2022/12/06

فشل زيارة ماكرون الأميركية: أوروبا في أزمة

اختتم الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية التي قصدها لبحث العديد من القضايا التي تهمّ الأوروبيين واقتصادهم والصعوبات التي يواجهونها، بالإضافة إلى العلاقة بين ضفتَي الأطلسي بشكل عام.

 

وكان الإعلام قد ركّز على الجانب الإيجابي من زيارة ماكرون، أي البيانات بشأن الحرب الجارية في أوكرانيا، والإعلان الفرنسي-الأميركي المشترك مواصلة دعم أوكرانيا، والتعهد بالاستمرار بتقديم مزيد من المساعدات الإنسانية والسياسية والأمنية والاقتصادية، ومحاسبة روسيا بسبب "الفظائع وجرائم الحرب الموثقة على نطاق واسع" في أوكرانيا، لكن الواقع الفعلي والأهداف التي رمى إليها ماكرون كانت في مجالات أخرى.

 

وبالرغم من كل البيانات والأحاديث التي شدّدت على وحدة ضفتَي الأطلسي، فإن القلق الحقيقي الذي يعتري الضفة الأوروبية للأطلسي يتجلى في ما يعدّه الأوروبيون "أنانية أميركية" في تطبيق "سياسات عدوانية" سوف تؤدي إلى هجرة صناعية واستثمارية من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأميركية؛ بسبب تكلفة الطاقة المرتفعة في الاتحاد الأوروبي، وبتأثير قانون خفض التضخم الذي أقرّه الكونغرس الأميركي والذي يعدّه الأوروبيون نوعاً من الحمائية المضرّة بصناعاتهم والمحفزة للشركات على الهجرة من أوروبا إلى أميركا.

 

ويبدو أن نتائج زيارة ماكرون لم تكن على قدر الآمال المعقودة عليها أوروبياً، وهو أمر كان متوقعاً بالنظر إلى السياسة المستمرة التي ينتهجها الساسة الأوروبيون والمضرّة أحياناً بمصالحهم الحيوية في وقت يتصرف الأميركيون بوحي مصالحهم القومية فقط ولو كانت على حساب حلفائهم، ونذكر منها على سبيل المثال القضايا التالية:

 

1-بريكست:

بعد التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، وخلال المفاوضات بين كلٍ من المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي حول اتفاقية التجارة الحرّة، شجّع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، البريطانيين على الخروج من الاتحاد الأوروبي حتى بدون اتفاق، معلناً رغبته في إقامة علاقات تجارية وثيقة مع بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد، ومشيراً إلى اتفاق "رائع" يجري تحضيره كبديل يزيد النشاط التجاري بين الطرفين. وكان من المتوقع أن يصل الطرفان إلى اتفاق لتشكيل اتحاد جمركي، بالرغم من الضرر الاقتصادي على الأوروبيين.

 

2-تحالف أوكوس

في أيلول/سبتمبر من عام 2021، أعلنت الولايات المتحدة عن تحالف عسكري جديد (أوكوس) لاحتواء الصين، يضمّ كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، وبنتيجة هذا التحالف، انسحبت أستراليا من عقد تجاري حربي لشراء الغواصات من فرنسا، وقامت بشراء غواصات من الولايات المتحدة الأميركية بدلاً منه، ما فوّت على الفرنسيين صفقة تاريخية بمئات مليارات من الدولارات.

 

3-الحرب الأوكرانية وأزمة الطاقة

كان من الواضح منذ ما قبل إعلان العملية العسكرية الخاصة أن الاتحاد الأوروبي سيكون المتضرر الأكبر من الحرب الأوكرانية، وحزمات العقوبات التي أطلقها مباشرة بعد إعلان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اعترافه باستقلال جمهوريات الدونباس، وتوقف أنابيب "نورد ستريم 2".

 

وبالفعل، فرض الأوروبيون العديد من الإجراءات العقابية على موسكو ارتدت سلباً على سوق الغاز والطاقة الأوروبيين، فارتفعت أسعار الكهرباء وزادت معدلات التضخم، واضطرت دول الاتحاد إلى شراء الغاز من الولايات المتحدة الأميركية بما يعادل أربعة أضعاف سعر الغاز الروسي (الرخيص) الذي ساهم في النهضة الاقتصادية الأوروبية في وقت سابق.

 

4-قانون التضخم الأميركي

عدّ الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، القرارات الأميركية، وخاصة قانون التضخم الأميركي، "شديدة العدوانية" تجاه الشركات الأوروبية.

 

وكان البرنامج الذي أقرّه الكونغرس الأميركي كجزء من خطة بايدن "إعادة البناء بشكل أفضل" يهدف إلى تنشيط وجذب الاستثمارات في الصناعات في الداخل الأميركي، عبر تقديم معونات حكومية وتخفيضات ضريبية للشركات التي تعمل في الطاقة النظيفة وقطاع السيارات الكهربائية، وصناعات الطاقة البديلة، وأشباه الموصلات وغيرها، وذلك بهدف خلق الوظائف وتنشيط الصناعة والتجارة وإحراز تقدم في المنافسة مع الصين.

 

وكان ماكرون توقع أن تكون تداعيات برنامج المعونات الحكومية للشركات في الولايات المتّحدة كارثية على الاستثمارات في أوروبا ما يهدد "بتفتيت الغرب"، مؤكداً أنّ هذا البرنامج "يخلق فروقات بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا لدرجة أنّ أولئك الذين يعملون في العديد من الشركات سيقولون لأنفسهم سنتوقف عن القيام باستثمارات على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي." وفي كلمة ألقاها أمام الجالية الفرنسية في سفارة بلاده بواشنطن، حذّر ماكرون أيضاً من خطر أن تذهب أوروبا عموماً، وفرنسا تحديداً، ضحية التنافس التجاري الراهن بين واشنطن وبكين؛ أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم.

 

واقعياً، غادر ماكرون الولايات المتحدة خالي الوفاض، بعدما وعده بايدن بمحاولة إدراج أوروبا في المعونات الاقتصادية التحفيزية، لكن بدون خطة تطبيقية واضحة حول كيف سيقوم الأميركيون بذلك...

 

وعليه، تجد أوروبا نفسها اليوم أمام معضلات كبرى، وخيارات أحلاها مرٌ؛ فلا هي قادرة على الاستقلال عن الولايات المتحدة كما كان يطمح ماكرون سابقاً خلال ولاية ترامب، ولا هي قادرة على العودة عن نظام العقوبات الذي فرضته على روسيا وأضرّ بالاقتصاد الأوروبي بشكل فادح، ولا هي قادرة على إنهاء الحرب الأوكرانية ودفع أوكرانيا إلى مفاوضات سلام مع موسكو، ولا هي قادرة على جعل الولايات المتحدة تأخذ بعين الاعتبار مصالح الأوروبيين خلال سعيها لتحقيق مصالحها الخاصة.

2022/12/05

إثارة التشنج الطائفي: لا مصلحة لأحد


من المرجح أن لا تعقد جلسة مجلس الوزراء التي دعا اليها الرئيس نجيب الميقاتي، بعدما أعلن تسعة وزراء مقاطعتها، وبعدما أحرجت كل من البطريرك الراعي والمطران عودة اللذان اعتبرا أن الأولوية هي لإنتخاب رئيس جمهورية وليس لعقد جلسة لمجلس وزراء في فترة تصريف الأعمال.

وكانت القوات اللبنانية، وبعد صمت، قد استدركت فأعلنت على لسان أحد نوابها أنهم ضد عقد جلسة فضفاضة كما دعا إليها الرئيس ميقاتي، وأن قيامه بحذف 40 بند من جدول الأعمال يخفف الخطأ المرتكب ولكنه لا يلغيه.

ومن جهة التيار الوطني الحر المعني بالدرجة الأولى بالموضوع، ينظر جمهور التيار الوطني الحر الى جلسة مجلس الوزراء وما دار حولها (بغض النظر إن عقدت أو لا) على الشكل التالي:

1-  لطالما ردد الرئيس ميشال عون وبعده النائب جبران باسيل أنهم ضد محاولات "عزل حزب الله"، وكان العماد ميشال عون وقبل تفاهم مار مخايل وبعده، قد نبّه دائماً من خطورة محاولات عزل أي طرف لبناني، مستشهداً بمحاولات عزل الكتائب عشية الحرب الأهلية والتي أدّت ما أدّت اليه في لبنان وكلّفت لبنان الكثير.

وعلى هذا الأساس، فإن مشاركة وزراء حزب الله في جلسة مجلس الوزراء ينظر اليها جمهور التيار الوطني الحر باستياء كبير، ليس بسبب الجلسة بحدّ ذاتها، بل لأنه يراد لها أن تكون مقدمة وجزء من معركة عزل التيار، فكيف يكون الحزب مشاركاً بها؟.

 

2-  لا شكّ أن ما يحصل اليوم من محاولات عزل التيار سياسياً بعد انتهاء ولاية الرئيس عون، هو جزء لا يتجزأ من معركة رئاسة الجمهورية القادمة، ومحاولة كل من الرئيسين نبيه برّي ونجيب ميقاتي تعطيل قدرة جبران باسيل على وضع فيتوات أو عرقلة وصول سليمان فرنجية الى الرئاسة.

وعليه، إن مساهمة الحزب الضمنية في الحملة، يُنظر اليه بأنه موافقة على إخراج قرار رئاسة الجمهورية من يد الأحزاب المسيحية الفاعلة، بعكس ما كان عليه الموقف عام 2016، حين اشترط الرئيس برّي موافقة القوات اللبنانية وحصول العماد عون على تأييد القوى المسيحية الفاعلة للقبول بتسوية وصول عون الى الرئاسة.

3-  ما انفك قادة حزب الله يرددون يومياً أنهم يريدون رئيس جمهورية "قوي، لا يخاف من الأميركيين... لا يخاف ولا يتنازل ويقدّم المصلحة الوطنية على خوفه، ويحافظ على المقاومة".

وهنا يطرح الجمهور التساؤل التالي: لماذا يضع حزب الله هذه الشروط على رئيس الجمهورية الذي لا يملك بعد الطائف أي صلاحيات فعلية، بينما يصوّت لرئيس حكومة "يخاف على أمواله، ويخضع للأميركيين ..." (بدليل ما حصل في موضوع الهبة الايرانية للكهرباء وغيرها) في وقت يتمتع رئيس الحكومة بصلاحيات كبيرة بموجب الدستور اللبناني بعد الطائف.

فلماذا ما يصح على رئيس الجمهورية لا يصح على رئيس الحكومة؟

 

4-  يعود التيار بالذكرى الى جلسة مناقشة البرلمان لرسالة الرئيس عون بعد انتهاء ولايته، وما قيل أن حزب الله قد أخذ ضمانات من الميقاتي بعدم عقد جلسة لمجلس الوزراء، فأي ضمانات يمكن أن يقدمها الحزب بموضوع  سليمان فرنجية على مدى سنوات ست، بينما القوى السياسية المعنية الاخرى لم تلتزم بما وعدت به في فترة لا تتعدى الشهرين؟.

 

في النتيجة، يبدو الحراك السياسي الداخلي مجرد مرحلة تقطيع وقت في فترة الفراغ الرئاسي وبانتظار تسوية خارجية ما تخرج لبنان من التعطيل، وفي هذا الوقت الصعب جداً على اللبنانيين، يبدو من الأجدى على الاطراف اللبنانية تخفيف التشنج السياسي والسعي لتأمين حاجات الناس بدون إثارة الغرائز المذهبي والطائفي.

  

2022/11/28

الأمن في الشرق الأوسط: المقاربة الأميركية

اختتم حوار المنامة  أعماله في البحرين الأسبوع الماضي، بحضور العشرات من المسؤولين الرسميين ورجال الأعمال والشخصيات الدولية والاقتصاديين والسياسيين والمفكرين الاستراتيجيين الولايات المتحدة وأوروبا بالاضافة الى آسيا وأفريقيا ودول الخليج.

وكان المؤتمر مناسبة لعرض المقاربات الأمنية للدول المشاركة، وتبدو كما يلي:

1-   الاستراتيجية الأمنية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط  تقوم على ركائز ثلاث:

أ‌-     ردع التهديدات في المناطق الغنية بالطاقة، عبر بناء بنية تحتية "متكاملة" للدفاع الجوي والبحري في الشرق الأوسط وعبر بناء بنية دفاعية جوية وبحرية متكاملة مع الحلفاء من خلال الشراكات الأمنية والدفاعية المبتكرة والتقنيات الجديدة، وصولاً إلى تبادل الخبرات والمعلومات والتدريبات العسكرية المشتركة.

ب‌-  دعم الجيوش في الدول التي لا ترتبط بمعاهدات أمنية دفاعية مع الولايات المتحدة، ومنها لبنان والعراق، وذلك غبر تقديم الدعم اللازم لتلك الجيوش لتأمين الاستقرار ومحاربة الارهاب.

ت‌-  العمل على تقليل التوترات وتخفيف التصعيد وإنهاء النزاعات حيثما كان ذلك ممكناً من خلال الدبلوماسية.

ويلاحظ مما قالته مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى السفيرة باربرا ليف حول لبنان في محاضرة سابقة في مركز ويلسون في بداية الشهر الحالي، وما تمّ إعلانه من مؤتمر المنامة خلال لقاءات مع وزير الخارجية العراقي، أن المقاربة الأميركية لكل من لبنان والعراق تتشابه حيث يتم التركيز على دعم الجيوش، والمطالبة بإجراء إصلاحات جوهرية، والضغط على المسؤولين في البلدين لإجراء ما هو مطلوب في هذا المجال، وتهديدهم بعودة التظاهرات من جديد في حال لم يقوموا بما هو كافٍ لضبط الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

 

2-   تركيز غربي على "التهديد" الايراني مقابل صمت خليجي

 تركزت مناقشات معظم الدول المشاركة في المنتدى االحالي في الدورة رقم 18 وخاصة دول الخليج على التغيّر المناخي وتأثيره على مستقبل الحروب في العالم، ومدى مدى تأثير الازدهار الاقتصادي لبعض القوى الأقتصادية الصاعدة، والتحديات الاقتصادية التي تواجه بعض دول العالم خاصة بعد الحرب الأوكرانية.

وبالرغم من أن الدول الخليجية تبدو معنية أكثر بالموضوع الإيراني إلا أن الحديث عما يسمى "التهديد الايراني" كان غربياً واسرائيلياً حصراً، حيث ركّزت خطابات كل من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فان دير لاين  والمسؤولين البريطانيين والأميركيين والاسرائيليين على "التهديد الإيراني" للمنطقة وكيفية مواجهته.

والبارز قيام ممثل اسرائيل في حوار المنامة (إيال هولانا- مستشار الامن القومي) بسرد لأبرز الاتفاقيات التي عقدتها اسرائيل مع دول المنطقة مركزًا على ما سماه "دور اسرائيل في الاستقرار والسلام في المنطقة" في مقابل ما اعتبره "تقويضاً إيرانياً للسلام" وتحدث عن التهديدات التي تشكّلها إيران للمنطقة، ومن بينها "زيادة أنشطتها (بالوكالة) لزعزعة استقرار كل من اليمن والعراق وسوريا" .. ولم يذكر لبنان من ضمنها.

في النتيجة، يبدو أن الأميركيين مستمرون في توجههم لدعم الاستقرار في المنطقة وتقليل الصراعات والسعي نحو الحلول الدبلوماسية، أما التركيز الغربي على إيران  فيبدو جزءًا من استراتيجية "إثارة المخاوف الأمنية" للحصول على مكاسب مادية وأمنية وبناء شراكات في منطقة الخليج والاستفادة من صفقات التسليح، والسيطرة على إمدادات الطاقة في العالم.

  

2022/11/27

مونديال قطر: فشل "الهيمنة الثقافية" الغربية

ليلى نقولا
لقد أظهرت الصور ومقاطع الفيديو التي نشرها الإعلام الإسرائيلي من قطر أخيراً نظرة الشعوب العربية الحقيقية إلى احتلال فلسطين، وعدم قبولها بالرواية السائدة التي تقول إن الإسرائيليين باتوا مقبولين في دول الخليج بعد توقيع اتفاقيات "التطبيع"، وأَسقطت إعلامياً كل الروايات التي تتحدث عن أن "العرب لم يعودوا يجدون في إسرائيل عدواً بل يجدونهم حليفاً لهم ضد إيران".
إن هذه المشاهد، إضافة إلى عدد من استطلاعات الرأي التي أشارت إلى أن اتفاقيات التطبيع وكل الجهد الإعلامي والإعلاني وصرف الأموال الطائلة، لم تستطع أن تربح حرب الأفكار الدائرة اليوم على مستوى العالم ككل وعلى مستوى الشرق الأوسط.
يشار إلى حرب الأفكار والأيديولوجيات السائدة اليوم، باسم "القوة الناعمة" ويفسرها المنظرون الأميركيون بـ"إغراء القلوب والعقول"، أي السعي إلى "الهيمنة الثقافية" التي كان المفكر اليساري، أنطونيو غرامشي، قد تحدث عنها في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إذ رأى أن كل طبقة حاكمة لا تعتمد فقط على السيطرة المادية والقهرية والسياسية للمجتمع المحكوم، بل على الهيمنة الفكرية أيضاً، أي على اختراق المجتمع والتأثير فيه فكرياً من خلال فرض نظام القيم الخاص بها وإطارها الفكري ومُثلها ومعاييرها للصح والخطأ، وهو ما يساعد على جعل سيطرتها أطول عمراً وأكثر فعالية.
وتوصل غرامشي إلى خلاصة مهمة مفادها أن الهيمنة الثقافية ضرورية من أجل نجاح سلطة ما، وعلى أي طبقة اجتماعية تريد السيطرة وضمان السلطة والقيادة تكوين هيمنة ثقافية على الآخرين، إذ إن التجارب تثبت أن تفوق مجموعة اجتماعية معينة يَظهر بطريقتين اثنتين: من خلال السيطرة والإخضاع بالقوة، ومن خلال قيادة فكرية ووجدانية وقيمية.
وتتنوع وسائل حروب القوة الناعمة، وفيها:
-المناظرات الفكرية، وهي نزاعات تقدّم فيها الأطراف المتعارضة حججها، وتدعمها بالأدلة وتسعى لدحض استدلال واستنتاجات الطرف الآخر.
- الحروب الأيديولوجية، وهي صراع رؤىً واسعة تُنظّم عادة حول عقيدة معينة.
أما المثال الأكثر شيوعاً للصراع الأيديولوجي فهو الحرب الباردة التي تضمّنت منافسة سياسية واقتصادية وعسكرية بين الولايات المتحدة (الليبرالية) والاتحاد السوفياتي (الشيوعية)، والتي انتصرت فيها الليبرالية، إذ عُد هذا الانتصار نهاية تاريخ الصراع بين الأيديولوجيات.
- الحملات الإعلامية وقد تكون مباشرة أو غير مباشرة، والهدف منها إقناع الجماهير بوجهة نظر معينة، يليها اتخاذهم إجراءات معينة مطلوبة بنفسها، كالتصويت لمرشح معين، أو المشاركة في تظاهرة أو غير ذلك.
وانطلاقاً مما سبق، نجد أن الغرب كان دائماً متفوقاً في الحرب الإعلامية وحروب الأفكار المتعددة، لكن التطور التقني والتكنولوجي وانتشار وسائل التواصل التي كان من المفترض أن يستخدمها الغرب لتسويق أفكاره وترسيخ هيمنته قد انقلبت وبات الغرب يتراجع في حرب الأفكار في عدد من المجالات، ونضرب بعض الأمثلة:
1- الحرب الأوكرانية: مع أن الحرب الإعلامية بين روسيا والغرب كانت لمصلحة الأخير على نحو كبير، وسيطرت الرواية الغربية على نظرة الرأي العام العالمي إلى الحرب الروسية في أوكرانيا، لم تضعف روسيا من الداخل، ولم يؤلّب الرأي العام الروسي أو حتى الأوليغارشية على بوتين لإطاحته، وفق ما سعى له الأوروبيون من خلال قدرتهم الإعلامية وحزمات العقوبات الاقتصادية المتعددة.
2- النظرة إلى "إسرائيل" في الشرق الأوسط: إضافة إلى العداء الذي أظهره المشجعون العرب للإعلام الإسرائيلي في مونديال قطر، وقيام سائق التاكسي بإنزال الإعلاميين بعد معرفته بجنسيتهم، وإصرار العرب من جميع الجنسيات على أن "ليس هناك إسرائيل بل فلسطين".. إضافة إلى تلك المشاهد، أظهرت استطلاعات الرأي التي نشرها "معهد واشنطن" الأميركي أن غالبية المستطلعين في البلدان السبعة المشمولة بالاستطلاع (البحرين ومصر والأردن والكويت ولبنان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة) عارضوا عبارة "السماح للذين يرغبون في إقامة علاقات تجارية أو رياضية مع الإسرائيليين بالقيام بذلك".
وفي الاستطلاع نفسه، قالت أغلبيات ساحقة إنها تَعُد اتفاقيات التطبيع "سلبية إلى حدٍ ما" أو "سلبية جداً".
وحتى في البلدان الموقعة على الاتفاقيات، وتحديداً البحرين والإمارات، تضاءل الدعم من الأقليات الكبيرة في الفترة التي أعقبت توقيع الاتفاقيات.
وهكذا إذاً، وسواء سميناها "القوة الناعمة التي تهدف إلى السيطرة على القلوب والعقول، أو سمّيناها هيمنة ثقافية، فإن الهدف المطلوب هو السيطرة على العالم بفرض قيم معينة تجعل صاحب تلك القيم مرغوباً فيه وهيمنته مطلوبة ليست باعتبارها هيمنة بل باعتبارها "إلهاماً وقيماً عالمية حميدة"، لكن التطبيع الذي جرى التسويق له بعنوان ديني برّاق "اتفاقيات أبراهام" سقط، وفشلت معه كل وسائل الترويج والإعلام والإعلان الغربي لجعل "إسرائيل" دولة "مقبولة" لدى شعوب المنطقة.

 

2022/11/21

التيار الوطني الحر وتسوية فرنجية...

لم يكن جديداً ما قاله الوزير السابق جبران باسيل خلال لقائه مع ناشطين من التيار الوطني الحر في فرنسا، لجهة موقف التيار من ترشيح سليمان فرنجية أو قضية الترويكا، أو سواها مما تمّ تسريبه عن اللقاء، إذ لطالما ردد باسيل وعدد من نواب التيار وقيادييه هذا الموقف بشكل علني مرات عديدة.

وبعد التسريب، كثر الحديث السياسي عن إمكانية أن يقوم حزب الله بالسير بتسوية تؤدي الى إنتخاب فرنجية بدون رضى التيار، أو بإقناع باسيل بالعودة عن مواقفه والسير بتسوية فرنجية.

وفي تحليل موضوعي لما تقدم نشير:

1-  السير بتسوية فرنجية بدون رضى التيار:

بالمبدأ، ومن الناحية العددية (في مجلس النواب)، تستطيع تسوية اقليمية أن تنسحب على الداخل اللبناني وتؤدي الى إعطاء فرنجية الاصوات التي يحتاجها للوصول الى الرئاسة.

خلال عام 2016، اشترط العديد من الأطراف السياسيين (خاصة المسلمين) على ميشال عون أن يحظى بتوافق مسيحي قبل القبول به رئيساً للجمهورية، ما دفعه الى القيام بتسوية تاريخية مع القوات اللبنانية أتت بعد التسوية مع سعد الحريري، وهو ما ساهم بوصوله الى قصر بعبدا.

اليوم، يحتاج فرنجية الى تسوية أو مع التيار الوطني الحر أو مع القوات اللبنانية، وبما أن باسيل حسم أمره، يبقى له أن يقيم تسوية مع القوات اللبنانية تأتي به رئيساً...

وبغض النظر عن قدرة القوات على السير بتلك التسوية وتسويقها أمام جمهورها أم لا، يبقى أن انتخاب فرنجية بهذه الطريقة ومساهمة حزب الله به لن يمر مرور الكرام عند التيار الوطني الحر وجمهوره، وهو المعبأ نفسياً بعد سنوات ست مما يعتبره "تخلي الحلفاء عن دعم ميشال عون خلال عهده".

2-  قبول باسيل بتسوية تأتي بفرنجية:

بالاضافة الى ست سنوات من الحقد والكلام التجريحي الذي أطلقه فرنجية بحق ميشال عون وجبران باسيل، يستذكر العديد من ناشطي التيار، كيف أنه وبعد انسحاب السوريين من لبنان عام 2005، قام العماد ميشال عون العائد من المنفى في فرنسا (والذي يتمتع بشعبية عارمة) بتعويم العديد من حلفاء سوريا السابقين سياسياً وانتخابياً، ومنهم سليمان فرنجية، ما أدى الى "حرد" العديد من ناشطي زغرتا في التيار، الذين تعرضوا للتضييق عليهم قبل عام 2005.

وكان ردّ  فرنجية على ذلك، محاولة التوسع شعبياً على حساب التيار في البترون وفي العديد من المناطق اللبنانية، معتبراً (كما العديد من القادة المسيحيين) أنه يجب العمل على وراثة ميشال عون سياسياً من خلال التقارب مع جمهور التيار، وأن باسيل "غير محبوب" لذا من الممكن جذب العديد من العونيين الذين لا يحبون باسيل... لكن رهان فرنجية فشل.

واقعياً، لا يمكن لباسيل أن يسير بفرنجية مهما كانت الضغوط الممارسة عليه من حلفائه، إذ لن يكون بإمكانه تسويق ترشيح فرنجية لدى جمهور التيار، الذي عانى ما عاناه خلال سنوات ست خلال فترة رئاسة ميشال عون. إن قيام قيادة التيار بالرضوخ والسير بتسوية فرنجية، ستؤدي الى حنق على باسيل نفسه في صفوف التيار والمناصرين والمؤيدين للتيار من خارج الهيكلية الحزبية.

من منظور جمهور التيار، إن القبول بتسوية فرنجية هي تخلٍ عن كل شعارات مكافحة الفساد وبناء الدولة، وإذا كان الجمهور تقبّل على مضض تسوية مع سعد الحريري عام 2016 والتخلي عن "الابراء المستحيل" لأجل وصول ميشال عون الى بعبدا، فالقبول بتسوية وصول فرنجية ستكون القشة التي ستقسم ظهر البعير. 

2022/11/20

هل ترامب فعلاً ضد الدولة العميقة؟


على الرغم من الخسارة غير المتوقَّعة، والتي مُني بها الحزب الجمهوري، وخصوصاً المرشحين المدعومين من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، فإن الأخير أعلن نيّته الترشح للرئاسة عام 2024، الأمر الذي عدّه وزير العدل الأميركي "ظروفاً استثنائية" تسمح له بتعيين جاك سميث، المدعي العام السابق في جرائم الحرب في كوسوفو، للتحقيق في الاتهامات ضد ترامب، بسوء التعامل مع السجلات الحكومية، ودوره في أحداث 6 كانون الثاني/يناير 2021.

 

وكانت نتائج الانتخابات النصفية المحبطة للجمهوريين، وقيام عدد منهم باتهام ترامب بالتسبب بالخسارة، بالإضافة إلى صدور تصريحات ضده من مسؤولين جمهوريين سابقين وحاليين... أدّت إلى قيام عدد من أنصار ترامب في الداخل الأميركي وفي العالم باتهام "الدولة العميقة" الأميركية بمحاربة ترامب؛ الاتهام الذي عزّزه إعلان ترامب "تعهُّدَ تفكيك الدولة العميقة وإعادة الحكم إلى الشعب"، بحسب تعبيره.

 

أمام هذه الشعبوية الترامبية، تحضر أسئلة ثلاثة:

 

1- ما هي الدولة العميقة الأميركية؟

 

2- هل ترامب فعلاً ضد الدولة العميقة؟

 

3- هل تسعى الدولة العميقة لإطاحة ترامب حالياً؟

 

ما هي الدولة العميقة الأميركية؟

بعكس الاعتقاد الشائع، ومفاده أن الدولة العميقة الأميركية هي "مجتمع الاستخبارات" حصراً، فإن الدولة العميقة هي أبعد وأوسع وأكثر شمولاً لقوى نافذة أخرى، قادرة على ممارسة التأثير والنفوذ، أكثر من مجتمع الاستخبارات والأمن.

 

إن الباحث في هيكلية التأثير في الحكم في الولايات المتحدة يجد أن هناك مجموعة مختلطة ومركّبة من عناصر حكومية واستخبارية وجماعات مالية وصناعية وعسكرية وإعلامية، قادرة على التأثير في قرارات حكام الولايات المتحدة الأميركية، وأبرزهم وول ستريت، سيليكون فالي، المجمع الصناعي العسكري، وكالات الأمن القومي، البنتاغون، شركات النفظ العملاقة، وغيرها.

 

ويعتقد فرنسيس فوكوياما أن النظام الأميركي كرّس آلية استخدام الفيتو، ومنحها لمجموعات نافذة تستطيع أن تضع فيتو ضدّ أي إجراء قد يضرّها، الأمر الذي يجعل إمكان تحقيق الصالح العام صعباً جداً. وبات النظام يعمل لمصلحة قوى المال والأعمال، وليس من أجل الشعب أو المصلحة العامة.

 

هل ترامب فعلاً ضد الدولة العميقة؟

إن التدقيق في إدارات ترامب ومساعديه والمصالح التي سعى لأجلها، خلال فترة ولايته، يشير إلى أن ترامب كان يمثّل مصالح أجنحة من الدولة العميقة بينما تعمل ضده أجنحة أخرى. بمعنى آخر، كانت انتخابات عام 2016 عبارة عن صراع أجنحة ضمن الدولة العميقة نفسها، وليس من خارجها أو ضدها، أدّت إلى وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

 

لقد تحالفت إدارة ترامب مع عدد من عمالقة المال في وول ستريت، ومجموعات النفط، وخصوصاً النفط الصخري، بالإضافة إلى مجموعة من الجنرالات، ومن أصحاب نظريات الإسلاموفوبيا، والقوميين البيض، والكنائس الإنجيلية المحافظة.

 

وكانت إدارته تضمّ عدداً من الناس القادمين من عالم الأعمال، والفاحشي الثراء، ومجموعة من متعهدي الشركات الأمنية الخاصة، وخبراء في العمل في وول ستريت والبنوك ومجموعة روتشيلد، وليمان برزر Lehman Brothers’، وغيرهم.

 

هل تسعى الدولة العميقة لإطاحة ترامب حالياً؟

إن التأييد والدعم الممنوحين لترامب، من قوى في النظام الأميركي، ليسا من دون حساب، ويرتبطان بالمصلحة فحسب، ولا مانع من سحب التأييد إن تبدلت المصلحة.

 

على سبيل المثال، كان تحالف ترامب مع شركات النفط الصخري محورياً، فلقد انسحب ترامب من أجلها من اتفاقية باريس للمناخ. وما اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، إلّا لخدمة شركة النفط الأميركية، "جيني" (ديك تشيني، روتشيلد، ماردوخ…)، التي استحصلت على عقود استخراج النفط هناك منذ نحو عقد من الزمن. لكن شركات النفط الأميركية نفسها استفادت من الحرب الروسية الأوكرانية، وشراء الأوروبيين النفط والغاز الأميركيَّين بأربعة أضعاف السعر العالمي، بعد أن أعلنوا خطة التخلص من الاعتماد على الطاقة الروسية، وهو أمر لم يستطع ترامب أن يحقّقه على الرغم من كل التهديدات التي أطلقها بسحب القواعد الأميركية من أوروبا، والتنمّر ضد ميركل.

 

إنّ رفض ترامب نتائجَ الانتخابات الرئاسية عام 2020، ومحاولة الانقلاب عليها عبر تشجيع أنصاره على دخول الكونغرس، والادّعاء أن الانتخابات مزوّرة ومسروقة لغاية اليوم... إلخ، إن هذه الممارسات السابقة تدقّ ناقوس الخطر لما يمكن أن يكون عليه الموقف عام 2024، في حال خسارة ترامب الانتخابات الرئاسية.

 

في حال خسارته الانتخابات مرة أخرى عام 2024، فإن السيناريو المرجَّح هو إعلان ترامب أن الانتخابات سُرقت مرةً أخرى، ودعوته إلى العصيان، وعدم الاعتراف بشرعية الرئيس الأميركي، الأمر الذي قد يؤدي إلى فرز عميق وخطير في أميركا، يمكن أن يدفع إلى احتمال مطالبة بعض الولايات بالانفصال، أو قيام بعض العسكريين والجنرالات برفض أوامر "القائد الأعلى للقوات المسلحة"، المطعون في شرعيته، أو قيام اشتباكات مسلحة وحرب شوارع... إلخ.

 

لذا، فإن هذا السيناريو يجعل ترامب تهديداً للديمقراطية الأميركية ككل، وليس فقط تهديداً لمصالح أطراف الدولة العميقة، التي تستفيد من الهيمنة الأميركية في العالم.

2022/11/15

الترامبية": ظاهرة آفلة في الولايات المتحدة


بعد فرز تصويت عشرات الملايين من المواطنين الأميركيين، حدد فوز كاثرين كورتيز ماستو الصعب، في ولاية نيفادا، النتيجة الحاسمة للمعركة السياسية بين الحزبين، فحصد الحزب الديمقراطي المقعد رقم 50 في مجلس الشيوخ الأميركي، بينما وصل الجمهوريون إلى المقعد رقم 49.

ويبقى المقعد الأخير في ولاية جورجيا، والذي لن تحسم نتائجه قبل إعادة الانتخابات في كانون الثاني/يناير المقبل، غير ذي أهمية في تقرير الأغلبية التصويتية في مجلس الشيوخ، فحتى لو فاز الجمهوريون بالمقعد المتبقي في ولاية جورجيا، ستكون نائبة الرئيس كمالا هاريس قادرة على ترجيح كفة الميزان في مجلس الشيوخ خلال أي تصويت.

وبالرغم من بقاء إمكانية فوز الحزب الجمهوري بالأغلبية في مجلس النواب، كانت المفاجأة أن الرئيس جو بايدن، وهو الرئيس الأقل شعبية في تاريخ الولايات المتحدة، سيحافظ على قدرته على تمرير أجندته بشكل يسير. ولا ينسى الديمقراطيون كيف قامت الأغلبية الجمهورية بتعطيل الجلسات، ومنعت عقد جلسة استماع لمرشح الرئيس السابق باراك أوباما لعضوية المحكمة العليا، بينما قام مجلس الشيوخ ذو الغالبية الجمهورية بالمصادقة على تعيين مرشّحة ترامب القاضية المحافظة إيمي كوني باريت عضواً في المحكمة العليا، والتي كانت العضو اليميني الثالث الذي يعيّنه ترامب

عملياً، اتكل الديمقراطيون على أصوات النساء والشباب، وتشير التقارير إلى أن تلك الفئات في الولايات المتحدة صوتت ضد مرشحي ترامب بعدما شعرت بالرغبة في حماية حقوقها المكتسبة، وذلك بعد تجربة سيطرة اليمين المتطرف المؤيد لترامب على المحكمة العليا، وهي أعلى هيئة قضائية في الولايات المتّحدة، وإصدارها قراراً ألغت فيه المحكمة الحكم التاريخي المعروف باسم "رو ضد ويد"، وأصبح من حق كل ولاية على حدة حظر عملية الإجهاض، ومعه فقدت ملايين النساء في الولايات المتحدة الحق القانوني في الإجهاض، ويخشى الشباب أن يكون ذلك مقدمة لفقدان العديد من الحقوق الأخرى، وخاصة حقوق المثلية الجنسية وغيرها.. 

أما على الجهة الجمهورية، فبدا التصويت أشبه بتصويت على زعامة ترامب للحزب الجمهوري وترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2024، خاصة بعدما بدأت الظاهرة "الترامبية" تعكس تحوّلاً خطراً في الديمقراطية الأميركية، وذلك على صعيد شخصنة الحزب وتحوّله إلى حزب "الزعيم"، وظاهرة استخدام الدين في السياسة وهي ظاهرة غريبة عن المجتمع الأميركي.

1-حزب الزعيم:

كما معظم دول العالم الثالث، تحوّل الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة إلى حزب الزعيم، الذي يقرر سياسات الحزب ويختار بنفسه المرشحين، ويحدد الخطوط العريضة لسياسة حزبه، فيقوم المؤيدون بالدفاع عنها بدون تفكير، وبدون أي قبول بفكر مختلف، ويؤيدونه بشكل يشبه "العبادة".

قبل أسبوعين من انتخابات التجديد النصفي، وهي الأولى منذ ترك ترامب البيت الأبيض، ظهرت "الترامبية" بأوضح صورها، إذ ظهر أن معظم المرشحين من الحزب الجمهوري الذين رفضوا التعهد بالولاء للرئيس السابق، أو رفضوا ترديد مقولة ترامب بأن "الانتخابات سرقت منه عام 2020"، فقدوا انتخاباتهم التمهيدية أو تقاعدوا لتجنب الهزيمة، باستثناء قلة قليلة استطاعت الفوز بالترشيح.

2-استخدام الدين:

كان واضحاً خلال فترة حكم ترامب أنه حاول استغلال الدين، وخاصة تأييد الكنائس الإنجيلية من أجل كسب تأييد شعبي ضمن تلك الكنائس التي يزيد عدد أعضائها على 70 مليون ناخب في جميع الولايات الأميركية.

رويداً رويداً، شهدت الولايات المتحدة مع "الترامبية " ابتعاداً عن القيم العلمانية التي تأسست عليها، وبات اليمين المسيحي يحاول فرض أجندته في المحكمة العليا والسياسة الخارجية، أو يمكن القول إن ترامب كان ينفذ أجندة يمينية مسيحية لكسب تأييد الناخبين المنتمين إلى تلك الكنائس. إذاً، هي علاقة مصلحية متشابكة بين الطرفين، جعلت ترامب "المخلّص" في نظر العديد من المتدينين الذين يعيشون خوفاً ثقافياً حضارياً، يريدون معه إيقاف عجلة التحوّل الثقافي، ولو بالقوة.

في النتيجة، وبحسب الدراسات التاريخية، عادة ما يخسر حزب الرئيس الموجود في البيت الأبيض في الانتخابات النصفية، وتشير البيانات الصادرة عن جامعة كاليفورنيا (سانتا باربرا) إلى أن متوسط خسارة الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس 28 مقعداً في مجلس النواب و4 مقاعد في مجلس الشيوخ في كل انتخابات نصفية بين عامي 1934 و2018 (بحسب جدول الإحصاء).

المفاجأة هذه السنة، تعني أن "الترامبية" أضرّت بالحزب الجمهوري بشكل كبير، وأن المرشحين الجمهوريين الذين خسروا الانتخابات والذين تمّ اختيارهم، ليس بحسب معيار الكفاءة بل بمدى الولاء الشخصي لترامب، يؤكدون أن الظاهرة "الترامبية" القائمة على الشعبوية وانتشار نظريات المؤامرة والتنمر، ليست مقبولة تماماً في الولايات المتحدة.