2019/09/16

كيف تحلّ قضية العميل فاخوري؟

طغت قضية العميل عامر فاخوري العائد الى لبنان، على الحيّز الاعلامي والسياسي وذلك بسبب قيامه بممارسة التعذيب والقتل العمد والترهيب على الاسرى المعتقلين في سجن الخيام خلال وجود الاحتلال الاسرائيلي في لبنان، وحيث كان العميل يشغل رتبة آمر السجن وقتذاك.
وتبدو الهبّة الشعبية -التي حصلت لغاية الآن- ممتازة إذ شكّلت ضغوطًا على الدولة اللبنانية لإعتقال العميل، ولكنها اكتفت برفع شعار "عدم عودة العملاء الى لبنان"، وهو أمر يعدّ قاصرًا عن التعامل مع ملف هؤلاء المرتكبين وخطورته.
برأيي، على الحملة الشعبية التي يقودها الأسرى المحررون أن لا تكتفي برفع شعار عدم العودة بل يجب عليها المطالبة "بعدم إفلاتهم من العقاب"، ومحاسبة من قام بتنظيف ملفاتهم عام 2014 خلال حكومة الرئيس تمام سلام.
يقصد بالإفلات من العقاب عدم التمكّن،  قانونًا أو فعلاً، من مساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان ومنها الجرائم ضد الانسانية والتعذيب.
وتتعدد أوجه وطرق الإفلات من العقاب، ويمكن إدراج هذه الأوجه في شكلين:
أ- الإفلات بحكم القانون وذلك من خلال قيام الدولة بمنح العفو لمرتكبي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ب- الإفلات من العقاب بحكم الواقع وهذا لا يحدث فقط عندما تفشل السلطات في التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان، ولكن أيضًا عندما لا يتم التحقيق بشكل فوري وبجدية وفقًا للمعايير الدولية، وهو ما يسمى الإفلات من العقاب بحكم الواقع.
أما الشكل المموه للإفلات من العقاب بحكم الأمر الواقع أيضًا، فهو عندما يُحكم على المرتكبين بعقوبات لا تتفق مع خطورة الانتهاك (وهذا ما حصل بالفعل مع عملاء اسرائيل) أو عندما لا تضمن السلطات الوطنية تنفيذ الحكم، أو ببساطة، عندما يُحرم ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان من الحق في العدالة، ويقيد وصولهم إلى المحاكم، أو لا ينظر إلى القضايا بشكل يتماشى مع المعايير الدولية المعمول بها. وقد يحدث أيضًا عندما يتم التلاعب بالأدلة أو عند إطالة أمد التحقيقات إلخ...
برأيي، لا يكفي أن يُمنع مرتكبو الجرائم الكبرى من زيارة لبنان، بل إن محاكمة هؤلاء وصدور مذكرات توقيف بحقهم وملاحقتهم في جميع أنحاء العالم، تؤدي خدمة كبرى ومنفعة لمستقبل لبنان بحيث تشكّل هذه رادعًا لكل من تسوّل نفسه التعامل مع العدو الاسرائيلي ومساعدته على فوز  قواته في لبنان مستقبلاً، كما يُكسب الدولة اللبنانية والقضاء اللبناني شرعية أكبر في نظر مواطنيها خاصة.
وهكذا، يستطيع أصحاب الحق والمتضررون من ممارسات هذا العميل وغيره، رفع دعاوى وإلزام الدولة اللبنانية بمقاضاته انطلاقًا من القانون الدولي الذي يقرّ بأن للأفراد في هذا الاطار حقوقًا لا تسقط بالتقادم، وفي الوقت نفسه يضع "التزامات مرتبطة بهذه الحقوق على الدول"، وذلك انطلاقًا من القانون العرفي والمعاهدات الدولية ذات الصلة.
ويتضمن قانون المعاهدات واجب المقاضاة عن الانتهاكات الجسيمة، وهذا الواجب تتضمنه معاهدات جنيف الأربع لعام 1949، كما نجده، على سبيل المثال، أيضًا في اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة، واتفاقية منع التعذيب وباقي العقوبات (الخاصة) بالإنسان، وكلها تتضمن التزام وواجب الدولة لمقاضاة جريمة التعذيب والابادة.
وعليه، يبدو من المهم بمكان اليوم، أن لا تتدخل التسويات السياسية في قضية محاكمة العميل فاخوري أو غيره، لأن عدم القيام بتلك المحاكمات يقوّض حكم القانون في لبنان، ويثير الشكوك في العدالة اللبنانية برمّتها، والكرة اليوم في ملعب أصحاب الحق والمتضررون والأسرى المحررون، لتحقيق العدالة ولو أتت متأخرة.

2019/09/09

كيف يستخدم العدو الداخل اللبناني في حربه النفسية؟

كما وعد السيد حسن نصرالله استطاع حزب الله ان يسقط طائرة استطلاع "اسرائيلية"، وذكرت قناة المنار أن المقاومين تصدّوا بالأسلحة المناسبة لطائرة "إسرائيلية" مسيرة أثناء عبورها للحدود ‏الفلسطينية - اللبنانية باتجاه بلدة رامية الجنوبية، حيث تم إسقاط الطائرة المسيّرة في خراج البلدة، ‏وأصبحت في يدهم.
وكان لافتًا تعامل حزب الله الاحترافي مع قضية العدوان "الاسرائيلي" على لبنان وعلى مقاوميه في سوريا، وحيث اصبحت عبارة "انضبوا" هي المحرك الرئيسي وباعث القلق لدى "الاسرائيليين"، في أكثر الحروب النفسية احترافًا ودقة.
وتعتبر الحرب النفسية من أخطر من الحروب التي تُشنّ على عدو، وقد تفوق بخطورتها الحرب العسكرية المباشرة؛ وقد اعتبر نابليون بونابرت؛ أن حرب العقول أقوى من حروب الأسلحة، إذ إن "هناك قوتان في العالم فقط: العقل والسيف؛ وعلى المدى الطويل؛ العقل دائمًا ما ينتصر على السيف".
وبالفعل احترف حزب الله ممارسة التأثير النفسي على العدو للوصول الى تحطيم الروح المعنوية لديه... بينما كانت الحرب النفسية  فيما مضى من احتكار "اسرائيل" خلال الصراع العربي "الاسرائيلي"، حين استطاع بتقنية واحتراف من القيام بممارسات لجعل العرب يفقدون الثقة بأنفسهم، ويتخلون عن الأمل، ويتملك منهم الخوف؛ حتى تتاح له فرصة الفوز بسهولة. وتعرّف موسوعة المعارف البريطانية الحرب النفسية بأنها استخدام الدعاية ضد عدو بهدف إضعاف الروح المعنوية لديه، وكسر إرادته في القتال أو المقاومة... وتستخدم لتعزيز موقع الحلفاء أو مقاتلي الجهة التي تقوم بها .
وعادة ما ترافقت الحرب النفسية ضد العرب مع الدعاية السياسية لـ "اسرائيل"، لإظهار تفوقها، ومن أهم أهداف تلك الحرب التي شنّها "الاسرائيليون" ما يلي:

  1. إقناع السكان العرب بدعم العملية العسكرية ضد حكومتهم أو على الأقل عدم إبداء الرغبة في المقاومة، إنطلاقًا من فكرة عدم القدرة على المواجهة، وهنا نرى انخراط بعض اللبنانيين في التخويف من الرد "الاسرائيلي" واتهام البعض لحزب الله بتخريب لبنان والدعوة الى عدم الرد على "اسرائيل".
  2. رفع المعنويات وسط صفوف جيش العدو وسكان الكيان  عبر الدعاية السياسية المكثفة لقدرة جيشهم الذي لا يقهر، ومؤخرًا استخدم "الاسرائيليون" سياسة الدعاية المكثفة عبر الادعاء  ان رد حزب الله الاسبوع الماضي باستهداف ناقلة الجند لم يصب احدًا.
  3. خلق جو عام من السجال الداخلي  اللبناني وسط ومحاولة استخدام بعض الاصوات او الاراء للتحريض ضد رئيس الجمهورية لدعمه المقاومة وعلى حزب الله.
  4. إضعاف الروح المعنوية لدى اللبنانيين ، علمًا ان هذه  بقيت  من دون جدوى، بعدما اتقن حزب الله القدرة على الرد والتحدي برفع الروح المعنوية للبنانيين بعدما استمر اللبنانيون والعرب فترة طويلة يعتقدون بعدم قدرتهم على المواجهة.
وهكذا قامت اسرائيل لفترة طويلة بتسويق قدرتها على الانتصار على العرب، وإمكانية هزيمتهم بسهولة، وهو ما انفكوا يقومون به من خلال تهديدهم للبنان وغزة، والدعاية لجيشهم بأنه "الجيش الذي لا يقهر" والذي يستطيع أن يكبد الآخرين آلامًا وخسائر موجعة.
في مجال الاستراتيجيات الدعائية يمكن أن نميز بين نوعين من الاستراتيجيات والتي استخدمت خاصة خلال حرب تموز وما بعدها: استراتيجية "الحقيقة"  واستراتيجية "الكذبة الكبرى".
استراتيجية "الحقيقة" وهي التي استخدمها حزب الله بشكل كبير واستطاع من خلالها كسب ثقة الجمهور الاسرائيلي الذي قال "انه يصدق حسن نصرالله اكثر مما يصدق حكومته"، وهي تعني تقديم المادة الإعلامية للمستمع أو القارئ بشكل إخباري يراعى فيه أكبر قدر من الدقة والموضوعية، مع تمرير بعض الرسائل التخويفية ضمن سياق حقيقي وواقعي الى حدٍ كبير. أما استراتيجية "الكذبة الكبرى" فهي تعني تحريف أو تشويه المادة الإعلامية من أجل التلاعب بالرأي العام، وإغراقه بكمّ من الإشاعات بحيث يتعذر عليه تمييز الحقيقة أو معرفة حجم الكذب في الموضوع.
وفي هذا الإطار، يبدو لافتًأ تعامل بعض الاعلاميين اللبنانيين والعرب بطريقة التهويل على اللبنانيين، وقيام هؤلاء بممارسة حرب نفسية لصالح العدو، مدّعين "الحرص على لبنان" وتسخيف كل من يقول بأن اسرائيل غير قادرة على شنّ الحرب، طالبين من الجمهور "عدم الانجرار وراء أوهام عدم قدرة "اسرائيل" على شنّ الحرب"، وهم - سواءً بحسن نية أو سوء نية- يقومون بالتسويق للعدو والمساهمة في حربه النفسية علينا.
في نهاية المطاف، لقد انتهى الزمن الذي تعتدي فيه اسرائيل ولا تتلقى ردًا . ولقد انكشفت كل الاقلام والشخصيات المشبوهة بحيث لم تعد تستطيع  هذا الشخصيات التأثير الا على من يشبهها بالرأي والايديولوجيا السياسية، وهؤلاء لا محل لهم من الاعراب في حسابات المعركة مع العدو ولا في حسابات معظم اللبنانيين بكافة طوائفهم.

2019/09/02

هل يردّ نتنياهو على رد حزب الله؟

لم يتأخر ردّ المقاومة على العدوان الاسرائيلي على لبنان، فبعد أن مرّ اسبوع من القلق الاسرائيلي والاستنفار على الحدود وإغلاق الأجواء أمام حركة الطيران، وفرض حظر التجوال الذي كلّف الاسرائيليين الكثير... جاء الردّ بتفجير آلية عسكرية في مدينة صلحا اللبنانية (من القرى السبع) متزامنًا مع اطلاق ذكرى الاحتفال بإعلان "دولة لبنان الكبير"، حيث كانت القرى السبع جزءًا منه قبل أن يتنازل عنها الاستعمار الفرنسي لصالح البريطانيين الذين كانوا يحتلون فلسطين آنذاك.

إنه لبنان فقط، الذي شكّل - وما يزال - استثناءً في الصراع العربي مع "إسرائيل"؛ فمع استمرار المقاومة في الجنوب بعد توقيع اتفاق الطائف، وقدرة اللبنانيين على إجبار العدو على الانسحاب من أراضٍ عربية بالقوة ودون قيد أو شرط ومن دون توقيع اتفاقية سلام أو استسلام، ودون تنازلات، كانت "إسرائيل" دائمًا تضع نصب عينيها حاجتها لإخضاع اللبنانيين وإذلالهم عبر الحديد والنار، إلى أن كانت حرب تموز.

تحولت حرب تموز الى استثناء لبناني ثانٍ، فلقد فرض اللبنانيون بدمائهم "معادلة الردع" المتقابل لأول مرة في تاريخ الصراع. أما الردع فهو يعني "محاولة طرف منع الطرف الآخر من القيام بعمل يرى فيه ضررًا له، أو على الأقل منعه من التفكير بالقيام بما يهدد له مصالحه أو مكانته"، ويرتكز على عنصرين حاسمين: الحرب النفسية، أي منع العدو من مجرد التفكير بالفعل، والثاني عسكري، وهو يرتكز على امتلاك القدرة على الردّ بالمثل، أو الانتقام وإيقاع الضرر.

وإذا أردنا أن نقيّم تطور مراحل معادلة الردع اللبنانية مع "اسرائيل" فيمكن أن نوجزها بما يلي:

أولاً - مرحلة طويلة من "التفوق الاسرائيلي"، امتدت الى عقود طويلة، كانت تملك خلالها "اسرائيل" قراري الحرب والسلم. فكانت تتنظر ذريعة أو تخترعها، للدخول الى لبنان واجتياح أراضيه، وبشكل نزهة.

في تلك المرحلة، لعب العنصر النفسي دورًا حاسمًا في معادلة الصراع مع العدو، إذ استطاع أن تخلق في ذهن العرب أن كلفة الاستسلام تبقى أخفّ كلفة من الحرب، لذا حققت "اسرائيل" ما تريد بأقل كلفة عسكرية ممكنة، الى أن أتت حرب تموز عام 2006.



ثانيًا: أدخلت حرب تموز لبنان والمنطقة في مرحلة جديدة، من "التوازن الردعي"مع العدو.أثبت انتصار لبنان في تلك الحرب ومنع اسرائيل من تحقيق أهدافها، وتكبدّها الخسائر المعنوية والعسكرية (بحسب تقرير فينوغراد) الى تبدّل في موازين القوى على الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة.

لأول مرة في تاريح الصراع تفقد اسرائيل أحد قراري "الحرب - النزهة"، فقد استمر قرار الدخول في الحرب في يدها، لكن قرار الخروج منها لم يعد بيدها بالتأكيد.

بالمقابل، تحققت معادلة الردع بعنصريها النفسي والعسكري، فالقلق النفسي من الحرب لم يعد يسري على اللبنانيين وحدهم بل امتد الى السكان داخل "الكيان الاسرائيلي". وفقد الاسرائيليون القدرة على استخدام وسيلة "الحرب النظيفة"، أي التهديد بالحرب وتحقيق أهدافها حتى من دون خوضها عسكريًا. ولأول مرة في تاريخها، باتت اسرائيل تتمنى الحرب وتخشاها في نفس الوقت.

ثالثًا- منذ حرب تموز ولغاية اليوم وخلال عقد ونيّف من الزمن، عمل الطرفان اللبناني والاسرائيلي على دراسة نتائج الحرب والاستفادة من عِبرها...

خلال هذه الفترة، لعب حزب الله على العامل النفسي لدى الاسرائيليين، فزرع الخوف في نفوس المستوطنين، فبات الاسرائيلي يخاف من "حفيف الشجر، وضربات المعاول..."، وظهر على التفزيونات الاسرائيلية تقارير تفيد بأن المستوطنين قرب لبنان لا ينامون الليل وهم يتخيلون خروج المقاومة من الانفاق الى داخل بيوتهم.

أما العامل العسكري، فقد تطور لصالح المقاومة، بحيث بات الاسرائيليون يعتدون على المقاومة ويهرعون للدول الكبرى للتهدئة وردع اللبنانيين عن الردّ. ولأول مرة، بات بإمكان المقاومة التهديد بـ"أخذ الحرب الى أرض العدو"، والتأكيد على القدرة على ربحها أيضًا.

أما اليوم، وبعد ردّ المقاومة، يمكن القول أن لا أحد معني بالتصعيد، ولن يكون هناك حرب واسعة... ويبقى التساؤل: كيف ستؤثر هذه المغامرة والرد عليها على مستقبل نتنياهو: فإن ردّ بتصعيد عسكري كبير، ستكلّفه الحرب الكثير على الصعيد العسكري والسياسي والبشري والاقتصادي وقد تكلّفه مستقبله السياسي، وإن لم يرد فسيقال في اسرائيل انه ضعيف، لكن يبقى مصير نجاحه في الانتخابات مقبولاً ( قد يربح وقد يخسر)... لذا لن يرد.

2019/08/26

لماذا توسّع اسرائيل عدوانها في المنطقة؟

وسّعت اسرائيل من رقعة الاستهداف لقوى المقاومة في المنطقة، فبعد أن انحصر استهدافها سابقًا في غزة وسوريا لفترة طويلة توسعت رقعة الاستهداف لتصل الى العراق ولبنان.
بالتزامن مع غارات اسرائيلية على منطقة عقربا في سوريا، واستشهاد شابين لبنانين فيها، سقطت طائرة مسيّرة وانفجرت أخرى في الضاحية الجنوبية، كما قامت طائرات مسيّرة باستهداف مواقع الحشد الشعبي على بعد 15 كلم من الحدود العراقية السورية يوم الأحد.
وكان الحشد الشعبي قد تعرض لعدّة عمليات سابقة، قامت خلالها طائرات مسيّرة باستهداف مراكزه، وتفجير مخازن الصواريخ الخاصة به، وقد المح نتنياهو الى مسؤولية اسرائيل عن تك العمليات.
وفي لبنان، لم يتأخر السيد حسن نصر الله في الرد على العدوان "الاسرائيلي" بخطاب حدد فيه استراتيجية حزب الله للرد على العدوان الاسرائيلي، والتي تتجسد في شقين:
- الاول، يتجلى في الرد على العدوان على الضاحية الجنوبية، وذلك بالتعهد باسقاط الطائرات الاسرائيلية المسيّرة التي تخترق الأجواء اللبنانية.
الثاني، الرد على اغتيال كوادر حزب الله في سوريا، والذي سيكون بقتل الجنود الاسرائيليين المرابضين على الحدود مع لبنان، وتوعدهم السيد نصرالله قائلاً "قفوا على قدم ونصف وانتظرونا".
ولا شكّ ان التصعيد الاسرائيلي، وتوسيع جغرافية المواجهات التي انخرط فيها الاسرائيلي مباشرة، تدفع الى التساؤل حول أسباب التصعيد وهل هو مرتبط بالانتخابات الاسرائيلية فقط؟
بداية، لا شكّ ان القادة الاسرائيليين لطالما استخدموا الحروب الخارجية لمصالحهم الانتخابية، ونتنياهو هو من أكثر من استخدم هذه السياسة، واعتماد التهديد الأمني كورقة انتخابية رابحة. ولكن، قد يكون توسيع رقعة الحرب الى لبنان مضرًا أكثر منه مفيدًا لنتنياهو في انتخاباته الداخلية. إذ يدرك الاسرائيلي جيدًا أن الذهاب الى حرب مع حزب الله ليست نزهة، وان التصعيد قد يدحرج الأمور الى مواجهة غير محسوبة النتائج ولا يُعرف مداها، لذا فإنه ليست من مصلحة نتنياهو أن يدفع الى حرب مع لبنان، تكون كلفتها كبيرة مقابل نتائج غير مضمونة.
وعليه، يبدو الاسرائيلي اليوم مدفوعًا الى التصعيد في المنطقة بسبب التطورات الميدانية والسياسية، والتي يرى أنها تشكّل خطرًا على أمنه القومي، وهي تتجلى أولاً في قلب المعادلات في سوريا، والتقدم الميداني لمحور المقاومة من خلال الهجوم الذي يشنّه الجيش السوري وحلفائه على إرهابيي جبهة النصرة، والتقدم العسكري الذي يبدو أنه مستمر بالزخم ذاته حتى تحرير كامل إدلب. وثانيًا، في الترتيبات الأميركية التركية على الحدود الشمالية الشرقة لسوريا، والتي يبدو أنها في نهاية المطاف سوق تقضي على حلم الكونتون الكردي - الذي كانت تدعمه اسرائيل وتعوّل على استثمار نفطه.
من جهة ثانية، إن إطلاق ناقة النفط الايرانية من جبل طارق بدون شروط، بالاضافة الى وجود وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف في اجتماع قمة مجموعة السبع، يعطي مؤشرًا قويا الى أن احتواء ايران وإخضاعها يبدو أصعب مما تصوره ترامب ونتنياهو، وإن الاوروبيين سيسعون الى الحفاظ على علاقات جيدة مع إيران بالرغم من كل التحديات.
وهكذا، وإنطلاقًا من كل ما سبق، يبدو الاسرائيلي محرج بالتطورات المتسارعة، وهو يريد أن يرفع من وتيرة هجومه للفت نظر المعنيين، وتهديدهم، بأن أي تسوية في المنطقة لا تأخذ بعين الاعتبار مصالحه وأمنه لن تمر، وأنه سيستمر بالتصعيد حتى لو تدحرجت الأمور لتغيّر مسار الأمور برمتها.

2019/07/29

الاوروبيون: بين بوريس جونسون والمأزق الايراني

بعد انتخاب بوريس جونسون الى رئاسة الوزراء في بريطانيا، بدا ملف ناقلات النفط البريطانية والتوتر مع ايران من ابرز البنود التي على جونسون مواجهتها بالاضافة الى بريكست.

وفي وقت سابق، كان جونسون قد أعلن أنه ضد المواجهة والخيار العسكري في التعامل مع ايران، معتبرًا أن "الدخول في حرب ضد إيران لا يمثل خيارًا مقبولاً، والدبلوماسية لا بد أن تكون أفضل طريقة لإحراز تقدم".

وخلال مناظرة سياسة في إطار انتخابات رئاسة حزب المحافظين الحاكم، قال جونسون: "إذا سُئلت عما إذا كنت سأدعم إجراء عسكريًا ضد إيران حال كوني رئيسا للوزراء، فسوف تكون الإجابة بلا".

وعلى الجانب الايراني، استبقت ايران اجتماع فيينا حول الاتفاق النووي باعلانها أنها ستستأنف العمل في مفاعل آراك للمياه الثقيل، وكان قد سبق ذلك وحتّم الدعوة الملحة الى الاجتماع؛ ازدياد منسوب التوتر في الخليج، خصوصاً بعد قيام الايرانيين باحتجاز ناقلة نفط بريطانية ردًا على قيام بريطانيا باحتجاز ناقلة نفط ايرانية بذريعة أنها ذاهبة الى سوريا، فسارع البريطانيون الى دعوة الاتحاد الاوروبي للمساهمة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز وحماية ناقلات النفط ...

وبالرغم من الأجواءالايجابية التي أشيعت بعد الاجتماع، وإعلان الايرانيين حصولهم على الكثير من التعهدات، إلا أن قضية الناقلات بقيت بدون حلّ، وهو ما سيصعّب المهمة على جونسون. ففي إطار تصعيده ضد الاوروبيين في موضوع بريكست وإعلانه أنه سينفذ خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، حتى من دون اتفاق، يبدو جونسون محرجًا اليوم بين القضيتين: هو يريد أن يخرج من الاتحاد الاوروبي حتى بدون اتفاق، ولكنه في الوقت نفسه وفي معرض التوتر المستمر مع ايران، يطلب مساعدة الاوروبيين لتشكيل قوة أوروبية لحماية الملاحة بمضيق هرمز، فكيف يمكن لجونسون أن يوازن بين قوله بأن أوروبا بلا نفع، ثم يطلب مساعدة أوروبية لأن الجيش البريطاني لا يمكنه لوحده حماية السفن في مضيق هرمز؟.

لا شكّ أن ترامب أدخل الجميع في مأزق، خصوصاً الاوربيين الذين يريدون من إيران الالتزام بالاتفاق النووي، لكنهم في الوقت نفسه عاجزين عن تقديم أي بدائل تفيد الاقتصاد الايراني في ظل الضغط الاقتصادي المتصاعد من قبل الادارة الاميركية.

وفي المحصلة، لقد فاجأت إيران الجميع بقدرتها على الصمود كل هذه المدة، ولا شكّ ان التصعيد المدروس الذي تقوم به بات يضغط على الجميع لايجاد حلول... فهل سيقوم الاوروبيون تنفيذ تعهداتهم التي أطلقوها.

في اجتماع فيينا والتي اعتبرها الايرانيون "بناءة"؟.. برأيي الشخصي، لن يفعل الاوروبيون أي شيء ولن يصعّدوا ضد الولايات المتحدة، وسيحاولون تمرير الوقت على أمل أن تنتهي سنة 2020، ويأتي بديل ديمقراطي الى الادارة الاميركية، ويدفع عنهم الاحراج الذي يعانونه على الساحة الدولية

2019/07/22

هل يستمر أردوغان بالتضييق على اللاجئين السوريين؟


تزايدت مؤخرًا الحملات ضد اللاجئين السوريين في تركيا، وقام الاتراك بترحيل المئات من السوريين قسرًا الى إدلب كما أفادت بعض التقارير، خاصة أولئك الذين لا يملكون أوراقًا قانونية.
وبعد أن كان السوريون المعارضون يتغنون بالمعاملة التركية لهم، خاصة في عهد أردوغان، يبدو أن التطورات بدأت تفرض واقعًا جديدًا قد تكون أبرز أسبابه ما يلي:
أولاً: نجاح المعارضة في اكتساح المدن التركية الرئيسية، مكلفة حزب العدالة والتنمية خسارات كبرى لأول مرة منذ عام 2002.
وتشير التقارير الى أن ارتفاع البطالة الى أعلى معدلاتها منذ سنوات، وقد وصل في بداية عام 2019 الى 14,7% وهو أمر يعيده الاتراك الى المزاحمة السورية غير الشرعية للعمال الأتراك.
ولقد تعذّر على حزب العدالة والتنمية الدفاع عن سياسة الابواب المفتوحة للاجئين السوريين خلال الانتخابات البلدية الأخيرة، لذا اضطر ان يقطع وعودًا بترحيل السوريين لطمأنة قواعده الانتخابية، وبالتالي عليه أن يستمر في هذه السياسة خوفًا من تكرار الخسارة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2023.
ثانيًا: يريد أردوغان من خلال التضييق على السوريين في تركيا، أن يحثّ الاتحاد الاوروبي على الالتزام بتعهداته المالية لتركيا، وكان وزير الداخلية التركي سليمان صويلو قد اتهم الاتحاد الأوروبي بترك تركيا وحيدة في عمليات مواجهة الهجرة غير الشرعية، مهددًا بأنه في حال تخلت تركيا عن وعودها بمكافحة الهجرة غير الشرعية، فإن لن يكون بإمكان أي حكومة أوروبية البقاء في السلطة أكثر من 6 أشهر.
وبالفعل، رضخ الاوروبيون للابتزاز وأقرّت المفوضية الأوروبية في 19 تموز الجاري ما قيمته 1,41 مليار يورو، لدعم اللاجئين في تركيا، ما يرفع مبلغ المساعدات المقدمة حتى الآن من الاتحاد الى تركيا إلى 5,6 مليار يورو.
ثالثًا: ما زال أردوغان يحلم بإقامة منطقة آمنة في الشمال السوري، وهو يطمح من خلال التضييق على السوريين وتهديد الغرب بأن يقبل الأميركيين وحلف الناتو بالتخلي عن الاكراد لصالح تركيا والمنطقة الآمنة التي يريدها أردوغان، والتي ستشكّل مكانًا يرحّل اليه اللاجئين السوريين فيرتاح من الضغوط الداخلية ويحقق حلمًأ لطالما راوده منذ بدء الأزمة السورية ولغاية اليوم.
في المحصلة، يبدو أن الحملة ضد السوريين في تركيا لن تتوقف بل ستتكثف، إذا ما نظرنا الى الغليان الذي يعانيه الشارع التركي بسبب ما يعتبره تمييزًا لصالح اللاجئين السوريين الذين يعملون ولا يدفعون ضرائب ويدخلون الى المستشفيات مجانًأ وغيرها...وإذا ما أضفنا الى ما سبق، خشية أردوغان من أصدقائه السابقين الذين ينوون الانشقاق، خاصة رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو ووزير الاقتصاد السابق علي باباجان، اللذين ينويان تأسيس حزبين جديدين، فإن هواجس أردوغان الداخلية، وخوفه من خسارة شخصية أمام وزير الاقتصاد السابق والذي يعود له - كما يقال- الفضل بتحقيق المعجزة الاقتصادية التركية، والذي يمكن أن يشكّل قبولاً لدى القواعد الشعبية كونه كان عضوًا في حزب العدالة والتنمية وسينظر اليه الناخبون باعتباره "المنقذ" من الكوارث الاقتصادية التي يعيشها الاتراك، فإن وضع السوريين في تركيا لن يكون سهلاً.

2019/07/15

هل يبقى لبنان بمنأى عن التوتر العسكري في المنطقة؟


ليلى نقولا
أعاد السيد حسن نصرالله في مقابلته مع قناة المنار، تذكير الاسرائيليين بأن قوة الردع التي امتلكها لبنان باتت كافية ليس فقط لردع اسرائيل عن الهجوم على لبنان، بل إنه وفي اي حرب مقبلة، بات المقاومة قادرة على أن تعيد "اسرائيل" الى العصر الحجري.
منذ حرب تموز 2006، ولغاية اليوم، يستمر بعض اللبنانيين في إنكار القدرة التي حققها لبنان وينكرون الانتصار الذي تمّ تحقيقه، معتبرين أن قوة لبنان تكمن في التخلص من سلاح حزب الله باعتباره "الخاصرة الرخوة" للبنان خاصة في معرض التهديد الاميركي بفرض عقوبات جديدة، والتهديد الاسرائيلي الدائم بالعدوان على لبنان.
من الناحية الاميركية، لا شكّ أن الاشاعات حول نيّة الاميركيين استهداف حلفاء حزب لبنان، مصدرها لبنانيون في واشنطن، وهؤلاء لطالما حاولوا تحريض الادارة الاميركية على التيار الوطني الحر ومؤخرًا على الجيش اللبناني. وقد فشلوا سابقًا وسيفشلون اليوم.
أما بالنسبة لاسرائيل، فإن علم الحروب الحديث وخاصة مفاهيم "الحروب اللامتماثلة"، يؤكد بما لا يقبل الشكّ قدرة حزب الله في ردع اسرائيل ولو كانت تمتلك "اقوى جيش في الشرق الاوسط".  وتنبع مفارقة "الحرب اللامتماثلة" تلك من حقيقة أن المقاومة الشعبية وحركات التحرر ليست ظاهرة عسكرية نظامية صرف، بل هي حركة مدنية بامتياز، حيث يستخدم المقاومون في معظم الأحيان أسلحة ومواد وتكنولوجيات بدائية يشترونها من السوق ويصنعون منها سلاحًا لقتال العدو.
وهكذا، في الحروب اللامتماثلة، حيث يتواجه القوي والضعيف في "نزاع لامتماثل" فان الاستراتيجية والتنظيم وقوة العقيدة القتالية هي التي تحسم المعركة وليس القوة أو التكنولوجيا.
وقد اعترف  الجنرال احتياط  ايال بن رؤوبين:" بأن الجيش الإسرائيلي خلال السنوات الخمس التي سبقت حرب تموز 2006، لم يستطع بناء استراتيجية تشكل ردًا ناجحًا وناجعًا ضد مختلف أنواع وتطورات الحروب..". وأضاف: ان عصر الجيش التقليدي والمهام التقليدية التي تقول للجيش: اذهب، دمر، اقتل، احرق واحتل الأراضي قد انتهى".
إنطلاقًا من كل ما سبق،  وبالرغم من كل التشنج في المنطقة والتهديدات العسكرية والتوترات بين الاميركيين والايرانيين، يمكن للبنانيين أن يناموا مطمئنين من أن اسرائيل باتت مردوعة وبالتالي لن تذهب الى مغامرة عسكرية مع لبنان، أما من ناحية حزب الله، فالواضح أن العقلانية وحسابات الربح والاكلاف، تجعل من الساحة اللبنانية بعيدة عن أي تصعيد في حال حصلت المواجهة العسكرية( مع تأكدينا أن احتمالاتها ضعيفة جدًا )... وهكذا، تكون رسائل السيد نصرالله وسيلة لمنع الحرب وليس لاستجلابها.