2020/09/21

أخطأ الفرنسيون...


تراجع التفاؤل في لبنان بأن تسير الحكومة اللبنانية والخطة الفرنسية كما كان مرسوم لها، أي وفق أجندة سياسية واضحة وضمن مهلة زمنية معقولة، بعدما وضع رؤساء الحكومة السابقين السابقين الألغام في وجه مصطفى أديب، حتى بات من الأسهل له أن يعتذر على أن يسير في طريق معبّد بالألغام من اللحظة الأولى.

ويقف لبنان اليوم متفرجًا على خطاب طائفي متشنج، زاده البطريرك الراعي حدّة بعدما ألقى عظة سياسية صبّت الزيت على النار، ودفعت المراجع الدينية الشيعية الى الردّ، محوّلاً الموضوع الى اشتباك طائفي اسلامي مسيحي، بينما هو في الاصل مشكلة سياسية اسلامية اسلامية.

وأمام هذه العقد المفتعلة، يبدو أن المبادرة الفرنسية تترنح بدون أن تسقط، لكن الأكيد أن الفرنسيين قد أخطأوا في مقاربتهم وطريقة تعاملهم، وذلك على الشكل التالي:

- أخطأ الفرنسيون عندما تركوا أديب فريسة سهلة في يد نادي ما يسمى رؤساء الحكومات السابقين، وتركوا مهمة التأليف الى هؤلاء الذين مارسوا الكيدية السياسية والاقصاء للمكوّنات اللبنانية الأخرى والكتل النيابية التي سمّت أديب أيضاً.

كان على الفرنسيين التأكيد على أديب ضرورة التشاور مع الكتل النيابية التي سمّته وبالأخص مع رئيس الجمهورية الذي ينصّ الدستور على اشتراكه مع الرئيس المكّلف في تأليف الحكومة. ما قام به الفرنسيون، من ترك الأمر بيد السنيورة والحريري والميقاتي وسلام، أوحى وكأن المبادرة الفرنسية وصفة لإقصاء الغالبية النيابية من السلطة، تحت ضغط التهديد بالعقوبات والانهيار الاقتصادي، وأتت لتحقق ما عجز عنه الانقلاب في الشارع والضغوط الأميركية القصوى على لبنان.

- أخطأ الفرنسيون، حين لم يقرأوا في التاريخ اللبناني الحديث، عن مسيرة فؤاد السنيورة في الحكم، حين أقصى طائفة بأكملها وتستّر بعباءة المفتي، وأعطى وعوداً بنزع سلاح حزب الله الى كوندوليزا رايس، وتآمر على المقاومة خلال الحرب الاسرائيلية على لبنان عام 2006، وتسبب باحتقان مذهبي أدى الى حوادث السابع من أيار 2008. وأخطأوا حين سلموا امرهم للميقاتي الذي سكت على الصراع المذهبي في عرسال وغطاه، وغطى بعباءته التكفيريين في طرابلس.

- أخطأ الفرنسيون حين اعتقدوا بقدرة سعد الحريري على إنضاج الحل السياسي، وهو الغارق في مشاكل داخل بيته، تطورت الى إطلاق نار ومقتل شاب في الطريق الجديدة منذ أسبوعين، وهو الغارق في صراع مذهبي يتصاعد بين الفينة والأخرى اشتباكات على خطوط التماس بين السنّة والشيعة في العاصمة، وهو المنقلب على شركائه في السلطة بعد 17 تشرين، والذي اعتكف "حرداً" فأدخل البلاد في مجهول أمني كاد يتسبب بحرب أهلية لولا ضبط النفس الذي مارسه الثنائي الشيعي مراراً خاصة بعد قطع طريق الجنوب مراراً من قبل المحتجين.

- أخطأ الفرنسيون حين اعتقدوا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومعه السعودية، سيدركون خطورة انفلات الساحة اللبنانية وتركها للفراغ، وخطورة التغلغل التركي في الشمال اللبناني على المصالح الاوروبية والغربية في المنطقة. الأول، أي ترامب، لا يبدو معنياً سوى بانتخاباته، وهو بالأساس لا يكترث كثيراً إن أدّت عقوباته وضغوطه القصوى الى إدخال المنطقة في الفوضى، فهو يرغب الرحيل منها بكل الأحوال. أما السعودية، فيبدو أنها - ومنذ استلام ولي العهد الجديد - تمارس سياسة صفرية، وغير معنية بتدوير الزوايا للربح على المدى الطويل، بدليل حرب اليمن، وحرب النفط مع بوتين، والحرد في لبنان وسواها. 

2020/09/15

هل تقبل سوريا بالتسوية الجزئية التي يطلبها الروس؟

 

لا شكّ أن زيارة الوفد الروسي الرفيع المستوى الى سوريا الأسبوع الماضي، برئاسة نائب رئيس الوزراء الروسي يوري بورسيف، وبحضور وزير الخارجية سيرغي لافروف بالإضافة الى عدد من المسؤولين السياسيين والاقتصاديين، شكّلت علامة سياسية فارقة في المشهد السوري بعد انقطاع دام لمدة ثماني سنوات، أي منذ عام 2012.

 

واقعياً، وبالرغم من الحضور العسكري الروسي في الميدان السوري، وزيارات رئاسية روسية متكررة لروسيا، توقفت زيارات الوفود الروسية الى سوريا بعيد صدور بيان جنيف واحد (2012) الذي حدد نوعاً من خارطة الطريق لمرحلة "انتقالية" في سوريا، قاربتها كل من المعارضة والحكومة السورية وداعموهم بطرق متباينة.

 

واليوم، وبعد التغيرات الميدانية الكبيرة التي حصلت والتدخل العسكري الروسي المباشر في الميدان السوري، وإنكفاء الدور العسكري الأميركي في الجغرافيا السورية، وتركيز الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هدف وحيد هو " استغلال النفط"، يمكن قراءة الزيارة الروسية من خلال مقاربة  غير عسكرية، تبدو على الشكل التالي:

 

أولاً، إن تركيبة الوفد الروسي تشي بأن الروس يراهنون على الحصول على مزيد من الاستثمارات في مجالات الاقتصاد والطاقة والتجارة والثقافة والتعليم الخ.. وكما استفاد الروس من حضورهم العسكري في الميدان السوري، ومن ترتيبات وتفاهمات استطاعوا ترتيبها لتحرير 75 بالمئة من الجغرافيا السورية وإعادتها الى كنف الدولة السورية، يبدو أن الحضور الروسي سيكون متزايداً في مجالات أخرى حين تنتفي الحاجة للعمليات العسكرية ( مع بقاء القواعد العسكرية الروسية لإقامة توازن قوى في شرق المتوسط).

 

ثانياً؛ يتمنى الروس أن يحققوا تسوية - ولو جزئية- في سوريا  قبل رحيل دونالد ترامب من البيت الأبيض. يدرك الروس أن عودة ترامب في ولاية ثانية ستحرره من قيود كثيرة كان يخشاها في ولايته الاولى نؤثر على طموحه للتجديد، ومنها الضغوط حول تقديم تنازلات الى الروس في ملف سوريا، وبالتالي من مصلحتهم فوزه وإقامة تسوية شاملة معه، تعطيهم اليد الطولى في كل من سوريا وأوروبا الشرقية.  لكن في حال رحيل ترامب ومجيء جو بايدن، فإن الإدارة الأميركية ستسعى الى تطبيق سياسة شبيهة بسياسة أوباما، ما يعني مزيداً من الضغوط على الروس في ميادين عدّة، ومنها سوريا التي نفذّ فيها أوباما  "استراتيجية الاستنزاف" لمحاولة إغراق الروس في المستنقع الروسي ( بالرغم من أنها لم تنجح).

 

أما التسوية الجزئية التي يتمنى الروس حصولها قبيل الانتخابات الأميركية أو على الأقل قبل 20 كانون الثاني 2021 موعد التسلم والتسليم في البيت الأبيض، فتقضي ببقاء التواجد العسكري الروسي، زانسحاب كافة الجيوش الأجنبية من الجغرافيا السورية، بما فيها الأميركية والإيرانية. وكان المبعوث الأميركي ومسؤول الملف السوري في الإدارة الأميركية جيمس جيفري، قد دعا في أيار الماضي الى خروج جميع القوات الأجنبية التي لم تكن موجودة قبل 2011 بما فيها التركية والإيرانية والأميركية عدا الروسية.

 

وهذا ما يطمح إليه الروس قبل رحيل ترامب، وقد سرّبت بعض وسائل الاعلام عن طلب بهذا الشأن تقدم به لافروف الى الرئيس السوري بشار الأسد، يقضي بإنسحاب الإيرانيين وحلفائهم من سوريا مقابل انسحاب أميركي من الشرق السوري.

 

قد يكون في هذا الطرح بعض الربح المياداني للدولة السورية، لكن الواقعية السياسية والخبرة الميدانية والسياسية وتباين المصالح الدولية ودروس التاريخ التي تشي بأن الدول الكبرى عادة ما تضحي بحلفائها حين تنتهي مهمتهم، تفترض أن لا تفرّط القيادة السورية بأي من حلفائها في هذا الوقت بالذات، أولاً للحاجة للتحرير العسكري في ظل وجود أجزاء من الجغرافيا السورية خارج سيطرة الدولة، وثانياً لحفظ الذات على أبواب انتخابات رئاسية قادمة عام 2021. 

2020/09/14

الانقلاب الحريري الثاني: هل ينجح؟

بات واضحاً أن المهلة التي أعطاها الرئيس ماكرون للكتل السياسية الأساسية في البلاد للتوافق على الحكومة قد لا تكفي لإخراج حكومة مقبولة من الجميع كما كان الحال مع اسم مصطفى أديب الذي تمّ طرحه من قبل مجموعة "رؤساء الحكومة السابقين" والقبول به من قبل الأحزاب الأخرى، وذلك في إشارة واضحة الى أن الجميع معني بانجاح المبادرة الفرنسية.

ولكن، وكما في كل مرة يكمن الشيطان في التفاصيل، وهذه التفاصيل اليوم هي ألغام زرعها الحريري والسنيورة في درب الرئيس المكلف مصطفى أديب، وأقنعاه بأن بإمكانه أن يشكّل حكومته متخطياً الكتل النيابية وكل الأعراف السياسية اللبنانية، ومنقلباً على نتائج الانتخابات النيابية.

إنها المرة الثانية التي يستشعر الحريري بقدرته على الانقلاب على الشركاء في الوطن، ويحاول تغيير نتائج الانتخابات النيابية التي لم تأتِ لصالحه عام 2018، فيحاول بالتعاون مع الخارج أن ينفد انقلاباً يعطيه حق التفرد بالحكم، والاستئثار بالسلطة وحده لتمرير ما يريده الخارج، وذلك كما يلي:

- الانقلاب الاول كان في تشرين الأول عام 2019، حين أستغل الحريري وقوى 14 آذار الحكومية سياسة الضغوط القصوى الأميركية، ليندسوا في مظاهرات 17 تشرين التي خرجت بعدما قام أحد وزراء الحريري نفسه بإعلان ضريبة جديدة على واتساب، بنصيحة من أحد وزراء القوات الللبنانية.

يمكن أن يكون هذا الاعلان - الذي يكن قد تمّ التوافق عليه في مجلس الوزارء- هو الشرارة المتفق عليها لحصول الانقلاب، فحصل ما حصل ونزلت الناس الى الشوارع مدفوعة بغضب عارم سببه شهر من الأزمات المتنقلة والمفتعلة والتي تلت زيارة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى نيويورك وإعلانه  صراحة أن "لبنان يقرر ما يريد، ولا أحد يستطيع أن يملي عليه إرادته في مواضيع التوطين واللاجئين وصفقة القرن وغيرها"... بعدها مباشرة، وخلال وجود الرئيس عون في الولايات المتحدة ارتفع سعر الدولار بصورة مفاجئة، وتوالت أزمات البنزين والأفران والحرائق وغيرها..

وبالطبع، استقال الحريري مشترطاً العودة بتشكيلة حكومية يقررها بنفسه، بدون تدخل أحد من القوى السياسية، الأمر الذي رفضه الآخرون، وفشل الانقلاب، وتراجعت الثورة ولم تحقق شيئًا فعلياً من المطالب التي رفعتها.

- اليوم يحاول الحريري العودة الى الصيغة الأساسية التي اشترطها بعد استقالته؛ أي أن يقرر بنفسه أسماء الوزراء جميعهم، على أن تكون الواجهة "مصطفى أديب"، الذي لم يتشاور مع أحد من الأطراف السياسيين في تركيبة حكومته التي ستخرج واقعياً من بيت الوسط.

يتكل الحريري اليوم على ضغوط فرنسية وأميركية لإخراج الجميع من الحكومة، وبالتالي تنفيذ هدف أميركي معلن؛ "إخراج حزب الله من الحكومة"، وهو ما دفع الثنائي - عبر الرئيس برّي- الى إعلان الاستياء من تهميشهما في المشاورات الجارية.

أين يمكن أن يصل الحريري في انقلابه الثاني؟

جميع الاحتمالات واردة بالنسبة لتشكيل الحكومة، التي يمكن أن تتشكّل كيفما كان ( بغضّ النظر عن الأسماء)في ظل سعي الأطراف المختلفة الى عدم إحراق المبادرة الفرنسية التي تبدو حبل النجاة الأخير للبنان، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وعدم استقرار أمني وسياسي. لكن، الأكيد، ومن خلال الدروس والعبر التي تمّ استخلاصها من تاريخ لبنان الحديث في السنوات التي تلت اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أن الاستقواء بالخارج لتغيير موازين القوى الداخلية لا يمكن أن ينجح، وبالتالي حيث فشل السنيورة سابقاً سيفشل انقلاب الحريري الحالي مرة ثانية. 

2020/09/07

شينكر في لبنان: دعم أو إحباط الفرنسيين؟

بعد زيارة الرئيس الفرنسي الى لبنان، وحديثه عن خريطة طريق لتشكيل حكومة والقيام بإصلاحات تساعد لبنان على النهوض من الأزمة التي تمّ إغراقه فيها، يحاذر اللبنانيون بشدّة من الافراط بالتفاؤل، كون ما زالت الطبقة السياسية تتمتع بقدرة هائلة على التلاعب والهروب الى الامام، ولو ضاق هذا الهامش بعد المبادرة الفرنسية.

لقد ذهل اللبنانيون بحجم القدرة التي تملكها الطبقة السياسية في تعطيل أي إصلاح، ومنها قيام وزير المالية غازي وزني بتغيير بنود عقد التدقيق المالي الجنائي، بعدما كان قد تمّ التوافق عليه في مجلس الوزراء ومع رئيس الجمهورية. واللافت احتجاب الوزير وصمته بعدما انتشرت تلك الأخبار على صفحات الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، علماً أن الأمر سيكون له ارتداداته على اختيار وزير المالية في الحكومة الجديدة، والذي من المفترض أن تختلف مواصفاته عن وزراء المالية السابقين المتعاقبين منذ التسعينات ولغاية اليوم، إن كان هناك نيّة حقيقية للإصلاح.

وبالرغم من كل ذلك، تبقى نافذة الأمل مفتوحة أمام اللبنانيين بسبب المبادرة الفرنسية التي وضعت خريطة طريق واضحة وقصيرة المهل نسبيًا، وقد برز ذلك من خلال أحاديث مساعد وزير الخارجية الأميركي مع ناشطين من المجتمع المدني ومع الاعلام اللبناني، ونذكر بعض الملاحظات:

أولاً ؛ أقرّ شينكر صراحة أن المبادرة الفرنسية تمّ تنسيقها مع الأميركيين، وكما يبدو أن الفرنسي تمّ توكيله من قبل الغرب لقيادة مبادرة إنقاذية تمنع البلد من الانهيار التامّ، لأن في انهياره تداعيات كبيرة وخسائر إضافية للغرب نفسه.

ثانياً؛ تيّقن الغرب بشكل عام والأميركيين بشكل خاص، أن المراهنة على تشكيل قيادات جديدة في لبنان تحلّ مكان الطبقة السياسية القديمة، دونه عقبات كبيرة ويحتاج الى وقت أطول مما يملكه الاميركيون فعلياً قبل التغيير المرتقب في البيت الأبيض وقبل انهيار لبنان كلياً.

ثالثاً؛ يتضح من خلال التسريبات التي نُقلت عن شينكر في لقاءاته مع ناشطي المجتمع المدني، أنه محبط من النتائج التي حققوها، فبالرغم من الدعم المعنوي والاعلامي والمادي الكبير الذي تلقوه، حققوا نتائج متواضعة جداً لا ترقى الى مستوى النتائج المطلوب تحقيقها.

رابعاً؛ يبدو أن شينكر - من خلال مقابلاته الصحفية -  تراجع عن معظم الشروط التي كان قد وضعها على لبنان، وبدت نبرته الاعلامية مختلفة عن المقابلة التي أجراها سابقاً مع موقع الهديل، باستثناء موضوع ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، والذي أصرّ شينكر على التهديد بأن عدم رضوخ لبنان لـ "التصور الاميركي" بإعطاء جزء من نفطه وأرضه لـ "اسرائيل" في البلوك رقم 9، لن يسمح بالتنقيب عن الغاز واستثماره في ذلك البلوك.

خامساً؛ بالنسبة للعقوبات التي تمّ التهديد بها مباشرة من قبل دايفد شينكر ومواربة من قبل بعض التسريبات التي تحدثت عن قيام الرئيس الفرنسي بتأنيب الطبقة السياسية وتهديدها بعقوبات إن لم تستجب لمطالب الاصلاح، فتجدر الاشارة الى اختلاف جوهر تلك العقوبات، فالعقوبات التي يهدد شينكر بتطبيقها هي لمعاقبة السياسيين الذين "يدعمون حزب الله ويزيدون نفوذه" بينما التصور الفرنسي يهدد بفرض عقوبات من قبل الاتحاد الاوروبي، وتجميد حسابات بعض السياسيين اللبنانيين الذين يعرقلون عملية نهوض لبنان. 

2020/09/01

مستقبل لبنان على وقع الصراع بين الطوائف والدولة

 

 

منذ أن تمّ إعلان دولة لبنان الكبير منذ مئة عام ولغاية اليوم، يعيش لبنان أزمات متوارثة ومتكررة، كنتيجة لصراع الدول على أرضه، وحيث مارست الطوائف اللبنانية نوعًا من رأس الجسر لتلك الدول، انطلاقًا من نزعات الخوف على الوجود والمصير والشعور بالغبن وغيرها.

 

ولقد حاذر اللبنانيون على مدى مئة عام المسّ بنظامهم الطوائفي الذي بناه الفرنسيون على فكرة بأن الديمقراطية في لبنان لا يمكن أن تكون ديمقراطية مبنية على حرية الفرد، بل على المساواة السياسية بين الطوائف، على أن تكون الدولة مجرّد حَكَم في صراع الطوائف فيما بينها، وهو في النتيجة والواقع العملي  “صراع الدول التي تستخدم تلك الطوائف”.

 

 واليوم، وبعد الأزمات المتكررة والانهيار الاقتصادي والمالي والاخلاقي الذي يعاني منه لبنان، يطرح على بساط البحث عقد مؤتمر تأسيسي لتغيير النظام في لبنان وتطويره، وفي هذا المجال يمكن أن نعالج فرضيتين:

 

- الفرضية الأولى؛ هي الاستمرار بنظام الطوائف التحاصصي، وتعديله بما يتناسب مع موازين القوى السائدة كما حصل بعد اتفاق الطائف، حيث تمّ تكريس هزيمة المسيحيين في الحرب فأتت النتائج على حساب حصتهم ودورهم وصلاحياتهم في النظام. وعليه، إن الطروحات الطائفية لتعديل النظام واستمراره على أساس المحاصصة الناتجة عن ميزان قوى جديد سيكون خياراً كارثياً على لبنان.

 

إن السير بهذا الخيار الترقيعي اليوم، سوف يؤدي الى أخطار كبيرة على لبنان، وذلك لأنه سيسمح بالدخول الى الغرائز الطائفية والهويات الجماعية لتحفيزها للقتال "خوفاً على المصير والوجود"، وللإدعاء بأن طائفة تمتلك فائض قوة تريد أن تمارسه على الآخرين وتستأثر بالصلاحيات على حساب الطوائف الأخرى.

 

- الفرضية الثانية؛ أن يقتنع اللبنانيون - مرة لكل المرات- أن النظام الطائفي لم يعد يستطيع أن يستمر ولم يعد يواكب تطلعات الأجيال الجديدة من اللبنانيين، وبالتالي علينا السير مجبرين نحو إقامة دولة مدنية وإلا خسرنا الأمل ببناء دولة.

 

إن نظام المحاصصة الطائفية الذي بدأ مؤقتًا عام 1943 وتحول الى عرف دائم فيما بعد، وتمّ تكريسه في الدستور اللبناني بعد التعديلات التي أقرّت عام 1990 بناءً على اتفاق الطائف، جعل الدولة مساحة لتحاصص الطوائف المختزلة بزعمائها، وجعل التناقضات والصراعات بينهم تأخذ طابعًا طائفيًا مقيتًا، فتعيق عمل السلطة، وتعرقل بناء دولة القانون والمؤسسات، وتفتح المجال لتغطية الولاءات والمراهنات الخارجية ولحماية وتفشي الفساد والفاسدين ونمط الزبائنية.

 

لقد أنتج النظام اللبناني القديم فتنًا وحروبًا أهلية متكررة، وجعل لبنان ساحة مفتوحة لصراع تتداخل فيه العوامل الخارجية مع الأوهام الداخلية، فتضعف سيادة الدولة الخارجية والداخلية المنقوصة أساسًا.

 

لقد تنازلت الدولة عن صلاحياتها للطوائف، أو بالاحرى إن الطوائف التي سبق وجودها وجود الدولة أسست دولة هشّة ومحدودة القوة وتركت لنفسها الكثير من الاستقلالية والصلاحيات المفترض بالدولة الاضطلاع بها. وهكذا قامت علاقة عكسية بين سيادة الدولة وقوة الطوائف في لبنان، فكلما زادت قوة الطوائف تقلصت سيادة الدولة والعكس بالعكس.

 

وعليه، ومن أجل الخروج من هذه الدوامة المستمرة من التدخلات والتدخلات المضادة، ومن أجل العبور  بلبنان من دولة الرعايا الى دولة المواطنين، والتخلص من الفكرة الدولية التي ترى في لبنان “الدولة الحاجز” أو “الدولة الساحة”، علينا أن نقضي على المحاصصة الطائفية والزبائنية والسير باتجاه دولة مدنية، مع تأسيس مجلس شيوخ تتمثل فيه الطوائف، وإقرار قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، وتحقيق لامركزية إدارية موسعة تسمح بإنماء المناطق وعدم هجرة الأرياف الى المدن.

 

واقعياً، لن تكون الطريق معبّدة أمام طرح كهذا، لأنه سيضرّ بالكثير من مصالح النفوذ السياسية، والمحميات الطائفية، علماً أن علاقة منافع متبادلة تقوم بين الطبقة السياسية والسلطات الدينية حيث يخدم كل منهما الآخر، ويخدم هؤلاء جميعاً قوى خارجية تتستر بالحمايات الطائفية لتمرير مشاريعها في لبنان.

 

في النتيجة، لبنان أمام مفترق تاريخي هام، فإما أن يتطلع اللبنانيون الى المستقبل بذهنية القرن الحادي والعشرين، وأما يغرقون في الماضي ويكررون تجارب ومآسي القرن العشرين، وخيارهم هذا سيسمح ببناء دولة أو يغرقها في الفشل الى الأبد.

 

2020/08/31

هل يفلح أديب حيث عجز دياب؟

 

 

تبدأ في قصر بعبدا الاستشارات النيابية الملزمة اليوم، لإختيار رئيس حكومة لبنانية بات معروفاً تقريباً بعدما قام رؤساء الحكومة السابقين، بإعلان تبنيهم لمرشح وحيد لرئاسة الحكومة، وبالتالي أعلنت معظم الكتل في الغالبية النيابية تأييدها له، حرصاً على الميثاقية والعيش المشترك.

 

وكان لافتًا أن مجموعة رؤساء الحكومة السابقين، قد أعلنوا لائحة من أسماء ثلاثة، لم يتركوا الخيار فيها كبيرًا للاختيار، حيث تمّ تسمية أسمين إضافيين الى اسم السفير اللبناني في إلمانيا السيد مصطفى أديب، وحيث يعرف هؤلاء أن الأسمين الإضافيين لن يمرا عند الرئيس عون لتورطهما في قضايا مختلفة، وبالتالي إن الأصرار على أحدهما، يعني إعادة الاستشارات النيابية، إذ سيخسر المرشح المقترح من قبلهم الميثاقية المسيحية كون مرشح القوات اللبنانية كان وما يزال السفير اللبناني الأسبق في الامم المتحدة نواف سلام.

 

وبما أن النتيجة شبه محسومة بتسمية السفير مصطفى أديب، يهمنا أن نركّز على بعض الملاحظات لما سيأتي:

 

أولاً- أن التوافق السياسي لم يأخذ بعين الاعتبار موقف الشارع اللبناني من التسوية التي حصلت والتي ما زالت تأخذ بعين الاعتبار المحاصصة الطائفية وتحصر التسمية بأشخاص معينين، يحتكرون التكلم باسم الطوائف.

 

لقد تبين من اللائحة المسربة من اجتماع رؤساء الحكومة السابقين ومن التجارب السابقة، أن المتكلمين باسم الطوائف من الأحزاب السياسية كافة، أما يحتكرون السلطة لأنفسهم وعائلاتهم، أو يعمدون الى تهميش الكفاءات والشخصيات الفذّة في طوائفهم ويختارون الاضعف من بين "الرعايا" لئلا يشكّل تهديدًا لنفوذهم وللوارثة السياسية التي يحضّرون الأجواء لها، وذلك تيمنًا بالاقطاع القديم الذي كان يحتكر العلم والقيادة له ولأبنائه.

 

ثانياً- هل سيستطيع أديب أن يحقق ما لم يستطع حسان دياب أن يفعله، والرجلين يتشابهان في الخلفية السياسية والأكاديمية؟ وهل  سيسير السفير مصطفى أديب بالاصلاحات الاقتصادية ومنها مكافحة الفساد التي ستسمح بتدفق الأموال على لبنان، علماً أن هناك العديد من الملفات التي تتورط فيها جهات سمّت السيد أديب وزكّته الى هذا المنصب؟

 

ثالثاً- هل سيكون مسار التأليف معبّداً أمام رئيس الحكومة الجديد؟ وماذا عن التحاصص الطائفي والحرد الابتزازي، وادعاء الكتل المجهرية بحقها في وزارات خدماتية وأكثر من نسبة تمثيلها في البرلمان، كما حصل مع تيار المردة خلال تشكيل حكومة حسان دياب؟

 

رابعاً والأهم- هل سيستطيع أديب أن يتخطى الألغام التي ستنوجد داخل حكومته، والتي تهدد بتفجيرها كلما وصل الامر الى إقرار قانون يطال الفاسدين من النافذين السياسيين وأزلامهم؟

 

إن الملاحظات السابقة وغيرها، تشي بقدرة الدولة العميقة وأزلامها وسياسييها وأعلامييها على تقويض الحكومة اللبنانية الجديدة كما حصل مع حسان دياب. وللأسف، لم يعد أمام اللبناني إلا أن يأمل خيرًا بالضغوط الخارجية التي تدعو الى الاصلاح، والتي تربط الاصلاحات بالمساعدات التي يحتاجها لبنان بشكل كبير.

 

لقد بيّنت الأحداث منذ ما قبل 17 تشرين ولغاية اليوم، أن معظم المشاكل والكوارث تمّ افتعالها داخلياً لملاقاة الضغوط الخارجية على لبنان، ولإعطاء قوة دفع لسياسة الضغوط القصوى التي تمارسها إدارة ترامب على لبنان، فهل يتعظ الساسة اللبنانيون، بعدما شاهدوا بأم العين أن غرق المركب اللبناني سيُغرق الجميع بمن فيهم أركان الدولة العميقة نفسها؟ نتمنى ذلك.

2020/08/25

هل انتهت قيادة أميركا للعالم الغربي؟

 

 

تعرضت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمزيد من الخيبات على الصعيد الدولي، خاصة من الحلفاء الأوروبيين الذين - على ما يبدو- لم يعودوا مقتنعين بالقيادة الترامبية للعالم الغربي، فلقد ظهر من التصويت في مجلس الأمن في الملف الايراني وقبله، أن الأوروبيين لا يتعاطون اليوم مع الولايات المتحدة كما كانوا يتعاطون معها في السابق، أي بصفة القائدة لعالم غربي وليس مجرد الشريكة فحسب.

 

ويمكن أن نذكر أن التعاطي الأوروبي مع ترامب عام 2020، كان مليئًا بالخيبات، ونذكر على سبيل المثال لا الحصر:

 

الدعم الاوروبي لمنظمة الصحة العالمية بعد إعلان ترامب انسحابه منها، واعلان المفوضية الاوروبية أنها ستدعم المنظمة بالمال بعدما هدد ترامب بقطع التمويل ردًا على ما سماه "انحياز المنظمة للصين". هذا بالاضافة الى الرفض الأوروبي القاطع لتهديدات ترامب بفرض عقوبات على شركات أوروبية بسبب مساهمتها في مشروع السيل الشمالي 2، حيث اعتبر ترامب ان هذا يعطي روسيا استفادة جيوسياسية في حين أنه يطالب إلمانيا بشراء الطاقة من الولايات المتحدة ولو بأسعار أعلى.

 

ثم، رفض المسشارة الأميركية أنجيلا ميركل دعوة ترامب لعقد قمة الدول الصناعية السبعة في واشنطن، متذرعة بظروف كورونا، بينما يشير العديد من الباحثين الأميركيين والاوروبيين الى أن رفض ميركل أتى نتيجة لسياسات ترامب الدولية؛ خاصة أنها لم ترد أن تعطي ترامب دعمًا في سياسة العداء ضد الصين، ولم تكن موافقة على دعوته للروس الى القمة، بالاضافة الى أنها لم تكن تريد للقمة أن تظهر وكأنها تعطي ترامب دفعًا في الانتخابات الأميركية القادمة.

 

أما في الموضوع الايراني، فلقد رفض مجلس الأمن الاقتراح الأميركي الخاص بتمديد حظر الأسلحة على إيران والذي تنتهي مدته في تشرين الأول / اكتوبر القادم ( بحسب الاتفاق النووي لعام 2015)، باعتراض روسيا والصين، وامتناع 11 دولة عن التصويت، من بينها بريطانيا وألمانيا وفرنسا. وقد اعتُبر هذا الرفض بمثابة ضربة هامة للدبلوماسية الأميركية، الأمر الذي جعل ترامب يهدد باستخدام آلية "سناباك" لإعادة فرض جميع العقوبات الأممية على إيران.

 

ثم تلقت إدارة ترامب ضربة جديدة، بعدما أعلنت كل من بريطانيا وإلمانيا وفرنسا رفضهم إعادة تفعيل العقوبات الأممية على إيران، وفي بيان مشترك اعتبرت كل فرنسا وألمانيا وبريطانيا "أن الولايات المتحدة لم تَعد مشاركة في خطة العمل الشاملة المشتركة بعد انسحابها من الاتفاقية" في "2018 وبالتالي لا يمكنها "أن تدعم هذه المبادرة التي تتعارض مع جهودنا الحالية الرامية لدعم خطة العمل الشاملة المشتركة". الأمر الذي  جعل وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو يعتبر أن "الحلفاء  الأوروبيين يختارون الانحياز إلى آيات الله الايرانيين".

 

كل هذه الأمور وغيرها، تشي بأن ترامب قد أدخل الولايات المتحدة في عزلة عن حلفائها، وجعل الحلفاء يتمردون على القيادة الأميركية للعالم التي يجدون أنها تتعسف في استخدام القوة، والتي باتت تضرّ بالاوروبيين كما تضرّ بسواهم من دول العالم.

 

وعليه، يبدو أن الانتخابات الأميركية القادمة، لن تكون فقط عنوانًا للتغيير في داخل أميركا، ولكنها ستضع القيادة الأميركية للعالم الغربي على المحك. إن عودة ترامب ستعني مزيدًا من التوتر العالمي ومزيدًا من الابتعاد الغربي عن السير خلف القيادة الأميركية. بينما فوز جو بايدن الذي يتوقع أن يطبّق نموذجًا تقليديًا للسياسة الأميركية الخارجية، حيث التعاون مع الشركاء والحلفاء لقيادة العالم، ولمحاولة نشر القيم الليبرالية عبر قيم التعاون وتشجيع التجارة الحرّة والابتعاد عن الحمائية، ومواجهة المعارضين والمنافسين من دول العالم عبر القوة الناعمة والثورات الملونة والابتعاد عن القوة العسكرية والحروب التجارية ما أمكن.