأخرى.

- "الشعبوية اليسارية" التي انتشرت في أنحاء أميركا اللاتينية مع هيغو شافيز وغيره، وهي تركّز على الشق الاقتصادي وتدعو الى تغيير السياسات الاقتصادية النيوليبرالية. هذه تجد تجلياتها اليوم في العديد من الجمعيات التي تنادي بمسار مختلف للعولمة النيوليبرالية التي سحقت الطبقات الفقيرة والمتوسطة، والتي - برأيهم- أدّت الى موجة اغتراب في العالم خاصة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008.

وللمفارقة، بقي تأثير الشعبوية اليسارية مضبوطاً في الحيز الجغرافي العالمي، بينما كان لليمين الشعبوي في الغرب تأثير كبير، بدّل في وجه العالم خاصة بعد مجيء ترامب بسياساته العنصرية تجاه الآخرين متل السود والمسلمين ودول أفريقيا، واعتماده فكرة تفوّق العرق الأبيض في الداخل الأميركي وغيرها...

كيف يتصرف الشعبويون بشكل عام؟

بالرغم من التباين الايديولوجي بينهم، يؤمن الشعبويون من جميع الفئات (اليمينية واليسارية) أنهم "فئة مختارة" من البشر، وأنهم يتمتعون بالوعي والحنكة والبصيرة أكثر من غيرهم. ويصوّر هؤلاء أنفسهم أنه "المنقذ" من شرور ومصير أسود ينتظر الشعب.

كما يقومون عادة باستغلال أي أزمة للتصويب على السياسات المتبعة وعلى النخب التقليدية لإعلان فشلها، وهذا طبيعي جداً فلولا فشل السياسات السابقة في حلّ المشاكل لما ذهب الناس الى خيارات شعبوية، وللانجرار وراء أشخاص يعرفون كيف يخاطبون وجعهم وغرائزهم.

ويقوم الشعبويون بشكل عام باستخدام اسلوب البذاءة في التعبير والانحطاط في التخاطب السياسي والتنمّر واتهام الخصوم بالخيانة وبأقذع العبارات ويمارسون الكذب في السياسة بدون خجل.... فنجد مثلاً ترامب والرئيس الفليبيني والرئيس البرازيلي يستخدمون عبارات غير دبلوماسية وغير مألوفة عادة في السياسة العالمية، ويروجون لنظريات المؤامرة، ويتنمّر ترامب على هيلاري كلينتون وجو بايدن، ويقوم بتقليد أحد الأشخاص من ذوي الاعاقة الجسدية لإضحاك الجمهور! الخ....

من هنا، نجد أن انتفاضة 17 تشرين عام 2019، اعتمدت بشكل كبير على الأساليب "الشعبوية"، فأعلنت نفسها ضد النخبة السياسية كلها (كلن يعني كلن)، وأنها تتمتع بحس عالٍ من الفهم والوعي بينما مناصرو الأحزاب مجموعة من "الغنم والعبيد"، ولم تتوانَ عن استخدام تعابير سوقية تجاه الخصوم، ومن منا لا يذكر أغنية "هيلا هو"، والتعابير التي تعيّر رئيس الجمهورية بعمره وغير ذلك من الأساليب المعروفة تماماً والمستخدمة من قبل الشعبويين في أنحاء العالم.

قبل تلك الانتفاضة وبعدها، وفي فترة الانتخابات النيابية عام 2018، استخدم رئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميل استراتيجية شعبوية، وأعلن حزبه "ضد المنظومة الحاكمة بأكملها" بالرغم من انتمائه لعائلة سياسية بامتياز، وأن حزب الكتائب شارك في السلطة منذ عقود طويلة.وكما سامي الجميل، برز العديد من الوجوه الجديدة التي أعلنت أنها تترشح ضد الطبقة الحاكمة بأكملها في الانتخابات.

لكن، بعد انتفاضة تشرين، والشهرة التي حققتها باستخدام الاساليب الشعبوية، امتدت هذه الظاهرة الى العديد من الأحزاب، التي سوّقت أنها ضد المنظومة الفاسدة (كلهم ما عدا نحنا)، وأنها "صنف مختلف" أرقى وأفضل من الآخرين وأن "وجودهم في السلطة كان للخدمة العامة ومختلف عن وجود الآخرين"، وبات المحازبون على منصات التواصل الاجتماعي آداة للابتذال السياسي والشتائم التي تطلق على الآخرين، واستخدام الألفاظ السوقية ضد كل معارض للرأي، أو منتقد أو أي حزبي من الأحزاب الأخرى.

إذاً، كما في كل لحظة تاريخية، ومع ارتفاع الشعبوية في العالم، ارتفع منسوب الشعبوية في لبنان، وانتقلت من سياسييين وأفراد شعبويين الى أحزاب ومجموعات شعبوية شاملة. فهل نشهد انحساراً لهذا المدّ الشعبوي في لبنان برحيل ترامب الشعبوي وقدوم بايدن التقليدي؟ 

2021/01/20

ترامب يغادر: بداية الدراما وليس نهايتها


 

يغادر الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب البيت الأبيض ليعيش في فلوريدا، معلناً أنه لن يحضر تنصيب جو بايدن، ولن يسلّم الحقيبة النووية. يرحل، بالرغم من عدم إقراره بالهزيمة التي تعرّض لها في الانتخابات، معتبراً أنه تمّ الغدر به بنتيجة التزوير.

 

مخطئ من يعتقد أن رحيل الرجل في 20 كانون الثاني/ يناير 2021، هو نهاية صناعة "الدراما" التي يتقنها بشكل جيد، نتيجة عمله السابق في "تلفزيون الواقع"، ونتوقع أن ترامب - الذي يشعر بالخذلان والمرارة- سيتحوّل الى الداخل الأميركي لحاول تقويض أسس المؤسسة الحاكمة، ويمكن توقع ما يلي:

 

- فرط الحزب الجمهوري:

 

لا شكّ أن علاقة الحزب الجمهوري بترامب، يمكن وصفها تماماً بوقائع قصة "ماري شيللي" الشهيرة؛ بعنوان "فرانكنشتاين" عام 1818.

 

تدور أحداث القصة في إلمانيا، حيث يقوم شاب جامعي اسمه فيكتور فرانكشتاين، بخلق "مسخ"  بشع جداً، هائل الحجم، تدّب فيه الحياة فجأة فيهرب من مختبر الجامعة. وتبدأ مآسي فرانكشتاين، حيث يقتل المسخ أخاه، ويتم اتهام المربية بقتله فتدخل الى السجن. ثم تزداد خطورة المسخ حين يتعلم القراءة والكتابة، فيطلب من فرانكشتاين أن يصنع له زوجة، يقبل فرانكشتاين ثم يتراجع خوفاً. يغضب المسخ فتبدأ مرحلة القتل المتسلسل... حتى مقتل فرانكشتاين نفسه.

 

العبرة التي يمكن أخذها من الرواية، أن مسخ فرانكشتاين حقود لا يعرف الرحمة ولا الصفح، ولا يحفظ لصانعه فضل أنّه أوجده، ولا يتواني عن أن ينقضّ عليه ليدمر له حياته وحياة من يحب. ويمكن التوقع أن هذا ما سيكون عليه مصير الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية، الذي قوّى الظاهرة الترامبية الشعبوية،  لتصل الى وقت تبتلع الحزب بأكمله، أو ستقوم بتفتيت الحزب من الداخل، وستقسمه إذا قرر ترامب تأسيس حزب جديد.

 

- تأسيس حزب جديد:

 

لا شكّ أن الأعداد الكبيرة التي حصل عليها ترامب في الانتخابات (ما يزيد على سبعين مليون ناخب أميركي) ليست كلها "ترامبية" الهوى، بل إن كثيرين صوتوا له كمرشح للحزب الجمهوري، ومنهم من صوّت لسياساته كرئيس حول البيئة والنفط الصخري وغيره.

 

لكن، "الغزوة" التي قام بها أنصار ترامب، والحماس الذي تشهده وسائل التواصل وغيرها، تشير الى أن "الترامبية" ظاهرة وُجدت لتبقى (أقلّه على المدى القصير)، وأن فترة بايدن الأولى، والانتخابات النصفية للكونغرس التي ستحصل بعد سنتين، ستكون مليئة بعدم الاستقرار، وقد يكون لترامب مرشحوه خارج إطار مرشحي الحزب الجمهوري.

 

تزدهر الظاهرة الترامبية بين فئات كبيرة من الأميركيين الذين يشعرون بالغضب تجاه الطبقة السياسية الحاكمة، ويعتبرون أن الحكومة قد خذلتهم، والاقتصاد خذلهم وقد تمّ تهميشهم على مدى عقود... لهؤلاء، يشكّل ترامب "الإله المنقذ" الذي أعلن عن نفسه بأنه آتٍ من خارج هذه السلطة التقليدية، ويؤمن انصاره أنه يتعرض للظلم من هذه المؤسسة الحاكمة وإعلامها. وبالتالي، سيجمع حزب ترامب الشعبوي كل من القوميين العنصريين، والمهمشين البيض من الأرياف وغير المتعلمين الخ.

 

وهكذا، قد يستفيد الحزب الديمقراطي من الشرذمة التي سيعانيها الحزب الجمهوري، لكن المجتمع الأميركي سيواجه مشاكل داخلية مرتبطة بقدرة ترامب على بثّ الانقسام أكثر فأكثر وإثارة الغرائز، وتحفيز الغضب الشعبي على المؤسسة الحاكمة.

 

ما العمل؟

 

يمكن أن يقوم القضاء الأميركي بمساءلة ترامب حول قضايا التهرب الضريبي، وعن تحريض المتظاهرين للدخول الى الكونغرس والاتهام بالتسبب بالقتل، وبالتالي أما يُسجن أو يتم إقامة "صفقة قضائية" معه تقضي بعدم ممارسته هو أو أولاده أي عمل سياسي.

 

في الحالة الأولى، سيستغل ترامب وأولاده ومناصروه القضية ليتحدثوا عن "مظلومية" سياسية، وبالتالي قد يتحول ترامب الى ظاهرة أكثر خطراً، خاصة إذا ما قامت ابنته ايفانكا بممارسة العمل السياسي والترشح الى الانتخابات متكلة على أصوات انصار والدها. وتبقى الحالة الثانية أقل خطورة، خاصة إذا ما اراد بايدن فعلياً تخفيف الاحتقان والانقسام الداخلي.

 

في الخلاصة، إن الظاهرة الترامبية التي أتت الى السلطة بسبب أخطاء المؤسسة السياسية الحاكمة، والتي استطاعت أن ترسّخ نفسها خلال أربع سنوات من حكم ترامب، ستسبب المتاعب للإدارة الأميركية، وستحتاج الى بعض الوقت للتخلص من آثارها، إن أحسنت المؤسسة الحاكمة التصرف، وتفرغت للداخل قبل انطلاقها لاحتواء خطر الصعود الصيني والروسي في العالم.