2021/05/16

كيف نواجه حرب التضليل الاسرائيلية على وسائل التواصل؟

ليلى نقولا

بعد أيام من التضامن العالمي غير المسبوق مع فلسطين، بدأت حرب التضليل الإسرائيلية في وسائل التواصل في العالم، وفي لبنان تحديداً. فجأة، ومن دون سابق مقدِّمات، تحوّل جانب من التضامن مع فلسطين، في وسائل التواصل، إلى اشتباك حول العَلَم اللبناني والأرزة اللبنانية، بحيث قام نشطاء بـ"تشويه العَلَم اللبناني في معرض التضامن مع فلسطين"، الأمر الذي أثار حساسية مجموعة من اللبنانيين، الذين ردّوا بانفعال عاطفي، وتحوّلت منصة "تويتر"، في بعض عناوينها ومساحاتها، من تضامن لبناني مع فلسطين إلى اشتباك بشأنها!

 

وفي توقيت مستغرَب أيضاً، قام بعض المغرِّدين في "تويتر" وفي صفحات "الفيسبوك" الناطقة بالعربية، بإثارة النعرات المسيحية الإسلامية في الموضوع الفلسطيني تحديداً. ودأبت صفحات أخرى على التذكير بحوادث تاريخية متفرّقة في التاريخين الفلسطيني والعربي، والتركيز عليها لتشير إلى عدم صوابية وعدم أحقية التضامن مع الفلسطينيين في هذا الوقت.

 

وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن التدقيق في هويات مُطلقي الحملة والجذور الأولى لانطلاقتها، بغضّ النظر عن المتفاعلين والمتأثّرين بها في وقت لاحق، يشير الى حرب تضليل إسرائيلية واضحة، يقوم بها عملاء إسرائيليون لإثارة الغرائز والنعرات الطائفية، وتفتيت حملة التضامن العالمية مع فلسطين.

 

وسنُورد فيما يلي ركائز حروب التضليل الإعلامية الإسرائيلية المُعتَمَدة، ونشير إلى بعض الوقائع على سبيل المثال، لا الحصر:

 

1- وحدات خاصة من "المستعرِبين" في وسائل التواصل

كما في الحرب والعسكر وقمع المدنيين، كذلك في الإعلام ووسائل التواصل، أنشأ الإسرائيليون وحدات في "الجيش الإسرائيلي" سُمِّيت "المستعرِبين"، أو "مستعرفيم" بالعبرية، أغلبيّة أفرادها من اليهود الشرقيين، أو من العملاء العرب والفلسطينيين، ومهمتهم الانتشار بين المتظاهرين والنشطاء، ويعتمرون  الكوفيات، ويقومون بكل ما يجب لتعزيز ثقة النشطاء بهم، فيحصلون على معلومات استخبارية مهمة، وينقضّون عليهم حين تحين الفرصة.

 

تأسست وحدة "المستعرِبين" في ثلاثينيات القرن العشرين، ونشطت في جمع معلومات استخبارية أو اختطاف شخصيات، أو تصفية مقاومين فلسطينيين، أو تفريق متظاهرين. وينتحل أفرادها، من أجل تحقيق هذا الهدف، شخصيات متعددة: طواقم طبية؛ صحافيين؛ مقاومين في الميدان. وينتحلون اليوم صفة "نشطاء في وسائل التواصل".

 

وهكذا، تحت أسماء عربية وهمية ومستعارة،  يتغلغل "المستعرِبون" بين النشطاء لكسب ثقتهم. ثم، حين يحين الأوان، يقومون بإدارة حملة إعلامية لتحويل الأنظار عن الحقائق وبثّ الإشاعات، والحصول على معلومات استخبارية، وحرف الموضوع والنقاش في وسائل التواصل إلى ما يُفيد الإسرائيليين في حربهم ضدّ الفلسطينيين.

 

2- "شيطنة" العدوّ ضمن إستراتيجية طويلة الأمد

في تحقيق استقصائي مطوّل باللغة الإنكليزية في آب/أغسطس 2020، يُدرج موقع grayzone، المتخصّص بالحروب الإعلامية وكشف حروب التضليل، أن الاتهامات الإعلامية التي تمَّ تسويقها بعد انفجار مرفأ بيروت مباشرة، بشأن "ارتباط حزب الله بنيترات الأمونيوم التي انفجرت في المرفأ" ليست جديدة. ويشرح التحقيق، بالوثائق والإثباتات،  كيف أن جهاز المخابرات الإسرائيلي قام بزرع سلسلة من القصص الإعلامية منذ عام 2012 حتى عام 2019، والتي تزعم أن "حزب الله سعى للحصول على نيترات الأمونيوم كمتفجر مفضّل للعمليات الإرهابية".

 

ووفقاً للرواية التي تمّ تسويقها إعلامياً، عبر المواقع الإعلامية والصحف الصديقة للموساد، فإن "حزب الله خطَّط، على ما يبدو، لتخزين المادة المتفجرة سرّاً في مواقع، من جنوبي شرقي آسيا، إلى أوروبا والولايات المتحدة، ليتم إحباطها بصورة متكررة من جانب الموساد!". ويشير التحقيق الاستقصائي إلى أن الوقائع الحقيقية، والتحقيقات التي أقامتها الدول المعنية، وفي كل واحدة من هذه الحالات، أكّدت كذب الروايات الإعلامية تلك.

 

3- الغش والخداع الإعلاميّ

في تقرير نشرته "نيويورك تايمز"، في 14 أيار/مايو 2021، تتحدث الصحيفة عما سَمّته "الخداع والتضليل الإسرائيليين في الحرب الدائرة في فلسطين"، بحيث أعلن "جيش" الاحتلال الإسرائيلي (في تويتر وفي رسائل نصية للصحافيين) أن قواته البرية بدأت "بمهاجمة قطاع غزة"، تلتها تأكيدات رسمية من جانب متحدث رسمي باسم "الجيش الإسرائيلي".

 

في غضون ساعات، تم تصحيح الخبر، وألقى مسؤولون إسرائيليون اللوم على "الترجمة وضباب الحرب". ويتحدث تقرير الصحيفة الأميركية عن أن التضليل والخداع كانا مقصودَين، لإيهام مقاتلي "حماس" بأن الغزو بدأ ليختبئ عناصر "حماس" في الأنفاق فيتمّ قصفها وقتلهم.

 

وبغضّ النظر عن دقّة تقرير "نيويورك تايمز" المذكور، وعما إذا كان التضليل مقصوداً، أو أن التقرير المذكور نُشر لتبرير عدم التنسيق والإحراج الإسرائيليين الإعلاميين، إلاّ أن الخداع والتضليل الإعلاميين تمارسهما "إسرائيل" بصورة دائمة، ولطالما استخدمته في الحروب المتعددة، ويجب التشكيك دائماً في صحة ما يعلنه الإسرائيليون، وخصوصاً في تسويق أنفسهم ضَحيةً، وتصوير الفلسطييين كـ"إرهابيين"، أو "باعوا أرضهم"، أو غير ذلك.

 

4- حملات الترهيب الإعلامية

كما في الميدان، كذلك في الجامعات ووسائل الإعلام، تنتشر وحدات منظَّمة من الإسرائيليين والمتعاطفين مع "إسرائيل" ومن عملائها حول العالم، لمراقبة المحتوى الذي يتمّ تدريسه في الجامعات الأميركية والأوروبية، والذي يُنشَر أيضاً في وسائل الإعلام ووسائل التواصل.

 

في الجامعات، يتمّ ترهيب الأساتذة والطلاب الذين يتجرأون على انتقاد "إسرائيل" وسياساتها العنصرية، ويتمّ اتهامهم بمعاداة السامية، ويجري تحريض الطلاب على توزيع بيانات تطالب بمحاسبة من يتجرأ على "إسرائيل"، وتضغط على إدارات الجامعات. وتتم، عادة- بسبب الضغوط الشديدة- معاقبة هؤلاء وطردهم من الجامعة.

 

أمّا في الإعلام وفي وسائل التواصل، فيتمّ الترهيب وإطلاق مئات الحسابات الوهمية لشتم كل من يتجرّأ على فضح الانتهاكات الإسرائيلية وإهانته، ثم التبليغ عنه في حملات منظَّمة لإقفال الحساب. وعادة، تكون منصّات "فيسبوك" و"إنستغرام"، وما يماثلها، مستعدةً للقيام بما يجب لقمع كل صوت مؤيّد لفلسطين، أو للأقصى، حتى مع تبليغات تدعو إلى الإقفال، أو من دونها.

 

وفي هذا الإطار، كشف تحقيق استقصائي أميركي، في موقع theintercept، أن "فيسبوك" والمنصات المملوكة منها، أدرجت منذ عام 2019 (بصورة سرّية) كلمة "صهيوني" في قائمة كلمات "خطاب الكراهية" المحظور في المنصة، واعتبرت أنها تعني "إهانة لليهودي"، وأنها "معاداة للسامية". وخلص التحقيق إلى أن "فيسبوك" تمارس قمعاً لحرية التعبير، بحيث تمنع أيَّ ناشط في وسائل التواصل من انتقاد السياسات الإسرائيلية، تحت طائلة إقفال الحساب.

 

في الخلاصة، تكشف الدراسات العلمية، في ما يتعلق بالحروب النفسية وحروب التضليل الإعلامي، أن نجاحها مرتبط بالفرد وميله إلى التصديق، كما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى قدرة "العميل" على تسويق نفسه واندماجه في الجماعة. فإذا كان مستوى الاندماج عالياً، كانت قدرته أكبر على بثّ الرعب والتضليل، وإثارة الفتن والقلاقل في مجتمع العدو.

 

وهكذا، قد لا يكون سهلاً كشفُ العميل والجاسوس الإسرائيليّ الميدانيّ، لكنّ المسؤولية والحسَّ النقدي  للنشطاء في وسائل التواصل يجب أن يكونا عاليَّين، لتعطيل قدرة الإسرائيلي على النجاح في حرب المعلومات والتضليل التي يمارسها في حروبه ضد العرب، فيكون على النشطاء طرح أسئلة، مثل: مَن يطرح الموضوع؟ لماذا يطرحه؟ ما هي أهدافه؟ ما الذي يُفيد قضيتي إن تفاعلت سلباً أو إيجاباً؟ 

2021/05/12

الإخلاءات في الشيخ الجراح في منظار القانون الدولي

في وقت يقف العالم مذهولاً بفعل حجم الإجرام والفظائع التي يرتكبها الإسرائيليون بحقّ الفلسطينيين العزّل في القدس واقتلاعهم من أرضهم في حيّ الشيخ الجراح، عطّلت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن اتفاقاً في مجلس الأمن حول نصّ بيان يطالب "إسرائيل بالتوقف عن اعتداءاتها على الفلسطينيين، واحترام مبدأ حرية العبادة وحقهم في ممارسة شعائرهم الدينية في المسجد الأقصى من دون خوف أو ترهيب".

 

 

 

وعلى الرغم من أن نصّ البيان متواضع أمام حجم الارتكابات الإسرائيلية، فإنَّ إدارة الرئيس بايدن اعترضت عليه، معتبرة أنَّ من غير المفيد توجيه رسالة عامة في هذه المرحلة. وفي كلّ الأحوال، وفي ظلّ فشل مجلس الأمن في إصدار بيان إدانة ضد "إسرائيل"، فإنَّ القانون الدولي واضح في توصيف الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة ضد الشعب الفلسطيني.

 

 

 

وفي هذا الإطار، نورد في ما يأتي بعض الملاحظات القانونية حول الانتهاكات التي تقوم بها "إسرائيل" في حي الشيخ الجراح حصراً، آخذين بعين الاعتبار أن "إسرائيل" تنتهك حقّ الفلسطينيين في أرضهم وفي تقرير مصيرهم، وغير ذلك من الحقوق الأساسية، كشعب وأفراد، وخصوصاً الحقّ في الحياة والكرامة، إذ تقوم بقتلهم والتنكيل بهم واعتقالهم تعسفياً، وهي ممارسات مستمرة منذ بدء الاحتلال ولغاية اليوم.

 

 

 

1 - صلاحيّة المحاكم الإسرائيليّة في أراضي القدس الشرقيّة

 

بغضّ النظر عن الاتفاق الثنائي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونتنياهو، والذي تمت تسميته "صفقة القرن"، والذي لا يعني شيئاً في المعيار القانوني، فإنَّ القانون الدولي والمعاهدات الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بفلسطين ما زالت تعتبر القدس الشرقية جزءاً لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتالي لا صلاحية للمحاكم الإسرائيلية عليها، إذ ينصّ القانون الدولي الإنساني على أن "على السلطة القائمة بالاحتلال واجب احترام الممتلكات الخاصة في الأراضي المحتلة، ولا يمكنها مصادرتها، ويجب عليها احترام القوانين السارية في البلد المحتل."

 

 

 

وعليه، لا يحق لـ"إسرائيل" أن تفرض مجموعة قوانين خاصة بها في الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، لطرد الفلسطينيين من منازلهم وتوطين آخرين مكانهم. وتنص المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة على الآتي: "لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحّل جزءاً من سكانها المدنيين أو تنقلهم إلى الأراضي التي تحتلّها"، كما يحظر "النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة".

 

 

 

 

 

 

 

2 - تهجير السكّان في القانون الدولي الإنساني

 

تؤكّد اتفاقيات جنيف والبروتوكولات الإضافية المرتبطة بها، إضافة إلى نظام روما الأساسي (نظام المحكمة الجنائية الدولية)، أن تشريد السكان المدنيين أو ترحيلهم أو نقلهم بشكل قسري يعتبر جريمة حرب، وقد يرقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية. تتأتى أهمية هذا التوصيف من أن الجرائم ضد الإنسانية هي الجرائم الواسعة النطاق أو الممنهجة التي تحصل خلال الحرب أو في أوقات السلم، وهو ما يميّزها عن جرائم الحرب التي تحصل خلال النزاعات المسلّحة فحسب.

 

 

 

 

 

 

 

أ - التهجير والإبعاد القسري للفلسطينيين جريمة ضد الإنسانية

 

ينصّ نظام روما الأساسي على أنّ إبعاد السكان أو نقلهم قسراً يشكّل "جريمة ضدّ الإنسانية" متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو ممنهج موجّه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين (المادة 1: 7 – د).

 

 

 

يتأكّد هذا الجرم في حال كان إبعاد السكان ونقلهم بشكل قسري من المنطقة التي يتواجدون فيها بصفة مشروعة (بالطرد أو بأيّ فعل قسري آخر) نهجاً سلوكياً يتضمّن ارتكاب هذا الأمر بشكل متكرّر ضد تلك المجموعة من السكان، تنفيذاً لسياسة دولة تقضي بارتكاب هذا الهجوم أو تعزيزاً لتلك السياسة.

 

 

 

بالفعل، إنّ موجة الإخلاءات القسرية المتتالية التي تقوم بها "إسرائيل" ليست مجرد سياسة عشوائية أو طارئة، بل تأتي ضمن إطار سياسة "دولة" ممنهجة، تهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم لتوسيع الاستيطان، وهو ما يؤكّد ارتكابها جريمة ضد الإنسانية، بحسب القانون الدولي الإنساني.

 

 

 

 

 

 

 

ب - الاستيطان ونهب القرى الفلسطينيّة جرائم حرب

 

تشير المادة 8 من نظام روما الأساسيّ إلى أنَّ "قيام دولة الاحتلال، على نحو مباشر أو غير مباشر، بنقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلّها، أو إبعاد أو نقل كل سكان الأرض المحتلة أو أجزاء منهم داخل هذه الأرض أو خارجها"، يشكّل جريمة حرب.

 

 

 

 كما تؤكّد المادة نفسها أنّ "نهب أيّ بلدة أو مكان، وإن تم الاستيلاء عليه عنوة"، أو "تدمير ممتلكات العدو أو الاستيلاء عليها، ما لم يكن هذا التدمير أو الاستيلاء مما تحتمه ضرورات الحرب"، يشكل جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي الجنائي.

 

 

 

 

 

 

 

3 - الإخلاءات القسريّة انتهاك لقانون حقوق الإنسان الدوليّ

 

تنتهك عمليات الإخلاء القسري التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في حي الشيخ الجراح المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تنصّ على أنه "لا يجوز تعريض أي شخص لتدخل تعسفي أو غير قانوني في حياته الخاصة أو أسرته أو منزله...". كما قد تنتهك عمليات الإخلاء القسري الحقّ في حماية الأسرة (المادة 23).

 

 

 

وتؤكّد السوابق القانونية واجتهادات المحاكم أنّ تهجير السكان قسراً يعدّ انتهاكاً للحقوق المكرسة في المواثيق الدولية؛ ففي عدّة قضايا متشابهة، وجدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان أن تنفيذ قرار الإخلاء القسري يعدّ انتهاكاً لحقوق الإنسان، معتبرة أن من الواجب على السلطات أن تمتنع عن تشريد السكّان بشكل تعسّفي، وخصوصاً إذا كان الشخص الذي يتمّ تهجيره مسؤولاً عن قاصرين.

 

 

 

 

 

 

 

4- انتهاك حقوق الفلسطينيين في الصّلاة في الأقصى

 

جاء في المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: "لا يجوز، في الدول التي توجد فيها أقليات إثنية أو دينية أو لغوية، أن يُحرم الأشخاص المنتسبون إلى الأقليات المذكورة من حقّ التمتع بثقافتهم الخاصة أو المجاهرة بدينهم وإقامة شعائره أو استخدام لغتهم، بالاشتراك مع الأعضاء الآخرين في جماعتهم".

 

 

 

نستنتج مما سبق أنّ كلّ ممارسات الاستيطان والتهجير والإخلاءات القسرية التي تقوم بها "إسرائيل" بحق المواطنين الفلسطينيين مخالفة لكلّ القوانين والمواثيق الدولية، ناهيك بالشرائع الإنسانية والأخلاقية والدينية، لكن بما أنَّ المبدأ الوحيد الثابت في العلاقات الدولية هو أن القانون الدولي يثبت الحق، ولكنه لا يحميه، بل إنّ الحقّ يحتاج إلى قوة لتحصّله وتحميه، فما على الشعب الفلسطيني إلا الاتّكال على نفسه، وعلى شاباته وشبابه، لتحصيل الحقوق، ومنع التعسّف، ومنع الاقتلاع والتهجير الممنهج الّذي تعتمده "إسرائيل".


2021/05/11

أعلنها الفلسطينيون... تمزيق "صفقة القرن"

 

بالرغم من كل الدعوات العالمية لوقف الاستيطان وووقف تهجير الفلسطينيين من بيوتهم، ما زال نتنياهو يرفض ويكابر قائلاً "نرفض وبشدة جميع الضغوط المطالبة بعدم البناء في القدس، وقد تزايدت الضغوط مؤخرًا، لكنني أقول أيضا لأقرب أصدقائنا إن القدس هي عاصمتنا، وككل أمة أخرى سنبني في عاصمتنا وننهض بها".

 

وبالرغم من رحيل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي تآمر على الفلسطينيين، ودعا نتنياهو الى ضم الأراضي الفلسطينية بالقوة، داعياً الى حلّ القضية عبر المساعدات المادية، و صهره جاريد كوشنر الذي اعتبر ان الخلاف الفلسطيني - "الاسرائيلي" هو خلاف عقاري، إلا أن الانتفاضة التي تشهدها القدس اليوم، وثبات الفلسطينيين ودفاعهم عن أراضيهم، يعتبر ضربة قاصمة لما يعتبره ترامب أفضل انجازٍ له، أي "صفقة القرن".

 

قبل الهبة الفلسطينية، كان من الصعب التعامل مع "صفقة القرن" بصفتها مجرد خطة تضاف إلى عشرات القرارات والخطط التي سبقتها والتي بقيت حبراً على ورق، ولم تغيّر كثيراً في الواقع الفلسطيني. إن خطورة تلك الخطة كانت تتأتى من العوامل الداخلية والاقليمية والدولية التي أحيطت بها، فالفلسطينيون كانوا في أكثر حالاتهم ضعفاً، والسلطة الفلسطينية تعيش حالة هشاشة سياسية عكستها تصريحات محمود عباس الذي شبّه الاحتلال "الاسرائيلي" لفلسطين والموقف الفلسطيني من الاضطهاد والممارسات "الاسرائيلية"، بالمظاهرات التي خرجت في بيروت ضد السلطة السياسية!.

 

أما الواقع العربي، فقد انتقل العرب من التعامل السرّي مع اسرائيل الى المجاهرة بالتطبيع والموّدة والزيارات المتبادلة، وتحوّل خطاب بعض العرب من العداء "لاسرائيل" الى العداء لايران.

 

وفي العالم، يعاني الاوروبيون المتمسكون بالقانون الدولي من ضعف في المواقف وتردد وازدواجية في المعايير، بينما يتمتع  الاسرائيليون بدعم كل من الولايات المتحدة (حيث يتخطى دعم اسرائيل الانقسام الحزبي الأميركي) ودعم الروس العلني، حيث قام الرئيس بوتين بتقديم الهدايا الاقليمية لنتنياهو لدعمه في الانتخابات.

 

وبالرغم من كل ذلك، كسر الفلسطينيون الواقع الصعب وتحدّوا الظروف الدولية والاقليمية التي تجمعت ضدهم. ولم يعد "الاسرائيلي" بعد اليوم، يستطيع يعتمد على بعض العرب وأموالهم لدفن القضية الفلسطينية، وتحويلها الى مجرد حق إقتصادي، يطلبون فيه من الفلسطيني مبادلة أرضه وحياته ووجوده بحفنة من المال. لقد مزق الفلسطينيون بأنفسهم صفقة ترامب ونتنياهو، وشهد العالم بأسره، أن الفلسطيني لا يحتاج الى مؤتمرات دولية ولا الى قمم عربية، ولا الى تعاطف مزيف على المنابر.

 

وهنا، تحضرنا قصة نشرها الاعلام الغربي في العام 1952، حيث تقدم صحافيان غربيان، أحدهما بريطاني والآخر أميركي، بسؤال الى الرئيس "الاسرائيلي" آنذاك حاييم وايزمان: كيف تتصور حلاً للقضية الفلسطينية؟ فكر قليلاً وأجاب: «هناك قضايا لا حلّ لها. إنها تشيخ وتبلى شيئاً فشيئاً».

 

واليوم، ونحن في العام 2021، وبعد خيانات عديدة ومشاريع دولية متعددة ومحاولة سحق الشعب الفلسطيني، وبعد الهبة الفلسطينية التي تحاول إنقاد حي الجرّاح في القدس وتثني الاحتلال عن ممارساته ضد المصلّين العزّل في الأقصى، نعرف أن القضية لم تشخ ولم تبلَ، بل ما زالت حيّة في نفوس أبناء فلسطين العرب مسلمين ومسيحيين.

 

إن بنات وأبناء فلسطين اليوم، يشكلون جيلاً أكثر صلابة من الأجيال السابقة، جيل عبّر عن نفسه، تمرد، استعصى على قاتليه، تضامن، توحد وأعلن بصرخة واحدة :”أرضنا حياتنا، لن نُقتلع ولن نرحل”. 

2021/05/08

الفرنسي الباحث عن انتصار: من لبنان الى بريطانيا؟

 

تتصدر فرنسا النشرات الاخبارية العالمية في حدثين، ارسال وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان لحلّ المسألة اللبنانية المعقدة، وتهديد اللبنانيين غير المنصاعين للأوامر الفرنسية، والتوتر العسكري بين فرنسا وبريطانيا على خلفية نزاع على رخص الصيد البحري بالقرب من جزيرة جيرسي البريطانية.

 

وكما كان متوقعاً منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي بدون اتفاق، بدأت المشاكل البحرية حول الصيد البحري، واحتدمت المسألة بين الفرنسيين والبريطانيين بحيث أرسل الطرفان سفنهما الحربية الى القناة الانكليزية. وبدأت التوترات بين الطرفين بعدما قامت الجزيرة بتشديد الإجراءات التي تسمح للصياديين باستعمال مياهها، ما سبب أضراراً فادحة لبعض الصيادين الفرنسيين. لم يسكت الفرنسيون وهددوا بقطع الكهرباء عن جيرسي حيث أن معظم توريدات الطاقة الكهربائية (95%) التي تستخدمها الجزيرة تأتي من فرنسا عن طريق الكابلات البحرية.

 

وأعلنت البحرية الفرنسية أنها أرسلت زورقين إلى المياه المحيطة بجزيرة جيرسي، التابعة للتاج البريطاني في القنال الإنجليزي، وذلك رداً على قيام رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، بإرسال سفينتي حراسة تابعتين للبحرية الملكية لمراقبة احتجاج الصياديين الفرنسييين في المياه حول ميناء جيرسي.

 

وتعيد هذه الحادثة والتهديد العسكري بين البلدين، الذكرى الى الحروب الكثيرة التي خاضها الفرنسيون والبريطانيون بين بعضهم البعض منذ القرون الوسطى ولغاية الحرب العالمية الثانية ومنها بالتحديد حملة جاسكون بين عامي 1294 و 1303.

 

بدأت تلك الحرب بنزاع بين البلدين حول الصيد البحري أيضاً، ثم ما لبث أن تطور الى حرب بحرية توسعت لتتحول الى حرب حقيقية شاملة بين البلدين. عام 1293، تحولت معركة بين البحارة قبالة سواحل جاسكون، بين قوارب صيد جاسكون ونورمان، إلى حرب بحرية مفتوحة بين البحريتين الإنجليزية والفرنسية، كانت مقدمة للتوترات المستقبلية بين البلدين والتي بلغت ذروتها في حرب المائة عام بينهما.

 

واليوم، وبالنظر الى الأسباب التي تدفع كل من بريطانيا وفرنسا الى استعادة توترات شبيهة الى حدٍ كبير بالتوترات التي طبعت العلاقة بينهما خلال القرون الوسطى، فيمكن الإشارة الى أسباب متعددة منها إقتصادية وسياسية، لكن العامل الشخصي الشعبوي في كلا البلدين لا يمكن إغفاله:

 

- في فرنسا

 

يعيش الفرنسيون على وقع التحضير للانتخابات المحلية في 20 و27 يونيو/ حزيران المقبل، وعلى وقع التحضير لانتخابات رئاسية عام 2022.

 

ويعاني الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحزبه من تراجع كبير في الشعبية عكستها الانتخابات البلدية العام الماضي، فقد مُني فيها حزب ماكرون بخسائر فادحة. كما يعيش الفرنسيون على وقع تظاهرات "السترات الصفراء" المناهضة لماكرون وسياساته والتي تشهدها فرنسا منذ سنوات بدون توقف.

 

وفي اعترافٍ واضح من الحزب الحاكم في فرنسا(حزب ماكرون) بأنه بات أضعف وأقل شعبية من أن يحقق الفوز في بعض المناطق بمفرده، شكّل الحزب المنتمي ليمين الوسط تحالفاً مع حزب الجمهوريين المحافظ لخوض الانتخابات المحلية القادمة.

 

أما الانتخابات الرئاسية، فتشير التوقعات الى معركة رئاسية صعبة سيخوضها ماكرون في وجه مرشحة اليمين مارين لوبن وباقي المرشحين ومنهم مرشحة السترات الصفراء، ولقد تراجعت شعبية ماكرون بعد جائحة كروونا واتهامه بعد التعامل بفعالية مع الجائحة.

 

- في بريطانيا

 

أما رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والمعروف بـ "ترامب بريطانيا" بسبب شخصيته الفظّة ولسانه السليط وخطاباته الانتخابية الشعبوية، فيواجه انتقادات وتوترات من قبل الاوروبيين منذ خروجه من الاتحاد الاوروبي بدون اتفاق شامل. وكان ما سمي "حرب اللقاحات" والتي بدأت في شهر آذار/ مارس المنصرم المؤشر الأبرز على أن الكلام المنمق بين كل من بريطانيا والاتحاد الاوربي يخفي تحته مشاعر سيئة متبادلة بين الطرفين.

 

وتصاعدت "حرب اللقاحات" حين أقرّت المفوضية الأوروبية آلية للإشراف على تصدير اللقاحات الى خارج دول الاتحاد ما أثار انتقادات بريطانيا- الوجهة الرئيسية للجرعات المصدرة من القارة الأوروبية. ويتهم الاوروبيون بريطانيا بأنها استوردت ملايين الجرعات من الاتحاد الاوروبي، في المقابل لم يتلقَ الاتحاد أي جرعة منتجة من بريطانيا.

 

وهكذا، وإنطلاقاً من هذا التراجع الشعبي على أبواب معارك انتخابية حاسمة يبدو ماكرون مستعجلاً لتحقيق انتصار ما، أو الظهور بمظهر الرئيس القوي الذي يحافظ على مصالح فرنسا ولو باستخدام القوة أو التهديد باستخدامها، لذا هو سيقوم باستخدام أي أزمة أو فرصة لتسويق نفسه في الداخل وزيادة حظوظه في الفوز في الانتخابات.

 

لا شكّ أن أزمة ماكرون الداخلية تنعكس في آدائه الخارجي، وهو ما شهدناه من تعامله مع أزمة لبنان التي أراد أن يسجّل فيها انتصاراً لمبادرته بأي ثمن، فأخطأ أخطاء فادحة أدت الى فشلها، ما جعله يهدد بفرض عقوبات على "المعرقلين"، كما شهدناه في تعامله مع تركيا وتهديدها ثم تراجعه، واليوم في التصعيد العسكري مع بريطانيا، الذي لم يكن ضرورياً لحلّ أزمة يمكن حلّها بالحوار والدبلوماسية.

 

أما العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وبالرغم من أن الازمة ستعبر عبر الحل الدبلوماسي، إلا أن المعارك الجانبية المحدودة بينهما مرشحة لمزيد من التفاقم والتزايد، ما يسمح بالمزيد من الاستخدام السياسي على أبواب عامين من الانتخابات القادمة في العديد من دول الاتحاد، وفي ظل ارتفاع أسهم اليمين الشعبوي الاوروبي... الأكيد أن العلاقة بين الطرفين ستبقى ضمن الحلول الدبلوماسية لحلّ المسائل العالقة، في وقت يعاني فيه الجميع من تداعيات أزمة كورونا التي ستدفع الجميع الى التعاون لمواجهة الركود المنتظر، لكن اليمين والشعبوية ستكون بالمرصاد لايقاد نار تبدو تحت الرماد. 

2021/05/04

هل تخذل التسويات اللبنانيين مجدداً؟

 

ليلى نقولا

 

لا شكّ أن أحوال منطقة الشرق الأوسط تتبدل بشكل سريع، حيث نجد أن العديد من المؤشرات تشير الى تسارع وتيرة الحلول الدبلوماسية في المنطقة، ومن تلك المؤشرات:

 

- إعلان رئيس الوفد الايراني المفاوض في فيينا عباس عراقتشي أنه تمّ الاتفاق على رفع العقوبات عن معظم الأفراد الذين شملتهم العقوبات الاميركية، وعن قطاعات الطاقة والصناعة والتعاملات المالية والسيارات وهناك قائمة طويلة بأسماء الأفراد والكيانات التي سيتم رفع العقوبات عنها أيضاً. بالإضافة الى إعلان مصادر إيرانية الى قناة الميادين عن أنّ واشنطن ستفرج عن 4 إيرانيين معتقلين لديها وتحرير مبلغ 7 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة لدى الولايات المتحدة وتسديده إلى إيران، في المقابل ستفرج طهران عن 4 أميركيين تتهمهم بالتجسس لصالح الاستخبارات الأميركية.

 

- إعلان ولي العهد السعودي في مقابلة تلفزيونية أن "إيران دولة جارة، وكل ما نطمح له أن يكون لدينا علاقة طيبة ومميزة مع إيران". وأضاف : "لا نريد وضع إيران أن يكون صعباً، بالعكس نريد إيران مزدهرة وتنمو، لدينا مصالح فيها، لديهم مصالح في المملكة العربية السعودية لدفع المنطقة والعالم للنمو والازدهار". وبدا الأمير متفائلاً بإمكانية الوصول إلى تفاهمات حول المشاكل التي تعتري العلاقة بين البلدين قائلاً: "نعمل اليوم مع شركائنا في المنطقة وفي العالم لإيجاد حلول لهذه الإشكاليات، ونتمنى أن نتجاوزها وأن تكون علاقة طيبة وإيجابية فيها منفعة للجميع".

 

- قلق إسرائيلي وإعراب عن خيبة أمل، إذ نقل الاعلام الاسرائيلي أن الرئيس الأميركي جو بايدن وخلال اجتماعه مع رئيس "الموساد" يوسي كوهين "أنصت وأبدى أيضاً تعاطفاً مع القلق الاسرائيلي من العودة الى الاتفاق النووي" بحسب ما قال بن ديفيد، لكنه رغم ذلك "أبقى على الانطباع بأنه مُصر على العودة إلى الاتفاق النووي السابق كنقطة انطلاق، وهو يعتقد أنه بعد ذلك يمكن إجراء تحسينات عليه". وخلص بن ديفيد الى أن مسألة العودة الى الاتفاق الى الاتفاق باتت خلال أيام وليس شهور.

 

- إعلان تركي عن "عهد جديد" للعلاقات التركية المصرية الجديدة بعد سنوات من التوتر بعد البلدين على اثر الثورة المصرية التي أطاحت بحكم الأخوان المسلمين عام 2013.

 

وهكذا، نجد أن المنطقة تسير بشكل متسارع نحو حلحلة العقد المستعصية والخلافات المتجذرة التي بدأت مع بداية الربيع العربي وازدادت حدّة مع سياسة الضغوط القصوى التي قام بها دونالد ترامب، وستؤدي هذه الحلحلة الى تسويات سيكون لبنان أحد أركانها، ومن المرجح أن ينتج عنه تخفيف التوتر بنتيجة التفاهمات السعودية الإيرانية، والتي ستطيح بخيار سعد الحريري لتشكيل الحكومة بحال استمر الفيتو السعودي عليه شخصياً، والذهاب الى خيار رئيس وزراء جديد يعكس نتائج التسوية الايرانية السعودية ( حين تنضج).

 

أما على الصعيد الداخلي، فيبقى لبنان عالقاً في كماشة توتر داخلية، حيث تقوم قوى السلطة بمعركة يا قاتل يا مقتول عنوانها "نريد عفواً عاماً عن الجرائم المالية التي ارتكبناها خلال 30 سنة بعد الطائف، تماماً كما حصلنا على عفو عام عن الجرائم الجنائية التي ارتكبناها خلال الحرب الأهلية"، وتقوم بمعركة ضارية بوجه الرئيس عون الذي ما زال يؤكد إصراره على التدقيق الجنائي بالرغم من كل محاولات التفلت والمماطلة وحرب الشيطنة والاغتيال المعنوي التي يتعرض لها.

 

وهكذا، بات اللبنانيون أمام خطر جدّي بأن تضيع مدخراتهم وأموالهم وأرزاقهم بإفلات السلطة السياسية من العقاب، كما ضاعت أرواحهم خلال الحرب، عندما مارست الميليشيات القتل والخطف والإخفاء القسري وأفلتت أخيراً من العقاب... هذه هي معركة الشعب اللبناني الأساسية اليوم، فهل تخذله التسويات الجديدة في المنطقة كما تمّ خذلانه سابقاً بعد تسوية الطائف ضمن شعار "عفا الله عما مضى"؟.