2021/07/27

تحقيق دولي في انفجار بيروت... وصفة للتسييس

 

منذ حصول انفجار مرفأ بيروت في 4 آب من عام 2020، لم تنفك الدعوات في لبنان من قبل سياسيين واعلاميين وناشطين بالمطالبة بتحقيق دولي في القضية، ومؤخراً توجهت 53 منظمة حقوقية برسالة الى مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة، يطالبون بإنشاء بعثة تحقيق دولية في الانفجار، دعا فيها الموقعون إلى "إنشاء بعثة تحقيق دولية ومستقلة ومحايدة"، معتبرين أنّه "مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى للانفجار، فإن الحجج لإجراء هكذا تحقيق دولي قد ازدادت قوة".

 

وبالرغم من أن البرلمان اللبناني خذل اللبنانيين بتذرعه بالحصانات لنواب ووزراء، وبقيام بعض النواب بالتوقيع على عريضة لتحويل زملائهم الى هيئة قضائية غير موجودة أصلاً، هي مجلس محاكمة الرؤساء والوزراء، إلا ان التحقيق الدولي المطلوب، وبحسب التجربة اللبنانية السابقة، لا يعطي أملاً كبيراً بـ"إحقاق العدالة بمصداقية"، ومنع "التدخل السياسي" كما تطالب المنظمات..

 

ولنا أن نشير الى ملاحظات عديدة حول تجربة التحقيق الدولي الذي خبره اللبنانيون في قضية اغتيال الحريري في 14 شباط 2005، ونورد فيه ما يلي:

 

-      تحقيق دولي استغرق 6 سنوات:

 

في 15/2/2005، أيْ بعد مرور يومٍ واحدٍ فقط على اغتيال الحريري، أبدى مجلس الأمن اهتمامًا استثنائيًّا بما يجري في لبنان، وطلب من الأمين العامّ "أن يتابع عن كثبٍ الحالةَ في لبنان، وأن يقدِّم على وجه السرعة تقريرًا عن الملابسات والأسباب التي أحاطت بهذا العمل الإرهابيّ وما يترتّب عليه من عواقب."

 

وعلى الأثر، أَرسل أمين عامّ الأمم المتحدة كوفي أنان إلى بيروت بعثةً لتقصّي الحقائق، برئاسة بيتر فيتزجيرالد، فوصلت بعد عشرة أيّام. وفي أقلّ من شهرٍ واحد، التقت البعثة مسؤولين وسياسيين لبنانيين، من الحكومة والمعارضة في آن، ودرست إجراءات التحقيق، والإجراءات القانونيّة اللبنانيّة، وعاينت مسرح الجريمة، وجَمعت الأدلّة، وقابلت الشهود، وأصدرت تقريرها.

 

وفي 7/4/2005، أقرّ مجلس الأمن الدولي القرار 1595 الذي قضى بإنشاء لجنة تحقيق دوليّة مستقلّة كي تساعد الحكومة اللبنانيّةَ على إجراء التحقيق في العمل الإرهابيّ المرتكب 14 شباط، ولتساعد في تحديد هويّة "مرتكبيه ومموِّليه ومنظِّميه وشركائهم".

 

هذا يعني أن مجلس الأمن الدولي، قد قام في غضون أقل من شهرين، بإصدار بيان رئاسي، وإرسال لجنة فيتزجرالد، ثم إصدار قرار بإنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة للتحقيق في العمل الارهابي في 14 شباط، على الرغم من أن مجلس الأمن احتاج شهوراً عدّة لإقرار لجان تقصي حقائق في جرائم كبرى كالتطهير العرقي في يوغسلافيا والابادة في رواندا.  وبالرغم من تلك السرعة في تشكيل لجنة التحقيق، وهي سابقة في تاريخ التحقيقات الدولية، استمر التحقيق في اغتيال الحريري خمس سنوات و11 شهراً قبل أن يصدر القرار الاتهامي الأول (قرار بلمار).

 

فكيف تعيب المنظمات في رسالتها على القضاء اللبناني أنه مستمر في التحقيق لمدة سنة بدون إصدار قرار اتهامي؟

 

- تسييس في التأسيس

كشفت وثائق ويكيليكس أن وزير العدل السابق شارل رزق أطلع السفير الاميركي جيفري فيلتمان على لائحة الأسماء المرشحة للتعيين قبل إرسالها الى الأمم المتحدة، وتناقشوا فيها. وفي لقاء لم يكن هو الأول بين شارل رزق والسفير فيلتمان، في 6 تموز 2007، يخبر فيلتمان بالتفصيل في الوثيقة المنشورة عبر ويكيلكس، عن اجتماعه بشارل رزق، وكيف أن رزق أعطاه لائحة من 12 اسمًا، وطلب منه تزكية بعض الأسماء. ويخبره رزق أن السنيورة أراد أن يطلع الحكومة اللبنانية على الأسماء، ولكن رزق رفض ذلك مدّعيًا ان هذا يأخذ وقتًا، وان الأسماء ستكون معرضة للخطر.. وهنا يخبر فيلتمان: ان رزق طلب منه أن يهمس الأميركيون في اذن موظفي الامم المتحدة المسؤولين عن الموضوع، لتزكية أسماء معينة من بين الاسماء الأثني عشر، فوعده فيلتمان بذلك، قائلاً: حالما تصل الاسماء الى الامم المتحدة، أخبرني بذلك لأقوم بالاتصالات اللازمة...هذا يشير الى أن فيلتمان هو من اختار الأسماء وأطّلع على اللائحة في حين لم يطلع عليها الوزراء في الحكومة اللبنانية.

 

وهكذا، إن التسييس المشكو منه في لبنان، غير بعيد عن القوى الدولية التي ستمارسه بحسب مصالحها أيضًا.

 

- فساد، شهود زور، وتضليل التحقيق

 

لم يخلُ التحقيق الدولي من تهم الفساد والذي بدأ مع ديتليف ميليس والمتهم بالفساد في بلاده قبل تعيينه. كما انطبع مسار التحقيق الدولي بفبركة شهود الزور الذين استخدمهم بعض الأطراف اللبنانيين، لتوجيه الاتهام الى سوريا أو الى الضباط الاربعة، ونذكر منهم هسام هسام، العميل الاسرائيلي بن عودة، زهير الصديق وغيرهم.

 

-      تبدل الجناة بحسب الظرف الدولي

 

منذ لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005 وإنشاء لجنة تحقيق من قبل الأمم المتحدة في حادث الاغتيال، انصب التركيز الأساسي العلني للتحقيق على دمشق مترافقًا مع تصريحات اعلامية وسياسية تتهم دمشق مباشرة بالاغتيال. وهكذا صدر التقرير الأول لـ "لجنة التحقيق الدولية المستقلة" في تشرين الأول 2005، وخلص - كما كان متوقعًا له وقتها- بأن «خيوطاً كثيرة تشير إشارة مباشرة إلى تورط مسؤولي أمن سوريين في حادث الإغتيال». ومنذ ذلك الحين حتى بداية عام 2009، أي بعد مرور أربع أعوام على عمل التحقيق الدولي، لم يتم ذكر حزب الله في أي من التقارير التي تصدرها "لجنة التحقيق الدولية المستقلة" كل ثلاثة أشهر.

 

وفجأة، وبدون سابق مقدمات، نشرت مجلة "دير شبيجل" في أيار 2009، مقالاً ذكرت فيه بقدر كبير من التفصيل كيف شاركت عناصر من حزب الله في جريمة القتل، وكيف اكتشفت "لجنة التحقيق الدولية" ارتباط أولئك العناصر في حادث الإغتيال. وتتحدث أن أحد عناصر الحزب "ارتكب طيشًا لا يصدق" حيث اتصل بصديقته بواسطة هاتف خليوي تم استخدامه في عملية الإغتيال، مما أتاح للمحققين فرصة تحديد الرجل.

 

وتوالت التسريبات، وتوالت السيناريوهات التي تربط حزب الله باغتيال الحريري، وصولاً الى ما كشفه الامين العام لحزب الله عن لقاء بينه وبين سعد الحريري لاقناعه بقبول تسوية؛ تقضي بإلاعلان بأن "عناصر غير منضبطة" من حزب الله هي من اغتالت الحريري الأب مقابل تبرئة القيادة، لكن حزب الله رفضها، ليتبين في نهاية المحاكمات أن المحكمة برأت الجميع، وبقي سليم عياش المدان الوحيد، وتحوّلت قضيته الى الاستئناف.

  

2021/07/23

مظاهرات العرب الايرانيين... هل تشكّل خطراً على النظام؟

انشغل الاعلام الخليجي - بشكل أساسي- بالتظاهرات التي حطت رحالها في منطقة خوزستان في إيران، أو ما يعرف بالأحواز، وهي منطقة تقطنها قوميات عربية، تقع على الحدود مع العراق، وتشتهر بثروتها المائية والنفطية.

وبالرغم من ثروتها المائية، فإن التظاهرات بدأت بسبب انقطاع المياه وعدم قدرة المواطنين على ري المزروعات، بالاضافة الى البطالة والتهميش والفقر التي يعاني منها الاقليم منذ فترة طويلة. وقد اعترف المرشد السيد علي خامنئي إن مشكلة المياه في محافظة خوزستان شكلت "إحدى الهواجس المؤلمة والأساسية خلال الفترة الأخيرة" معتبراً أن على "مسؤولي الجهات الحكومية وغير الحكومية العمل على وجه السرعة لحل مشاكل المواطنين الشرفاء في محافظة خوزستان".

ولعل الأسباب التي أدّت الى هذه الأزمة الحالية، تكمن في مشكلة أساسية تعاني منها معظم الحكومات في العالم، وهي إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي على حساب التنمية البيئية المستدامة والتنمية البشرية، وذلك كما يلي:

-       قامت شركات النفط العاملة في الاقليم بتجفيف أجزاء من الأراضي الرطبة، ومنعت وصول المياه إليها، وذلك لأن استخراج النفط من الأراضي المجففة أرخص بكثير من استخراجه من الواحات المائية.

-      التصحر وموجة الجفاف المرتبطة بالاحتباس الحراري، ولقد فاقمت السدود وعمليات نقل المياه الى مناطق إيرانية أخرى، من حجم المشكلة البيئية الأساسية في تلك المنطقة.

-      اتهم روحاني المزارعين في تلك المناطق بالتسبب بالمشكلة، وذلك لاعتمادهم على زراعات معروفة باستهلاكها العالي للمياه، كالارز وقصب السكر، بالرغم من سنوات الحرّ والجفاف.

وبالرغم من وجود أسباب غير سياسية للأزمة، إلا أن الاعلام ركّز على القضية باعتبارها مؤشراً لتحركات "قد تطيح بالنظام الايراني وتؤدي الى انفصال الأحواز" فإلى أي مدى يمكن تشكّل هذه التظاهرات بالفعل خطراً على النظام كما يشير بعض الاعلاميين في العالم العربي والعالم؟

أولاً، إن التركيبة الثقافية للسكان في تلك المنطقة ذوي الأصول العربية، لا تشكّل قلقاً كبيراً للايرانيين، وذلك بسبب وحدة الدين، علماً أن هؤلاء شاركوا في الحرب الايرانية العراقية لصالح دولتهم، وقدموا التضحيات.. فإذاً، إن الأصول العربية للسكان لا تعني قدرة أسهل على الاختراق أكثر من باقي مكونات الشعب الايراني.

ثانياً، إن الثورات الشعبية عادةً تبدأ بظروف داخلية طبعاً ولكنها تحتاج الى دعم خارجي وإمداد اقليمي لكي تستمر وتقوى، فتشكّل رافعة للتغيير. بهذا المعنى، لا تبدو الظروف الدولية والاقليمية مؤاتية لدعم من هذا النوع، خاصة في ظل رغبة أميركية بالعودة الى الاتفاق النووي، وتوجّه سعودي – ايراني لتحسين العلاقات بين ضفتي الخليج، وهو ما عبّر عنه الرئيس الجديد ابراهيم رئيسي، الذي اعتبر أن الأولوية هي لحلّ المشاكل العالقة مع الجيران. علماً أن ما عجزت عنه التظاهرات عام 2009 بحجمها وقوتها وتوسعها، لن تستطيع هذه التظاهرات المحدودة بجغرافيتها وأهدافها أن تحققه.

إذاً، تواجه الحكومة الايرانية كما معظم حكومات العالم، مشكلة الأمن البيئي، التي عادة ما يتم تجاهلها لصالح الأمن العسكري الذي عادة ما تعطية الحكومات الأولوية المطلقة، علماً أن معظم الدراسات العلمية تشير الى أن المياه والتحولات البيئية ستكون العامل الأكثر تسبباً للنزاعات في المستقبل. لكن، وبالرغم من أهمية المسألة، وضرورة معالجتها، إلا أنه من الصعب أن تكوّن المظاهرات في خوزستان كرة ثلج فتتوسع الى أنحاء إيران فتشكّل خطراً على النظام الايراني وتسقطه كما يمنّي النفس بعض الاعلاميين العرب.

 

2021/07/19

هل تتجرأ أوروبا بعد التحذيرين الصيني والروسي؟

 

بعد غياب طال زمناً،  أي منذ ما بعد مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي، أعاد الرئيس الأميركي جو بايدن توجيه الصراع في العالم عبر إعطاء الصراع الجيوبوليتكي طابعاً ايديولوجياً، وذلك عبر تكريس معادلة "الديمقراطية مقابل الديكتاتورية"، متهماً كلاً من منافسي الولايات المتحدة في العالم (الصين وروسيا) بأنها ديكتاتوريات تحكم بالحديد والنار.

 

منذ عهد جورج بوش الإبن، الذي دمج استراتيجية "الحرب على الارهاب" الشهيرة، باستراتيجية "فرض الديمقراطية" في العالم وخاصة في الشرق الأوسط، لم يقم اي من الرؤساء الأميركيين بمحاولة إعطاء بعداً ايديولوجياً للصراع على النفوذ في العالم. وقد يعود سبب ذلك، الى فشل القوة الصلبة الأميركية في تحقيق "فرض الديمقراطية" بالقوة، ما أضعف القوة الناعمة الأميركية الى حدّ كبير، وأضر بهيبة أميركا في الخارج، خاصة في البلدان التي كانت مسرحاً مباشرًا للحرب على الارهاب: العراق وأفغانستان.

 

ولم يكتفِ بايدن بإعادة توجيه السياسة الخارجية الى " كفاح الديمقراطية مقابل الديكتاتورية" بل شخصن الصراع مع روسيا والصين، عبر اتهام الرئيس بوتين بأنه "قاتل"، وتوجيه الاتهام الى الرئيس الصيني بأنه لا يملك "عظمة ديمقراطية واحدة في جسده"، معتبرًا أن معركته الحقيقية خلال عهده، هي اثبات بأن الديمقراطية قادرة أن تعمل في القرن الحادي والعشرين.

 

أتى الردّ الصيني عنيفاً خلال مئوية تأسيس الحزب الشيوعي الصيني، فلقد قام الرئيس الصيني تشي جيانبينع، بتهديد من يريد أن يعتدي على الصين بأنه سيحطم رأسه عبر جدار فولاذي من  1,4 مليار صيني.

 

خطاب الرئيس الصيني، لم يتطرق مطلقاً الى هدف الصين المعلن منذ فترة (التحوّل الى دولة ديمقراطية تامة بحلول عام 2049)، بل بدا أقرب الى الخطابات التي كان يدليها كل من ستالين وماوتسي تونغ خلال الحرب الباردة.

 

كما ستالين عام 1946، الذي أكد على الماركسية اللينينية باعتبارها ايديولوجية متفوقة وأنها نظام سياسي واقتصادي على حدٍ سواء، وكما اعتبر ماوتسي تونغ أن "الماوية" متفوقة على جميع الايديولوجيات الأخرى، سواء الرأسمالية الغربية أو الاشتراكية السيوفياتية، كذلك تشي. أعلن تشي أن إيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني هي الأساس، وأن هذه الايديولوجية هي التي ستمسح بعودة الصين الى عظمتها التاريخية والخروج من تاريخ مشؤوم من الاذلال الذي عرفته بين منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين.

 

أما الرد الروسي فجاء واضحاً عبر استراتيجية جديدة للأمن القومي وقعّها الرئيس فلاديمير بوتين في 3 تموز/ يوليو 2021. وتعبّر هذه الاستراتيجية عن حجم الجدية التي يتعامل بها الروس إزاء التهديدات التي يشكّلها الأميركيون لروسيا في العالم ورغبتهم في احتوائها.

 

 تبني الاستراتيجية الروسية الجديدة على الأفكار الواردة في الاستراتيجية السابقة، والتي تمّ توقيعها كقانون في 31 كانون الثاني / ديسمبر 2015. في تلك الاستراتيجية، أعلن الروس أن بلادهم محاصرة من قبل أعداء يحاولون التعدي على البلاد بأساليب تتراوح بين الضغط العسكري وصولاً الى نشر الأفكار الهدامة للمجتمع الروسي. بينما تذهب الاستراتيجية الجديدة الى أبعد من ذلك، إذ انها تتحدث عن مجموعة أوسع من تهديدات الأمن القومي، بما في ذلك الأمن السيبراني، الأنشطة التي تقوم بها الشركات العالمية الكبرى، "تغريب الثقافة"  الروسية، ومحاولة فرض القيم الأخلاقية الأجنبية لإبعاد الروس عن قيمهم الحضارية الأساسية وغير ذلك.

 

بالاضافة الى التهديدات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية التي يشكّلها الناتو والغرب، تتحدث الاستراتيجية الروسية عن "رغبة الدول الغربية في الهيمنة على العالم (المادة 7) ومن ضمنها محاولات "الدول غير الصديقة ... لاستخدام المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في الاتحاد الروسي لتدمير وحدته الداخلي ، والتحريض على القيام بحركة احتجاجية متطرفة، ودعم المجموعات الهامشية، وتقسيم المجتمع الروسي "(المادة 20 ) .

 

لذا، فإن روسيا "ستقاتل" ليس فقط ضد المتطرفين الذين يقوضون النظام الدستوري لروسيا، بل وأيضًا ضد أولئك الذين ينشرون النفوذ الغربي في البلاد - بما في ذلك التأثير الثقافي والأخلاقي للغرب. كما يتحدث الروس عن ضرورة تطوير وسائل المواجهة تجاه "المحاولات المتعمدة لتقويض القيم التقليدية، وتشويه التاريخ العالمي، ومراجعة وجهات النظر حول دور روسيا ومكانتها فيه، وإعادة تأهيل الفاشية والتحريض على الصراعات بين الأعراق وبين الطوائف" وحتى تقييد استخدام اللغة الروسية (المادة 19).

 

وهكذا، يمكن اختصار الصراع العالمي اليوم بالسعي نحو الهيمنة، حيث تحاول الولايات المتحدة تكريس هيمنتها الامبراطورية على العالم، بينما يتحدى الآخرون، ويعتزمون العمل ما بوسعهم لإعادة التوازن والتعددية القطبية الى النظام العالمي. لكن، إن الصراع الحالي لا يبدو سهلاً:

 

-        اقتصادياً: لا تجد أوروبا نفسها مرتاحة للوقوف في محور أميركي ضد الصين، إذ أن الارتباطات الاقتصادية والتجارية مع الصين، تبدو كبيرة وواعدة. أما إذا تمّ تقسيم العالم بين ديمقراطيات وديكتاتوريات تتقاتل لفرض وجهة نظرها، فإنه من الاسهل على أوروبا أن تقف في معسكر الولايات المتحدة الداعم للديمقراطية بدون تحفظ.

 

-        بالنسبة لروسيا، إن الصراع التاريخي الممتد منذ الامبراطوية القيصرية وصولاً الى الاتحاد السوفياتي، بات من الماضي بآلياته القديمة، لكن تحويل الأمر الى محاولة تغيير وتوجيه ثقافي لإحلال الديمقراطية في بلد مجاور لاوروبا ويتقاسم معها الفضاء الطبيعي في العديد من دول شرق ووسط أوروبا، فإن ذلك الأمر يستدعي المخاطرة أوروبياُ.

 

 

 

لهذا، نجد أن قيام بايدن بإعادة الخطاب الايديولوجي الى ساحة العلاقات الدولية، قد يكون هدفه محاولة تكريس تكتل قوى متجانسة عالمياً كما كانت الحرب الباردة، لأن صراع النفوذ التقليدي وصراع الجيوبوليتيك لم يعد كافياً للتحشيد للسعي نحو هيمنة أحادية، فهل تنقاد أوروبا للبعد الايديولوجي؟ يبدو الجواب نعم، بحذر.

 

ايران: هل تكون طالبان حركة حماس أخرى؟

 

مباشرة بعد احداث 11 أيلول 2001، اعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن "الحرب على الارهاب"، وهي استراتيجية كبرى تتضمن العديد من الوسائل التي لم تكن مستعملة في وقت سابق، إذ قام الاميركيون بتدخل عسكري مباشر في منطقتين، في أفغانستان والعراق، واستطاعوا الحصول على قرار مجلس الأمن رقم 1373 ، والذي أتاح لهم فرض عقوبات وتتبع حركات الاموال والاشخاص حول العالم بحجة دعم الارهاب.

 

وبالرغم من اعتقاد الأميركيين أن وجودهم في المنطقة، سوف يشكّل ضغطاً على ايران وتهديدًا عسكرياً لها، لكن بعكس المتوقع، استفاد الايرانيون من قدوم الأميركيين الى العراق، واستطاعوا الاستفادة من الفراغ الأمني والاقتصادي والسياسي التي خلقه التدخل الأميركي والاطاحة بصدام حسين، فأسرعوا الى ملء هذا الفراغ عبر تقديم الدعم للقوى السياسية الشيعية المعارضة والتي كانت قد استقبلتها ومنحتها حق اللجوء السياسي قبل عام 2003 ما جعلها على علاقة وثيقة مع الحكومات المتعاقبة على حكم العراق.

 

أما في المرحلة اللاحقة، وبالرغم من التهديد الذي شكّلته داعش للقوى السياسية العراقية، وبالرغم من تشكيل التحالف الدولي بقيادة الاميركيين لمواجهة داعش، إلا أن الايرانيين استطاعوا الاستفادة من تبدل الظروف وحوّلوا التهديد الى فرصة لتشكيل قوى عسكرية موازية للجيش العراقي الذي أسسه الأميركيون (الحشد الشعبي) استطاعت ان تفرض نفوذاً أمنياً وسياسياً في مرحلة ما بعد داعش في العراق.

 

واليوم، وبينما يتجه الاميركيون الى الرحيل عن أفغانستان، يحاول الايرانيون استخدام ما يملكونه من نفوذ لمنع عودة أفغانستان الى الحرب الأهلية، وبالرغم من القلق من عودة أفغانستان الى سيطرة طالبان، وهي الحركة التي لطالما شكّلت تهديداً للايرانيين، ولكن التغيير في الخطاب الايراني يشي بأن البراغماتية الايرانية ستسيطر على المشهد الأفغاني كما في العديد من المناطق الأخرى.

 

ونرى مشاهد البراغماتية الايرانية من خلال ما يلي:

 

-        تحريم الاقتتال: كان قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني كان قد ساهم في تأسيس "لواء فاطميون" عام 2013 وفيه تمّ تجنيد مجموعة من الأفغان الشيعة (أقلية الهزارة)، واكتسبوا خبرة قتالية في المشاركة في المعارك في سوريا، ثم عادوا الى أفغانستان فيما بعد.

 

وكان عدد من الاعلاميين المحسوبين على المرشد الايراني وعلى الحرس الثوري، قد اعتبروا أن قيام الشيعة بالاقتتال مع طالبان هو خطأ كبير لأن "طالبان غيرت مسارها ولم تعد تذبح"، و زعموا ان الاخبار التي تثير قلق الشيعة في أفعانستان وأن الحركة تنوي "القيام بإبادة جماعية ضد الشيعة وضربهم" يعني أن "الولايات المتحدة تلجأ إلى إثارة الحرب المذهبية كأفضل خيار للقضاء على الأمن في أفغانستان".

 

-        رعاية حوار أفغاني بين طالبان والسلطات الحاكمة، والتأكيد على أولوية الحل السياسي، بالرغم من أن طالبان استمرت في هجومها للسيطرة  ميدانياً على مزيد من الأراضي.

 

وفي هذا الاطار، ينظر الايرانيون بحذر الى حكم طالبان لأفغانستان، لكنهم سيتعاملون ببراغماتية شديدة وسيحرصون على أن لا تسمح طالبان بتزايد نفوذ تنظيم "داعش" في أفغانستان، وتتعهد بالحفاظ على العرقية الفارسية والأقلية الشيعية وعلى المكاسب التي اكتسبتها في وقت سابق ومنها الاعتراف بالمذهب الشيعي الجعفري الى جانب المذهب السنّي في الدستور الافغاني، واحترام الاتفاقيات الاقتصادية  التي وقعها الايرانيون في مجالات التجارة والطاقة والكهرباء مع الجانب الأفغاني. وبالرغم من أن العديد يرى صعوبة قيام تحالف بين طالبان وايران، نجد أن لا شيء يمنع ذلك، فها هي حركة حماس التي انخرطت في القتال ضد الجيش السوري، أعاد الايرانيون وح ز ب الله علاقاتهم معها الى سابق عهدها (قبل الحرب السورية) وأعادوا تمويلها ودعمها عسكرياً. 

2021/07/12

الأخطاء الأميركية في "خطة بومبيو" اللبنانية


 

في 22 آذار/مارس من عام 2019، وخلال زيارة وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو الى بيروت، وضع اللبنانيين بين خيارين: إمّا مواجهة حــــزب الله، وإمّا دفع الثمن. وما أحجم بومبيو عن تفسيره، قام به في مرات عدّة وخلال لقاءات إعلامية، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفد شينكر الذي حدد ما هو المطلوب من اللبنانيين في مواضيع عدّة منها موضوع ترسيم الحدود البحرية وموضوع حـــــزب الله وغيرها

 

أدّت سياسة "الضغوط القصوى" التي قام بها الرئيس ترامب، الى تسريع وتيرة الانهيار الاقتصادي اللبناني وتعميقه، علماً أن ذلك الانهيار تتحمل مسؤوليته بالأساس وبالدرجة الأولى، مسيرة 30 سنة من النهب المنظم لخزينة الدولة والفساد، وطبقة سياسية فاسدة متوحشة انتقلت من نحر اللبنانيين خلال الحرب، الى قتل مستقبلهم وأرزاقهم خلال السلم المفترض. وحتى لو كانت، الضغوط الخارجية لها تأثير هام في الانهيار، لكن الحقيقة التي يجب أن تقال، أن أدوات لبنانية هي من نفذت، وطبقت، وأثرت من خلال عمالتها للخارج.

 

ولقياس نتائج خطة بومبيو للبنان ومدى تحقيقها للأهداف المزمعة منها، نجد ما يلي:

 

-        بسبب سلسلة من السياسات المصرفية الجشعة والشديدة المخاطر، وبعد تزايد الضغوط الخارجية، انهارت البنوك اللبنانية، وخسر اللبنانيون ودائعهم. وهكذا، وبعد الضغوط على بيئته (الذي بدأ منذ فترة طويلة) قام ح ز ب الله بتحويل التهديد  الى فرصة ليقوم بتأسيس نظامه المصرفي الخاص (القرض الحسن)، فتخلّص من الرقابة المالية على تحويلاته، واستفاد المودع في القرض الحسن، الذي يستطيع أن يستخدم بطاقته المصرفية ليسحب أمواله بالدولار الأميركي بينما يعجز عن ذلك اللبنانيون في بنوكهم التقليدية.

 

-        لطالما صرّح الأميركيون، ومنهم جيفري فيلتمان (خلال شهادته في الكونغرس في تشرين الثاني 2019)، ان الأميركيين يدعمون القوى الأمنية اللبنانية لتوازن القوة العسكرية التي يملكها ح زب الله، ولمنعه من مدّ نفوذه الأمني على الساحة اللبنانية.

 

وفي هذا الإطار، يمكن أن نسأل كيف حققت الضغوط القصوى هذا الهدف، بعدما أدى انهيار العملة المحلية اللبنانية الى إفقار القوى الأمنية بحيث أنها لا تستطيع أن تؤمن الأكل لجنودها، وأدّت الى انهيار معاش العسكري الذي يتقاضاه بالليرة اللبنانية، بينما يدفع الحزب لأفراده بالدولار الأميركي؟.

 

-        نبّه فيلتمان، خلال تلك الشهادة في الكونغرس نفسها، من مغبة تقويض الاستقرار اللبناني، وحذّر من الحرب الأهلية، معتبراً أن الحرب "ستسمح لإيران ببسط نفوذها في لبنان". كما اعتبر أن أي فراغ يتركه الأميركيون في الساحة اللبنانية، سيؤدي الى توسّع الدور الروسي في الإقليم والمتوسط، وحذّر قائلاً " ماذا لو استغلت روسيا موانئ لبنان الثلاثة ومخزونات الهيدروكربون البحرية؟ ستفوز في شرق وجنوب المتوسط، على حسابنا؟"، كما حذّر من الاستغلال الصيني لاي فراغ يتركه الأميركيون في الساحة، وخلص الى أن " لبنان مكان للمنافسة الاستراتيجية العالمية، وإذا تنازلنا عن الأرض، سيملأ الآخرون الفراغ بسعادة".

 

 

 

وعليه، وبما أن الواقعية في العلاقات الدولية تشير الى مسلمة أساسية مفادها " نحكم على الظاهرة السياسية بنتائجها، ونحكم على الوسيلة بمدى تحقيقها للأهداف،" لذا من المجدي أن نقيّم بالفعل، أي نتائج حققتها سياسة الضغوط القصوى، وهل كانت الوسائل المستخدمة هي الأفضل لتحقيق الأهداف؟....إن النظر الى وضع اللبنانيين، والفئات تمّ سحقها بالانهيار الاقتصادي، يعطينا الأجوبة المطلوبة. 

2021/07/09

الانسحاب الأميركي من أفغانستان: الأوراق بيد بوتين؟


أعلن البيت الابيض أن القوات الأميركية سوف تغادر أفغانستان بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً أي في 31 آب/ أغسطس من العام الحالي، بعدما كان من المفترض أن يعلن رحيل آخر جندي أميركي عن أفغانستان بحلول 11 أيلول، منهية 20 سنة من التدخل العسكري الأميركي في هذا البلد.

وفي اعتراف صريح، أعلنت المتحدثة باسم الأبيض الأبيض أن الاميركيين لن يعلنوا الانتصار، لأنهم "لم يربحوا الحرب في أفغانستان"[1]، بينما خفف بايدن من وطأة الانتقادات التي اعتبرت خروجه من أفغانستان شبيهة بالخروج من فيتنام، معتبراً أن الولايات المتحدة دفعت تريليون دولار على تسليح وتدريب القوى العسكرية الأفغانية، ولقد قتل 2448 أميركيًا، وجرح 20,722 لتحقيق هدفين: قتل بن لادن، ومنع القاعدة من استخدام هذا البلد للتأثير على الأمن القومي الأميركي[2].

وبسبب الانسحاب المتسرع والفجائي لقوات حلف الناتو، استطاعت طالبان أن تكتسح العديد من المناطق الأفغانية. واللافت ما تقوم به طالبان من تحسين علاقاتها مع دول الجوار، والتأكيد أن ليس من أهدافها المسّ بالاستقرار الاقليمي. وقامت لهذا الغرض بالتواصل مع كل من روسيا والصين وإيران التي استضافت موتمراً للحوار الأفغاني، دعت فيه طرفي الحوار (الحكومة الأفغانية وطالبان) الى السلام وتقاسم السلطة ورحب وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف بما اسماه "الهزيمة الأميركية" في أفغانستان[3].

بالنسبة للصين:

اجتاحت طالبان مقاطعة بدخشان الشمالية الشرقية، ووصلت إلى الحدود الجبلية مع منطقة شينجيانغ الصينية .لطالما نظرت الصين الى طالبان بعين الحذر والعداء، بعدما دعمت طالبان الجماعات المسلحة الأويغورية في شينجيانغ وتعاونت معها. أما اليوم، فلقد قامت طالبان بإرسال رسائل واضحة لبكين، عبر باكستان، أظهرت فيها حسن النية، وعبرت عن أملها بأن تلعب الصين دوراً أكبر في أفغانستان بعد رحيل الأميركيين. وبما أن الصين لا يعنيها كثيراً ملف حقوق الإنسان، ولا تتدخل في كيفية حكم البلاد التي تتعامل معها استثمارياً، فمن المحتمل أن تكون العلاقات بين طالبان والصين مرشحة للتعاون في المستقبل. تحتاج طالبان الى الاستثمارات الصينية لتعزيز الاقتصاد ما يسهّل لها إخضاع الأفغانيين وفرض الحكم الاسلامي، بينما التعاون مع الحكم الأفعاني القادم والذي ستسيطر عليه طالبان، سيعزز النفوذ الصيني في المنطقة.

بالنسبة لروسيا:

لطالما خشي الروس من التمدد الاسلامي في محيطهم الجغرافي وتأثيره على الحركات الانفصالية في الاتحاد الروسي، فشجعوا الاطاحة بطالبان في السابق. اليوم، يتعامل الروس بحذر مع التطورات الناتجة عن الانسحاب الأميركي، ولقد عبروا عن استعدادهم لتعزيز نفوذهم العسكري في طاجيكستان، تنفيذاً لمعاهدة الأمن الجماعي CSTO، والتي تضم روسيا وخمس دول سوفيتية سابقة أخرى، وأعلن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن موسكو مستعدة لاستخدام قاعدتها العسكرية في طاجيكستان، إحدى أكبر قاعدتها العسكرية في الخارج، لضمان أمن حلفائها في المنطقة.

بالمقابل، زار وفد من طالبان روسيا، مبدياً رغبة بالتعاون مع موسكو، ومؤكدًا على عدم الرغبة في المسّ بالاستقرار في المنطقة.

بالنسبة للأميركيين:

تبقى منطقة وسط آسيا ذات نفوذ استراتيجي هام بالنسبة للأميركيين، ومهمة للتأثير على طريق الحرير الجديد الذي تنفذه الصين برياً ويربط الصين بأوروبا والعالم، لذا يبحث الأميركيون إمكانية إنشاء قواعد عسكرية في الدول المجاورة في أسيا الوسطى بديلة عن تلك التي أخلوها في أفغانستان.

لا تبدو الخيارات الأميركية كبيرة في هذا المجال، فلقد قام المبعوث الأميركي الى أفغانستان، زلماي خليل زاده، بزيارة الى منطقة وسط آسيا في أيار/ مايو الماضي، لبحث إمكانية إنشاء قواعد عسكرية في الدول المجاورة لأفغانستان.

في هذا الإطار، تقوم تلك الدول بموازنة دقيقة لمصالحها، بين كل من روسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية، آخذين بعين الاعتبار المصالح الحيوية والاستثمارية والحدود المشتركة مع كل من روسيا والصين، وتهديد طالبان بالانتقام من الدول التي تستضيف القوات الأميركية المنسحبة، بالاضافة الى الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بأمن حلفائها خاصة بعد تخليها المفاجئ عن أفغانستان وترك المتعاملين مع قوات الناتو لمصيرهم.

وهكذا، تبحث الولايات المتحدة الأميركية إمكانية إبقاء قواتها في المنطقة لاحتواء الروس والصينيين، لكن دون هذا الهدف صعوبات عديدة، وفي هذا الإطار هناك سيناريوهات ثلاث:

-        أن تضغط روسيا والصين على الدول المجاورة لمنع الولايات المتحدة من تأسيس قاعدة عسكرية لها في منطقة آسيا الوسطى، وهذا سيعتبر ضربة للاستراتيجية الأميركية في المنطقة وخطة احتواء الصين وروسيا، وتخلٍ عن منطقة حيوية وأساسية في الصراع الجيوبوليتكي العالمي.

-        أن تستطيع الولايات المتحدة إقناع إحدى الدول المجاورة بالقبول بتأسيس قاعدة عسكرية، وبالتالي إدخال تلك الدولة في صراع محاور سيسبب لها الكثير من عدم الاستقرار الداخلي. وبنتيجة الضغوط الروسية على تلك الدول، والتي يتقنها بوتين جيدًا، تقوم تلك الدول بداية باستضافة القوات الأميركية ثم تقوم فيما بعد بابتزاز الأميركيين تحت وطأة المطالبة بالانسحاب، كما حصل مع قيرغستان في السابق (على سبيل المثال لا الحصر)، وبالتالي سيسبب هذا الأمر قلقاً لإدارة بايدن التي ستضطر للتعاون مع مجموعة من الحكام الديكتاتوريين ما سيقوّض ادعاءات بايدن الايديولوجية (الديمقراطية مقابل الديكتاتورية).

-        أن يتعاون الأميركيون مع بوتين، للسماح لإحدى الدول المجاورة لأفغانستان (طاجيكستان أو أوزبكستان) باستقبال قاعدة أميركية على أرضها، وهذا من الصعب على بوتين القبول به، إلا في حال قدم الأميركيون اغراءات لروسيا بمكاسب في أماكن أخرى، ووعود بعدم استخدام تلك القواعد للمسّ بالامن القومي الروسي، فهل يمكن للأميركيين دفع مثل هذا الثمن؟. 

2021/07/05

ترويكا الفساد: "هلموا للعفو الرابع"!


يعيش لبنان اليوم أجواءً تعكس الى حد بعيد ما حصل في نهايات الحرب الأهلية، حيث لم تشهد ترتيبات ما بعد الحرب أي مبادرة جدية لتطبيق آليات العدالة الانتقالية، وكل ما تمّ تطبيقه هو قانون العفو الشامل عام 1991، واستحداث وزارة للمهجرين والصندوق الوطني للمهجّرين لدفع تعويضات مادية للمهجّرين ولإخلاء البيوت التي تمّت مصادرتها خلال الحرب.

وبقيت آليات الذكرى أمرًا يختلف عليه اللبنانيون وبقي استمرارًا للانقسام اللبناني خلال الحرب، ولم تُبذل أي عمليّة رسمية للتصالح مع الماضي، وتقديم "حقيقة تاريخية" واحدة يتم التوافق عليها للانتقال من أرث الحرب الى بناء السلام، وبقي مصير 17 الف مفقود مجهولاً مع محاولات من المجتمع المدني وأمهات المفقودين لحثّ الدولة على التعامل مع هذا الملف بجدية باءت بالفشل، إذ أن القوى السياسية التي وصلت الى الحكم بعد الحرب كانت هي نفسها المسؤولة عن مصير هؤلاء.

ولغاية اليوم، ما زال كل فريق لبناني يقوم بإحياء ذكرى من "استشهدوا" من أفراده في الحرب بطريقة منفردة، وعبر روايات التعظيم والبطولة وعبر تقسيم "نحن وهم"، ما يزيد في الانقسام اللبناني المتوارث من الحرب الأهلية.

واليوم، يبدو أن الأحداث والتطورات تحاول ان تعيدنا بالتاريخ الى الوراء:

-      تحاول الدولة العميقة وأركانها من أمراء الميليشيات السابقين وأعوانهم الفاسدين والمفسدين أن تحصل على عفو عام مالي مشابه للعفو العام الجنائي الذي حصلوا عليه بعد الحرب.

لقد اعتاد هؤلاء على بديهية الافلات من العقاب، إذ يبدو أن منح العفو العام بعد كل حرب أو اقتتال لبناني لبناني، هي عادة متبعة في لبنان، إذ صدر قانون عفو شامل بعد أول انفجار أهلي بعد الاستقلال (ربيع 1958)، ومنح العفو العام عن الجرائم المرتكبة حتى 15/10/1958.

وصدر قانون العفو الثاني بعد المشاكل والجرائم التي حصلت على أثر حرب حزيران 1967 ومنح عفوًا عامًا عن الجرائم المرتكبة قبل 1/1/1968.

لكن أن أبرز وأخطر قانون عفو عام في لبنان هو القانون رقم 84/91 تاريخ 26/8/1991، لأنه القانون الذي قام بطمس كامل الحقائق والجرائم المرتكبة خلال الحرب الأهلية. كان هذا القانون أسوأ ما يمكن أن يحصل للعدالة في لبنان، حيث أعفى أمراء الميليشيات عن أنفسهم وتسلموا مقاليد السلطة، وعاثوا فساداً ونهباً بالدولة التي أطلق عليها أحدهم اسم "البقرة الحلوب".

والمشكلة اليوم، أن الاعلام الشريك استطاع أن يسوّق سرديات مساندة. فكما اختلف اللبنانيون حول  "الواجب الوطني" الحربي الذي دفع كل منهم الى قتل شريكه في الوطن، نجد اليوم أن لكل طرف سرديته الخاصة حول أسباب الانهيار والمسؤولية التي يتحملها كل مسؤول أو طرف سياسي في هذا الانهيار.

وكما اختلفوا على "شهداء" الحرب الأهلية، وتنكروا لمسؤوليات زعمائهم وأحزابهم عن الجرائم والفظائع، يختلفون اليوم على هوية "الفاسدين"، فكما كان لكل طرف روايته الخاصة للحرب، كذلك للانهيار الاقتصادي اليوم سرديته.

بالنتيجة، تندفع الدولة العميقة للقتال للحصول على تسوية سياسية مشابهة لتسوية الطائف التي نحرت لبنان، وأسقطت العدالة على مذبح "لا غالب ولا مغلوب"، فإما أن تحصل على عفو عام وإعادة تكريس لزعاماتها كما حصل في ثلاث مرات سابقة، أو تجر البلاد الى انهيار ففوضى فاقتتال. لكن، كما يبدو، أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، مصرّ على أجراء التدقيق الجنائي وهو يحرص ألا تستعاد تجربة الطائف التي أطاحت به في بداية التسعينات، فهل ينجح؟ لا بد من أن ينجح، وإلا السلام على لبنان.