2021/06/15

"قمة السبع" تتحدّى الصين: "طريق حرير" مُوازٍ

تخطّى الأميركيون والأوروبيون المشاكل التي طبعت ضفتي الأطلسي على مدى أعوام أربعة، بعد أن قام ترامب بممارسة تسلُّطه على الأوروبيين وتوبيخهم، واعتبرهم منافسين وأعداء، في أغرب تصريح لرئيس أميركي منذ الحرب العالمية الثانية.

 

ردَّد بايدن مراراً، في عدد من المناسبات سابقاً، وفي لقائه شركاءَه في "مجموعة السبع"، عبارة صريحة وواضحة "أميركا عادت"! وأصرّ، خلال لقائه الرئيسَ الفرنسيَّ، على أن يقوم ماكرون بتأكيدها بنفسه. و"عودة أميركا" تعني عودة الأميركيين إلى الهيمنة على العالم، ومحاولة إعادة عقارب الساعة إلى حقبة التسعينيات من القرن العشرين، بحيث انتقلت الولايات المتحدة من زعامة العالم الغربي إلى زعامة العالم، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

 

ولعودة أميركا فعلاً إلى الزعامة العالمية، يحتاج بايدن إلى موافقة حلفائه في الاتحاد الأوروبي وحلف "الناتو" وشراكتهم ودعمهم، قبل أيّ شيء، وهو ما جعله يتوجَّه إلى أوروبا في أول زيارة خارجية له، للمشاركة في "قمة السبع"، ثم في قمة حلف "الناتو"، ويلتقي بعدهما الرئيسَ الروسي فلاديمير بوتين.

 

ولتطبيق الخطة الأميركية الطموحة من أجل العودة إلى زعامة العالم، تسعى الولايات المتحدة لتعزيز تحالفاتها وشراكاتها، والتركيز على التهديدات المشتركة، والتي من المفترض أن تدفع الولايات المتحدة وأوروبا إلى العمل معاً لمواجهتها. وكانت أماندا سلوات، مسؤولة أوروبا في البيت الأبيض، أكَّدت أن قمة الناتو ستركّز على التهديدات المشتركة التي تشكّلها كل من روسيا والصين، والأمن السيبراني، وتغير المناخ، وخفض القوات في أفغانستان.

 

الواضح أنه، قبل القمة، كان هناك كثيرٌ من الانقسامات والتباينات في الرؤى بين الطرفين بشأن التعامل مع التهديدات الاستراتيجية التي حدَّدها الأميركيون. بالنسبة إلى روسيا، تجلّى التباين في الموقف من أنبوب "نورد ستريم 2"، بحيث تراجع الأميركيون عن العقوبات التي تمّ فرضها سابقاً على الشركات العاملة فيه، بعد أن أكد الألمان إصرارهم على المُضيّ في المشروع مهما بلغت التكاليف. كما تتباين نظرتا الأوروبيين والأميركيين بالنسبة إلى الموقف من الصين، فالدول الأوروبية كانت تبدو حَذِرة من السير خلف الولايات المتحدة في منافسة غير محدودة مع الصين.

 

وفي ظلّ هذا الجو، استطاع جو بايدن أن يحقق إنجازاً يُحسَب له، سيدفع التنافس العالمي مع الصين إلى مستوىً غير مسبوق: إقرار خطة تنمية عالمية، موازية لطريق الحرير الجديد الصيني (خطة الطريق والحزام) ومنافِسة لها، أُطلق عليها اسم مبادرة "إعادة بناء عالم أفضل" Build Back Better World (B3W) Partnership

 

ماذا تتضمَّن المبادرة الغربية التنموية؟

يتحدَّث البيان الذي وزَّعه البيت الأبيض عن مبادرة إيجابية "جريئة" لتلبية حاجات البنية التحتية الهائلة للبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وهي شراكة بنية تحتية شفافة وذات معايير عالية، وتقودها الديمقراطيات الكبرى، بالاشتراك مع القطاع الخاص للمساعدة على تأمين ما يزيد على 40 تريليون دولار من حاجات البنية التحتية في العالم النامي، والذي تفاقم بسبب جائحة كورونا.

 

وكما هو واضح، تركّز خطة التنمية هذه، المُنافِسة للخطة الصينية، على معايير قيمية (الشفافية، الحكم الرشيد، استفادة اجتماعية لمواطني الدول المستهدفة، مكافحة الفساد، دعم المرأة... إلخ)، في ردٍّ واضح على خطة الصين التنموية، والتي لا تتدخل في سلوك الدول وطريقة الحكم فيها، بل تعتمد، في صورة أساسية، على الاستفادة المتبادلة بين البلدين، مالياً واستثمارياً.

 

وهكذا، سيكون العالم النامي، في المرحلة المقبلة، أمام منافسة شرسة، قوامها مشروعان عالميان للتنمية، يتنافسان في مساحة جغرافية واحدة، وسيستعمل كل طرف جميع معايير القوة والإغراء والتهديد، لكسب العقود الاستثمارية.

 

وعليه، ستكون الدول النامية أمام مشهد يتراوح بين النعمة والنقمة:

 

- النعمة: أن تحصل الدول النامية على فرص حقيقية للتنمية، عبر تنافس المشاريع الدولية، من أجل التنمية والاستثمار، فتستطيع أن تحصل على عروض أفضل، وإمكان للاستثمار وتطوير البنى التحتية، من دون رهن أصولها السيادية. لكن، كم من الدول النامية تمتلك القوة الكافية للمقايضة والصمود أمام الإغراءات والتهديدات؟

 

 - النقمة: أن تتحوّل الدول النامية إلى ساحات صراع جديدة، قوامها التنافس الاستثماري بين جبابرة اقتصاديين، فيتمّ التدخل في شؤون تلك الدول، وتأليب الرأي العام الداخلي، وتجييش"المجتمع المدني" لإطاحة الحكّام الرافضين توقيع الشراكات. ولنا في عدد من الدول، التي تمت إطاحة حكّامها في البلقان وأوروبا الشرقية، عِبْرة. فحين عُرضت شراكات متنافِسة، اقتصادياً واستراتيجياً واستثمارياً، على تلك الدول (روسيا وأوروبا)، تحوّلت البلاد إلى مرتع لتدخلات خارجية، ومسرح لـ"ثورات ملوَّنة". ودخلت في حالة من عدم الاستقرار والاحتراب الداخلي.

 

هكذا إذاً، يبدو العالم أمام مشهد جديد من السباق نحو القمة العالمية، تشكّل التنمية والاستثمار أحدَ أوجهه. فهل ستجلب هذه المشاريع المتنافِسة، تنميةً ونهوضاً فعلياً لدول العالم الثالث، أم مزيداً من الحروب والفقر والتخلُّف؟ من الصعب تصديق حُسن نيّات الدول العظمى 

2021/06/14

قمة السبع: الشرق الاوسط لم يعد أولوية

 

ليلى نقولا

 

تتجه منطقة الشرق الأوسط الى خلط أوراق متعددة الأوجه في الاشهر القادمة وذلك مرتبط الى حد بعيد بالتغيّر في الأولويات العالمية وخاصة التغير في الأولويات الأميركية بعد رحيل ترامب عن البيت الأبيض، وبعد استشعار الغرب بشكل عام خطورة سيطرة اليمين على الحكم في تلك البلدان والتحولات التي يمكن أن تنشأ عن ذلك.

 

ويبدو من نتائج قمة السبع أن الدول المشاركة وعلى رأسها الولايات المتحدة تعطي الأولوية لإحتواء الصين، ولذا وضعت خطة طموحة لمنافسة الصين في مشروع تنموي للبنى التحتية سمي الشراكة من أجل "إعادة بناء عالم أفضل" (B3W)، وسيتم دفع ما يزيد على 40 تريليون دولار لهذا الغرض. والأهم، إن المناطق المستهدفة بالتنمية تلك هي الدول المنخفضة والمتوسطة الدخل في العالم، وبالأخص في "أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، بالاضافة إلى أفريقيا ومناطق المحيطين الهندي والهادئ"، بحسب بيان البيت الأبيض.

 

ماذا يعني هذا؟

 

إن عدم ورود منطقة الشرق الأوسط في مشروع الشراكة وتمويل البنى التحتية للدول النامية، يعني أن المنطقة لم تعد في سلم أولويات الدول الفاعلة، وعليه إن الأمن في المنطقة سيكون عرضة لتلزيمات لدول إقليمية فاعلة، تؤمن الاستقرار فيها وتمنع الفوضى من أن تتمدد وتصل الى أوروبا، أو أن تؤدي الى مشاغلة الأميركيين في منطقة استنزفتهم منذ عام 2001 ولغاية اليوم.

 

واللافت أن انخراط الأميركيين في الحرب على الارهاب، وتوجيه قدراتهم نحو الشرق الأوسط تزامن مع دخول الصين الى منظمة التجارة العالمية (2001). هذا الانخراط الأميركي الطويل الأمد في الشرق الأوسط سمح للصين بزيادة قدراتها الاقتصادية والمالية، وصعودها الى مرتبة المنافس الجدي والحقيقي للولايات المتحدة الأميركية.

 

وعليه، سيكون على الأميركيين، وفي عزّ انشغالهم باستراتيجية احتواء الصين، أن يقوموا بترتيبات تؤمن الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وتحفظ لهم مصالحهم، بدون انخراط تام، وقد بدأت مؤشرات التغيير تظهر، وذلك على الشكل التالي:

 

-      التغيرات في اسرائيل، وسقوط نتنياهو الذي استمر في محاولة دفع الأمور الى حرب في المنطقة، ومحاولة الهروب الى الامام بعدوان على ايران، أدى الى استياء أميركي كبير. وكان واضحاً منذ وصوله أن بايدن لا يستسيغ نتنياهو (صديق ترامب وبوتين).

 

وهكذا، توحدت التناقضات في حكومة اسرائيلية جديدة وأسقطت نتنياهو الساعي الى الحفاظ على سلطته عبر الحروب ودفع المنطقة الى عدم الاستقرار. ولا يستبعد أن يكون هناك مساهمة أميركية في إسقاطه.

 

 

 

-      الانتخابات الإيرانية، والتي – على ما يبدو- سوف تؤدي الى وصول المحافظين الى السلطة. وبالرغم من ذلك، فإن الأولوية ستكون للتفاوض على إزالة العقوبات قبل أي تفاوض جديد، وهو ما بدأت تباشيره تظهر بإعلان الرئيس روحاني في 23 أيار / مايو الماضي، ان الاتفاق تمّ في فيينا على إزالة العقوبات الأميركية عن قطاع النفط والبتروكيميائيات والمصرف المركزي الايراني، وستليها رفع للعقوبات المتبقية والتي فرضها ترامب بصورة آحادية.

 

-      إنهاء حرب اليمن، والسير نحو حلّ سياسي يقدم فيه الجميع تنازلات مقبولة ومعقولة، وتعكس ميزان القوى على الأرض.

 

-      عودة سوريا الى الجامعة العربية بما يعني تحفيف الحصار المطبق عليها مرحلياً، والسماح بعودة اللاجئين، والبدء بمسيرة الاعمار ولو تأخر الحلّ السياسي النهائي.

 

-      أما في لبنان، فإن نضوج الظروف الاقليمية سوف تؤدي الى اعتذار الحريري والوصول الى تسوية تأتي بحليف للسعوديين (ومقبول من جميع الأطراف) كرئيس لحكومة وحدة وطنية، تقوم بوضع مسار لتحقيق الاصلاحات اللازمة المطلوبة من الدول المانحة وصندوق النقد الدولي.

 

 

 

هذه التسويات المرحلية سوف تؤدي الى حصول استقرار نسبي في المنطقة، وستؤدي الى ارتياح معقول لدى شعوب المنطقة، بعد 4 سنوات عجاف، تعرّض فيها لبنان وسوريا والعراق واليمن وايران والاردن وغيرها الى حرب تجويع حقيقية، لم تؤدِ الى تحقيق اي من الأهداف التي وضعتها إدارة ترامب.

 

لكن، بالتأكيد إن نضوح تلك الترتيبات التسووية يحتاج الى بعض الوقت لكي تتبلور ملامحه النهائية خاصة في ظل محاولة الأطراف تحصيل أوراق قوة إضافية قبل الوصول الى طاولة المفاوضات، والسعي من قبل الدول الاقليمية الفاعلة الحصول على الحصة الأكبر من تلزيمات الاستقرار الأمني المنشود بما يزيد من نفوذها في المنطقة. 

2021/06/07

نتيناهو: لحرب مع إيران أم سفك دماء داخل اسرائيل؟

 

خُلطت الأوراق في "اسرائيل" بعد إعلان المعارضة الاسرائيلية نجاحها في تشكيل حكومة جديدة، وذلك قبل نحو 30 دقيقة من نهاية المهلة الممنوحة لها للتشكيل.

 

ولأول مرة منذ 12 عاماً، تنجح المعارضة في أن تشكّل تهديدًا حقيقيًا لسلطة نتنياهو المتربع على عرش السلطة والذي عُرف عهده بتوسيع الاستيطان، حروب غزة، صفقة القرن، والتطبيع، والفساد. ولأول مرة في التاريخ الاسرائيلي، يتم توجيه اتهام بالفساد لرئيس وزراء في منصبه. ففي 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019، وجّه المدعي العام الإسرائيلي اتهامات بالفساد وخيانة الأمانة لنتنياهو في 3 قضايا مختلفة، وبدأت محاكمته في أيار/ مايو 2020.

 

وأمام خطر خروجه من السلطة، وتعرضه للسجن، يبدو أن نتنياهو سيقاتل الى النهاية ولن يستسلم، وكما هو واضح، نجد أنه يحاول دفع الأمور الى الامام للحفاظ على سلطته، في حال لم يستطع أن يقنع الأحزاب اليمينية بعدم التصويت للحكومة. أما خياراته التصعيدية  فنجدها على الشكل التالي:

 

- التهديد بحرب مع إيران:

 

لم تلبث معركة "سيف القدس" أن انتهت بهدنة مذّلة، حتى أعلن نتنياهو أنّه إذا وُضعت "إسرائيل" بين خيار "الحفاظ على علاقتها بالولايات المتحدة" وبين "معالجة تهديد وجودي" كالذي تشكّله إيران، لاختارت الثاني بدون تردّد.

 

واقعيًا، وبعد عجز الاسرائيليين الواضح عن الدخول في معركة برية في قطاع غزة، وعجز القبة الحديديةعن منع كافة الصواريخ التي أطلقت من قطاع غزة الى الأراضي الفلسطينية المحتلة، لا يمكن لأي مسؤول اسرائيلي عاقل أن يهدد بضرب إيران أو بالذهاب الى حرب إقليمية. وهذا يعني أن نتنياهو،  وانطلاقاً من مصلحته الشخصية، مستعد للذهاب الى حرب خارجية للحفاظ على السلطة.

 

ولا شكّ أن التحذير الأميركي الشديد تجاه أي خطوة تصعيدية في المنطقة، بالإضافة الى أن القرار يعود - بشكل أساسي- للجيش الاسرائيلي، ومدى "جهوزيته" للذهاب الى حرب إقليمية، ما يجعل تصريح نتنياهو مجرد تهديد لفظي ولن يتحوّل الى إي إجراء عسكري فعلي، ولو أراده نتيناهو، إلا بموافقة الجهات العسكرية المعنية.

 

- سفك الدماء داخل اسرائيل:

 

منذ شعوره بقرب خسارة السلطة، يمارس نتنياهو وحزبه التحريض ضد أعضاء الائتلاف المعارض الذي يتوجه لتشكيل حكومة.

 

وحذر رئيس جهاز الأمن العام "الاسرائيلي"- "الشاباك" نداف أرغمان، من أن الأجواء التحريضية داخل اسرائيل ضد الحكومة الجديدة، قد يؤدي الى سفك الدماء، معتبراً أن "مناخ التحريض الحالي قد يؤدي إلى سفك دماء مأساوي في إسرائيل، وحذّر من إمكانية حصول حالات "اغتيال سياسي".

 

وبالرغم من أن هذه التحذيرات عادة ما تكون سرية، إلا أن صحيفة "جيروزاليم بوست" اعتبرت أن هذا التحذير العلني النادر من أرغمان يؤشر الى خطورة الوضع داخل "اسرائيل". وبالفعل، كشفت القناة السابعة الإسرائيلية، أن "زعيم حزب "يمينا" الإسرائيلي، ورئيس الوزراء المتوقع في البلاد، نفتالي بينيت، قد تلقى تهديدات بالقتل" ولفتت إلى أن "الأجهزة الأمنية الإسرائيلية رصدت تهديدات واضحة بحق بينيت، وتأخذ هذه التهديدات على محمل الجد".

 

وهكذا، يكون نتنياهو، والذي صعّد ضد الفلسطينيين وأشعل حرباً بين الاسرائيليين والفسطينيين خلال الأسابيع المنصرمة، بهدف الحفاظ على السلطة، انتهت بخسارة له، لم يبقَ أمامه سوى خيارات التصعيد الخارجي أو الداخلي:

 

وبما أن التصعيد ضد إيران دونه عقبات عدّة، أولها الموقف الأميركي الحاسم بهذا الشأن، ثم الموقف الاسرائيلي الداخلي الذي لم يتعافَ بعد من الحرب مع غزة، فيكون التصعيد الداخلي مرجح أكثر، وحتى لو لم يصل الى حدّ ممارسة الاغتيالات وتصفية الخصوم السياسيين. 

2021/06/05

القلق الاسرائيلي: فقدان الشرعية الدولية!

كان التأييد الذي حظيت به القضية الفلسطينية مؤخرًا غير مسبوق عالميًا، وخاصة في الولايات التحدة الأميركية، حيث شهدت العديد من الولايات تظاهرات مؤيدة لفلسطين، وعلت أصوات في الكونغرس الأميركي تطالب بمنع اسرائيل من ضمّ الأحياء الفلسطينية في القدس ووقف معاناة الفلسطينيين.

وكتب السناتور بيرني ساندرز مقال رأي في صحيفة نيويورك تايمز يدعو الأميركيين الى عدم خلق الذرائع لتأييد اسرائيل، فالفوضى التي اندلعت في الأسابيع الأخيرة كانت بسبب الاستفزازات التي قام بها المتطرفون اليهود في القدس، وكذلك المحاولات غير القانونية الإسرائيلية لإجلاء السكان الفلسطينيين قسرًا من أحد أحياء المدينة المقدسة.

ولا شكّ أن داعمو فلسطين استفادوا من انتشار الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والاعلام الفضائي، وعدم القدرة على احتكار الخبر والصورة، وهو ما ساهم في خلق رأي عام عالمي مساند لحق الشعب الفلسطيني، وكاشف لحجم المجازر التي قامت بها اسرائيل.

لكي لا نفرط في التفاؤل حول هذه الظاهرة ولأن دروس التاريخ تعلمنا أنه حين تقاعس العرب والفلسطينيون عن الاستثمار في حركات التأييد تلك، والبناء عليها ورفدها بالتقارير الدائمة، وبالمقابل قامت اسرائيل بحملات إعلامية وسياسية ودبلوماسية هجومية مرتدة، تقلّص حجم دعم الرأي العام العالمي المؤيد لفلسطين.

منذ البدايات، استطاعت الحركة الصهيونية العالمية ترويج روايتها المزورة حول حقّ مزعوم في فلسطين، واستطاعت أن تطوّق الرأي العام الدولي بأكاذيبها وتضليلها، لتحدث شروخاً عميقة في حركة التضامن العالمية مع الشعب الفلسطيني وقضيته، لنزع مشروعية الكفاح المسلح الفلسطيني ووصمه بالعمل التخريبي أو الإرهابي.

 وحتى عندما نجحت نضالات الشعب الفلسطيني في انتزاع اعتراف عالمي بمقاومته وباعتبار الصهيونية مرادفاً للعنصرية، تحركت الآلة الإعلامية والسياسية الصهيونية والقوى المساندة لها على المسرح الدولي، وخاصة الولايات المتحدة لتفريغ هذا الاعتراف من محتواه الإيجابي، ولإلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية.

ولكي يستطيع الفلسطينيون الاستثمار في ما تحقق والبناء المستقبلي على حملات التضامن مع قضيتهم وللوصول الى مساحة تفقد فيها اسرائيل شرعيتها الدولية مما يفقدها أحد أهم أركان قوتها، لا بد لنا من الإدراك ان التيارات المساندة لفلسطين هي مزيج فسيفسائي يحمل تنوعاً في المنطلقات ووسائل التعبير والمفردات المستخدمة، وحتى في الاهداف المراد الوصول لها.

وتتراوح منطلقات وأهداف هذا التيارات، بين الحدّ الاقصى الذي يؤيد تحرير فلسطين من النهر الى البحر واستعادة كل الاراضي المحتلة منذ عام 1948 (وهي التيارات المنضوية  في محور المقاومة)، وبين الحدّ الأقصى في الجهة المقابلة الذي يكتفي بانتقاد السياسات الاسرائيلية ومطالبتها بـ "أخلاقيات أكثر" في التعامل مع الفلسطينيين، وما بين هذين الحدّين، هناك تيارات وناشطون وأفكار ورؤى، ويمكن اختصارها بما يلي:

- تيار يعتبر اسرائيل كيانًا غير شرعي، يجب إزالته. وعلى مرّ السنين، ومع توقيع اتفاقيات أوسلو، وموجات التطبيع وموجات الربيع العربي، تراجع حجم هذا التيار ليقتصر بشكل أساسي على قوى محور المقاومة وداعموها.

- تيارات حقوقية قانونية، تعترض على قيام اسرائيل بانتهاك القانون الدولي، من خلال الجرائم والفرز العنصري والاستيطان وغيره، وهي تقوم بتقديم تقارير قانونية بشكل دائم يمكن للفلسطينيين البناء عليها وتسويقها.

- بعض تيارات اليسار القديم، الذي ما زال يؤمن بضرورة مواجهة الامبريالية. وهؤلاء يجدون في الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، والدعم الأميركي لإسرائيل امبريالية يجب محاربتها.

- تيارات السلام، وهؤلاء يرفضون الحروب، ويدعون للسلام في العالم، وتجدهم في الخط الأمامي للتظاهرات المناوئة للحرب، بغض النظر عن البقعة الجغرافية.

- ناشطون يساندون القضية الفلسطينية، إنطلاقاً من رفضهم للهيمنة والاحتلال والعنصرية كافة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

- ناشطون يتحركون بدافع "كره الصهيونية" وأدواتها، ولكنهم مع حق اسرائيل في الوجود وفي الامن، ويدعون  الى حل سلمي شامل بين الطرفين.

- تيارات تؤيد حلّ الدولتين، لذا تدعم الشعب الفلسطيني وتؤيد حقه في الحرية وفي اقامة دولة يعيش فيها بسلام جنبًا الى جنب مع دولة اسرائيل.

ولقد أثبتت التجارب أن مجموع هذه الحركات يشكّل قيمة معنوية عالمية هائلة لا يستهان بها، وإن لها تاثيرات ايجابية - ولو محدودة- في الضغط على صنّاع القرار في الغرب. ولكنها، بالرغم من ذلك، تبقى في إطار التأييد الانساني الموسمي، الذي لا يلبث أن يخفت ويتلاشى ولم يستطع أن يصل يومًا إلى مستويات مُرضية تعبّر عن تأييد دائم وفعال ومستدام.

ولقد علمنا التاريخ، وخاصة تجارب شعوب العالم التحررية بِأن ما اصطلح على تسميته بالرأي العام الدولي، لا يتحرك مؤازراً ومسانداً إلا على وهج الانتصارات الميدانية التي تتحقق أو على وقع فظائع ومجازر كبرى يندى لها جبين البشرية، وهذا يعني أن عدالة القضية وأحقيتها التاريخية والانسانية والقانونية بحد ذاتها ليست محركاً كافياً للارتقاء بوعي وتعاطف الرأي العام الدولي، للانخراط في التأييد المتنامي والمستدام.

 لذلك لا يمكن الاتكال على تحرك الرأي العام العالمي من تلقاء نفسه ولا على ابقاء الحس التضامني قائمًا ما لم يقم داعمو فلسطين بخطوات فاعلة للتواصل معه بشكل مستمر وفعّال ودائم، وقبول التنوع الذي يحمله، وعدم التخلي عن أي جزء من أجزائه مهما اختلفت تعابيره ووسائله.

إن صياغة استراتيجية إعلامية وسياسية للبناء على ما تحقق، يبدو ضرورة ملّحة، خاصة إذا ما لاحظنا أن الاسرائيليين يخشون أن تتحوّل المقاومة من "استراتيجية تدمير اسرائيل" الى استراتيجية "الانهيار من الداخل" كما حصل مع الاتحاد السوفياتي ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والتي تحتاج بشكل أساسي الى تحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة وفاقدة الشرعية على الصعيد الدولي.

لا شكّ أن نزع الشرعية عن الممارسات الاسرائيلية، يجب أن يكون جزء لا يتجزأ من الجهد الذي يبذله الناشطون المؤيدون لفلسطين،ولعل أبسط تعبير عما يمكن أن تعيشه اسرائيل من خطر وجودي في ظل تآكل شرعيتها الدولية، هو ما عبر عنه الصحفي الاسرائيلي آري شافيت يوماً بقوله، أن الخطر على اسرائيل أن تتحوّل من حركة قومية تملك "شرعية بدون كيان" الى "كيان بدون شرعية".

2021/05/31

سوريا: الانتخابات تفصيل.. والحلّ السياسي مؤجل

ليلى نقولا 


انتهت الانتخابات السورية بنتيجة معروفة سلفاً، كما أتى البيان المشترك الذي وقّعته كل من الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا وبريطانيا والمانيا وإيطاليا متوقعاً أيضاً في مفرداته وتعبيراته التي رفضت الاعتراف بشرعية الرئيس السوري المنبثق عن هذه الانتخابات.

وبغض النظر عن حجم التصويت الانتخابي والمشاركة الكثيفة والاحتفالات التي عمّت سوريا بعد الانتخابات، لا بد من أن نشير الى أن الانتخابات الحالية أتت كتفصيل في مشهد تمّ تكريسه ميدانياً أدى الى معادلات وموازين قوى معروفة على الأرض، وهو ما يمكن أن نعطي بعض أبرز مؤشراته كما يلي:

- ثبات الحكم السوري تحت سلطة عائلة الأسد التي قاتلت واستبسلت في الدفاع عن نفسها وحكمها لمدة ما يزيد على عشر سنوات، واستطاعت بتحالفاتها الخارجية المتنوعة سياسياً وعسكرياً، وبواسطة الجيش السوري، أن تعيد ما يزيد عن 75% من الجغرافيا السورية تحت سيطرة الدولة السورية، بعدما كانت المجموعات المعارضة والمجموعات الارهابية قد سيطرت على العديد من المناطق بواسطة الدعم والتمويل والتسليح الخارجي.

- فشل الرهان الغربي على إسقاط نظام الحكم في سوريا وتغيير المعادلة الداخلية والاقليمية كنتيجة لهذا السقوط. وكما بات واضحاً، يبدو أن هناك أجزاء من المعارضة السورية كانت قد أعطت وعوداً للخارج بتغيير السياسة الخارجية السورية في العديد من القضايا المرتبطة بإيران والخليج وتركيا واسرائيل...

- إن التصريحات المبكرة التي تحدثت عن رفع علم اسرائيل في العاصمة دمشق، ثم قيام الاسرائيليين بدعم المجموعات الارهابية القريبة من حدود الجولان المحتل ومدّها بالسلاح، وإدخال عناصرها الى مستشفيات فلسطين المحتلة للعلاج، كله يؤشر الى أن وعودًا كانت قد قطعت للخارج بفتح صفحة جديدة من العلاقات مع اسرائيل والوصول الى السلام والتطبيع (ولربما كانت الوعود تتضمن التنازل عن الجولان). ومع وصول سورية الى هذه المرحلة اليوم، تكون المعادلات الميدانية قد أسقطت هدفاً من أهداف الحملة ضد سورية، وهو توقيع اتفاق سلام اسرائيلي - سوري.

- سقوط قانون قيصر فعلياً وعملياً وإن لم يكن من الممكن إسقاطه في الكونغرس الأميركي. بعودة العرب الى سوريا وعودة العديد من السفارات الى دمشق، ومع رحيل ترامب من البيت الأبيض (الراعي الرسمي للعقوبات الاقتصادية غير التمييزية) يكون عملياً قد سقط قانون قيصر للعقوبات على سوريا.

منذ قيام الأمم المتحدة بفرض عقوبات على العراق ضمن برنامج "النفط مقابل الغذاء" وبعد الكوارث التي سببتها على الصعيد الانساني والمجاعة وموت الاطفال، لم يعد مقبولاً على الصعيد الدولي اعتماد عقوبات اقتصادية غير تمييزية، بل بات القانون الدولي يفرض اعتماد عقوبات تمييزية أي تلك التي تستهدف أشخاصًا وكيانات بحد ذاتها وعلى أن لا تؤثر على معيشة السكان وحياتهم.

لكن وكما في تعامله مع المعايير الدولية الأخرى، فرض ترامب عقوبات قاسية شاملة وغير تمييزية على الشعب السوري، بحيث فرض عقوبات على المواد الحيوية التي يحتاجها السكان للعيش، وسيطر على النفط السوري. وبحسب التقارير السورية، قامت قوات التحالف بحرق حقول القمح السوري، إسهاماً منها في الضغط الاقتصادي والسعي الى تجويع السوريين.

- الواضح من الانتخابات ونتائجها، ان الحلّ السياسي في سوريا مؤجل، وذلك لعدم قدرة الاوروبيين والأميركيين على التراجع عن الخطة الأساسية للتغيير في سورية، وبسبب عدم قدرتهم على تسويق العودة للتعامل مع دمشق في قضايا أمنية وإنسانية وعودة اللاجئين بدون الاعتراف بشرعية الأسد وهو ما لا يمكن تسويقه للرأي العام الغربي في ظل ما تمّ استثماره إعلامياً وسياسياً على مدى سنوات في هذا الإطار.

في المحصلة، تبدو الانتخابات السورية تفصيلاً في تركيبة معقدة ومتشابكة من المصالح والأهداف الاستراتيجية التي فرضت حرباً عالمية - بكل ما للكلمة من معنى- على سورية. وفي القادم من الاشهر،  وبالرغم من أن الحل السياسي يبدو مؤجلاً في سورية، ستشهد سورية انفراجات بالتوازي مع الانفراج في الاقليم، والذي ينتظر تبلور نتائج الانتخابات الايرانية في الشهر القادم.

 

2021/05/30

الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط: حقيقة أو مناورة؟

 

راقب العديد من المحللين والمتابعين لشؤون الشرق الأوسط، باهتمام زيارة الجنرال كينيث ماكينزي، قائد القيادة الوسطى الأميركية، الى الشرق الاوسط والتعليقات التي أدلى بها خلال جولته. وكان لافتاً التحذير الذي اطلقه ماكينزي من أنه " من المرجح أن تعمل روسيا والصين على توسيع نفوذهما في الشرق الأوسط حين تسحب الولايات المتحدة قواتها من المنطقة"، وسيعمدون الى استغلال الفراغ الذي يمكن أن يتركه الأميركيون في المنطقة. وبحسب ماكينزي، "ستحاول روسيا بيع أنظمة دفاع جوي وأسلحة أخرى إلى أي دولة تتطلع إلى الشراء، بينما يتمثل هدف الصين طويل المدى في توسيع القوة الاقتصادية وإنشاء قواعد عسكرية في الشرق الأوسط في نهاية المطاف".

 

بالمبدأ، هناك شيء من الصحة في هذا التحذير، إذ إن أي فراغ استراتيجي يتم تركه في أي بقعة من العالم، ستحاول الدول المهيمنة الأخرى، سواء كانت دول عظمى أو إقليمية، أن تغتنم تلك الفرصة المؤاتية لتوسيع نفوذها. ويمكن بالفعل أن تقوم كل من روسيا والصين باستغلال مبيعات الأسلحة وعقود الاستثمار المختلفة كوسيلة لكسب التأييد في المنطقة.

 

وبالرغم من ذلك، وكما يبدو واقع الحال في الشرق الأوسط اليوم، ليس من السهل تخطي أو إزاحة نفوذ الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، حتى في ظل انسحاب الجيش الأميركي من افغانستان. وهنا، يمكن أن نشير الى أن التحذيرات والتصريحات التي يطلقها المسؤولون الأميركيون ( ومنهم ماكينزي) قد لا تعكس دائماً الواقع الميداني والسياسي السائد،  بل قد تكون جزءًا من التصريحات التي توظّف في كثير من الأحيان بالتنافس الداخلي، وكجزء من الصراع بين الأجهزة التي تتسم بالتعقيد والتشابك داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها.

 

وهنا، يجب أن نشير الى أنه في العلاقات الدولية، تصاغ استراتيجيات السياسة الخارجية، بموجب نمطين:

 

- النمط الأول: نموذج "المنارة"

 

وفي هذا النمط التقليدي، يكون هناك استراتيجية واضحة محددة، متعددة الوجوه والمراحل، مع أهداف طويلة وقصيرة ومتوسطة الأجل، على أن تلعب الاستراتيجية والخطة المرسومة سلفاً دور "المنارة" التي تقود كل العمليات الخارجية في منطقة محددة.

 

هذا النمط، تستخدمه الصين بشكل أساسي، حيث يتم اعتماد خطط طويلة المدى وخطط خمسية، وخطط سنوية. وتعمل جميع الأجهزة من عسكرية ودبلوماسية وسياسية واقتصادية وتنموية الخ. في نسق متكامل لتحقيق الأهداف المرسومة، مسترشدة بضوء الاستراتيجية المرسومة من قبل الدولة المركزية، التي تلعب دور المنارة.

 

- النمط الثاني: نموذج " المرايا"

 

بموجب هذا النمط، يقوم صنع استراتيجية السياسة الخارجية بناء على تعدد المصالح والمجموعات ومجموعات الضغط والقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية، التي يكون لكل واحدة أهدافها ومصالحها، وتتنافس فيما بينها للتأثير على السياسة الخارجية وقراراتها، وتكون الاستراتيجية الموضوعة انعكاساً ومرآة لمجموعات متعددة من المصالح وتنافسها بين بعضها البعض.

 

ويُعتمد هذا النموذج بشكل أساسي في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تتنافس اللوبيات ومجموعات المصالح للتأثير على السياسة الخارجية، ولعل تضارب مصالحها هو الذي - غالباً - ما يولّد انطباع  لدى العامة بعدم تناسق الاستراتيجيات الأميركية، وهو أمر غير صحيح. لا شكّ أن هناك مبادئ وثوابت في الاستراتيجيات الأميركية في صنع السياسات الخارجية، مع الاحتفاظ بهامش كبير لأصحاب المصالح للتأثير وفرض وجهة نظرهم حول الوسائل والسبل الأمثل لتحقيق تلك الأهداف.

 

إنطلاقاً مما سبق،  يمكن القول أن التحذير الذي أطلقه ماكينزي حول الانسحاب العسكري الأميركي من الشرق الاوسط، يعكس وجهة نظر جهة أو جهات ضمن المؤسسات الأميركية، وهو قد يكون رسالة الى أصحاب ومجموعات المصالح الأخرى أو لأصحاب القرار لتغليب وجهة نظر البنتاغون على وجهات النظر الأخرى الداعية الى انسحاب عسكري من الشرق الأوسط.

 

مع العلم أن النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط لا يرتبط بعدد الجنود المنتشرين في المنطقة، فالحروب الجديدة (الحروب الهجينة) لم تعد تعتمد على الآليات العسكرية فحسب، بل هي تعتمد على التكنولوجيا، والطائرات المسيّرة وغيرها، بالاضافة الى الوسائل السياسية والتكنولوجية والاقتصادية وأدوات التأثير عبر المجتمعات المدنية وغيرها. واليوم، إن الولايات المتحدة لا تقاتل في حروب تقليدية، وانخراطها العسكري لم يكن يوماً يحتاج لأعداد كبيرة من الجنود خاصة في ظل اعتماد مبدأ عسكري منذ ما بعد حرب العراق 2003، وهو " لا جنود في الميدان" no boots on the ground .

 

أضف الى  ما سبق، أن إدارة بايدن لم تعلن  - لغاية تاريخه- عن وجود أي خطة أميركية للانسحاب من الخليج أو من سوريا أو العراق. وماكينزي نفسه كان قد أعلن في وقت سابق أن الولايات المتحدة: "لن تخفض عديد قواتها في العراق، بناءً على رغبة الحكومة العراقيّة، بل قد تزيدها".

 

وفي كل الأحوال، وبغض النظر عن الانسحاب العسكري المحدود الذي ستقوم به الولايات المتحدة، يبدوالأكيد اليوم أن هناك خطة واضحة للرئيس الأميركي الحالي جو بايدن، بتهدئة الأمور في الشرق الأوسط والعودة الى الاتفاق النووي الايراني مع حفظ مصالح الولايات المتحدة الأميركية، للتفرغ لجبهات ثلاث تبدوان أكثر أهمية: تقوية الداخل والقيام بما يجب من بنى تحتية وغيره لعودة أميركا الى سوق المنافسة العالمية أكثر قوة، احتواء النفوذ الصيني في العالم والتفوق على الصين اقتصادياً وتكنولوجياً، واحتواء النفوذ الروسي وتحجيم سوق السلاح الروسي الذي شهد قفزة نوعية هائلة من عام 2008 ولغاية اليوم. 

2021/05/24

هل يدفع الحريري ثمن التسوية الاقليمية؟

 

راقب اللبنانيون اجتماع المجلس النيابي لمناقشة رسالة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون، والتي هي من صلاحياته التي أقرّها له الدستور في المادة 53 (الفقرة 10). كما راقب المشاهدون الكلمات التي ألقيت فيها، والخلاصات التي خرج بها المجلس _كما كان متوقعاً- وهي التأكيد على ما هو وارد في الدستور اللبناني، لناحية تشكيل الحكومة الللبنانية وهما أمرين:

 

- التأكيد على الفقرة 4 من المادة 53 من الدستور اللبناني، والتي تنص على أن "رئيس الجمهورية يصدر بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء او اقالتهم"، وهذا يعني أن كل الكلام الذي ساقه الحريري في معرض شرحه لوجهة نظره بأنه يريد التشكيل منفرداً وأنه لا يريد لرئيس الجمهورية أن يتدخل في عملية التشكيل، لا يُبنى عليه دستورياً ولا قانونياً، ولا يُصرف في أي مكان.

 

- الأكيد أن المجلس النيابي لا يستطيع تحديد مهلة لرئيس الحكومة المكلف لتشكيل الحكومة، لأن الدستور ايضاً لا ينص على مثل هذه المهلة، وهذا ما أكده اجتماع المجلس.

 

هذا في القانون، أما في السياسة والواقع العملي، فالأزمة السياسية اللبنانية، لها وجه داخلي ووجه خارجي، والاثنان يرتبطان ارتباطاً وثيقاً، وذلك على الشكل التالي:

 

أولاً: أزمة ثقة داخلية

 

لا شكّ أن استقالة الحريري بعد 17 تشرين الأول 2019، وبدون التنسيق مع شركائه في الحكم، خلقت نوعاً من عدم الثقة بينه وبين رئيس الجمهورية، خاصة وأن الرئيس عون كان قد اعتبر الحريري ابناً له بعد أزمته في السعودية عام 2017. ولقد ظهرت تلك الاستقالة والمواقف التي اتخذها الحريري فيما بعد، انقلاباً على التسوية الرئاسية التي أتت به الى رئاسة الحكومة وأتت بالعماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية.

 

أزمة الثقة هذه من الصعب أن تزول، خاصة ان رئيس الجمهورية يشترط أن تنفّذ الحكومة القادمة برنامجاً اصلاحياً وتعتمد التدقيق الجنائي، وكما هو واضح من المواقف الحريرية ومن الدعم والمواقف المعلنة لتحالف الترويكا، بأن الحريري لن ينفذ أي إصلاح جدّي، ولن يلتزم بمكافحة الفساد ولا التدقيق الجنائي، وهو ما يعتبره الرئيس عون معركته الشخصية ولا يريد أن تنتهي ولايته بدون تحقيقه.

 

ثانياً: الموقف الاقليمي

 

يرتبط الموقف السعودي الرافض لعودة الحريري الى رئاسة الحكومة، باعتقاد سعودي بأن الحريري غير قادر على مواجهة حزب الله والنفوذ الايراني في لبنان بل هو بالعكس ساهم في تقوية هذا النفوذ، ومن هنا أتت قضية استدعائه الى السعودية وإجباره على الاستقالة عام 2017.

 

وبالرغم من كل المحاولات التي قام بها الحريري لإرضاء ولي العهد السعودي، والوساطات التي قامت بها دول متعددة قصدها الحريري لهذا الغرض، يبدو أن بن سلمان لن يقبل بالحريري رئيساً لحكومة لبنان مهما كان الثمن.

 

وبما أن المنطقة تتجه الى تسويات اقليمية بدأت تباشيرها تظهر بعودة التفاوض على الملف النووي الايراني، واللقاءات السعودية الايرانية في العراق، والكلام الايجابي الذي صدر عن ولي العهد السعودي في هذا الإطار، فإن تشكيل الحكومة اللبنانية بات مؤجلاً الى حين نضوج تلك التسويات، أي بعد الانتخابات الايرانية وبعد التقدم في الملف النووي الايراني، والذي سيتبعه انفراج في الملف الخليجي الايراني.

 

من هنا نفهم سبب تمسك الثنائي الشيعي بالحريري وقيام الرئيس بري بثنيه عن الاعتذار عن تشكيل الحكومة والذي كان يهمّ بتقديمه الاسبوع الماضي. فبما أن التسوية قادمة، وان الحريري سيكون ثمن لهذه التسوية عاجلاً أم آجلاً، يجب أن يكون هناك تنازلات من الأطراف الأخرى، وثمن مقابل تخلي الثنائي الشيعي عن الحريري، مثلاً: يتراجع الرئيس عون بموضوع التدقيق الجنائي وهو ما يهمّ فريق الرئيس بري وجنبلاط، ويتم التفاوض مع السعودية على اسم رئيس حكومة غير استفزازي وهو ما يهمّ حزب الله، أو قد يكون هناك أشياء أخرى غير معروفة اليوم يمكن أن تكون مادة للتفاوض في الأروقة الاقليمية والدولية حول التسوية الاقليمية.

 

بكل الأحوال، التسوية ستأتي عاجلاً أم آجلاً، والى أن يأتي أوانها، سيدفع اللبنانيون الثمن كما دائماً، مآسٍ ومشاكل اقتصادية واجتماعية وفقر ومجاعة وطوابير على الخبز والبنزين الى ما لا نهاية.