2020/01/08

تغطية خاصة | 2020-01-06 | الرد الحتمي - التضليل الإعلامي

الأهداف المخفية في حرب ترامب ضد إيران؟


 ليلى نقولا
فاجأ ترامب العالم بإعطائه الأوامر للبنتاغون باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني الجنرال قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، ومرافقين لهم.
كان الأمر مفاجئًا لأن شخصية ترامب وسلوكه الدولي على مدى أعوام من وجوده في البيت الأبيض لم تكن توحي مطلقًا بأنه "رجل حرب"، بل إن دراسة شخصيته تشير الى "تاجر" يحاول تهديد خصومه لدفعهم الى مفاوضات يحاول من خلالها الكسب تحت وطأة إفلاس الخصم وإحراجه وخوفه. وبالرغم من أن جميع الأزمات الخارجية التي انخرط فيها وفرض عقوبات اقتصادية موجعة على خصومه، إلا أن معظم أعدائه لم يستسلموا بسهولة للضغوط الإقتصادية التي فرضها ترامب عليهم.
والسؤال الطارئ اليوم: ما الذي دفع ترامب الى تعديل سياساته السابقة واستعداده لإعلان حرب في الشرق الأوسط؟.
من خلال دراسة شخصية ترامب، يمكن القول أن أمورًا عدّة قد تكون وراء التصعيد الخطير الذي لجأ اليه باغتيال سليماني، ومنها:
- بعد هجوم العراقيين على السفارة الاميركية في بغداد ردًا على المجزرة التي ارتكبتها الأميركيون باللواء 45 من الحشد الشعبي، غرد ترامب محملاً ايران المسؤولية ومهددًا... ردّ عليه المرشد علي خامنئي، بتغريدة قاسية، تضمنت عبارة "لا تستطيع فعل شيء".
إن شخصية ترامب، التي تحتاج دائمًا الى إظهار القوة وتحقيق الانجازات، لا تتحمل الوصف بالعجز وعدم القدرة، وقد يكون هذا الامر النفسي هو الذي دفع ترامب للقبول بالضغوط التي مارسها عليه كل من بومبيو ومايك بنس للموافقة على عملية اغتيال سليماني بتحريض من اسرائيل (كما ذكرت واشنطن بوست).
- اجراءات العزل المتسارعة: وبالرغم من إعلان ترامب عن ثقته بأن محاولة العزل ستبوء بالفشل، إلا أن الاجراءات غير المسبوقة التي قام بها الكونغرس الأميركي، دفعت ترامب الى توتر شديد نتيجة الشعور بالخطر والخوف من "خيانة" قد يتعرض لها من قبل الجمهوريين أو من بعض مساعديه المعزولين. (ترامب ولأنه شخصية لا تلتزم الوفاء لمن يخدمها، يتولد لديه شعور بعدم الثقة بولاء أحد أيضًا).
- الحاجة الى كسب ودّ القاعدة الانجيلية المؤيدة لاسرائيل: قبل عطلة الميلاد، وبعد تصويت الكونغرس الأميركي على قرار محاكمة ترامب بهدف عزله، نشرت مجلة "كريستيانتي توداي"، افتتاحية كتبها رئيس التحرير مارك غالي، يحث فيها على إقالة الرئيس، معتبرًا أنه "شخصية غير أخلاقية على نحو فاضح"، كما وصف طرده من منصبه في البيت الأبيض بأنه "ضرورة حتمية مسيحية"، وأدان الإنجيليين الذين مازالوا يدعمون الرئيس "على الرغم من سجله الأخلاقي الأسود".
استدعى المقال ردودًا عنيفة من قبل بعض الأسماء الإنجيلية المهمة، وتحدثت وسائل الاعلام عن انقسامات في صفوف القاعدة الانجيلية الموالية لترامب والتي أعطته 80 بالمئة من أصواتها في انتخابات 2016.
وبمراجعة للخطابات في المهرجان الانجيلي لتشكيل ائتلاف "إنجيليون من أجل ترامب" كمقدمة لبدء السباق الرئاسي، (والذي حصل في نفس اليوم الذي اغتيل فيه سليماني والمهندس) نجد أن الخطابات احتوت على الكثير من الرسائل الدينية الموجهة والمرتبطة بالشرق الأوسط، ومنها ربط الأمر بأنه "تنفيذ لإرادة الله"، وأن "الله في صفنا" كما اعلن ترامب. أما بولا وايت، والتي تُذكر في كثير من الأحيان على أنها المستشار الروحي لترامب، فقد اعتبرت أن "كل مذبح شيطاني تم رفعه ضده سيتم هدمه".
أما الإشارة الى الرقم 52  في معرض تهديده لايران، وبالرغم من ان الاعلام الاميركي ربطها بعدد الرهائن الأميركيين الذين احتجزتهم إيران عام 1979، إلا أن المناسبة والمكان التي قيلت فيه، قد تدفع الى الشكّ بوجود رمز ديني نجده في العهد القديم؛ مثلاً (نحميا 15:6-16) وفيها إشارة الى النبي عزرا ودفاعًا عن اورشليم ضد أعدائها، وبعد خروج اليهود من بابل، بنى حائطًا للمدينة في 52 يومًا... كما نجد (اشعيا 52) وفيها دعوة لاورشليم كي تستيقظ، لأن الله افتقدها وطرد الانجاس منها...
إذًا، كل التطورات تدفع للقول أن أسبابًا داخلية خاصة بترامب وحملته الانتخابية، بالاضافة الى قيامه بإحاطة نفسه بمستشارين "انجيليين محافظين" يؤمنون كما يؤمن اليهود بتعاليم التوراة التي تقول أن يجب الدفاع عن اسرائيل ضد إعدائها وإنه يجب التحضير للمعركة الأخيرة التي ستمهد لعودة المسيح... كل هذه الأمور، تدفعنا الى القول، أن المنطقة قد تكون قادمة على أيام عصيبة خلال فترة حملة ترامب الانتخابية، فترامب (وكما تشير شخصيته) لن يتوانى عن فعل أي شيء للوصول الى البيت الابيض مجددًا، مهما كانت التكاليف. ولكن التجارب علمتنا، أن المخططات الدولية ليست قضاءً وقدرًا، ولن تنجح اسرائيل في استخدام ترامب لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه تجاه دول المنطقة.

2020/01/06

طبول الحرب تقرع .. ماذا عن لبنان؟

خُلطت الأوراق في المنطقة بعد قيام الأميركيين بناءً على تعليمات من الرئيس باغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي عبد المهدي المهندس، في غارة جوية بواسطة طائرة بدون طيار قرب مطار بغداد.
ومنذ تلك اللحظة، يعيش العالم ترقبًا محفوفًا بالقلق بعد التصريحات الغاضبة من الايرانيين ومحور المقاومة الذي توعد بالانتقام، في مقابل تغريدات لترامب تهدد بردّ قاسٍ في حال فكّر الايرانيون بالانتقام، وتهديد للعراق بفرض عقوبات اقتصادية غير مسبوقة في حال قرروا انسحاب الجنود الاميركيين من بلادهم.
أمام هذه التطورات الخطيرة، عاش اللبنانيون قلقًا كبيرًا من أن يتحوّل لبنان الى ساحة للقتال، فهل هذا القلق مشروع؟
بالبداية، لا بدّ لنا من الإشارة الى التباين بين كلام الرئيس الأميركي ترامب وكلام السيد نصرالله أمس، في التعامل مع موضوع القانون الدولي الإنساني، فبينما حدد السيد حسن نصرالله، بأن الانتقام سيوجّه الى "الجنود والعسكريين الأميركيين" محيّدًا المدنيين والدبلوماسيين والشعب الأميركي التزامًا بالقانون الدولي الإنساني الذي يحظّر "عدم التمييز بين المدنيين والعسكريين" كما يحظّر استهداف "غير المشاركين مباشرة في العمليات العدائية"، أعلن ترامب أن المواقع التراثية والثقافية الإيرانية ستكون من ضمن الأهداف المحتملة للردّ الأميركي، وهو ما يُعتبر جريمة حرب في القانون الدولي الإنساني، باعتبار أن هذا الأعيان هي ملك للشعوب كافة.
أما فيما يخصّ لبنان، يمكن أن نلفت الى أن السمة العامة لتصرف حزب الله في لبنان، تعرف عادة بالواقعية والبراغماتية، فهو يدرك تعقيدات الساحة اللبنانية وتشابكها، وتشابك النفوذ الاقليمي والدولي، ومواقف الأطراف الداخليين وحدود قدراتهم، لذا نراه يعمد الى تدوير الزوايا في كل مفصل أساسي سياسي.
على سبيل المثال،  وحفاظًا على الداخل اللبناني من الانجرار الى فتنة مذهبية، استمر حزب الله وحليفه حركة أمل بالتمسك بالرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة - بالرغم من كل التطورات في الشارع وبالرغم من عدم تنسيق الحريري معهم في استقالته وإحراجهم في مواضع عدّة - الى أن قرر الحريري بنفسه هو الخروج من حلبة السباق على رئاسة الحكومة.
وكما في موضوع الفتنة المذهبية، يظهر من خلال سلوك حزب الله السياسي الداخلي أنه يحاذر أن يُحرج حلفاءه في موضوع استدراج الازمات الاقليمية الى الساحة اللبنانية، وبالتالي لن يكون من السهل تسويق فكرة الانتقام لسليماني في الداخل اللبناني سواء عند الخصوم الذين يتحيّنون الفرصة للانقضاض على الحزب ولا على حلفائه الذين سيكونون محرجين في تغطية أي ردّ عسكري من لبنان. علمًا أن الصراع المقبول داخليًا ويحظى بشبه إجماع داخلي هو الصراع مع العدو الاسرائيلي وليس مع الولايات المتحدة التي يُنظر اليها لدى فئات من اللبنانيين كدولة صديقة للبنان وليست عدّوة.
في النتيجة، يبدو (لغاية الآن) أن الساحة اللبنانية محيّدة عما ينتظر المنطقة من انتقام وردود متبادلة، والساحات المرجّحة هي العراق بالدرجة الاولى، والقواعد الأميركية قرب النفط السوري في الدرجة الثانية (الأمر مرتبط بالموقف الروسي)... ويأتي هذا التحييد انطلاقًا من الكلفة العالية لعدم تحييد الساحة اللبنانية، بالاضافة الى تعامل حزب الله الواقعي مع النفوذ الأميركي في لبنان. فبالرغم من محاولة كل من إيران والولايات المتحدة السباق على النفوذ في المنطقة، إلا أن لبنان كان دائمًا ساحة لنفوذ مشترك قَبِل الطرفان بوجوده على الدوام، ولو حاول كل طرف توسيع رقعة نفوذه على حساب الآخر، ولكن بدون أوهام "الإزالة الكليّة".


2019/12/23

لبنان: فشل الاستقواء بالخارج


ليلى نقولا
ليس أمرًا جديدًا أن يلجأ اللبنانيون الى الخارج كلما شعروا بأن ميزان القوى الداخلي ليس لصالحهم، وأن "التغيير" المنشود من قبلهم لا يمكن تحقيقه بمفردهم، فيلجأون الى الخارج يغرونه بمصالح ومكاسب، لمساعدتهم على أبناء وطنهم وخصومهم السياسيين، ثم يحمّلون هذا الخارج نتيجة فشلهم ويعلّقون عليه كل مصائبهم.

لم يعد سرًا، أن "الانقلاب" الذي حاولت قوى 14 آذار القيام به، مستغلة غضب الشارع اللبناني، من الأزمات الحقيقية والمفتعلة التي سبقت حراك 17 تشرين الأول، قد فشل..علمًا أن الإدعاء الآذاري والمستقبلي، بخيانة حصلت من قبل الولايات المتحدة كسبب لهذا الفشل ما هو إلا مجرد تعمية لفشلهم الحقيقي في التعامل مع الوقائع، ونذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

- الخطأ الأول، إن لم تكن الخطيئة الأولى، ارتكبها سعد الحريري بنفسه، عندما وجد نفسه محرجًا في التعامل السعودي معه منذ عام 2017، وعدم قدرة السعوديين على تخطي فكرة سوّقها بعض 14 آذار لديهم، بأن "الحريري ضعيف أمام جبران باسيل وحزب الله". وهكذا، بقي الحريري مكبلاً خلال فترة حكومته بالحنق السعودي منه، لذا عرقل كل إمكانية للسير بالمشاريع الاصلاحية التي من المفترض أن تقوم بها حكومته لإنقاذ الوضع، وعطّل بالتعاون مع قوى أخرى أمور المواطنين في الوزارات التي يتولاها التيار الوطني الحر، درءًا لشبهة الضعف أمام باسيل.

- الخطأ الثاني، استغلال بعض القوى السياسية من 14 آذار، التحولات الاستراتيجية في المنطقة، ورغبة الأميركيين في تعديل توازن القوى في المنطقة بعد الانسحاب من سوريا، وحاجتهم لاستخدام كل من لبنان والعراق لتشكيل كماشة للنفوذ الروسي في الشرق الاوسط، وتقليص نفوذ ايران في كلا البلدين... تحيّنت قوى 14 آذار الفرصة لتسوّق نفسها "الآداة" المناسبة لذلك.

المشكلة التي يقع فيها دائمًا هؤلاء، أنهم يقعون ضحية الحرب النفسية التي يقومون بها للتهويل على خصومهم، فيكذبون الكذبة ويصدقونها بأنفسهم.. فماذا يعني تسويق كذبة "أن حزب الله والتيار الوطني لم يعد لديهما جمهور، وان الحراك سحب البساط كليًا من تحت أرجلهما وتمت تعريتهما في الشارع؟" ومن يصدق كذبة "أن الشارع اللبناني الذي نزل في 17 تشرين الاول، نزل من أجل نزع سلاح حزب الله"؟ التي تمّ تسويقها في الإعلام الغربي.

- الخطأ الثالث، وهو نفسه الذي وقعت فيه قوى 14 آذار من قبل، بين عامي 2005 و 2008، حين استمروا يتعهدون بالقضاء على حزب الله، ويتلقون الدعم الأميركي لذلك، الى أن تلقوا هزيمة 7 ايار 2008... خطأ هؤلاء اعتقادهم أن الاميركيين لا يعرفون التشابكات والتعقيدات اللبنانية ولا يدركون الأحجام الحقيقية للقوى اللبنانية.

بالنتيجة، إن صراخ قوى 14 آذار بخيانة أميركية لهم بعد زيارة هيل الى لبنان، مردود لأصحابه... واقعيًا، لقد قدم الاميركيون الدعم الاعلامي والسياسي لهذه القوى وللحراك الشعبي، وساهموا بكل ما يملكون من نفوذ في المؤسسات اللبنانية وفي الاقليم لمساعدة الحراك على تحقيق تغيير شامل في السلطة و"النظام"، ولم يتحقق شيئًا بعد مرور 65 يومًا.. فما المطلوب أميركيًا أكثر؟ هل المطلوب أن يضحي الأميركيون بكل مصالحهم في لبنان، وبكل ما قاموا باستثماره على مدى عقود، للاستمرار في دعم قوى سياسية أثبتت أنها غير قادرة لا شعبيًا ولا سياسيًا على تحقيق الأهداف التي نزلت من أجلها؟...

بالنتيجة، التاريخ يبدو المعلم الأكبر، وهذا التاريخ يعلّمنا أن لبنان لا يُحكم انفراديًا، وأن الحوار طريق الخلاص، وهي الدعوة التي وجهها الرئيس عون الى الجميع في بداية الأزمة، لكنها لم تلق آذانًا صاغية من أحد.

2019/12/16

هل تبدأ "أزمة" الحريري بتكليفه؟

ليلى نقولا
بالرغم من تأجيل الاستشارات النيابية التي كان سيجريها رئيس الجمهورية اليوم، إلا أنها ستشكّل فصلاً جديدًا من فصول الحكاية الطويلة التي بدأت في 17 تشرين الأول والتي لا يبدو أنها ستنتهي بسهولة، أو على الأقل لن تنتهي قبل حصول تطور دراماتيكي كبير في المنطقة ينهي الكباش الحاصل بين المحاور الاقليمية، إما انتصارًا لأحدهم وقلب موازين القوى يدفع الآخرين للتسليم بواقع جديد، أو تفاهمًا على رسم خطوط جديدة تريح لبنان والعراق وتنقلنا الى مرحلة جديدة من ربط النزاع الى أن تنفجر الأزمات مجددًا.
وبالرغم من التوّقع بتكليف الحريري تشكيل الحكومة المقبلة في الاستشارات النيابية، إلا أن تشكيل حكومته دونه عقبات هامّة قد تجعل من مهمة التشكيل أصعب بكثير من المعارك التي قام بها الحريري للوصول الى التكليف، ونذكر بعض المشاكل على سبيل المثال لا الحصر:
- ضعف التكليف "الطوائفي"، خاصة على صعيد التمثيل المسيحي ، بعدما أعلن كل من التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية (في بيان فجرًا) أنها لن تسمي الحريري لتشكيل الحكومة المقبلة ولن تشارك في الحكومة المقبلة. وبالرغم من أن تيار المردة استنقذ الحريري وأعلن أنه سيسميه، لكن حجم الأصوات التي سينالها مسيحيًا لا تعطيه تكليفًا "ميثاقيًا" واسعًا.
وبالتالي، إذا أصرّت القوات على عدم المشاركة في الحكومة، واستمر التيار الوطني الحرّ والرئيس عون بالامتناع عن المشاركة في أي حكومة برئاسة الحريري، فعندها سيكون من الصعب أن يتخطى الحريري هذه العقدة المسيحية، حتى لو أتى بمسيحيين من أصحاب الاختصاص المشهود لهم بالكفاءة.
- تعنّت الحريري وإرسال الرسائل الشديدة اللهجة الى الشركاء في السلطة، بأن تسميته في الاستشارات النيابية لا تعني أنه ملزم بإعطائهم وزراء في التشكيلة الحكومية المرتقبة، وأنه مصرّ على تشكيل حكومته "بنفسه" من إختصاصيين مستقلين. وهذا، إن دلّ على شيء، إنما يدل على أن الحريري منفصل عن الواقع، فكيف ستتخطى حكومته الثقة في مجلس النواب، إذا تخطى بالأساس عقبات التأليف الأولية؟
- يبدو من الإشكالات التي حصلت في وسط بيروت، وتصادم القوى الأمنية مع المعترضين على عودة الحريري الى السلطة، أن إجماع الساحات الذي شاهدناه في الفترة الأولى من الحراك، دونه اختلافات جوهرية كبرى، تختلف باختلاف الجهات المموّلة ولا تنتهي بالمطالب المتشعبة، والرؤيات المتباينة.
لا شكّ إن احتجاج شبان من طرابلس وصيدا على إعادة تكليف الحريري، وخروج قوى الأمن الداخلي ووزيرة الداخلية ريّا الحسن من "سباتهم" بعد خمسين يومًا، يعني أن الاشتباك يخفي وراءه صراعًا سنيًا سنيًا، تجلّى في اشتباك دموي في ساحة النجمة وساحة الشهداء.
وإذا كانت بعض العناصر الاستخباراتية، أرادت من خلال دعوة "شباب الخندق" للنزول للاشتباك مع المعتصمين، ومن خلال إطلاق هتافات ضد الرئيس برّي والسيد نصرالله، في محاولة لاستجلاب الشباب "الشيعي" للاشتباك مع المتظاهرين... فهي محاولة رخيصة، لتحويل الأنظار عن حقيقة ما يجري وأن جزءًا كبيرًا من الشارع المتنفض لا يريد للحريري أن يعود على حصان أبيض باسم الحراك، وذلك من خلال تحويل الموضوع الى اشتباك شبابي مذهبي.. محاولة فوّتها الثنائي الشيعي بدعوة أنصاره الى عدم الانجرار للفتنة، مهما كلّف الأمر.
وهكذا، لا يبدو أن أزمة الحريري السياسية ستحلّ بتكليفه، بل قد تبدأ فعليًا منذ لحظة تكليفه.. أزمة استجلبها لنفسه، حين انخرط في مشروع الانقلاب على حلفائه، وحاول ركوب موجة الشارع وموجة الخارج لمحاولة الاستفراد بالسلطة في بلد يدرك الجميع أنه محكوم بالتوافق وأن لا سلطة مهما علا شأنها وبلغت قوتها تستطيع أن تتخطى الآخرين أو تحكم البلد منفردة.

2019/12/09

هل يدفع لبنان ثمن الانكفاء السعودي السابق؟


خلال المرحلة الاولى، شكّلت موجات "الربيع العربي" ضربة لحلفاء المملكة العربية السعودية، وذلك تطبيقًا لاستراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما، بالتحالف مع الإخوان المسلمين، وتعويم الدور التركي على حساب الدور السعودي التقليدي في المنطقة. أما في المرحلة الثانية، فقد استدركت السعودية وبادرت الى دعم الثورات المضادة، واستعادت نفوذها في العديد من الدول، وإن لم يكن بنفس الزخم الذي كان عليه في مرحلة ما قبل الانتفاضات العربية.

وهكذا، استعر صراع النفوذ في المنطقة، وبات على المملكة أن تقاتل على جبهتين: جبهة الصراع المذهبي مع ايران، وجبهة الصراع على الزعامة السنية مع تركيا.

ومع بدء حرب اليمن، وتغيّر القيادة في السعودية، ومجيء قيادة شابة قطعت مع السياسة التقليدية التي كان يمارسها مجموعة من الكهول السعوديين المخضرمين، انكفأت السعودية عن العديد من مجالات نفوذها التاريخية في المنطقة ومنها على سبيل المثال، لبنان والعراق.

سمح الانكفاء السعودي عن ساحاتها التقليدية، بدخول كل من تركيا وقطر والامارات كأطراف فاعلين يحاولون سدّ الفراغ الاستراتيجي الذي خلّفه السعوديون. وإذا كانت الحركة التركية القطرية تأتي في مسار متعارض مع السعودية،  فإن الإماراتي وجد فرصته في الدخول شريكًا للسعودية ومنافسًا لها في الوقت نفسه، وهو ما تجلى بشكل واضح في اليمن، حيث دعمت السعودية "القوى الشرعية" بينما دعمت الامارات "المجلس الانتقالي الجنوبي" الذي يدعو الى الانفصال.

في المقابل، سمح الانكفاء السعودي عن كل من لبنان والعراق، بزيادة مساحة النفوذ الايراني فيه، فتمددت صداقات إيران في العراق بعد الانتصار على داعش الى البيئة السنية، وبات لها تحالفاتها مع العديد من العشائر السنية في الانبار وغيرها. أما في لبنان، فقد أدّى الغضب السعودي من تعاظم نفوذ حزب الله، وعدم قدرة تيار المستقبل على منع هذا الأمر، الى إبقاء الدعم السعودي لحزب القوات اللبنانية دون سواه، ما سمح بالمزيد من تآكل رصيد الحريري سياسيًا وماديًا.

محرجًا أخاك لا بطلاً، دخل الحريري في التسوية الرئاسية عام 2016، بعدما وجد نفسه في حالة إفلاس مالي، وتراجع سياسي، فاستطاع الاستحصال على موافقة سعودية سرعان ما تبددت، فكانت قضية اختطاف الحريري في السعودية وإجباره على الاستقالة عام 2017، لتقويض التسوية ومحاولة إعادة التوازن مع النفوذ الايراني، بعدما كان جعجع قد أبلغ السعوديين أن التسوية كبّلت الحريري وأنه بات "دمية في يد حزب الله"... معركة خسرها السعوديون أمام إصرار الرئيس عون ووزير الخارجية اللبناني جبران باسيل على إنقاذ الحريري مهما كلف الأمر.

مع بدايات هذا العام، أعرب الخليجيون عن رغبة في العودة الى الساحة البنانية، وبرز الاستياء الاماراتي السعودي من محاولة تركيا التغلغل في الساحة الطرابلسية، وكانت قمة دلائل العودة الفاعلة، زيارة الحريري الى الامارات، قبل الحراك مباشرة، وإعلانه عن مساعدة مالية ستقدمها الامارات للبنان... ثم حصلت الانتفاضة، واستقال الحريري.

لا شكّ أن جزءًا كبيرًا من المشاكل التي يعانيها لبنان اليوم تأتي نتيجة انعدام التوازن في النفوذ بين محورين (الايراني- الخليجي)، ومحاولة التعويض أقله بإستعادة التوازن  إن لم نكن بكسره لصالح الخليجيين.

من هنا، يمكن فهم معضلة الحريري اليوم: من جهة هو يريد إعادة تثبيت نفسه وحزبه كحجر زاوية في  النفوذ الخليجي في لبنان بدل سمير جعجع، لذا يحتاج الى أن يظهر نفسه بمظهر من يستطيع كسر نفوذ حزب الله والتيار الوطني ويأتي بحكومة 14 آذار صافية، ومن جهة أخرى هناك موازين قوى شعبية وواقعية لا يمكن تخطيها في لبنان، وبالتالي يحتاج تشكيل الحكومة الى تدوير زوايا ودخول في تسويات مع الأفرقاء الآخرين، أي مقاربة حكومية مشابهة لما كان سائدًا قبل الحراك وهو ما لن يرضى به الخليجيون.

2019/12/02

لبنان والعراق: إعادة التوازن أو قلب الموازين؟

د. ليلى نقولا
تتشابه الازمات في كل من لبنان والعراق، ويشهد البلدان تظاهرات مستمرة منذ شهر تشرين الأول الماضي، وإذا كان العراقيون قد انجرفوا نحو العنف، فإن ميزان القوى اللبناني غير المتكافئ يجعل من الصعب الانجرار الى العنف والفوضى، بالاضافة الى قرار حاسم للقوى الامنية بعدم التعرض للمتظاهرين أو السماح بانفلات الامور نحو الفوضى والعنف.

فعليًا، هي ليست المرة الاولى التي تتشابه فيها الاحداث في العراق ولبنان، ويمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر، الانتخابات النيابية التي حصلت في أيار 2018، والتي أفرزت تغييرًا في موازين القوى السياسية السياسية في كلا البلدين، ففي لبنان أعطت الانتخابات الغالبية النيابية لكل من التيار الوطني الحر وحزب الله وحلفائهما، وفي العراق حصدت الاحزاب المتحالفة مع إيران الحصة الأكبر.

لطالما عرف كل من لبنان والعراق، شراكة نفوذ قسرية بين كل من الولايات المتحدة الاميركية وايران، حيث سيطر "التوازن النسبي" على هذه الشراكة، وبقي الهامش -الذي يمكن للطرفين أن يتنافسا ضمنه- متقاربًا... إلا أن الانتخابات العراقية، وتوزيع السلطات أعطت أرجحية واضحة للنفوذ الايراني في العراق، حيث باتت الرئاسات الثلاث تدور في فلك النفوذ الايراني أوما يطلق عليه اصطلاحًا في الداخل العراقي بمعادلة "3- صفر" لصالح إيران.

أما في لبنان، فبعد وصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية، نتيجة التسوية الرئاسية مع الرئيس سعد الحريري، أتت الانتخابات البرلمانية لتقلب المعادلات النيابية المستمرة منذ عام 2005، وهو ما أعطى أرجحية سياسية لتحالف (التيار الوطني الحر و8 آذار) على فريق 14 آذار.

مبكرًا، استشعر السعوديون ضرورة تغيير موازين القوى، وأرادوا الانقضاض على التسوية الرئاسية، فكان خطف الحريري في السعودية وإجباره على اعلان استقالته... ثم تطورت الأمور بعد الانتخابات النيابية في كلا البلدين، فكانت تجربة القصف الاسرائيلي الذي طاول كل من الداخل العراقي والضاحية الجنوبية لبيروت في نفس الفترة الزمنية. إلا أن التهديد بحرب اسرائيلية لم يستطع تغيير موازين القوى، واستطاع حزب الله أن يرد ويهدد الاسرائيليين مدعومًا بموقف رسمي واضح من قبل رئيس الجمهورية ووزارة الخارجية.

اليوم، تحاول بعض الأطراف الاقليمية والدولية استغلال الحراك الشعبي في البلدين لتعديل موازين القوى السياسة أو على الاقل إعادتها الى ما كانت عليه قبل تلك انتخابات عام 2018، ومن هنا نفهم الدعوة المتشابهة في كل من العراق ولبنان الى إسقاط الحكومة، والدعوة الى انتخابات نيابية مبكرة، على أن يقوم البرلمان الجديد (حيث يتوهم البعض في لبنان أنه سيكون ذا غالبية  من قوى 14 آذار) بانتخاب رئيس جمهورية جديد.

وهكذا تكون النتيجة لبنانيًا، انعدام القدرة على الذهاب الى الفوضى والفتنة لانها ليس في صالح من يريدها، وانعدام أفق التغيير في الشارع (الخطة الاولى) وانحسار هذا الخيار لصالح خيار التغيير عبر حكومة تكنوقراط مستقلين (الخطة الثانية)، ولم يبق إلا محاولة الكسب عبر الضغوط الاقتصادية والمماطلة السياسية وقيام الحريري بوضع شروط عالية، للوصول الى حكومة ذات أرجحية لقوى 14 آذار، وستسقط أيضًا ... وعليه، قد تطول الأزمة اللبنانية قليلاً، إلا أنها في النهاية ستصل الى تسوية يرعاها الغربيون، تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى الحقيقية على الارض (التيار الوطني الحر وحزب الله وحلفائهم)، ولا تهمّش تيار المستقبل.