2018/04/19

هل ينسحب الأميركيون من سوريا؟


د. ليلى نقولا
تتسارع الأحداث السورية والدولية منذ العدوان الثلاثي على سوريا والضربة الصاروخية التي وجهتها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الى مواقع بحثية سورية، ردًا على هجوم كيمياوي مزعوم في دوما، وانتصارًا لـ "شرف" المجتمع الدولي كما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وبالرغم من الضربة، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما زال مصرًا على سحب الجنود الأميركيين من سوريا، ودعا الدول الحليفة الى الحلول مكان الدول القوات الأميركية لتأمين الأمن والاستقرار في المنطقة التي سينسحب منها الأميركيون. دعوة تصدى لها وزير الخارجية السعودي وأعلن أن "التحالف الاسلامي" مستعد لإرسال هذه القوات. وفي العدوان والاعلان عن الإنسحاب تناقض كبير، ففي الأول مزيد من الإنخراط في الحرب السورية وفي الثاني انسحاب منها، فكيف سيكون المشهد في الفترة المقبلة؟.

- واقعيًا، تشبه الدعوة الى الحلفاء لتأمين جنود للحلول مكان الاميركيين، الدعوة التي وحهها أوباما الى الحلفاء لتدريب "جيش سوري" لكي يؤمّن الأراضي التي يتم السيطرة عليها، فتنطحت كل من السعودية وتركيا لهذه المهمة. عجزت السعودية، فقامت تركيا باستضافة معسكرات تدريب أميركية لمعارضة "معتدلة" سرعان ما استسلم عناصرها لجبهة النصرة وسلموها أسلحتهم الأميركية وأنتهت الفكرة بدفع الملايين من الدولارات من جيوب الملكفين الاميركيين بدون نتيجة ميدانية على الأرض.

- إن تنطح السعودية لمهمة إرسال قوات عسكرية الى سوريا، لا يعني أن بإمكانها فعل ذلك، وحتى إن دول التحالف الاسلامي الذي تحدث عنها الجبير لا تبدو قادرة عمليًا، فمصر غارقة في مشاكلها الأمنية الداخلية والارهاب الممارس ضد القوى الأمنية والأقباط هناك. بالاضافة الى الخطر المتأتي من جهات عدّة وأهمها سيناء وليبيا والحدود المتفلتة التي تحتاج الى جهود الجيش المصري لضبطها ومنع انفلات الحدود بما يشكّل خطرًا على الأمن القومي المصري.

أما السعودية فالمرتزقة التي استقدمتها من دول اسلامية فقيرة، وجيشها وقوتها العسكرية والمادية مستنزفة في الحرب اليمنية التي لا تشي بنهاية قريبة، بالاضافة الى الاختراق اليمني للحدود والصواريخ الباليستية التي تصيب عمق الأراضي السعودية وصولاً الى الرياض.

وتبقى قطر التي لا تملك جيشًا كبيرًا، وهي تعيش قلقًا أمنيًا يتجلى بتهديد دول الحصار الدائم لها، ولولا الحماية التركية والتدخل الأميركي لما استطاعت قطر أن تفلت من تدخل عسكري خليجي في إقليمها يطيح بالعائلة الحاكمة وينصّب حاكمًا آخر مكان تميم بن حمد بن خليفة.

- وتبقى تركيا، وهي الطرف الأقدر على القيام بالمهمة وذلك لتواصلها الجغرافي والحدود المشتركة التي تربط الأراضي التركية بالجزء الذي يسيطر عليها الأميركيون في سوريا، بالاضافة الى قدرات الجيش التركي الكبيرة، والنفوذ التركي على مجموعات كبيرة من المسلحين في الداخل السوري والتي يجعلها تسلّم مهمة الأمن في الأرضي التي احتلتها عبر درع الفرات وعملية غصن الزيتون الى قوات محلية سورية، وإبقاء جيشها بعيدًا عن المناطق السورية المأهولة.
ولكن دون مشاركة تركيا في هذه المهمة، عوائق ابرزها أن المكون الكردي الذي يقوم بمهمة الأمن الداخلي في مناطق سيطرة الأميركيين، لن يقبل أن تتسلّم تركيا القواعد العسكرية الأميركية وتسيطر على الاقليم التابع لهم. بالاضافة الى أن دعوة تركيا لتأمين الأمن والاستقرار في منطقة الشمال الشرقي السوري تبدو وكأنها دعوة الذئب لحراسة القطيع، ويعني بشكل أكيد أن الأميركيين قد تخلوا مرة أخرى عن حلفائهم، وتركوا الأكراد لمصيرهم في منطقة مغلقة يحيط بهم دول رافضة لأي فكرة استقلالية أو إنفصالية.

انطلاقًا مما سبق، يمكن القول أن مسألة الانسحاب الأميركي من سوريا وتسليم المنطقة الى أحد الحلفاء تبدو صعبة ومتعذرة واقعيًا. وهنا يكون أمام الأميركيين خيارات عدّة لمسألة انسحابهم فيما لو أصرّ عليها الرئيس ترامب:

- الخيار الأول: التخلي عن الاكراد وتسليم المواقع لتركيا مع ما في ذلك من خلط موازين القوى، وتقوية أردوغان الى حدٍ لا يرغبه الأميركيون والاوروبيون، ولكن قد يضطرون لذلك.

- الخيار الثاني: التفاهم مع روسيا وتسليم المنطقة للجيش السوري باعتباره صاحب السيادة على الأرض، وفي هذا تراجع وخسارة معنوية كبيرة لقوى التحالف الدولي التي لطالما صرّحت برغبتها بالتخلص من الرئيس السوري بشار الأسد.

- الخيار الثالث: سحب القوات الأميركية على أن تقوم قوى التحالف الغربي بتأمين النقص في الجنود، ويبقى الوضع كما هو عليه، وهو أمر صعب أن يقبله الغربيون بسهولة.

- الخيار الرابع: إبقاء القوات الأميركية وإبقاء الحال كما هو، الى أن يحين أوان الحل السياسي السوري، فيكون الوجود العسكري الأميركي ورقة ضغط على طاولة المفاوضات تضمن لهم تحقيق مصالحهم في سوريا، وتجبر القوى المتحاورة والدول الضامنة في أستانة على أخذ المصالح الأميركية بعين الاعتبار في أي حل سياسي سوري مستقبلي.

لا يمكن التكهن بالخيار المتبع، فالرئيس ترامب يصرّ على إبراز صورة عن نفسه "الرجل الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته"، والتناقض الذي شهده السلوك الأميركي بين الدعوة الى الانسحاب من سوريا، والقيام بضربة عسكرية في نفس الوقت، هو خير دليل على ذلك.


العدوان الثلاثي: الأهداف غير المصرّح عنها


أتت الضربة الصاروخية الثلاثية على سوريا والتي قامت بها دول ثلاث من حلف الناتو، مُفاجئة بحجم تواضعها وعدم تأثيرها على القدرات العسكرية والسياسية للجيش السوري، بل كانت مُفاجئة حتى لأقرب المقرّبين من دول العدوان، وخاصة إسرائيل التي أعلنت إن تأثير الضربة كان صفراً.

وكان مُفاجئاً أيضاً أن الرئيس الفرنسي ماكرون المُحرَج في تظاهرات داخلية رافضة لخطته الإصلاحية كان أكثر القادة الغربيين حماساً لها، تليه تيريزا ماي التي خالفت الأعراف المتّبعة في بلادها بالعودة إلى البرلمان قبل اتّخاذ قرار الحرب أو إشراك الجنود البريطانيين في تدخّل عسكري خارجي. بينما كان في أسفل سلّم المُتحمّسين للضربة، الأميركيون الذين انقسموا بين ترامب الراغب بتحقيق شيء ما يُبعد الأضواء عن أزماته الداخلية، ووزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس الذي بدا الأكثر عقلانية، في خضم ضجيج الحملة وقرع طبول الحرب.

يُجمع الباحثون على أن دراسة صُنع القرار في الإدارة الأميركية هي مغامرة صعبة، فهناك العديد من العوامل والظروف الموضوعية والتاريخية والاجتماعية، بالإضافة إلى تعدُّد اللاعبين والقوى في الصوغ والتأثير عليه، مع العلم أن أياً منها ليست له صفة الحسم في كل منها، فما يستطيعه طرف ما في قضية ما، قد لا يجعله المؤثّر الحاسم في كل القضايا.

بشكلٍ عام، تتأّثر عملية صُنع القرار في أية دولة بأمرين: الطرف المُقرِّر، والبيئة أو الظروف الموضوعية والزمانية والمكانية المتعلقة بالقرار، علماً أن الظروف التاريخية السابقة للقرار، والتأثيرات اللاحقة للقرار، تشكّل في ذهن صاحب القرار ومحيطه العديد من الدوافع السيكولوجية والموضوعية لاتخاذ القرار أو عدمه.

وتبدأ عملية صنع القرار عامة في السياسة الخارجية، بدوافع أساسية، أي الحاجة إلى اتخاذ قرار بسبب وجود تغيّرات في البيئة الخارجية، والذي يتأثّر بشكلٍ أساسي وحاسم بتقدير للموقف "Definition of situation"، أي نظرة صاحب القرار ورؤيته للتطوّرات، ووعيه للأخطار.

وانطلاقاً مما سبق، ومن خلال دراسة صنع القرار الأميركي في خيار الضربة أو عدمها، نجد أن وزارة الدفاع الأميركية جنحت إلى اتخاذ صيغة "الخيار العقلاني" (Rational choice)، الذي يؤمّن المصلحة الأميركية، أي دراسة البدائل، واختيار الموقف الأقل كلفة والأكثر ربحاً، وهو ما تجلّى في التحذير من الإنجرار إلى حربٍ مع الروس قد تبدأ في سوريا ولكنها ستنتقل حتماً إلى أماكن أخرى حيث قد يصطدم حلف الناتو بالروس في عديد من الأماكن ومنها أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى إمكانية انخراط عسكري إيراني في المعركة، يغلق مضيق هرمز، ويرفع أسعار النفط العالمية، بالإضافة إلى قدرة إيران على التأثير على الأمن القومي الإسرائيلي.

وبالنظر إلى المكاسب العسكرية التي تُقارب الصفر، وبنك الأهداف المتواضع الذي أشار إليه البنتاغون في الخريطة التي أبرزها لمواقع الضربة، قد تكون الأهداف الحقيقية للضربة الثلاثية على سوريا، مختلفة جداً عما تمّ التصريح به، ويمكن تصوّرها في ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:

- توجيه رسالة تحذير إلى الدول الضامِنة التي اجتمعت في أنقرة، بأن أيّ اتفاق لا يأخذ بعين الاعتبار المصالح الغربية في سوريا قد يؤدّي إلى تصعيدٍ عسكري، وأن الدول الغربية سوف تدافع عن مصالحها حتى لو أضطرت إلى استخدام القوّة.

- دقّ إسفين في التحالف المُتشكّل بعد أستانة، وذلك من خلال إعطاء أردوغان فرصة للابتعاد عن إيران وروسيا من خلال الإيحاء بأن الغربيين لا يفتقرون إلى الوسائل الضرورية التي تتيح لهم اعطائه الكثير من المكاسب. من هنا نفهم تلويح ترامب بالخروح العسكري من سوريا وإشارته الواضحة إلى تكليف القوى الإقليمية الحليفة بالمهمة في سوريا، وهذا ما قد يُغري أردوغان للابتعاد عن روسيا باعتباره الأقدر على تحقيق الهدف الأميركي بالانسحاب.

- إجبار الروس على الاعتراف بمصالح الولايات المتحدة الأميركية خاصة في الأهداف التي حدّدتها سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة نيكي هايلي، من أن بلادها لن تسحب قواتها من سوريا إلا بعد أن تكون أنجزت أهدافها. وحدّدت ثلاثة أهداف أهمها قد يكون على الإطلاق؛ حصول الولايات المتحدة على موقعٍ لمراقبة تصرّفات وأفعال إيران، وهو قد يكون بيت القصيد الأميركي من التصعيد في سوريا والذي جاء مُفاجئاً بعد إبداء الرغبة الأميركية في الانسحاب من سوريا.

إذاً، قد تكون الضربة الثلاثية استهدفت مواقع بحثية سوريّة، ولكنها على ما يبدو، رسالة عسكرية ذات أهداف سياسية موجّهة إلى الروس بالدرجة الأولى، وإلى الضامنين بالدرجة الثانية، من أن الحل السياسي لن يمر في سوريا من دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الغربيين، وإن أي تفكير بغير ذلك سيدفع ثمنه العالم أجمع.

2018/04/11

الصين وأميركا: سباق تسلّح بعنوانٍ تجاري؟


تتّجه كلٌ من الولايات المتحدة والصين للدخول في حربٍ تجارية بعد أن أعلنت الصين عن فرض 25% كرسومٍ جمركية على 106 مُنتَجات من السِلع الأميركية كردٍ على فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوم جمركية على 1300 مُنتَج صيني. ولم يكن الأميركيون يتوقّعون ردّاً قاسياً وسريعاً من قِبَل الصينيين، بل إن معظم الاقتصاديين المُقرّبين من الرئيس الأميركي كانوا يأملون بأن تبقى هذه المعركة في إطار التهديدات وألا تدخل تلك الضرائب الجمركية حيّز التنفيذ، لأنها ستضرّ بالأميركيين بشكلٍ كبير.

لم يكن ما قام به الصينيون مُفاجئاً، فالتصريحات الرسمية للصينيين تعكس بقوّة تبدّل السلوك الصيني الخارجي في العلاقات الدولية منذ عام 2011 ولغاية اليوم، فالسلوك الدبلوماسي المواجه للولايات المتحدة الأميركية والغرب عموماً في مجلس الأمن والذي تجلّى باستخدامِ الفيتو الصيني مراراً في مجلس الأمن، ينتقل اليوم إلى مجالِ التجارةِ العالمية، حيث يُدرِك الصينيون ألا أحد رابح في تلك الحرب التي بدأها ترامب، ولكن الصين "مُصمّمة على القِتال حتى النهاية"، كما صرّح نائب وزير التجارة الصيني.

والواقع، إن السياسة الخارجية لترامب اليوم، تعكس بدقّةٍ ما كان قد أعلن عنه في استراتيجية الأمن القومي الأميركي، من أن الصين وروسيا تشكّلان تهديداً للولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي على الولايات المتحدة أن تقوم باستراتيجية احتواء لكلٍ من البلدين. ويبدو أن تدابير "الاحتواء" المُتّبعة في سياق الحرب الجديدة بين كلٍ من الأميركيين من جهة والروس والصينيين من جهة أخرى، تتجلّى في عزلِ كلٍ من روسيا والصين تكنولوجياً ومحاولة فرض عقوبات اقتصادية تؤدّي إلى منعهما من التطوّر التقني والمَعرفي.

في ما خصّ الصين، لقد حذّر العديد من الباحثين والسياسيين والأمنيين في الولايات المتحدة من التطوّر الذي تشهده الصين على الصعيدين العسكري والاقتصادي وبالأخصّ في المجال التكنولوجي، ودعوا الإدارة الأميركية إلى التنبّه إلى أن الصين، ستصل إلى وقتٍ تتفوّق فيه على الولايات المتحدة تكنولوجياً وأنها ستطوِّر جيلاً جديداً من الحواسيب والتكنولوجيا الرقميّة والتي ستجعل التقنية الأميركية المُعتمَدة اليوم، شيئاً من الماضي.

ويستشعر الأميركيون المخاطر من الاستثمارات الصينية في قطاعات التكنولوجيا الأميركية الجديدة في الداخل الأميركي أيضاً، والتي يمكن أن تكون لها تداعيات على الأمن القومي الأميركي، حيث باتت تُنافِس الحكومة الأميركية والجيش الأميركي على الاستثمار والتعاون مع تلك الشركات.

كما حذّرت تقارير مراكز الأبحاث التابعة للاستخبارات الأميركية في وقتٍ سابقٍ، من أن الصين تطوّر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بحيث ستصل في وقتٍ قريبٍ (بمعدّل 5 سنوات) إلى أن تتفوّق على الولايات المتحدة، وستصل إلى مرحلةٍ تشكّل تهديداً للتوازن الاقتصادي والعسكري للقوى العالمية.

ويخشى الأميركيون من الاستثمارات التي يقوم بها الجيش الصيني في مشاريع تكنولوجية بحثيّة مُتعلّقة بتطوير الذكاء الاصطناعي، سيُبدّل بشكلٍ جوهري طبيعة الحروب المقبلة، بحيث لن يستطيع العنصر البشري مواكبة سرعة القرارات التي تُديرها الآلة خلال المعارك.

وقد اعتبرت وزارة الدفاع الأميركية في تقريرٍ لها عام 2017، أن الاستثمار الصيني في التكنولوجيا سيقوّض جهد الجيش الأميركي لضمان استمرار التفوّق النوعي على المُنافسين المُحتمَلين، ومنهم الصين. وأضاف التقرير إن الاستثمارات الصينية المُكثّفة في التقنيات الحسّاسة، مثل أنظمة التوجيه، الذكاء الاصطناعي، وأجهزة استشعار الضوء التي تساعد أنظمة الطيران من دون طيّار، يمكن أن تؤدّي إلى تآكل أو حتى القضاء على تلك الميزة التكنولوجية للجيش الأميركي ما قد يُقلّل من قُدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الحلفاء بشكلٍ موثوقٍ، خاصة في آسيا.

إذاً، هي في الظاهر حرب تجارية يقول ترامب إنها تهدف إلى حمايةِ السوقِ الأميركي وخلق فُرَص عمل للأميركيين، ولكنها في الواقع، حرب عسكرية تكنولوجية تهدف إلى منع الصين، أو على الأقل، تأخيرها من التفوّق التكنولوجي في المجال العسكري، والذي سينعكس سلباً على القوّة الصلبة الأميركية وأهميتها في عالمِ اليوم، وهو ما سيدفع الأميركيين إلى استثمارِ مزيدٍ من الأموالٍ الحكوميةِ في سباقِ تسلّحٍ مُزدوجٍ: مع روسيا ومع الصين.


2018/04/09

روسيا والغرب: ماذا بعد طرد الدبلوماسيين؟

باجتماع غير عادي تعقده منظمة حظر الأسلحة الكيمائية هذا الاسبوع بناءً على طلب روسيا، تكون الأزمة المستجدة بين روسيا والغرب التي أعقبت حادثة تسميم الجاسوس الروسي المزدوج سكريبال وابنته في بريطانيا قد انتقلت من الإطار الدبلوماسي السياسي الى الإطار القانوني- الجنائي.
عمليًا هدأت العاصفة الدبلوماسية التي تجلّت في طرد دبلوماسيين روس من بريطانيا والعديد من الدول الأوروبية والغربية المتضامنة معها، بالاضافة الى حلف الناتو والولايات التحدة الأميركية التي شهدت أكبر عدد من الدبلوماسيين المطرودين بالاضافة الى اغلاق القنصلية الروسية في سياتل، وحيث رد الروس بالمثل وطردوا العديد من الدبلوماسيين الغربيين، وأقفلوا القنصلية الأميركية في سان بيترسبورغ.
دبلوماسيًا، وكإجراء سياسي، يحق لبريطانيا وسواها وبموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (18 نيسان 1961) أن تطرد من تشاء من البعثات الدبلوماسية العاملة على أرضها، وأن تعتبر أي دبلوماسي "شخصًا غير مرغوب فيه" personae non gratae ،  وذلك استنادًا الى المادة 9 من الاتفاقية، والتي تنص "للدولة المعتمد لديها في أي وقت وبدون ذكر الأسباب أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس أو أي عضو من طاقم بعثتها الدبلوماسي أصبح شخصا غير مقبول أو أن أي عضو من طاقم بعثتها (من غير الدبلوماسيين) أصبح غير مرغوب فيه...".
إذًا، إن الطرد المتبادل للسفراء لا يعدو كونه إجراء معتمد بين الدول للتعبير عن توتر العلاقة بينهما أو من ضمن الاعتراض الصريح من قبل دولة على تصرف مبعوث دبلوماسي لدولة أخرى ضمن أراضيها، أو لإبداء الإستياء من تدخل دولة أجنبية في شؤونها الداخلية، وهو يبقى ضمن إطار التوتر السياسي المتوقع الذي تشهده العلاقات الروسية الغربية على إثر ضم القرم، والتدخل الروسي في القضية السورية، والذي كلّف الغرب خسارة كبيرة وأبقى الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة، وهو الذي توعد المسؤولون الغربيون بإطاحته خلال شهور معدودة.
هذا في السياسة، أما في القانون فقضية تسميم سكريبال وابنته، لا تستطيع أن تأخذ منحى جنائيًا دوليًا، فتُفرض عقوبات على روسيا - كما هددت تيريزا ماي- إلا بعد أن يؤكد التحقيق الذي تجريه منظمة حظر الاسلحة الكيميائية، بأن الروس هم فعلاً من قام بتسميم الجاسوس وبالتالي يتحملون مسؤولية جنائية في القضية.
وبهذا المسار تكون القضية قد دخلت مسارًا مختلفًا، فإن استطاعت المنظمة أن تثبت أن الروس هم من قاموا بتسميم الجاسوس كما يريد البريطانيون ( وهذا أمر صعب إثباته، حتى لو كان الروس يطورون تلك المادة الكيمائية)، فحينها سوف تدخل العلاقة بين الغرب والروس الى مرحلة متقدمة من التوتر غير المسبوق، فتتم دعوة مجلس الأمن ويطالب الغرب بعقوبات أممية على روسيا بسبب عدم امتثالها لشروط حظر الاسلحة الكيمائية، وتُحرج العديد من الدول الاوروبية المترددة، فتضطر كنتيجة للضغط والإحراج الى طرد البعثات الدبلوماسية الروسية، وقد تلجأ تيريزا ماي الى التضييق على المستثمرين الروس المتواجدين في بريطانيا.
لكن، بكل الأحوال، لا يبدو أن مصلحة أيًا من الطرفين أن يزداد التوتر ليصل الى تلك المرحلة من التصعيد الذي سيقابله تصعيد روسي، بل يبدو من الأفضل للجميع إبقاءه ضمن إطار التصعيد السياسي والدبلوماسي الذي سبق أن حصل. إن التضييق على المستثمرين الروس في بريطانيا سوف يدفع هؤلاء الى سحب أموالهم من بريطانيا وهذا سيزيد أزمة السترليني والأزمة الاقتصادية التي ستعانيها بريطانيا بسبب البريكست. هذا بالاضافة الى أن احتكار الروس بيع الغاز الى اوروبا، بالاضافة الى ارتباطهم بالعديد من الاتفاقيات التجارية مع الاتحاد الاوروبي، تجعل الخطوة الاستفزازية مكلفة اقتصاديًا للطرفين الى حد بعيد. هذا ناهيك عن أن الروس تحولوا الى شريك أساسي في الشرق الأوسط، وفي سوريا خاصة، وأي حلّ سياسي أو مشاريع إعادة إعمار مستقبلية، يجب أن تمر بالتشاور مع الروس وبموافقتهم...
انطلاقًا من كل سبق، سيعمد الغرب الى الاستفادة السياسية من قضية سكريبال الى أقصى حد، لكن استكماله بواسطة المسار القانوني الجنائي أمامه صعوبات عدّة، منها اثبات التهمة على طرف ما لمجرد امتلاكه الغاز المستخدم (قال الروس ان بريطانيا والسويد والولايات المتحدة وتشيكيا تطوره)، ومنها الفيتو الروسي الذي يمنع فرض عقوبات أممية، بالاضافة الى الاعتماد المتبادل بين الطرفين والذي يجعل من قطع العلاقات كليًا أمرًا صعبًا.

بوتين 4: عودة الاتحاد السوفياتي؟


نُشر هذا المقال في 21 آذار 2018 على موقع الميادين
لم تكن نتيجة الانتخابات الروسية مفاجئة، بل كان الجميع يجزم بأن بوتين سيربح الانتخابات بأرجحية مطلقة، لذا وانطلاقًا من هذه المسلّمة، كل ما كان الغرب يتمناه في المعركة المفتوحة مع الروس هو تقليص عدد المقترعين في الانتخابات للنيل من مشروعيتها الشعبية، أو على الأقل حصول بوتين على نسبة أدنى من انتخابات عام 2012 للقول بأن سياساته الخارجية باتت تؤثر عليه داخليًا، وهو ما لم يحصل بدليل حصوله على ما يزيد عن 76%  من الأصوات، وهي أعلى نسبة يحصل عليها بوتين في الدورات التي خاض فيها الانتخابات منذ عام 2000 ولغاية اليوم.
وبقراءة للتطورات التي حصلت في روسيا منذ وصول بوتين الى الحكم ولغاية اليوم، نجد أن العهد الرئاسي الأول لبوتين كان منصبًا على تحفيز الاقتصاد والنمو، وتشجيع الاستثمارات ومكافحة الفساد والتقليل من سيطرة المافيات وهو ما جعل الاقتصاد الروسي يحقق نموًا هائلاً، ويرتفع الناتج القومي، وتحقق القدرة الشرائية ارتفاعاً بنسبة 72% بحسب احصاءات صندوق النقد الدولي.
وبالرغم من اهتمام الروس بالاقتصاد وانشغالهم بالقضايا المحلية في تلك الفترة، إلا أن الغرب لم يستسغ وجود رئيس قوي في روسيا، فشهدت تلك الفترة تدخلاً غربيًا كثيفًا في الحديقة الخلفية لروسيا ومحاولة تطويق موسكو عبر تشجيع الثورات الملونة في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، فسقط الحكم الموالي للروس في كل من اوكرانيا وجورجيا وقرغستان، وانضمت دول أخرى الى الاتحاد الاوروبي وحلف شمال الأطلسي، وبدا أن نظرية "الدومينو" يمكن أن تُطبق في كل من البلقان وآسيا الوسطى بشكل يحصر الروس ضمن محيط مساحة جغرافية معادية تابعة للغرب، ما يمنع أي عودة "للدب الروسي" الى الساحة الدولية.
ولم يتأخر الرد الروسي كثيرًا، فالتدخل الروسي العسكري في جورجيا ردًا على الاستفزازات التي قام بها الرئيس الجورجي ساكاشفيلي خلال عهد الرئيس ميدفيديف، أرّخ لمرحلة جديدة، أدرك معها الروس أن الغرب لن يتسامح مع عودة روسيا كدولة قوية، وأيقنوا أن أحلام التعاون الدولي مع الغرب بدون تحصيل قوة كافية ستكون وصفة لمزيد من التقهقر، فكان القرار بتحديث الجيش الروسي وتجهيزه، بعدما تبين من الحملة العسكرية الروسي في جورجيا، أن الجيش الموروث من الاتحاد السوفياتي بمعداته وهيكليته القديمة لن يفي بغرض الدفاع عن المصالح الروسية في العالم والاقليم.
وفي العهد البوتيني الثاني، وبعد ترسيخ أسس الاقتصاد والدفاع، انطلق بوتين الى استراتيجية العودة الى العالمية، مستفيدًا من التطورات السورية والاوكرانية، فانخرط الروس في معارك ضد الغرب عسكريًا(حروب الوكلاء) وسياسيًا ودبلوماسيًا بدون مواربة وبلا خجل.
واليوم، واستكمالاً لمسيرة العودة الى الساحة العالمية، وانطلاقًا من قول بوتين خلال حملته الانتخابية، إن الحدث التاريخي الرئيسي الذي ود لو كان بإمكانه تغييره هو انهيار الاتحاد السوفيتي، يمكن إدراج تصوّر أولي لما ستكون عليه ولايته الرابعة، الممتدة لغاية 2024، والتي يمكن تلخيص أهدافها بتكريس التعددية القطبية، ومحاولة كسر احتكار الغرب والأميركيين خاصة للقرارات العالمية، ما يعني مزيدًا من عدم الاستقرار العالمي وتسريع وتيرة افتعال الأزمات الدولية بين الروس والغرب، ويمكن إدراكها من المؤشرات التالية:
- عودة سباق التسلح وذلك من خلال الاعلان الأميركي عن العودة الى تطوير سلاح نووي منخفض الفعالية لاستعماله في أي حرب مقبلة يتم فيها تهديد الحلفاء، والردّ الروسي باستعراض أسلحة "غير مسبوقة"، وتهديد مقابل.
- غرق أوروبا بمشاكل سياسة داخلية ناتجة عن نهوض القومية العنصرية والدعوة للعودة الى مفاهيم الدولة القومية كبديل عن النموذج الاندماجي الاوروبي، والذي سيزداد بعد تفاقم الأزمات نتيجة لزيادة اللاجئين، بالاضافة الى خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي ستنتج عن تحويل أجزاء من الموازنات الاوروبية لزيادة الانفاق العسكري، وزيادة حصة الأوروبيين في الانفاق في حلف الناتو الذي يطلبه الاميركيون...وهذا سيجعلهم يحاولون دفع الأزمات الى الخارج بتسليط الضوء على "عدو خارجي" للتغطية على المشاكل الداخلية.
- المشاكل الداخلية في الولايات المتحدة الأميركية، وشخصية ترامب المثيرة للجدل وسرعة التغيير في هيكل الادارة الأميركية المتأرجحة بسبب الإقالات والاستقالات، وسيطرة جنرالات البنتاغون على السياسة الخارجية مما يدفع على عسكرتها، وهو ما يحتّم مزيدًا من الاقتتال بالواسطة وعبر وكلاء بين الروس والأميركيين في أرجاء العالم وفي سوريا بالتحديد.

تعيين بولتون: هل من داعي للقلق؟


نُشر بتاريخ 28 آذار 2018 على موقع الميادين
يجمع المحللون الأميركيون على أن قيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتعيين جون بولتون مستشاراً للأمن القومي، سوف يدفع الى مزيد من العدائية في السياسة الخارجية الأميركية، وذلك لأنه يؤمن باستخدام القوة في العلاقات الدولية، ويعتقد أن التغيير في كل كوريا الشمالية وايران، يمكن أن ينتج عن سياسة أميركية أكثر اعتمادًا على القوة وليس على الدبلوماسية، وخاصة لأنه يتشارك وترامب نفس الرؤية حول تجاهل الاتفاقيات الدولية، وازدراء المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، كما الاتحاد الأوروبي، وخطابه مليء بالشتائم على خصومه السياسيين، كما قالت مجلة فورين بوليسي الاميركية.
وبالرغم من هذا الاتجاه السائد لدى الصحف الأميركية، وبالرغم من سيادة جو عام تشاؤمي في الشرق الأوسط لهذا التعيين واعتباره مؤشرًا لمزيد من التوتر في المنطقة وخاصة في ظل توجه الإدارة لإحتواء ايران، ورغبة ترامب في تمزيق الإتفاق النووي، إلا أن الواقعية تعيدنا الى فكرة أن تعيين بولتون لن يغيّر كثيرًا في المعادلات الاقليمية، ولا داعي للقلق من هذا التعيين. وننطلق في هذا الاستنتاج، من واقع أن صياغة السياسة الخارجية الأميركية هي أمر معقّد، وأكبر من قدرة شخص على صياغته بمفرده، مع العلم أن قدرة بولتون وسواه على التأثير الجوهري على تلك السياسات مرتبط بمن يتخذ القرار في النهاية (بغض النظر عن التأثيرات من هنا وهناك)، وهناك احتمالان:
 - الاحتمال الاول إن الرئيس الأميركي ترامب بالتعاون مع مستشاريه هو من يدير السياسة الخارجية الأميركية: هذا الاحتمال يفيد أن تعيين بولتون وبومبيو قبله يعني العودة الى ما يشبه عهد بوش الابن، أي عسكرة السياسة الخارجية والقرارات المتسرعة والتخلي عن الحلفاء غير الداعمين، ووضع العالم أمام خيارين: معنا أو ضدنا.
التجارب التاريخية مع بوش الإبن أثبتت عدم نجاعة تلك السياسات، لا بل نجدها قد أدّت الى تراجع نفوذ وصورة الولايات المتحدة الخارجية في العالم؛ فالحرب على العراق التي دعمها بولتون وكان من أشد المتحمسين لها، لم تنفع الولايات المتحدة، ولقد جهدت إدارة أوباما لتأمين استراتيجية خروج مناسبة للجيش الأميركي من العراق، بناءً على توصيات لجنة بايكر هاميلتون.
أما وقد تمت تجربة عسكرة السياسة الخارجية والاستناد الى القوة الصلبة ولم تؤدّ إلا الى تقلص النفوذ الأميركي والسماح بصعود قوى اقليمية ومحلية شعبية، فإن تعيين بولتون وسواه من الصقور في الإدارة، وتكرار ترامب لتجارب بوش الإبن لن تعني سوى المزيد من الخسائر للولايات المتحدة.
-الإحتمال الثاني وهو أن البنتاغون استفاد من الضغوط الداخلية على الرئيس دونالد ترامب، ليتحوّل الى مقرر وصانع أساسي وحاسم في السياسة الخارجية الأميركية. إن هذا الإحتمال، وهو الأرجح،  يعني أن الهامش المعطى لترامب في السياسة الخارجية هو هامش ضيّق، يتجلى في تظهير القرارات المتفق عليها سلفًا، وتغيير الفريق العامل الى جانبه، والقيام بالزيارات الخارجية الرسمية، وإبداء آرائه على التويتر. وهذا يعني أن تعيين بولتون وسواه لن يغيّر أي شيء في صنع السياسة الخارجية الحقيقية، وكل ما سيتغير هو زيادة الكلام العالي النبرة والشتائم تجاه الخصوم على شاشات التلفزة.
انطلاقًا من هذا الاحتمال الراجح، كل ما يحاول ترامب فعله، هو إعطاء صورة "تخويفية" لإدارته، من أجل تخويف الخصوم والحلفاء على حدٍ سواء. من خلال التحليل النفسي لترامب، وما كان يمارسه في تلفزيون الواقع، تبدو خطة ترامب رامية الى إعطاء صورة خارجية للعالم عن إدارة أميركية حربية، يسيطر عليها مجموعة من الصقور الداعمين للخيارات العسكرية، لتخويف الدول الأخرى من مغبة تحدّي الإدارة الأميركية، فيدخلون في مرحلة من الانهيار الادراكي، ويستسلمون تحت ضغط التهديد، وينفذون ما يريده الأميركيون.
النتيجة، إنه في كلا الحالتين، إن تعيين بولتون وسواه من الصقور لا يجب ان يدفع للقلق، فإما إن ترامب يسير على خطى جورج بوش الإبن في قيادة أميركا نحو الانحدار، وإما أن كل تلك التعيينات لن تؤدي الى أي تعديل في السياسة الخارجية الأاميركية لأن مركز صناعة القرار هو في مكان آخر غير إدارة ترامب وصقوره.

إرهاب "جديد"!... ماذا عن العصابات الصهيونية؟


نُشر هذا المقال في 14 آذار على موقع الميادين
يميّز الباحثون اليوم بين ارهاب جديد وارهاب قديم، وتشير بعض الدراسات حول الارهاب الى بدايات تشكّل فكرة "الجديد" في مفهوم الإرهاب، الى أوائل التّسعينيات وخاصّة بعد الهجوم على مركز التّجارة العالمي في نيويورك شباط من العام 1993، وهجوم غاز السّارين في مترو الأنفاق في طوكيو عام 1995، ثم أكد هذا المفهوم الجديد نفسه بعد أحداث 11 أيلول 2001،  بينما تشير دراسات أخرى الى أن المفهوم يعود الى العام 1986، حين نشرت إحدى المجلات الكندية مقالاً بعنوان ""الوجه الخطِر للإرهاب الجديد"، وعرّفته بأنه حرب ضد الغرب من قبل شرق أوسطيين، مدربين تدريبًا جيدًا، معبأين، وينتمون الى "الأصولية الاسلامية".
وهكذا، نجد أن مؤيدي مفهوم "الارهاب الجديد"، يعتمدون على مؤشرات عدّة للتمييز بين قديم وجديد، أبرزها:
- الدافع الديني باعتباره السمّة المميزة للنوع الجديد، ويشيرون تحديدًا الى الإسلام الرّاديكالي، على أساس أنّ الإرهاب القديم كان يهدف الى تحقيق أهداف سياسية وليست دينية.
- السيطرة على الأرض، فالارهاب القديم لم يكن يهدف أو يستطيع السيطرة على الأرض بل جلّ ما كان يريده هو التأثير على السلطة السياسية عبر الصدمة والترويع، ويشيرون في هذا الإطار الى سيطرة داعش على أجزاء كبرى من العراق وسوريا، وسيطرة طالبان على أفغانستان، كتأكيد على هدف الحكم و"تأسيس الخلافة" بالنسبة للإرهاب الجديد.
- استخدام وسائل أكثر فتكًا وأشدّ ترويعًا من المجموعات التقليدية، فالارهابي "الجديد" يهدف إلى تدمير المجتمع والقضاء على أعداد كبيرة من السكّان"، في حين كان الإرهابي التقليدي يكتفي بانتقاء أهدافٍ محددة يختارها بدقة لإحداث تأثير على صانع القرار أو لدفعه الى تغيير سياساته. إذًا، الارهابي الجديد يستخدم القتل  للقتل أي كغاية بحد ذاته وليس كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية، بحسب رأي بعض الباحثين.
- التمويل، فقد كان الإرهاب التقليدي يتلقى دعمًا من مصادر ودول راعية، بينما بات اليوم يؤمّن دخلاً مستقلاً من تجارة الأسلحة والاتجار بالبشر، وتجارة النفط والقيام بالاستثمارات التجارية، بالاضافة الى سهولة تلقي أموال التبرعات من متبرعين أفراد بعد انفتاح الأسواق المالية وتطور وسائل نقل الأموال.
وفي تحليل لما سبق، نجد ان عبارة "الارهاب الجديد" الذي يحاول الغرب إطلاقها للتمييز بين الحركات المصنّفة "ارهابية" قديمًا بحسب المصطلح الغربي - والتي كان جزء منها حركات التحرر الوطني من الاستعمار (كالجزائر مثلاً) - وبين الحركات الارهابية كالقاعدة وداعش وغيرها والتي يدخل تصنيفها ضمن "الحرب على الارهاب" لتشريعها، ونلاحظ ما يلي:
 إن القول أن العامل الديني اليوم هو جديد بالنسبة للدوافع الارهابية، إنما يغفل قيام العصابات الصهيونية في منتصف القرن العشرين باستخدام الذرائع الدينية لترويع الفلسطينيين وتهجيرهم من إرضهم وقراهم عبر ممارسة الإرهاب والقتل وحرق البيوت، وفي ذلك مزاوجة واستخدام الدين لتغطية الإرهاب، تمامًا كما تفعل مجموعات القاعدة وداعش وغيرها اليوم.
أضف الى ذلك، الى أن العصابات الصهيونية استطاعت أن تسيطر على العديد من الجغرافيا الفلسطينية وأمنّت للدولة الاسرائيلية التي أنشئت فيما بعد (بعد قرار التقسيم 1948)، مساحة واسعة من الأراضي لم تكن لتسيطر عليها لو لم تقم تلك العصابات بممارسة الإرهاب على السكان المحليين للسيطرة على أراضيهم بالقوة.
وفي ما خصّ التمويل والدعم، فقد استطاعت تلك العصابات أن تتلقى دعمًا من حكومات (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وغيرها) ومن متمولين يهود عبر العالم، استطاعت التأثير عليهم عبر مؤثرات  ثقافية دينية ورفع شعارات "المظلومية اليهودية" التي تحتاج الى دعمٍ بشتى الأشكال والوسائل لرفع الغبن والظلم عن مجموعات اليهود المنتشرة في العالم وجلبها الى فلسطين.
أما الإدعاء أن الدافع للقتل والترويع هو مجرد القتل فيبدو أمرًا تبسيطيًا، فارهابيو القرن الحادي والعشرين يهدفون من خلال المجازر ونشر صور وفيديوهات القتل والاغتصاب والسبي، تهجير السكان وإشاعة الصدمة والترويع لإدخالهم في مرحلة "الانهيار الإدراكي" الذي يدفع السكان الى عدم المقاومة والفرار للسيطرة على الأرض بدون قتال، وهو بالضبط ما فعلته العصابات الصهيونية في القرى الفلسطينية حيث كانت أخبار القتل والحرق والتدمير تسبق الارهابيين الى القرى والبلدات، لدفعهم الى النزوح الجماعي والفرار من أمام آلة القتل الصهيونية القادمة.
في النتيجة، لا يبدو أي جديدٍ في إرهاب القاعدة وداعش، بل هو صورة جديدة عن إرهاب مورس على الفلسطينيين في منتصف القرن العشرين وتمت تغطيته دوليًا بذرائع دينية واخلاقية. كل ما هو جديد في التمييز بين الارهاب القديم والجديد، هو تطور وسائل التكنولوجيا والاتصالات، بحيث بات صور القتل تنتشر على وسائل التواصل بينما كانت العصابات الصهيونية تبثها عبر وسائل بدائية "من فم لإذن" أو عبر وسائل الاعلام التقليدية المتوفرة من راديو وتلفزيون.