2018/09/20

المحكمة الخاصة بلبنان: التوسع لمحاكمة "النظام السوري"؟


تختتم المحكمة الخاصة بلبنان جلسات المُرافعة النهائية تمهيداً لاستصدار قرارها النهائي الذي بات معروفاً للجميع، والذي راهن عليه الكثير داخلياً وخارجياً لإحراج كل من النظام السوري وحزب الله.

وكانت لافتة عودة الادّعاء في المحكمة في مرافعاته الختامية للإشارة إلى أن "النظام السوري في صلب مؤامرة اغتيال الحريري"، عِلماً أن هذا الاتّهام كان قد سقط منذ عام 2009، ولم يتم ذكره منذ عام 2011 حين صدر القرار الاتّهامي لدانيال بلمار واتّهم فيه صراحةً عناصر من حزب الله بالقيام بذلك الاغتيال، مستنداً إلى دليل "داتا الاتصالات" الضعيف، والذي أثبتت لجنة الاتصالات البرلمانية في مجلس النواب اللبناني أن الاتصالات في لبنان مُخترّقة من العدو الإسرائيلي.

وقعت حادثة اغتيال الرئيس الحريري في مرحلة بالغة التوتّر، عربياً ودولياً على أثر احتلال الأميركيين للعراق. وما أن حصل الاغتيال، حتى تقاطعت مصالح فرنسية -أميركية- عربية بالتنسيق مع أطرافٍ داخليةٍ لبنانيةٍ، فأنشئت لجنة تحقيق دولية في اغتيال الحريري وبعدها المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ومهمتها الأساسية "غير المُعلَنة" كما حددها لها الرئيس الفرنسي جاك شيراك "قتل النظام السوري" (عبارة حرفية أوردها فرنسوا نوزيل في كتابه "سر الرؤساء"، ولم يتم نفيها من قِبَل شيراك).

ومنذ لحظة اغتيال الحريري في شباط 2005 حتى عام 2009، لم تُشر التقارير التي أصدرتها "لجنة التحقيق الدولية المستقلّة" المُكلّفة بالتحقيق مُطلقاً إلى حزب الله أو أحد عناصره، بل خلصت التقارير إلى أن "خيوطاً كثيرة تشير إشارة مباشرة إلى تورّط مسؤولي أمن سوريين في حادث الاغتيال". وفي أيار 2009، نشرت مجلة "دير شبيغل"، مقالاً ذكرت فيه بقدرٍ كبيرٍ من التفصيل كيف شاركت عناصر من حزب الله في جريمة القتل، وكيف اكتشفت "لجنة التحقيق الدولية" ارتباط أولئك العناصر في حادث الاغتيال. وتتحدّث أن أحد عناصر الحزب "ارتكب طيشاً لا يُصدَّق" حيث اتصل بصديقته بواسطة هاتف خليوي تمّ استخدامه في عملية الإغتيال، ما أتاح للمُحقّقين فرصة تحديد الرجل. وتوالت التسريبات، وتوالت السيناريوهات التي تربط حزب الله باغتيال الحريري، وصولاً إلى القرار الاتّهامي الذي اتّهم أربعة عناصر من حزب الله، ثم أُضيف إليهم شخص خامس.

واللافت اليوم الغبطة التي سادت أوساط المعارضة السورية وبعض اللبنانيين من قوى 14 آذار، حول إعادة ربط الاتّهام للنظام السوري، مُعتبرين أن هذا قد يكون تمهيداً لفتح ملفات "النظام" واتّهامه بارتكاب جرائم أخرى في الحرب السورية، ولنا على هذا الأمر ملاحظات عدّة:

أولاً: إن اختصاص محكمة لبنان هو اختصاص ضيِّق جداً وصلاحياتها أضيق من أيّة محكمة دوليّة مرّت في تاريخ المحاكم الدولية. فلا يدخل ضمن اختصاصها النظر في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكبت حتى في لبنان في السنوات أو العقود الأخيرة، ولا حتى تلك الاغتيالات وأعمال التفجير التي جرت في لبنان بالتزامُن مع اغتيال الحريري، إلا في حال كانت مُرتبطة ومُتلازِمة، ومُماثلة في طبيعتها وخطورتها لجريمة الحريري، وقد وجدت المحكمة أن القضايا المُترابِطة مع قضية اغتيال الحريري هي حصراً: محاولة اغتيال مروان حمادة، ومحاولة اغتيال إلياس المرّ، وقضية اغتيال جورج حاوي.

وهذا يعني عدم إمكانية ضم أية قضية أخرى إلى اختصاص المحكمة، ولا توسيع إطار صلاحيتها للنظر في الجرائم المُرتكَبة على الأراضي السورية.

ثانياً: إن عبارة "النظام السوري" هي عبارة فضفاضة، فالمسؤولية الجنائية في القضاء الجنائي الدولي هي مسؤولية فردية، أي أن اتّهاماً لمسؤولين سوريين يجب أن يتم ذكره بالإسم، وليس ضمن عبارة فضفاضة لا يمكن الاستناد إليها في أيّ اتهام جنائي.

ثالثاً: لقد أثبتت التجارب أن المحاكم الجنائية الدولية هي فعلياً وواقعياً "عدالة المُنتصرين"، إذ لم تستطع أي منها في كل مسارها منذ محاكمات نورمبرغ على أثر الحرب العالمية الثانية ولغاية اليوم، أن تقدّم مُنتصراً للعدالة، فلم يُحاكَم في نورمبرغ سوى الألمان المهزومين، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي وانتشار ثقافة تأسيس المحاكم لم يُحاكَم قادة الناتو ولا مَن يدعمونهم في المحكمة الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة على قتل المدنيين في كوسوفو، ولم يتم التحقيق معهم في المحكمة على الاتهامات المُساقة للجنود بالتجارة بالأعضاء البشرية، ولم يُحاكَم أحد من قبائل التوتسي المُنتصِرة في رواندا، ولم يُحاكَم سوى المهزومين في كمبوديا إلخ..

وهكذا نجد، أن المُنتَصر هو مَن يسنّ القانون، ويكتب التاريخ، ويُقيم المحاكمات للمهزومين ليُضيف إلى انتصاره الميداني انتصاراً تاريخياً وبراءة أخلاقية... وعليه، طالما لم تتم هزيمة "النظام السوري"، فمن الصعب جداً تأسيس محكمة دولية لمُحاكمة أركانه أو مسؤولية، بزعم ارتكاب جرائم حرب خلال النزاع.

وعليه، انطلاقاً مما سبق، إن أية محاكمة لجرائم الحرب المُرتكَبة في النزاع السوري، سيكون من المُتعذّر دولياً النظر فيها، وسيكون على الضحايا الطلب من الحكومة السورية لتقوم بنفسها بتأسيس غرف خاصة داخل محاكمها الوطنية لمُحاكمة مَن ارتكبوا جرائم حرب خلال النزاع المُسلّح في سوريا.

2018/09/13

ماذا وراء "افتعال" الأزمات في لبنان؟


تتشابه الأحداث بين لبنان والعراق، وتشتد الأزمات السياسية والإقتصادية والإجتماعية منذ الانتخابات البرلمانية التي حصلت في كلا البلدين، وفي وقت متزامن، لدرجة تخال أن المؤسسات انهارت فجأة دون سابق إنذار، وأن الانهيار الكبير بات قاب قوسين أو أدنى.
في لبنان على سبيل المثال، تستمر المديونية العامة في الارتفاع منذ تسعينيات القرن الماضي، والتقارير تشير الى أن السرقة والفساد والبيروقراطية والمحسوبية وتضخم القطاع العام وغياب الانتاجية، قد أدّت الى نهب البلد على مدى عقود، أي منذ بدء سياسات إعادة الأعمار على أثر انتهاء الحرب الأهلية ولغاية اليوم... وبالرغم من ذلك، يبدو أن هنالك حملة مبرمجة إعلامية وسياسية وإقتصادية - بالدرجة الأولى- تهدف الى تحميل عهد العماد ميشال عون المسؤولية عن الانهيار المتمادي للدولة والاقتصاد منذ ما بعد الطائف، وتعطي إنطباعًأ بأن البلد سينهار فجأة فوق رؤوس أبنائه، ما يدفعهم الى الإحباط واليأس مصحوبًا بركود اقتصادي، وكأن البلد لا يكفيه الركود الذي حصل بعد توقف القروض الإسكانية وارتفاع أسعار الفائدة التي جمّدت الأسواق.
بالطبع، لن يُسمح لأي من البلدين أن يحصل فيه الانهيار الكبير، بل المطلوب أن يستمر الإستنزاف عبر الأزمات، لأن المنطقة الجغرافية الممتدة من إيران الى لبنان، تعرف بأنها من ضمن "قوس الأزمات" الشهير، وتعني تلك المحكومة دائمًا بالأزمات بسبب وقوعها في منطقة تنازع نفوذ قوى كبرى.
وإذا كان لا بد من قراءة موضوعية لأزمات لبنان القديمة والجديدة- "المفتعلة"، نجد أنها قد تسعى لتحقيق لأهداف عدّة، يبدو أهمها:
- يدرك الأميركيون جيدًا أن اجتثاث النفوذ الايراني من لبنان بات من المستحيلات، لذا فهم يقاتلون عبر حليفهم السعودي وأصدقائهم في لبنان، ساعين الى إخراج لبنان من دائرة النفوذ الواقعي "الأميركي - الإيراني" المشترك، وجرّه الى مكان يتقلص النفوذ الايراني فيه الى أدنى مستوى وتوسيع نفوذ الأميركي - السعودي فيه الى أقصى حد.
- يؤمل من إضعاف قوى المقاومة وحلفائها في لبنان، أن يؤدي لبنان دورًا وظيفيًا هامًا في المستقبل؛ وهو تشكيل سدّ منيع للنفوذ الروسي المستجد في المنطقة، والتأسيس لمساحة نفوذ أميركية - غربية يمكن لها مراقبة التصرفات الروسية والتأثير على سياسات ما بعد الحرب في سوريا، والتعويض من خلال لبنان عما فقده الغرب من تأثير ونفوذ على سوريا، بسبب خسارته الحرب هناك.
- تهدف الحملة المبرمجة التي تسعى لاستهداف عهد الرئيس عون وإفشاله، وتحميله شخصيًا مسؤولية التآكل والانهيار المتمادي منذ ما بعد الطائف، الى معاقبته على دعمه للنظام السوري في بداية الحرب في سوريا وانتشار الارهاب والتكفير، ولارتباطه التحالفي مع حزب الله (الذي يجب أن يُمنع من استثمار انتصاره في الانتخابات النيابية). يضاف الى ذلك، إن إضعاف الرئيس "القوي" وحشره في دائرة الاتهام، يهدف الى منع لبنان - الدولة من استثمار الانتصار الذي يتحقق في سوريا ومن استقرار الدولة السورية، ليبقى لبنان - الساحة التي يتم الانطلاق منها لتكريس واقع سياسي جديد في سوريا فشل تحقيقه عبر الميدان.
وتبقى المشكلة الكبرى التي يعانيها لبنان الواقع اليوم ضمن نفوذ مزدوج أميركي- إيراني، أن الدول الصغيرة في منطقة "قوس الأزمات" يكون لها أهميتها، مهما كان حجمها ودورها، فإنتقال تلك الدولة الصغيرة - بغض النظر عن أهميتها وصغر جغرافيتها - من محور الى آخر، سيخلّ بتوازن القوى القائم على أسس هشّة في ذلك القوس، هذا يعني أن أيًا من طرفي الصراع الدولي والاقليمي على أرض لبنان لن يتنازل بسهولة عن نفوذه في لبنان، مهما انعكس ذلك على الداخل اللبناني.  وهذا يعني أن على اللبنانيين انتظار جلاء غبار المعارك الاقليمية الممتدة عبر القوس، وانتظار نتيجة  لعبة "عض الأصابع" الأميركية الايرانية، لينعموا ببعض من الهدوء والأمان والاستقرار.

2018/09/05

سوريا: دور الحرية الدينية في بناء السلام


كان لافتًا تصريح وزير الخارجية الفرنسي جون إيف لودريان، الذي اعتبر بأن الرئيس السوري بشار الأسد فاز في الحرب الدائرة منذ سبع سنوات، ولكن ذلك لن يحقق السلام في سوريا، ولفت أن السلام مستحيل بدون تسوية يضمنها الوسطاء الدوليون.

نعم، قد يكون السلام، بالمعنى السلبي، أي غياب العنف ليس كافيًا لدولة مثل سوريا، خارجة من سنوات سبع من الحرب والدمار والتشظي الاجتماعي، بل إن السوريين بحاجة ماسّة لإحلال مفهوم السلام بمعناه الايجابي، أي المصالحة المجتمعية، والقيام بإجراءات تمنع تكرر العنف وتمكين المجتمع والسير به نحو حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى تقوية المؤسسات السياسية والاقتصادية والقانونية لمنع اندلاع النزاع مجددًا، والأهم في الحالة السورية، وبعد سنوات عجاف من مشاهد التكفير والذبح، هو تكريس الحرية الدينية.

ما الذي يمكن أن تحققه الحرية الدينية في المجتمع السوري؟

أولاً- المساهمة في النمو الاقتصادي

لقد أظهرت الدراسات المختلفة أن تزايد مستوى العنف في العالم، وزيادة الاضطرابات الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين، يعود بشكل رئيسي الى أسباب إقتصادية إجتماعية، بالاضافة الى التضييق على الحريات ومنها الحرية الدينية حيث بات الدين اليوم مصدرًا من مصادر النزاعات وسببًا لتفاقم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.

إن جو الحرية العام يساهم في خلق مناخ ايجابي للاستثمار في البلد والعكس صحيح، كما إن تفضيلات التاجر والمستهلك الذي يفضل أن يقوم بالمبادلات التجارية مع الشخص الذي ينتمي الى نفس الدين أو المذهب، قد تؤثر سلبًا على الاقتصاد والتبادلات الاقتصادية الداخلية وهو ما يرتد سلبًا على الانفاق الكلّي للمجتمع وتنمية المناطق. وقد أثبتت احصاءات صندوق النقد الدولي، أن المؤشرات تفيد عن علاقة طردية بين النمو الاقتصادي واحترام الحرية الدينية في العالم.

        ثانيًا- التخفيف من غلواء التطرف الديني

تشكّل الحرية الدينية عاملاً مخففًا لغلواء التطرف الديني، فالسماح للمتدينين بالتعبير عن أفكارهم في المجتمع والتصرف بحرية بشكل يمنع استغلال شعورهم بالتهميش والضغط والقمع، ما يسهم في التخفيف من غلواء التطرف والنزعة لاستعمال وسائل عنفية للتعبير عن أنفسهم في المجتمع.

        ثالثًا- المساهمة في عمليات العدالة الانتقالية

        إن إنتشار أفكار الحرية الدينية والسياسية وتمكين المرأة واحترام الخصوصيات الثقافية، واستخدامها كأساس للتعليم وبناء المجتمع، سوف تسهم إسهامًا عمليًا في عمليات العدالة الإنتقالية التي تحتاجها سوريا كبلد خارج من إرث من الصراع الذي اتخذ الدين أحد وجوهه العميقة والنافرة.

وتفيد دراسة بعنوان God's century  أن 30 حالة من مجموع 78 دولة شهدت تحوّلاً ديمقراطيًا في العالم، كان للقادة الروحيين دور أساسي وفاعل في بناء السلام. وجدت تلك الدراسة أنه في 8 من بين 19 قضية مدروسة، ساهم القادة الروحيون الواعون الى أهمية بناء السلام، والمؤمنون بحرية الإيمان والعقيدة، في عملية بناء السلام من خلال المساهمة في تعامل مجتمعاتهم مع إرث الماضي من الانتهاكات، حيث قاموا  بتشجيع المواطنين على المسامحة والغفران، وعلى تأسيس لجان المصالحة والحقيقة، والتعويضات وغيرها.

        ولعل الأشهر في هذا المجال، هو المطران ادموند توتو الذي قاد لجنة المصالحة والحقيقة في جنوب أفريقيا، وكان نجاحها سببًا لشهرة لجان الحقيقة حول العالم. وبدرجة أقل من الشهرة، ولكن بشكل لا يقل عنها أهمية، كانت تجربة غواتيملا حيث قاد المطران جيراردي الكنيسة لتأسيس لجنة مصالحة وطنية، ساهمت الى حد بعيد في تخفيف المعاناة الانسانية وساعدت الضحايا نفسيًا وروحيًا.



إذًا، قد يكون في تصريح الوزير الفرنسي نوع من الإقرار بأن ما أسماه "الوسطاء الدوليون"، لن يقبلوا بالإقرار بالهزيمة وإن الدول الكبرى لن تسلّم بالهزيمة بسهولة، ولن تسمح بإحلال سلام متكامل في سوريا بدون أن تكون هي الضامن للحل السياسي الذي يحقق بها مصالحها.

وعليه، يجب على السوريين أن يأخذوا المبادرة بأنفسهم. إذ ليس من الصعب أبدًا على سوريا أن تدخل مرحلة بناء السلام المجتمعي بعد أن تنتهي العمليات العسكرية وتعود الأراضي السورية كافة الى حضن الدولة.

الأهم، أن تنطلق مقاربات ما بعد الحرب، من حلول تركّز على النتائج outcome-oriented ، إلى حلول تركّز على العلاقات في المجتمع  relationship-oriented  فتعتمد مبدأ "تحويل الصراع" الى سلام إيجابي مستدام، عبر التركيز على أولوية تحقيق التنمية وخلق ثقافة تُتيح مشاركة المجتمع المدني، للوصول إلى حلول سلمية وترميم العلاقات الإجتماعية، وتحويل جذور الصراع لعدم تكراره مجددًا .


2018/08/29

الحرب الأصعب: هل نربحها؟

يعاني العالم بشكل عام، ودول العالم الثالث بشكل خاص من هيمنة ثقافية غربية، تجنح الى فرض مفاهيم غربية ليبرالية وأدوات ثقافية موحدة على العالم تحت شعار "حقوق الإنسان"، و"حقوق الشعوب".
ولعل المخيف في الأمر هو سيادة فكر واحد ينتشر في أرجاء المعمورة، ومن يخالفه عليه الشعور بالخجل والعار، لذا عليه أن لا يتجرأ ويفصح عما يجول في مكنونات قلبه أو تفضيلاته خوفًا من "العار المفترض". على سبيل المثال، وبعيدًا من السياسة، إن معارضة زواج المثليين في الغرب قد تكون سببًا في اتهامك بأنك ضد حقوق الإنسان، وأنك تشجع "ثقافة الكراهية"، وعليك أن تخجل من نفسك، وتتراجع عن معتقداتك التي لا تتلاءم مع التفكير السائد.
أما في السياسة، فلقد اختلطت في الفضاء الاعلامي والسياسي العالمي، مفاهيم المقاومة والإرهاب، والسيادة والشرعية ... وأصبحنا أمام محاولات دائمة لفرض توصيفات محددة على بعض المجموعات أو الظواهر، فالمقاومة المشروعة يتم شيطنتها إعلاميًا، بحيث يصبح من الصعب على الإنسان المجاهرة بتأييدها، وإلا أصبح مؤيدًا للإرهاب، وهكذا دواليك.
إن هذه الظاهرة، تعيدنا الى واقع "الهيمنة الثقافية" التي كان المفكر اليساري أنطونيو غرامشي قد تحدث عنها في أواخر القرن التاسع وبدايات القرن العشرين، حيث اعتبر أن كل طبقة حاكمة لا تعتمد فقط على السيطرة المادية والقهرية والسياسية للمجتمع المحكوم، ولكن أيضًا على الهيمنة الفكرية، أي على اختراق المجتمع والتأثير فيه فكريًا من خلال فرض نظام القيم الخاص بها وإطارها الفكري ومُثلها ومعاييرها للصح والخطأ، وهو الأمر الذي يساعد على جعل سيطرتها أطول عمرًا وأكثر فعالية.
وهكذا توصل غرامشي الى خلاصة هامة مفادها أن الهيمنة الثقافية  ضرورية من أجل نجاح سلطة ما، كما إن أي طبقة إجتماعية تريد السيطرة وضمان السلطة والقيادة عليها تكوين هيمنة ثقافية على الآخرين، إذ أن التجارب تثبت أن تفوق مجموعة اجتماعية معينة يظهر بطريقتين اثنتين: من خلال السيطرة والإخضاع بالقوة، وكقيادة فكرية ووجدانية وقيمية.
هكذا إذًا، وسواء سميناها القوة الناعمة التي تهدف للسيطرة على القلوب والعقول، أو سميناها هيمنة ثقافية، فإن الهدف المتحقق هو واحد: السيطرة على العالم عبر فرض قيم موحدة لا يتجرأ أحد على تحدّيها أو رفضها وإلا تمّ رميه بتهم العار أو تمت شيطنته.
ولعل انتشار وسائل الاتصال الحديثة التي زاحمت الإعلام التقليدي، قد جعلت من الهيمنة الثقافية والحرب الناعمة أكثر قدرة على التأثير والانتشار والفعالية، إذ أن محترفو الاعلام يقومون بترتيب حملات إعلامية وهجومات على الخصوم لمنعهم من المجاهرة بالرأي المخالف، أو للتأثير على الإقتصاد أو الانتخابات أو التوجهات السياسية.
إذًا، ما العمل، وكيف السبيل للمواجهة؟.
نعود الى غرامشي، الذي اعتبر أن على كل طبقة أن تنتج مثقفيها العضويين، لتحدّي "الهيمنة الثقافية" السائدة، أي أن المعايير التي فرضتها الدول المهيمنة ثقافيًا على العالم لفرض سيطرتها، يجب أن لا تعتبر طبيعية أو حتمية، ويجب تغييرها وتحدّيها باعتبارها آداة للهيمنة. ودعا غرامشي الى تعديل أسلوب المثقف التقليدي، وخلق مثقف من نوع جديد، والانتقال من البلاغة التي هي محرك خارجي مؤقت للمشاعر والعواطف، الى المشاركة الإيجابية في الحياة العملية.
هذا يعني أن على شعوب العالم الثالث، وعلى القوى التي تريد تحدّي الهيمنة الثقافية التي باتت أخطر بكثير من الهيمنة العسكرية، أن تعمل على رفع مستوى الوعي الإجتماعي لديها، والسعي لإنتاج طبقة من المثقفين يبتعدون عن البلاغة والخطابات الرنانة وتحريك الغرائز، ويتحولون الى فاعلين إيجابيين ينشرون القيم الخاصة بهذه القوى، والتأسيس لثقافة سياسية جديدة يتم نشرها بالإقناع.
لا شكّ أننا نعيش اليوم في الشرق الأوسط، حربًا متعددة الوجوه، منها العسكري والثقافي والإجتماعي والتكنولوجي، وقد نجد يومًا أن الإنتصار في معركة التحرير العسكرية  قد يكون الأسهل بينها والأصعب هو التحرر الذي يحتاج وعيًا ثقافيًا، فهل من بيننا مَن يتصدى لمهمة نشر الوعي الثقافي وتحدّي الهيمنة الثقافية للغرب؟.

2018/08/22

حروب ترامب التجارية: هل تشعل حرباً عالمية؟


ما زالت شخصية ترامب تثير الكثير من التساؤلات والانتقادات على الصعيدين الداخلي والخارجي. في الداخل تشتد الانتقادات لترامب بسبب شخصيته المثيرة للجدل، وبسبب تغريداته وتصريحاته التي لم يعرف الجمهور الأميركي مثيلها في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة، كما بسبب التحقيق الذي تجريه السلطات حول تدخل روسيا المزعوم في الانتخابات الأميركية والتي أوصلت ترامب إلى السلطة.
أما على الصعيد الخارجي، فتتباين نظرة العالم إلى ترامب؛ فمن ناحية هو يتجه بسرعة وتهوّر كبيرين إلى الحروب الاقتصادية - يفرض العقوبات الاقتصادية على العالم ويهدد بالحمائية وفرض التعريفات الجمركية ويخلّ بأسس الاقتصاد والتجارة العالميتين- ومن ناحية ثانية هو غير معني بالحروب العسكرية ولا يريد التدخل العسكري في أي بلد، وغير معني بتغيير الأنظمة بالقوة، ولكنه في الوقت نفسه يبني جيشاً أميركياً هائل القدرات ويسلحه بأحدث التجهيزات ويكرّس للدفاع أعلى موازنة وأكثرها طموحاً في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.
نعم، قد يكون ترامب غير معني بالحروب العسكرية كونه يأتي من خلفية رجال الأعمال، وليس من الصقور المؤمنين بقدرة القوة العسكرية على تحقيق هيمنة أميركية على العالم، بالإضافة الى أن تجربة الأميركيين مع الاستخدام المفرط للقوة الصلبة قد أدّى إلى عكس ما يحلمون به من هيمنة إمبراطورية أميركية على العالم، نظّر لها المحافظون الجدد على عهد بوش ولكنها أتت بنتيجة معاكسة، حيث أدّت إلى تراجع النفوذ الأميركي في العالم، وازداد إلهام الشعوب وثقتها بقدرتها على تحدي الهيمنة الأميركية على دولها.
ولكن، في المقابل يقوم ترامب اليوم بحرب فعلية وحقيقية، فهو يفرض عقوبات على روسيا وتركيا وإيران وغيرها من الدول، والتي تؤثر بشكل كبير على اقتصادها وعلى عملتها، كما يقوم بفرض التعريفات الجمركية ويعتمد الأساليب الحمائية التي تضرّ بالاقتصاد الأوروبي والصيني وتزعزع أسس وقواعد التجارة العالمية التي أقرّت مع منظمة التجارة العالمية.
وهكذا، يكون في شخصية ترامب وفي سلوكه الخارجي، تناقض هائل، فالقول بأنه غير معني بالحروب العسكرية تدحضه التجارب التاريخية التي تؤكد أن الحروب العالمية، أو على الأقل الحرب العالمية الأولى نشأت بشكل أساسي بسبب السعي نحو زيادة القوة سواء العسكرية أو الاقتصادية.
لقد شهدت الفترة من 1875 وحتى عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى سباقاً محموماً بين الدول الرأسمالية في أوروبا الغربية، والتي كانت تعاني من أزمات اقتصادية وانخفاض معدلات الربح (وهو ما كان يعانيه الاقتصاد الأميركي ومعظم اقتصاديات أوروبا الغربية عند مجيء ترامب) مما دفعها للبحث عن أسواق جديدة في القارات الأخرى، آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، لتصريف الإنتاج، ولتصدير رأس المال كحل لأزمة انخفاض الربح... وهذا السباق المحموم أدّى إلى الحرب العالمية الأولى.
إذاً، هل يتجه العالم إلى حرب كبرى، يشعلها التنافس الاقتصادي، والعقوبات الاقتصادية والحرب التجارية التي يشعلها ترامب في أرجاء العالم والسباق المحموم بين الولايات المتحدة وباقي الدول الكبرى على الأسواق لتصريف الإنتاج ولتصريف فائض الرأسمال للشركات عبر الوطنية؟.
يمكن الاستعانة بالتجارب التاريخية للحروب العالمية، للقول إن الحروب التجارية وسباق التسلح المحموم الذي يشهده العالم والذي يغذيه ترامب عادة ما تؤدي إلى حروب عسكرية، للإجابة بنعم... لكن الردع النووي، وقدرة الدول على التدمير المتبادل المؤكد، وانتشار الأنماط الجديدة من الحروب ومنها الحروب اللامتماثلة (حيث تستطيع قوة صغيرة أن تهزم قوة عاتية) والحروب السيبرانية (والتي لا تحتكر تقنياتها الولايات المتحدة والقوى العالمية الكبرى وحدها)... تجعل من قيام حرب عالمية كبرى بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، صعبة التحقق لأن لا أحد رابح فيها بالإضافة إلى عدم اليقين حول نتائجها...
إنطلاقاً مما سبق، يمكن القول إن ما يقوم به ترامب على الصعيد الاقتصادي، سيدفع إلى مزيد من التوتر على الساحة العالمية، ولكنه لن يدفع إلى حرب عالمية كبرى، بل يعني فقط استمرار الحروب بالوكالة بين القوى الكبرى، بالإضافة إلى إعادة هندسة التحالفات العالمية التي ستفرضها المصالح الاقتصادية. أما المسرح العالمي لتلك الحروب، فيبدو لغاية اليوم: ساحة الشرق الأوسط الذي يستخدمه ترامب لمحاولة احتواء إيران وإخضاعها، وشرق ووسط آسيا لاحتواء النفوذ الصيني المتصاعد والتي حدد ترامب بأنها "أخطر من روسيا وأن من ينظرون إلى روسيا ويتجاهلون الصين هم أغبياء".

2018/08/16

هل يحقق ترامب النبوءة الماركسية؟

في مراجعة الاستراتيجيات الكبرى الأميركية، نجد أن أوروبا احتلت حيّزًا مهمًا من التفكير الاستراتيجي الأميركي. فمنذ الحرب العالمية الثانية - وبعض الباحثين يتحدثون عن ما قبل هذا التاريخ- اعتمدت الولايات المتحدة سياسة "أوروبا أولاً" ؛ وعلى الرغم من أن اليابان، وليس ألمانيا، هاجمت بيرل هاربور، حافظ الأميركيون على سياسة "أوروبا أولاً" طوال فترة الحرب.
كان الأدميرال هارولد ر. ستارك ، قائد العمليات البحرية الأميركية، المخطط الاستراتيجي لسياسة "أوروبا أولاً" الأميركية. وقد لخصت المذكرة التي أعدّها ستارك في 12 تشرين الثاني / نوفمبر 1940 مأزق الولايات المتحدة إذا وجدت نفسها في حرب على جبهتين، بقوله: "إذا فازت بريطانيا بحسم ضد ألمانيا، فبإمكاننا الفوز في كل مكان. ولكن إذا خسرت... بينما قد لا نخسر في كل مكان، ربما لا نفوز في أي مكان".
وانطلاقًا من هذه المسلمة الاستراتيجية، اعتمد روزفلت عام 1941، استراتيجية "أوروبا أولاً" والتي اعتمدها جميع الرؤساء الأميركيين من بعده، فكانت خطة مارشال، وكان التحالف الاستراتيجي المستمر بين الولايات المتحدة وأوروبا طيلة عقود طويلة جعلت "الغرب" يبدو ككتلة متراصة، تنسّق سياساتها الخارجية والأمنية والإقتصادية، وجعلت الولايات المتحدة تنشر قواعدها العسكرية لحماية أوروبا من أي تهديد خارجي.
حتى خلال الحرب الباردة ، استمرت أوروبا ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة أكثر من آسيا، ولهذا السبب كان الأميركيون يحوّلون القوات الأميركية من آسيا الى أوروبا عندما يزداد التشنج بين القطبين.
أما اليوم، ولأول مرة في التاريخ الأميركي منذ عهد الرئيس روزفلت، يضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أوروبا في مصاف "الأعداء" أو "الخصوم"، معتبرًا أن واشنطن تتحمل 91 % من تكلفة أمن أوروبا، وإن الناتو الذي تصرف عليه الولايات المتحدة عشرات مليارات الدولارات هو لخدمة الأوروبيين وليس الولايات المتحدة...
وبالرغم من عدم إدراج أوروبا ضمن التهديدات المحتملة في الاستراتيجية التي أعلنها البيت الأبيض في كانون الأول / ديسمبر الماضي، تعدّ هذه التصريحات وغيرها، قطيعة مع مسار ثابت في سياسات الأمن القومي الأميركية منذ بدء إعلانها مع روزفلت ولغاية اليوم، والتي تعتبر أمن الولايات المتحدة من أمن أوروبا وبالعكس.

ولقد دخل ترامب في نزاع مع الأوروبيين، ومعظم دول العالم الغربي، بعدما  فرض رسومًا على واردات الألمينيوم والصلب الأوروبية، وهدد بفرض رسوم جمركية على السيارات الأوروبية المستوردة. ولولا التنازلات العديدة التي قدمها الأوروبيون ضمن الاتفاقية التي عقدها ترامب مع يونكر، ومنها إقامة موانئ لإستيراد الغاز المسال الأميركي، لدخل الاوروبيون والأميركيون في حرب تجارية كانت ستقضي على النمو في أوروبا وعلى آلاف الوظائف.
وهكذا، يدخل ترامب في حرب تجارية وعقوبات اقتصادية مع الحلفاء والخصوم على حدٍ سواء، ويقطع مع الاستراتيجيات الأميركية السابقة التي كانت تعتبر ان "قيادة" أميركا للغرب والنظام الرأسمالي ومؤسساته الإقتصادية، والمحافظة عليهم، يعد أمرًا حيويًا بالنسبة للأميركيين.
وإذا صحّ ما اعلنه ترامب في تغريداته، أن "الاقتصاد الأميركي ينمو بسرعة، وأن معدلات البطالة هي الأفضل منذ 50 عامًا، وأن العديد من الشركات الكبرى تعود إلى الولايات المتحدة"، فهذا يعني أن الجمهوريون قد يسيطرون على الكونغرس الأميركي في الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ما يطلق يد الرئيس في تنفيذ سياساته. وهكذا قد تنتقل الولايات المتحدة من "الاستراتيجيات الكبرى" الى عهد "الترامبية"، والتي قد تحوّل الكتلة الغربية المتراصة والتحالف الاستراتيجي الأميركي - الغربي الى شيء من الماضي...
وبالتالي، هل يكرّس ترامب مقولة كارل ماركس، من أن النظام الرأسمالي يحمل بذور انهياره من الداخل بسبب الجشع والطمع الذي سيخلق الأزمات داخله، وسيؤدي الى تفككه في النهاية؟.

2018/08/09

العلاقات التركية - الأميركية: الى أين؟


تمر العلاقات التركية الأميركية في واحدة من أسوأ مراحلها، فقد وافق الكونغرس الأميركي، على قرار تأخير تسليم مقاتلات "إف 35" إلى تركيا، كما فرض الأميركيون عقوبات على وزيري العدل والأمن الداخلي التركيين، ردًا على رفض أنقرة إطلاق سراح القس الأميركي أندرو برونسون، الذي يحاكم في أنقرة بتهم دعم الإرهاب والإشتراك في محاولة الانقلاب الفاشل عام 2016.
وبينما يشير البعض الى أن التصعيد الأميركي في قضية برونسون، تعود الى انتماء القسّ الى نفس الكنيسة الإنجيلية التي ينتمي إليها نائب الرئيس نائب الأميركي مايك بنس، يشير البعض الآخر الى حاجة الجمهوريين الى أصوات الإنجيليين في الانتخابات الكونغرس القادمة في شهر تشرين الثاني / نوفمبر المقبل.
وبالرغم من كل هذا التصعيد، وبغض النظر عن الأسباب المطروحة أعلاه، فإن ملفات عدّة باتت تثير إشكالية التعاون والتنافر بين الأميركيين والأتراك، فالقضايا التي تدفعهما الى التوتر هي نفسها ما يفرض عليهما التعاون، ونذكر من هذه الملفات ما يلي:
- الملف الكردي: يقلق الأتراك من الدعم غير المحدود الذي قدمه الأميركيون الى أكراد سوريا، وقيامهم بإنشاء قواعد عسكرية لحماية مناطق قسد ما يغري الأكراد بالإنفصال. لكن، وبالرغم من التوتر الذي نتج عن هذا الملف، فإن التركي يدرك أنه لا يمكن له ثني الأميركيين عن دعم الإكراد السوريين إلا بتقاربه معهم وتقديم خدمات عسكرية في الداخل السوري، تجعل البنتاغون ضنينًا على العلاقة بتركيا أكثر من علاقته بالأكراد.
- العلاقة التركية- الروسية، والتي دفعت البلدين الى التقارب بعد قيام تركيا بالاشتراك في آستانة بصفتها دولة ضامنة، وصفقة "أس 400"، بالاضافة الى مشروع السيل التركي الذي يهدف من خلاله الروس مدّ الغاز الطبيعي الى أوروبا ليكون بديلاً عن الأنبوب الأوكراني.
وفي هذا الإطار، يحتاج الأميركيون للتعاون مع الإتراك لتسهيل إمدادات الغاز عبر الخط الغربي (تاناب) الموازي للخط الروسي، والذي من المتوقع أن ينقل الغاز من أذربيجان الى أوروبا ويكسر الاحتكار الروسي لإمدادات الطاقة.
- العلاقة التركية - الإيرانية: يتهم الأميركيون الأتراك بمساعدة الايرانيين سابقًا على الإلتفاف على العقوبات الأممية التي فرضت عليهم في الملف النووي، وتشهد محاكم الولايات المتحدة الأميركية محاكمة متورطين أتراك من أفراد وبنوك في هذه القضية. أما اليوم، وبعد إعلان ترامب إنسحابه من الإتفاق النووي، ودعوته الجميع للانخراط في هذه العقوبات، ردّ أردوغان بأن تركيا غير معنية بما يريده ترامب.
وخشية من فرض عقوبات أميركية على أثر الأحكام المتوقعة في قضية بنك خلق الحكومي التركي، والتي ورد إسم أردوغان وعائلته فيها، أعلن البنك المركزي التركي (في نيسان / أبريل 2018) أنه سحب كل الاحتياطي التركي من الذهب من النظام الاحتياطي الفدرالي الأميركي، كما حذت حذوه البنوك التركية الخاصة التي قامت أيضًا بسحب احتياطياتها من الذهب، استجابة لدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “للتخلص من ضغط سعر العملات واستخدام الذهب ضد الدولار”، وبذلك يكون مجموع ما سحبه الأتراك على مدى سنتين (2016-2017) 220 طنًا من الذهب.
-العلاقة مع الصين: أعلنت تركيا صراحة وعلى لسان رئيسها رجب طيب أردوغان، رغبتها الانضمام الى البريكس، في تكريس واضح لنهج تتمايز فيه عن حلفائها في حلف شمالي الأطسي. ولقد أثار هذا الإعلان حفيظة الأوروبيين والأميركيين، بالإضافة الى حصول تركيا على حزمة قروض بقيمة 3.6 مليارات دولار، من المؤسسات المالية الصينية للاستثمار في مجال الطاقة والمواصلات.
 يحتاج الأميركيون للأتراك في أي محاولة مستقبلية لإحتواء الصعود الصيني العالمي ولإحتواء تداعيات مبادرة "طريق الحرير الجديد" الصيني، وذلك لما لتركيا من امتدادات عرقية ونفوذ في آسيا الوسطى، وخاصة في إقليم "تشينج يانغ" الصيني (يسميه الانفصاليون تركستان الشرقية)، حيث يعيش "الإيغور" ذوي الجذور التركية.
وكانت التقارير قد أشارت الى أن الأتراك قاموا بتدريب الآلاف من الايغور ضمن ما يسمى "الحزب التركستاني"، والذي يتواجد بشكل أساسي في محافظة إدلب في سوريا. وكان "أمير" الحزب التركستاني في إدلب (في تشرين الثاني /نوفمبر 2017) قد وجّه تهديدًا مباشرًا للحكومة الصينية ودعا إلى "الجهاد" ضدها.
إذًا، إنطلاقًا من كل سبق، يبدو من الصعب الاستمرار في القطيعة بين الأميركيين والأتراك بسبب تشابك المصالح، وبسبب الأوراق الهامة التي تملكها تركيا بفعل موقعها الجغرافي المتميز، وامتلاكها الكثير من الأوراق الاستراتيجية في كل من الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وتحوّلها الى "مركز الطاقة العالمي energy hub" حيث يتنافس على خطب ودها محورا الشرق والغرب معًا. وعليه، سيجد الطرفان (الأميركي والتركي) وسيلة لتخفيف التوتر المتزايد بدون العودة الى سابق عهدهما، إذ يفضل الأتراك البقاء في نقطة وسط بين المحورين، بعدما استفادوا من هذا التمايز لتحقيق مصالح تركية صافية.