2019/02/07

هل تصحّ المقارنة بين فنزويلا وسوريا؟

ليلى نقولا - الميادين
تتسارع التطورات في فنزويلا بشكل ينذر بحرب أهلية، يُخشى معها أن تبدأ باحتكاكات بين المتظاهرين المؤيدين والمعارضين لمادورو، أو أن يستغل طرف ثالث التشنج السياسي والاحتقان لاغتيال ما أو لافتعال حاثة أمنية كبيرة تكون شرارة الحرب الداخلية التي ستتطور بالتأكيد، لتتشابه في مقدماتها مع الحرب السورية.
وبالرغم من عدم تشابه المجتمع والثقافة بين سوريا وفنزويلا وغياب البعد الطائفي والديني عن الازمة الفنزويلية، إلا أن التطورات والأخبار المتسارعة والتصريحات الدولية، تجعل من الصعب عدم الانجرار الى المقارنة بين الازمتين، ونختار منها ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:
1- في التشابه:
- تنقسم الدول الكبرى الى معسكرين متشابهين في التعامل مع القضيتين، فالولايات المتحدة الأميركية ومعها الاتحاد الاوروبي دعمت في السابق المعارضة السورية واعتبرت الرئيس السوري فاقدًا للشرعية، وبنفس الطريقة تعترف اليوم برئيس الجمعية الوطنية الفنزويلية، خوان غاييدو، الذي أعلن نفسه رئيسًا مؤقتًا مسقطة الشرعية عن الرئيس المنتخب نيكولاس مادورو. أما روسيا والصين فتدعمان في القضيتين ما تعتبران أنه يحافظ على القانون الدولي وسيادة الدول أي الرئيسان المنتخبان، وتبدوان غير معنيتان بالانتقادات الموجهة للانتخابات وديمقراطيتها.
وبالرغم من محاولة غوايدو مدّ يده للصين وإطلاق الوعود بالتعاون مع الصين في المرحلة اللاحقة (كونها اللاعب القادر على تأمين التمويل للتنمية في بلاده)، إلا أن الصين تبدو - لغاية الآن - متمسكة بمادورو، وذلك لأن الصين تخشى من المشاريع الغربية لتقويض سيادة الدول تحت إطار الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها، إذ يمكن لسابقة فنزويلا أن تتكرر في كل من التيبت واقليم شينجيانع حيث يمكن أن يستغل الغرب رغبة بعض المجموعات بالإنفصال عن السيادة الصينية لتشجيعهم ثم الاعتراف الدولي برئيس يخرج من بينهم ويعلن نفسه رئيسًا...
- اللافت في القضيتين، موقف كل من السلطة والمعارضة من قضية فلسطين، فبعض الوجوه في المعارضة السورية أعلنت مبكرًا أنها سترفع العلم الاسرائيلي في دمشق وزار بعضهم اسرائيل ودعاها للتدخل لإيصاله الى السلطة، بينما قامت المعارضة الفنزويلية بالفعل برفع العلم الاسرائيلي في كاراكاس، بينما يجاهر مادورو وقبله هيوغو تشافيز بدعمهم للقضية الفلسطينية.
2- في الاختلاف:
بالرغم من أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، تبدو دائمًا الشرارة المسببة للأزمات والحروب، لكن خلف هذه الواجهة تبدو القضايا المجتمعية أعمق بكثير، وهنا تختلف القضية السورية عن الفنزويلية في الصراع الطبقي والعرقي الذي تجسده الأزمة الفنزويلية:
لعل التوصيف الذي يمكن أن يطلق على الانقسام المجتمعي في سوريا والذي أدّى الى تفاقم الازمة، هو أبعد ما يكون عن الصراع الطبقي التقليدي أي فقراء ضد رأسماليين وبرجوازيين، بل لقد كان الفقراء والطبقات الوسطى والرأسماليون والبرجوازيون ينقسمون أفقيًا على خط الموالاة والمعارضة، بينما برزت حدة الانقسام بين ريفي ومدني أكثر وضوحًا في التأييد للمعارضة والسلطة، فالقوى الطائفية التكفيرية وجدت بيئة حاضنة لها في الأرياف أكثر مما استطاعت التجنيد في المدن (مع بعض الاستثناءات المحدودة).
أما في البحث عن أسباب الأزمة في فنزويلا، فيبرز الصراع الطبقي كعامل رئيسي (فقراء - أغنياء)، ويُبرز بعض الباحثين في الشأن الفنزويللي العنصرية والعرق (أبيض - أفريقي) كأحد أبرز القضايا المسببة للأزمات في فنزويلا منذ وصول هيوغو تشافيز الى السلطة. ويشير الباحثون الى أن الناظر إلى المستويات الاجتماعية الاقتصادية العليا للبلاد ، يرى إنها تميل إلى أن تكون أكثر بياضًا من المستويات الاجتماعية-الاقتصادية الدنيا.
وهنا تجدر الاشارة الى جذور هذه القضية، فخلال الاستعمار الاسباني لفنزويلا الذي بدأ أوائل القرن السادس عشر، تمّ جلب عشرات الآلاف من الأفارقة كعبيد، الى أن تمّ إلغاء الرقّ في فنزويلا عام 1854.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، شجّع الدكتاتور السابق ماركوس بيريز جيمينيز هجرة الأوروبيين والإيطاليين والبرتغاليين والألمان للمساعدة في تطوير البلاد كما زعم، وهي خطوة يقول الكاتب وينثروب رايت، مؤلف كتاب Café Con Leche ، "إنها  كانت خطوة متعمدة من أجل (تبييض) البلاد".
ولقد حاول دستور  فنزويلا عام 1999 التخفيف من هذا الأمر بتجريم العنصرية، وتمّ السماح للمواطنين في استفتاء عام 2011، بالتعريف عن أنفسهم بأنهم من أصل فنزويلي- أفريقي...  إلا أن العنصرية العرقية بقيت كالنار تحت الرماد. ولقد لفت تشافيز الى هذا الامر في إحدى المقابلات المتلفزة في 20 أيلول 2005، بقوله "الكراهية ضدي لها علاقة كبيرة بالعنصرية. بسبب فمي الكبير ، بسبب شعري المجعد. وأنا فخور جدًا بهذا الفم وهذا الشعر، لأنه أفريقي".

2019/01/31

هل يتدخل ترامب عسكريًا ضد فنزويلا؟


تأزمت الأوضاع في فنزويلا على أثر قيام رئيس البرلمان الفنزويلي خوان غوايدو بإعلان نفسه رئيسًا بالوكالة، وقيام الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية بالاعتراف به، في سابقة دولية خطيرة حيث تقوم دول بالاعتراف بشخص رئيسًا لدولة أخرى بدون انتخابات رئاسية وبدون سياق قانوني ودستوري منطقي.
وبغض النظر عن الموقف من مادورو وطريقة حكمه، والأزمات الإقتصادية والإجتماعية في فنزويلا، والتي يعيدها البعض الى الممارسات المافيوية والفساد الذي يطبع حكومة مادورو، ويعيدها البعض الآخر الى العقوبات الاقتصادية المفروضة من الولايات المتحدة، وبالطبع نحن - كغير متخصصين في شؤون فنزويلا - لا يمكننا إعطاء تقييم موضوعي في هذا الإطار... بغض النظر عن كل تلك الأسباب الداخلية للأزمة، يهمنا أن نقيّم موقف الولايات المتحدة من الموضوع وإمكانية قيام ترامب بتدخل عسكري في البلاد؟
لتقييم الموقف لا بد أن ننطلق من أهداف "الاستراتيجية الكبرى" الأميركية، والتي تعتمد على أركان عدّة أهمها  الهدف الاستراتيجي المتمثل بالقيام بمهام "الشرطة الدولية" في نصف الكرة الغربي:
في رسالتيه السنويتين الى الكونغرس الأميركي عام 1904 و1905، وسّع الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت "مبدأ مونرو"، معتبرًا أن "دول نصف الكرة الأرضية الغربي ليست مغلقة أمام الاستعمار الأوروبي فحسب، بل على الولايات المتحدة مسؤولية الحفاظ على النظام وحماية الأرواح والممتلكات في تلك البلدان". وكان قد أعلن في رسالته السنوية أمام الكونغرس في ديسمبر 1904، وبكل وضوح حق الولايات المتحدة في ممارسة مهام "الشرطة الدولية" قائلاً  "... وفي نصف الكرة الأرضية الغربي، إن التزام الولايات المتحدة بمبدأ مونرو قد يجبرها، على مضض، في حالات صارخة، على ممارسة دور الشرطة الدولية" .
        ولقد ظهر التدخل الأوروبي في أميركا اللاتينية كمسألة أساسية في السياسة الخارجية في الولايات المتحدة، عندما بدأت الحكومات الأوروبية تستخدم القوة للضغط على العديد من دول أميركا اللاتينية لتسديد ديونها. على سبيل المثال، حاصرت زوارق بريطانية وألمانية وإيطالية زوارق فنزويلا عام 1902 عندما تخلفت الحكومة الفنزويلية عن سداد ديونها لحاملي السندات الأجانب، ما أثار قلق العديد من الأميركيين من أن التدخل الأوروبي في أميركا اللاتينية من شأنه أن يقوّض الهيمنة التقليدية لبلدهم في تلك المنطقة.
        تذرع روزفلت بأن سياسته - أي ممارسة سلطة الشرطة الدولية- هي تطبيق لمبدأ مونرو، وتتفق مع سياسته الخارجية التي كانت بعنوان "إمشِ بهدوء، ولكن احمل عصا غليظة." 
وتطبيقًا لسياسة "الشرطة في النصف الغربي من الكرة الارضية" تدخلت الولايات المتحدة  بذريعة الديمقراطية في كل من الدومينيكان عام 1965، وغرينادا 1982، باناما 1989 الخ..
        ولقد قام الرئيس الأميركي السابق بيل كلنتون باتخاذ قرار التدخل العسكري في هايتي في عام 1994 وإرسال 20 ألف جندي أميركي والسبب المعلن: استعادة الديمقراطية. علمًا أن العديد من الباحثين يعزون السبب  الى منع تدفق اللاجئين من هايتي الى الولايات المتحدة، وقد وضعهم الأميركيون على عهد جورج بوش الأب في مخيمات في غوانتانامو، الى أن قام الرئيس كلينتون باتخاذ القرار بالتدخل العسكري وفرض الاستقرار وإعادة اللاجئين الى بيوتهم.
إذًا، انطلاقًا من أهمية هذا الهدف في "الاستراتيجية الكبرى" الأميركية، من الصعب أن يتراجع الأميركيون بسهولة عن خططهم للتغيير في فنزويلا للإطاحة بمادورو، ولكن حماس ترامب للخيار العسكري، قد يلجمه أمور عدّة أبرزها ما يلي:
- إلتزام الجيش الفنزويلي بالولاء لمادورو، ما يصعّب ويزيد من كلفة الخيار العسكري الأميركي.
- موقف البنتاغون الأميركي والذي يبدو مترددًا في تطبيق الخيار العسكري المباشر.
- موقف الدول المجاورة التي قد لا ترغب في التورط في حرب داخل فنزويلا بما يرتدّ سلبًا عليها في الداخل.
- الموقف الروسي المعارض للتدخل الأميركي والتحالف الطويل الأمد بين الروس والفنزويليين والممتد منذ عام 1999، خاصة بعد نجاح الثورة البوليفارية ووصل تشافيز الى الحكم في البلاد.
 يدرك الأميركيون بعد التجربة السورية أن الروس لن يتأخروا عن القتال الى جانب حلفائهم، وكما شكّلت سوريا فرصة ذهبية لبوتين في الشرق ستشكّل فنزويلا فرصة ذهبية للروس لإقامة قاعدة عسكرية في أميركا اللاتينية وفي حديقة الولايات المتحدة الخلفية.
وعليه، وبما أن كلفة الخيار العسكري المباشر قد تكون عالية، فقد تعتمد إدارة ترامب التدخل العسكري غير المباشر، أي دعم المعارضين وبعض من ينشق عن الجيش وإمدادهم بالسلاح والمال والتدريب... وهذا تقريبًا وصفة تامة لحرب أهلية في فنزويلا.
المشكلة في إندلاع حرب أهلية في فنزويلا تكمن في انتشار اللاجئين في أميركا اللاتينية ووصولهم الى الولايات المتحدة (وهو ما يصعّب موقف ترامب)، بالاضافة الى انتشار المافيات والجريمة المنظمة في أميركا اللاتينية ما يعني إمكانية استفادة المجرمين والمافيات من عدم الاستقرار في المنطقة، بالاضافة الى الكلفة العسكرية والبشرية والمادية لحرب قد يُعرف كيف تبدأ ولا يُعرف كيف تنتهي...

2019/01/24

هل يدفع لبنان ثمن الصراع الأميركي الايراني؟


        كشفت القمة التنموية العربية التي انعقدت في بيروت حجم الضغوط التي يتعرض لها لبنان، خاصة بعدما ألغى جميع القادة العرب - تقريبًا- مشاركاتهم في القمة، لأسباب متعددة. ولقد تزامنت القمة مع جولة قام بها مساعد وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية ديفيد هيل، أرسل خلالها رسائل واضحة الى الداخل اللبناني، فهاجم حزب الله، معتبرًا أنه "ميليشيا خارج الدولة" تقوم بحفر الأنفاق وبجمع ترسانة من مئات الصواريخ التي تهدد الاستقرار، ومؤكدًا أن الأميركيين يهتمون بنوع الحكومة التي ستؤلّف في لبنان...       وبالرغم من العراقيل الداخلية والخارجية، عُقدت القمة الاقتصادية، واستطاع لبنان أن يحقق إنجازًا فيها، بحيث تمّ التوقيع بالاجماع على "إعلان بيروت" حيث وافق العرب على ما يعتبره لبنان الأهم بالنسبة للوضعين الاقتصادي والاجتماعي، أي تشجيع عودة اللاجئين السوريين الى وطنهم الأم، ومساعدتهم في بلدهم، وتمكينهم بحيث يستطيعون المساهمة في إعادة البناء.
        هذا بالنسبة للقمة، أما بالنسبة للحكومة فالتهديدات الضمنية الأميركية للبنان و"مراقبتهم" لنوع الحكومة التي سيتم تأليفها، ترتبط بشكل أكيد بالصراع الايراني الأميركي، الذي يأخذ أشكالاً عدّة ويتمظهر بأزمات داخلية في بلدان عدّة في الشرق الأوسط، أهمها في سوريا.
        يشتبك الأميركيون والايرانيون بالوكالة في سوريا، فالغارات الاسرائيلية على سوريا والتي بات يجاهر بها نتننياهو تُعطي انطباعًا بأن الاسرائيلي يقوم بدور وظيفي في في السماء السورية، بحيث يضغط على الايرانيين للإنسحاب من سوريا، في وقت متزامن مع إبداء الأميركيين رغبتهم بالخروج من هناك.
        أما من الناحية الإقتصادية، فيدفع السوريون اليوم ثمن حرب مزدوجة يشنّها دونالد ترامب على ايران وعلى الحكومة السورية. ففي العشرين من تشرين الثاني / نوفمبر المنصرم، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية، تحذيرًا بفرض عقوبات على كل من يساهم في إيصال المشتقات النفطية الى مناطق الحكومة السورية. وهذه العقوبات تشمل شركات التأمين، وشركات الشحن، والمؤسسات المالية وغيرها من المعنيين بمعاملات الشحن المرتبطة بالنفط مع الحكومة السورية، وكذلك الأفراد والكيانات التي تساهم بالمعاملات المتعلقة بالنفط والمنتجات النفطية الإيرانية أو البنك المركزي الإيراني الخ...
        وهكذا، يعيش السوريون اليوم مأساة إجتماعية واقتصادية لم يشهدوا لها مثيلاً طيلة الحرب، فالعقوبات أدت الى انقطاع الغاز ووقوف المواطنين في طوابير طويلة للحصول على قارورة الغاز وأمام محطة الوقود للحصول على مادة المازوت المستخدمة في التدفئة، هذا بالاضافة الى نقص الفيول الذي أدّى الى زيادة ساعات التقنين الطويلة التي تشهدها المحافظات السورية...
        وهكذا تكون الإدارة الأميركية قد فرضت عقوبات جماعية على الشعب السوري، بالرغم من أن مبدأ العقوبات الجماعية محظور في القانون الدولي. ولقد أكدت اتفاقية جنيف الرابعة (1949) في المادة 33، أنه "تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب".
        كما إن تجربة العقوبات التي فُرضت على العراق من قبل مجلس الامن الدولي بعد "حرب الخليج الثانية" - وهي الأقسى في تاريخ الأمم المتحدة- عبر عدد من القرارات بموجب الفصل السابع، والتي أدّت الى كارثة إنسانية واقتصادية؛ دفعت المجتمع الدولي الى تعديل مبادئ فرض العقوبات الاقتصادية، بحيث لم تعد الدول أو الأمم المتحدة تعتمد سياسة عقوبات تؤدي الى تجويع شعب بكامله، بل باتت العقوبات تستهدف أشخاصًا وكيانات محددة، ومن المفترض بتداعياتها أن لا تؤدي الى كارثة انسانية تطال شعبًا بأكمله.
        وهكذا، نجد أن إدارة ترامب وخلال سعيها لإحتواء ايران، لا تتوانى عن فعل أي أمرٍ مهما كانت تكلفته الإنسانية. لذا بات من الواجب على الدول والكيانات التي تتعرض للتهديد أن تطوّر وسائل مقاومتها للضغوط، وتتكاتف فيما بينها، لتمرير العاصفة بأقل قدر ممكن من الخسائر... وهذا يستوجب - بأقل الايمان- أن يتنبّه حزب الله وحلفاؤه في لبنان الى خطورة المرحلة التي يمر بها لبنان والمنطقة، ويترفعّوا عن الاقتتال على مقعد وزاري هنا، أو حصة وزارية من هناك.. ففي النهاية، سيسبب الصراع الداخلي ضعفًا بنيويًا في هيكل الدولة، سيدفع ثمنه الجميع بدون استثناء.

2019/01/17

هل يعيد ترامب الولايات المتحدة الى القرن التاسع عشر؟

        عبّر العديد من الباحثين ومفكري العلاقات الدولية عن تقديرهم بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سوف يدفع الولايات المتحدة للعودة الى عهد "العزلة" الدولية، وأنه سيدفع التاريخ قرونًا الى الوراء، ويعيد الولايات المتحدة الى القرن التاسع عشر؛ أي مبدأ "مونرو"، والذي امتنعت فيه الولايات المتحدة أن تتدخل في شؤون العالم (أوروبا تحديدًا)، على أن يتبع ذلك عدم تدخلٍ موازٍ من قبل الأوروبيين في شؤون القارة الأميركية.
        لكن الواضح أن ترامب وبالرغم من العنوان العريض لحكمه "أميركا أولاً"، وبالرغم من إعلان نيّته الانسحاب من سوريا وأفغانستان، وتأكيده الدائم أنه يريد أن يهتم بالداخل الأميركي ويريد بناء سور مع المكسيك لحماية الأمن الأميركي باعتبار أن الهجرة غير الشرعية الى الداخل الأميركي، باتت تقوّض الاستقرار وتنشر الجريمة... بالرغم من من كل هذه العناوين والتصريحات، إلا أن سلوك الإدارة الأميركية الحالي، يبدو أبعد ما يكون عن سياسة "العزلة" بل يبدو سلوك ترامب وتهديداته المستمرة، إعادة تأكيد على السعي الى التفوق الأميركي في العالم، ولكن بأسس وأساليب مختلفة. وندرج في هذا الإطار الشواهد التالية:
1- أعلن ترامب مرارًا أنه غير معني بالحروب والتدخلات العسكرية ولا بتغيير الأنظمة، ولكنه بالرغم من ذلك، زاد موزانة الدفاع الأميركية الى أقصى حد في التاريخ الأميركي. إن موازنة الدفاع التي تقدمت بها إدارة ترامب لعام 2019 تبدو غير مسبوقة ، وقيمتها 716 مليار دولار أرضت جميع فروع الجيش الأميركي، فخصص لوزارة الدفاع مبلغ 686 مليار دولار، على أن يصرف مبالغ منها لزيادة العديد بحوالى 26 ألف جندي.
وتسعى الإدارة الأميركية أيضًا إلى شراء 10 سفن للقوات الحربية كجزء من جهد "لردع التهديدات والحفاظ على السيطرة على البحر"، بالإضافة الى تخصيص مبالغ كبرى لشراء طائرات مقاتلة وتحديث سلاح الجو الخ.. ويخصص مبلغ 24 مليار دولار لتحديث السلاح النووي، بالإضافة الى طلب لزيادة الإنفاق على البحوث في مجال الحرب الإلكترونية، والفضاء، والذكاء الاصطناعي وغيره.
2- إن قراءة "استراتيجية ترامب للأمن القومي" تؤكد بما لا يقبل الشكّ أن الهدف هو السعي لتكريس الدور الأميركي التقليدي؛ أي السعي نحو تحقيق المصالح الأميركية في العالم، ومنها الهيمنة العالمية. المختلف بين استراتيجية ترامب ومن سبقه من الرؤساء الأميركيين، هو العناوين واللهجة المعتمدة لوصف المصالح الأميركية، فبينما يسعى ترامب الى تحقيق تلك المصالح وتكريس تفوق أميركي من خلال الإقتصاد والعسكر ( وهي مستمدة من نظرة دول القرن التاسع عشر الاستعمارية - وفترة القطبية الثنائية) ، سعى الرؤساء الأميركيون السابقون الى تنويع الوسائل المعتمدة في تحقيق تلك الهيمنة، فقاموا بدعم الثورات الملونة، وحاولوا فرض الديمقراطية بالقوة، واستخدموا وسائل القوة الناعمة أي إغراء المبادئ والقيم الأميركية لتحقيق تفوقهم وسيطرتهم على العالم.
3- لم يتراجع ترامب عن الهيمنة أو فكرة تفوق الولايات المتحدة بالمطلق، بل اعتبر أن التنافس اليوم هو "تنافس استراتيجي" مع مجموعات ثلاث رئيسية من المنافسين، وهم: على الصعيد العالمي روسيا والصين، وعلى الصعيد النظم الاقليمية إيران وكوريا الشمالية، بالاضافة الى المنظمات الإرهابية... وإن الهدف "الحفاظ على السلام عبر القوة"؛ و"دفع النفوذ الأميركي قدمًا".
في المحصلة،  إن التهديد الذي أطلقه ترامب بأنه سيقوّض الإقتصاد التركي في حال لم تمتثل تركيا وتقوم بحماية الأكراد السوريين، أو في حال قامت بمهاجمتهم، بالإضافة خطته لإحتواء ايران ومحاولة إخضاعها، ومعاقبته للفلسطينيين والمنظمات الدولية التي لم تمتثل لأوامره، والحرب التجارية التي حاول إشعالها مع الصين، وتهديد روسيا بالعقوبات كما الكلام الهجومي الذي وجهه لحلفائه الأوروبيين... كلها لا تشير الى إنكفاء أميركي الى الداخل، بل الى محاولة ترهيب الجميع للخضوع لرغباته وفرض نفوذه على الجميع، وابتزاز الجميع لأخذ أموالهم مقابل الحماية على طريقة "البلطجية".
باختصار، يسعى ترامب للحفاظ على هيمنة مطلقة للولايات المتحدة في مختلف المناطق الحيوية في العالم، كل ما تغيّر هو ما عبّر عنه باري بوزان في مقال فورين أفيرز، بقوله " لقد سحب ترامب "الليبرالية" من "الهيمنة الليبرالية"، وأطلق استراتيجية كبرى جديدة تمامًا، هي استراتيجية: الهيمنة غير الليبرالية.

2019/01/10

هل تطيح التحولات في أوروبا بالنظام العالمي؟

ينظر العديد من الباحثين اليوم الى أوروبا باعتبارها تمرّ بفترة تحوّل سياسي واجتماعي، مرده صعود اليمين الأوروبي المتطرف بشكل متعاظم، والاستياء العارم الذي تعبّر عنه الشعوب الأوروبية سواء من خلال المظاهرات المتنقلة من بلد لآخر، أو من خلال تعبيرهم عن سخطهم من خلال التصويت الانتخابي بشكل مكثف للقوى المناوئة للحكم الحالي سواء من خلال توجههم نحو اليمين أو الخضر.
وبالتأكيد، إن التحولات التي تعيشها أوروبا اليوم، تبدو أساسية كونها تشكّل تحوّلاً هامًا عن السياسات والتوجهات المتبعة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لغاية اليوم، لكنها ليست فريدة والادعاء بأنها غير مسبوقة، يبدو غير علمي وغير دقيق.
لطالما شكّلت القومية عاملاً جوهريًا في دفع التحولات في أوروبا، فمنذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ومع توحيد إلمانيا بقيادة بسمارك، ثم اندفاع الاوروبيين وراء هتلر وموسوليني، مرورًا ببروز القوميات في أوروبا في نهاية الثمانينات من القرن العشرين، الى اليوم...تشكّل القومية عاملاً أساسيًا في المجتمعات الأوروبية، ودافعًا قويًا نحو التغيير.
إن المشكلة التي وقعت بها النيوليبرالية المعاصرة في الغرب، هو تركيزها الشديد على الفرد وحقوقه، ومحاولة فرض مبادئها ومفاهيمها على الجميع، بما يشبه "الشمولية" التي حاولت الإشتراكية فرضها على الآخرين، وهنا أخطأت النظريتان بالتقليل من أهمية الخصوصيات الثقافية والهويات بالنسبة للمجتمعات الأوروبية، وغضتا الطرف عن أن الإنسان هو كائن إجتماعي بطبيعته.
لطالما شكّلت القومية تحديًا للنظم السائدة في العالم، فالناس بشكل عام لديهم إحساس قوي بالانتماء للمجموعة، وعادة ما يُرمز الى الانتماء الوطني بأنه التزام باستقلال وسيادة الأمة.
وكما يقول مارشايمر في كتابة الأخير "الوهم العظيم: الأحلام الليبرالية والوقائع الدولية" الصادر في أيلول 2018، أنه لدى الأمّة ستّة سمات أساسية، مجتمعة تميّزها عن المجموعات الكبيرة الأخرى التي سكنت الكوكب قبل ظهور الأمّة، هي:
1- إحساس قوي بالوحدة والتضامن.
2- ثقافة متميّزة وتتضمن المعتقدات الدينية والسياسية والاجتماعية، بالاضافة الى اللغة، الطقوس، الرموز والموسيقى وفهم خاص للتاريخ الخ.
3- الشعور بالتفوّق ممّا يؤدّي إلى الفخر الوطني، والإدعاء بالتفوق.
4- إحساس عميق بتاريخها، والذي غالبًا ما يؤدّي إلى الأساطير التي تحلّ محلّ الواقع التاريخي فالأمم تبتكر القصص البطولية عن أنفسها لتشويه إنجازات الأمم الأخرى ومن أجل دعم زعمهم بالتفوّق.
5- الأرض المقدّسة والواجب المتصور لحماية الأراضي التي يعتقد أنّها وطن مقدّس.
6- السيادة والشعور العميق والتصميم على حماية القرار الوطني من تدخلات القوى الخارجية.
وبالطبع، إن دراسي التاريخ والعلاقات الدولية يدركون أن حجم افتخار الأوروبيين والأميركيين بأوطانهم، ويعتقد معظمهم أنّ أمّتهم تتفوّق على الآخرين. على سبيل المثال، اعتبر هيغل - الفيلسوف الأكثر تأثيرًا في العالم- أن الروح في سيرها نحو الحرية تمر بمراحل عدّة لتصل في النهاية الى مرحلة الوعي التي تتحقق في "الأمم الجرمانية"، فالإلمان هم أول الأمم التي ستصل إلى الوعي بأن الإنسان بما هو إنسان حر،  معتبرًا أن الروح الألماني هو روح العالم الجديد.
أما الأميركيون فيعتقدون بقوة أن الله قد ميّزهم، وأعطاهم دورًا عظيمًا في الأرض. وبرأي مارشايمر، إن لهذا الإعتقاد تقليد غني في الولايات المتحدة، يعود بالزمن إلى البيوريتانيين Puritans، الذين اعتقدوا، كما الكثير من الأميركيين عبر الزمن، أنّ هناك عهد خاص بين الله والولايات المتحدة. وأنّ الله أعطاها صفات خاصّة تجعل شعبها أكثر ذكاءً ونبلاً من الشعوب الأخرى.
        إن كل ما جرى عرضه، يجعل من التطورات والتحولات التي تعيشها أوروبا اليوم، تكرارًا لمراحل إنتقالية سابقة في التاريخ، أدّت الى تحولات كبرى في التاريخ الأوروبي. وعليه، إن الإحباط الذي يعيشه الأوروبيون من العولمة النيوليبرالية والمآسي والتحديات والأزمات الإقتصادية التي يعيشونها بعد الأزمة الاقتصادية الكبرى عام 2008، يضاف اليها مشاكل الإرهاب، و"أمننة" قضايا الهجرة واللجوء وتحميلها مسؤولية كل المشاكل المتراكمة... كل هذه الامور، سوف تؤدي الى تحوّلات كبرى في أوروبا، ستدفع في النهاية الى انتهاء نظام "الهيمنة النيوليبرالية" وقيام نظام دولي جديد قوامه "توازن القوى" على أنقاضه.

2019/01/03

هل يكون عام 2019، عام عودة الأوروبيين الى سوريا؟

ما زالت تداعيات الهجرة غير المسبوقة التي اجتاحت أوروبا عام 2015، تؤثر على جميع دول الاتحاد الأوروبي بدون استثناء، حيث يعيش الإتحاد صعوبات غير مسبوقة منذ تأسيسه، تهدد بانفراط عقد ذلك الاندماج الذي حصل في معاهدة ماستريخت وما زال مستمرًا ولغاية اليوم.
وبينما تعاني السويد من عدم القدرة على تشكيل حكومة منذ الانتخابات التي حصلت في ايلول 2018، وتعيش فرنسا على وقع الاضطرابات وتظاهرات السترات الصفراء، ترتفع أسهم اليمين في كل من إلمانيا والنمسا وغيرها. يضاف الى ذلك، المشاكل التي ستترتب على خروج بريطانيا بدون اتفاق، والتي ما زالت تهدد مستقبل تيريزا ماي السياسي، كما هددت أزمة الهجرة واللاجئين مستقبل أنجيلا ميركل السياسي.
وعليه، يبدو أن الأزمات ستلاحق أوروبا في العام 2019، والتي يبدو أن جزءًا منها حقيقي، وجزء آخر مفتعل بفعل الشعبوية اليمينية، وما يطلق عليه في العلم الأكاديمي باسم "الأمننة" securitization
"الأمننة"  كمصطلح متداول في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، يعني قيام فاعلين سياسيين في الدولة ( سواء في السلطة أو خارجها)، بتحويل مواضيع اجتماعية أو إقتصادية غير أمنية الى مسائل أمنية،  بمعنى آخر هي كناية عن عملية تسييس القضايا وتضخيم خطرها، وتصويرها كتهديد للأمن القومي. وهذه القضايا قد لا تمثّل بالضرورة  قضايا أساسية  لبقاء الدولة، بل ربما تمثّل قضايا متعلقة بمشكلة  تمسّ الأفراد، أو قد تتطور لتتضمن قضايا تشكّل قلقًا للجماعات، كتضخيم خطر الهجرة على الهوية الاجتماعية أو الخصوصية الثقافية في أوروبا، أو ما يقول عنه الجمهور من أن الهجرة هذه هدفها تغيير وجه أوروبا الحضاري خلال جيل أو جيلين من الآن، وذلك عبر فرض تغييرات ديمغرافية وغيرها.
          ويقول باري بوزان - صاحب النظرية - أن الأمننة  ليست  مجرد تحركات أمنية، بل هي عملية منهجية تصبح من خلالها القضايا "مؤمننة"، وذلك عندما  تجدي طريقها الى عقل الجمهور، فيتقبلها وكأنها مسلمات.
وهكذا، تقوم "الأمننة" باستخدام طرق منهجية تهدف الى  تحويل  بعض القضايا  من مجرد فواعل اجتماعية إلى  مشاكل  أمنية - "وجودية" في معظم الأحيان-  ثم إتخاذ  هذا التهديد الوجودي  كذريعة لإستخدام  التدابير الإستثنائية لحلّ تلك القضايا بطرق راديكالية ما كانت لتُعتمد لولا أمننة تلك القضايا. ولكي تكون "الأمننة"  أكثر نجاحًا، يجب أن تجد قبولاً بين الجماهير وذلك من خلال استخدام تعابير وخطب شعبوية تخاطب الغرائز وتحوّل القضية الى شعور بالتهديد الوجودي، بغض النظر إذا كان لبّ  المشكلة يشكّل تهديدًا حقيقيًا أم لا. وهكذا، باتت قضية اللجوء في اوروبا والتي تمّ تحويلها الى قضية أمنية، تهدد المجتمعات الأوروبية وتتسبب بارتفاع أسهم اليمين المتطرف بشدّة، خاصة بعد ارتباط العامل الديني والثقافي بالمهاجرين، وتصوير هؤلاء اللاجئين بأنهم باتوا يشكّلون تهديدًا أمنيًا وجوديًا للمجتمعات الأوروبية.
وعليه، وبما ان الساسة الأوروبيون يعانون اليوم من خطر تحوّل مجتمعاتهم الى اليمين المتطرف، وبالتالي خسارة مقاعدهم النيابية وأغلبياتهم الحكومية، فإن الحلّ بالنسبة لهم، قد يكون ملاقاة دونالد ترامب في منتصف الطريق، وبالتالي الذهاب مسرعين الى سوريا لتقديم مساعدات إعادة الإعمار، والتنسيق مع النظام السوري لإعادة اللاجئين السوريين الى بلادهم.
وهكذا، وتزامنًا مع هرولة العرب لإعادة سوريا الى الجامعة العربية، وإعادة فتح السفارات العربية، سيكون عام 2019، عام عودة العلاقات الأوروبية السورية، وفيها مصلحة مشتركة لكل من سوريا وأوروبا، فالسوريون يحتاجون الى أموال لإعادة الإعمار، وتخفيف العقوبات المفروضة على سوريا والتي تفرمل القدرة على تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي، أما الأوروبيون فيحتاجون الى إعادة اللاجئين الى بلادهم - او جزءًا منهم على الأقل- بعدما بات من غير المجدي الرهان على الاستثمار في موضوع اللاجئين لتحقيق التغيير السياسي المنشود في سوريا بواسطة الانتخابات، إذ إن استمرار هذا الرهان سيكون خسارة كبيرة للأوروبيين، فقد يتغير وجه أوروبا  السياسي كلّها قبل أن يتغير النظام السوري أو يرحل بشار الأسد.

2018/12/27

هل يحفر ترامب فخًا لأردوغان؟

بشكل مسرحي مفاجئ أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نيّته سحب جنوده من سوريا، ما استدعى استقالات من داخل إدارته وانتقادات من سياسيين واعلاميين أميركيين وأوروبيين. وكان اللافت ما نقلته شبكة سي أن أن الأميركية وقالت أنه مقتطفات من مكالمة هاتفية دارت بين ترامب، والرئيس التركي أردوغان، حيث قال ترامب لنظيره التركي: "سوريا كلها لك.. لقد انتهينا".
وتبدو هذه الخطوة والمكالمة لافتة ومفاجئة لجميع المراقبين، خاصة في أمرين:
الأول: إن إطلاق يد أردوغان في سوريا والقول "سوريا كلها لك"، يعني أن ترامب تخلى بشكل كلي عن الأكراد الذي استخدمتهم الولايات المتحدة كجيش برّي لقتال داعش، وتركهم فريسة لأردوغان، وهم الذين كانوا يعوّلون على الأميركيين لدعمهم في مطالبهم الإنفصالية. لطالما لعب الأميركيون دور الموازن بين الطرفين - الحليفين، أما اليوم فكأنما الولايات المتحدة تطلق يد أردوغان لينتهي من الظاهرة الكردية السورية، فيكونون أمام خيارين: أما الاستعانة بالأسد أو الاستسلام لأردوغان.
أما الأمر المفاجئ الثاني، فهو قيام ترامب بالإشادة بأردوغان. فمن المعروف أن الكيمياء مفقودة بين الرجلين، فبالإضافة الى تفضيله المملكة العربية السعودية، ومقايضته المال السعودي مقابل الدعم والمظلة الأمنية، كان الرئيس ترامب مستاء الى حدٍ بعيد من وقوف الأتراك ضد سياسته الشرق أوسطية وخاصة وقوف أردوغان ضد نقل السفارة الأميركية الى القدس، بالإضافة الى التصعيد اللفظي الذي مارسه أردوغان ضد الأميركيين خاصة في معرض قضية برونسون.
يجمع الأميركيون من الحزبين، أن شخصية أردوغان وغروره مسبب للكثير من التوتر على صعيد العلاقات الثنائية، ففي غياب مؤسسات قوية وفي احتكاره للسلطة، إن نظرة أردوغان إلى العالم والضرورات السياسية المحلية تدفعه الى تصعيد المواجهة  مع الولايات المتحدة وأوروبا. وبنتيجة الشحن الذي يقوم به أردوغان، والتصعيد اللفظي الذي يمارسه فإن 18 % فقط من الإتراك ينظرون نظرة ايجابية الى الولايات المتحدة ، و72% يعتبرونها تهديدًا كبيرًا لبلدهم ، علمًا أن استطلاعات الرأي تلك حصلت في وقت سابق (2017) لقضية برونسون وانهيار الليرة التركية كنتيجة للعقوبات الأميركية المفروضة على بلدهم.
كما يأخذ الأميركيون على تركيا، بحسب السفير الأميركي السابق في تركيا، بأنها تدير الدبلوماسية، باستخدام سياسة "اللوم، العار، ثم المطالبة" blame, shame and claim approach .
في المقابل، يدرك الأميركيون الاعتبارات الايديولوجية لأردوغان وتأثير السياسة المحلية على علاقاته الخارجية، لذا يحاذرون دائمًا من أي عمل يسعى الى إحراجه لإخراجه. كما يدركون أن السياسة الاستقلالية التي ينتهجها أردوغان لن تعود الى الوراء، لذا عليهم أن يبقوا على العلاقة معه، مع الأخذ بعين الاعتبار تأمين بدائل عن التعاون التركي في كل من العراق، وآسيا الوسطى والبلقان.
أما أهداف ترامب من توكيل حليفه اللدود أردوغان، فقد تكون متعددة، نذكر منها ما يلي:
- لا شكّ أن ترامب، ومن خلال الاعلان عن نيّته الانسحاب من سوريا وأفغانستان يريد حرف الأنظار عن الاحراج الذي يعانيه في الداخل خاصة في الأمور القضائية، لذا هو يحتاج الى أردوغان لتحميله مسؤولية مكافحة الارهاب بغياب الجنود الأميركيين، وذلك خوفًا من أي نتائج معاكسة وعودة داعش الى سوريا وتحمّله المسؤولية عن ذلك، كما حصل مع أوباما وانسحابه من العراق.
- برمي الكرة الى أردوغان، يعتقد ترامب أن الجيشين التركي والسوري (المدعوم من الايرانيين) قد يتقاتلان على بقعة الجغرافيا السورية التي سيتركها الأميركيون، وهذا يفيده ويفيد الاسرائيليين أيضًا. يدرك ترامب جيدًا أن الايرانيين والأتراك سيهرعون لسدّ الفراغ الاستراتيجي، ما يعني صدامهم الحتمي.
وبرأيي، إن الخيار الذي اتخذه ترامب بالخروج من سوريا لا عودة فيه، وسيتم تنفيذه، مع الإبقاء على قواعد عسكرية قريبة من الحدود العراقية السورية، ليبقى للجيش الأميركي قدرة على السيطرة على تدفقات السلاح والرجال ولإحتواء النفوذ الإيراني الممتد بين البلدين. بالطبع، لن يخلي الأميركيون الأجواء السورية بل سيقصفون الأهداف التي يعتقدون أنه ستمسّ بتوازن القوى، وسيتم سحب بعض الجنود الى الداخل العراقي معوّلين على قدرة دول التحالف الدولي (الغربية) والجيش التركي على سدّ الفراغ الذي ستخلّفه إعادة إنتشار جنودهم.
- أما الأهم، فيبدو الى أن كل ما يقوم به ترامب في سياسته الخارجية والداخلية هو تحضير للانتخابات الرئاسية القادمة عام 2020، لذا يبدو حريصًا على تنفيذ كل ما وعد به في حملته الانتخابية، بالاضافة الى توفير الأموال التي يتم صرفها في الحروب الخارجية وتحويلها لتحفيز النمو في الداخل وتشجيع الدورة الاقتصادية. وبالفعل فإن الارقام التي نشرتها وزارة الدفاع الأميركي تبدو مقلقة، إذ قدّرت حجم الكلفة العسكرية المباشرة للحروب الأميركية منذ عام 2010 بأنها بلغت 1.77 تريليون دولار؛ منها 756 مليار للحرب على العراق وسوريا، 730 مليار في الحرب على أفغانستان...