2022/11/28

الأمن في الشرق الأوسط: المقاربة الأميركية

اختتم حوار المنامة  أعماله في البحرين الأسبوع الماضي، بحضور العشرات من المسؤولين الرسميين ورجال الأعمال والشخصيات الدولية والاقتصاديين والسياسيين والمفكرين الاستراتيجيين الولايات المتحدة وأوروبا بالاضافة الى آسيا وأفريقيا ودول الخليج.

وكان المؤتمر مناسبة لعرض المقاربات الأمنية للدول المشاركة، وتبدو كما يلي:

1-   الاستراتيجية الأمنية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط  تقوم على ركائز ثلاث:

أ‌-     ردع التهديدات في المناطق الغنية بالطاقة، عبر بناء بنية تحتية "متكاملة" للدفاع الجوي والبحري في الشرق الأوسط وعبر بناء بنية دفاعية جوية وبحرية متكاملة مع الحلفاء من خلال الشراكات الأمنية والدفاعية المبتكرة والتقنيات الجديدة، وصولاً إلى تبادل الخبرات والمعلومات والتدريبات العسكرية المشتركة.

ب‌-  دعم الجيوش في الدول التي لا ترتبط بمعاهدات أمنية دفاعية مع الولايات المتحدة، ومنها لبنان والعراق، وذلك غبر تقديم الدعم اللازم لتلك الجيوش لتأمين الاستقرار ومحاربة الارهاب.

ت‌-  العمل على تقليل التوترات وتخفيف التصعيد وإنهاء النزاعات حيثما كان ذلك ممكناً من خلال الدبلوماسية.

ويلاحظ مما قالته مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى السفيرة باربرا ليف حول لبنان في محاضرة سابقة في مركز ويلسون في بداية الشهر الحالي، وما تمّ إعلانه من مؤتمر المنامة خلال لقاءات مع وزير الخارجية العراقي، أن المقاربة الأميركية لكل من لبنان والعراق تتشابه حيث يتم التركيز على دعم الجيوش، والمطالبة بإجراء إصلاحات جوهرية، والضغط على المسؤولين في البلدين لإجراء ما هو مطلوب في هذا المجال، وتهديدهم بعودة التظاهرات من جديد في حال لم يقوموا بما هو كافٍ لضبط الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

 

2-   تركيز غربي على "التهديد" الايراني مقابل صمت خليجي

 تركزت مناقشات معظم الدول المشاركة في المنتدى االحالي في الدورة رقم 18 وخاصة دول الخليج على التغيّر المناخي وتأثيره على مستقبل الحروب في العالم، ومدى مدى تأثير الازدهار الاقتصادي لبعض القوى الأقتصادية الصاعدة، والتحديات الاقتصادية التي تواجه بعض دول العالم خاصة بعد الحرب الأوكرانية.

وبالرغم من أن الدول الخليجية تبدو معنية أكثر بالموضوع الإيراني إلا أن الحديث عما يسمى "التهديد الايراني" كان غربياً واسرائيلياً حصراً، حيث ركّزت خطابات كل من رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فان دير لاين  والمسؤولين البريطانيين والأميركيين والاسرائيليين على "التهديد الإيراني" للمنطقة وكيفية مواجهته.

والبارز قيام ممثل اسرائيل في حوار المنامة (إيال هولانا- مستشار الامن القومي) بسرد لأبرز الاتفاقيات التي عقدتها اسرائيل مع دول المنطقة مركزًا على ما سماه "دور اسرائيل في الاستقرار والسلام في المنطقة" في مقابل ما اعتبره "تقويضاً إيرانياً للسلام" وتحدث عن التهديدات التي تشكّلها إيران للمنطقة، ومن بينها "زيادة أنشطتها (بالوكالة) لزعزعة استقرار كل من اليمن والعراق وسوريا" .. ولم يذكر لبنان من ضمنها.

في النتيجة، يبدو أن الأميركيين مستمرون في توجههم لدعم الاستقرار في المنطقة وتقليل الصراعات والسعي نحو الحلول الدبلوماسية، أما التركيز الغربي على إيران  فيبدو جزءًا من استراتيجية "إثارة المخاوف الأمنية" للحصول على مكاسب مادية وأمنية وبناء شراكات في منطقة الخليج والاستفادة من صفقات التسليح، والسيطرة على إمدادات الطاقة في العالم.

  

2022/11/27

مونديال قطر: فشل "الهيمنة الثقافية" الغربية

ليلى نقولا
لقد أظهرت الصور ومقاطع الفيديو التي نشرها الإعلام الإسرائيلي من قطر أخيراً نظرة الشعوب العربية الحقيقية إلى احتلال فلسطين، وعدم قبولها بالرواية السائدة التي تقول إن الإسرائيليين باتوا مقبولين في دول الخليج بعد توقيع اتفاقيات "التطبيع"، وأَسقطت إعلامياً كل الروايات التي تتحدث عن أن "العرب لم يعودوا يجدون في إسرائيل عدواً بل يجدونهم حليفاً لهم ضد إيران".
إن هذه المشاهد، إضافة إلى عدد من استطلاعات الرأي التي أشارت إلى أن اتفاقيات التطبيع وكل الجهد الإعلامي والإعلاني وصرف الأموال الطائلة، لم تستطع أن تربح حرب الأفكار الدائرة اليوم على مستوى العالم ككل وعلى مستوى الشرق الأوسط.
يشار إلى حرب الأفكار والأيديولوجيات السائدة اليوم، باسم "القوة الناعمة" ويفسرها المنظرون الأميركيون بـ"إغراء القلوب والعقول"، أي السعي إلى "الهيمنة الثقافية" التي كان المفكر اليساري، أنطونيو غرامشي، قد تحدث عنها في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، إذ رأى أن كل طبقة حاكمة لا تعتمد فقط على السيطرة المادية والقهرية والسياسية للمجتمع المحكوم، بل على الهيمنة الفكرية أيضاً، أي على اختراق المجتمع والتأثير فيه فكرياً من خلال فرض نظام القيم الخاص بها وإطارها الفكري ومُثلها ومعاييرها للصح والخطأ، وهو ما يساعد على جعل سيطرتها أطول عمراً وأكثر فعالية.
وتوصل غرامشي إلى خلاصة مهمة مفادها أن الهيمنة الثقافية ضرورية من أجل نجاح سلطة ما، وعلى أي طبقة اجتماعية تريد السيطرة وضمان السلطة والقيادة تكوين هيمنة ثقافية على الآخرين، إذ إن التجارب تثبت أن تفوق مجموعة اجتماعية معينة يَظهر بطريقتين اثنتين: من خلال السيطرة والإخضاع بالقوة، ومن خلال قيادة فكرية ووجدانية وقيمية.
وتتنوع وسائل حروب القوة الناعمة، وفيها:
-المناظرات الفكرية، وهي نزاعات تقدّم فيها الأطراف المتعارضة حججها، وتدعمها بالأدلة وتسعى لدحض استدلال واستنتاجات الطرف الآخر.
- الحروب الأيديولوجية، وهي صراع رؤىً واسعة تُنظّم عادة حول عقيدة معينة.
أما المثال الأكثر شيوعاً للصراع الأيديولوجي فهو الحرب الباردة التي تضمّنت منافسة سياسية واقتصادية وعسكرية بين الولايات المتحدة (الليبرالية) والاتحاد السوفياتي (الشيوعية)، والتي انتصرت فيها الليبرالية، إذ عُد هذا الانتصار نهاية تاريخ الصراع بين الأيديولوجيات.
- الحملات الإعلامية وقد تكون مباشرة أو غير مباشرة، والهدف منها إقناع الجماهير بوجهة نظر معينة، يليها اتخاذهم إجراءات معينة مطلوبة بنفسها، كالتصويت لمرشح معين، أو المشاركة في تظاهرة أو غير ذلك.
وانطلاقاً مما سبق، نجد أن الغرب كان دائماً متفوقاً في الحرب الإعلامية وحروب الأفكار المتعددة، لكن التطور التقني والتكنولوجي وانتشار وسائل التواصل التي كان من المفترض أن يستخدمها الغرب لتسويق أفكاره وترسيخ هيمنته قد انقلبت وبات الغرب يتراجع في حرب الأفكار في عدد من المجالات، ونضرب بعض الأمثلة:
1- الحرب الأوكرانية: مع أن الحرب الإعلامية بين روسيا والغرب كانت لمصلحة الأخير على نحو كبير، وسيطرت الرواية الغربية على نظرة الرأي العام العالمي إلى الحرب الروسية في أوكرانيا، لم تضعف روسيا من الداخل، ولم يؤلّب الرأي العام الروسي أو حتى الأوليغارشية على بوتين لإطاحته، وفق ما سعى له الأوروبيون من خلال قدرتهم الإعلامية وحزمات العقوبات الاقتصادية المتعددة.
2- النظرة إلى "إسرائيل" في الشرق الأوسط: إضافة إلى العداء الذي أظهره المشجعون العرب للإعلام الإسرائيلي في مونديال قطر، وقيام سائق التاكسي بإنزال الإعلاميين بعد معرفته بجنسيتهم، وإصرار العرب من جميع الجنسيات على أن "ليس هناك إسرائيل بل فلسطين".. إضافة إلى تلك المشاهد، أظهرت استطلاعات الرأي التي نشرها "معهد واشنطن" الأميركي أن غالبية المستطلعين في البلدان السبعة المشمولة بالاستطلاع (البحرين ومصر والأردن والكويت ولبنان والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة) عارضوا عبارة "السماح للذين يرغبون في إقامة علاقات تجارية أو رياضية مع الإسرائيليين بالقيام بذلك".
وفي الاستطلاع نفسه، قالت أغلبيات ساحقة إنها تَعُد اتفاقيات التطبيع "سلبية إلى حدٍ ما" أو "سلبية جداً".
وحتى في البلدان الموقعة على الاتفاقيات، وتحديداً البحرين والإمارات، تضاءل الدعم من الأقليات الكبيرة في الفترة التي أعقبت توقيع الاتفاقيات.
وهكذا إذاً، وسواء سميناها "القوة الناعمة التي تهدف إلى السيطرة على القلوب والعقول، أو سمّيناها هيمنة ثقافية، فإن الهدف المطلوب هو السيطرة على العالم بفرض قيم معينة تجعل صاحب تلك القيم مرغوباً فيه وهيمنته مطلوبة ليست باعتبارها هيمنة بل باعتبارها "إلهاماً وقيماً عالمية حميدة"، لكن التطبيع الذي جرى التسويق له بعنوان ديني برّاق "اتفاقيات أبراهام" سقط، وفشلت معه كل وسائل الترويج والإعلام والإعلان الغربي لجعل "إسرائيل" دولة "مقبولة" لدى شعوب المنطقة.

 

2022/11/21

التيار الوطني الحر وتسوية فرنجية...

لم يكن جديداً ما قاله الوزير السابق جبران باسيل خلال لقائه مع ناشطين من التيار الوطني الحر في فرنسا، لجهة موقف التيار من ترشيح سليمان فرنجية أو قضية الترويكا، أو سواها مما تمّ تسريبه عن اللقاء، إذ لطالما ردد باسيل وعدد من نواب التيار وقيادييه هذا الموقف بشكل علني مرات عديدة.

وبعد التسريب، كثر الحديث السياسي عن إمكانية أن يقوم حزب الله بالسير بتسوية تؤدي الى إنتخاب فرنجية بدون رضى التيار، أو بإقناع باسيل بالعودة عن مواقفه والسير بتسوية فرنجية.

وفي تحليل موضوعي لما تقدم نشير:

1-  السير بتسوية فرنجية بدون رضى التيار:

بالمبدأ، ومن الناحية العددية (في مجلس النواب)، تستطيع تسوية اقليمية أن تنسحب على الداخل اللبناني وتؤدي الى إعطاء فرنجية الاصوات التي يحتاجها للوصول الى الرئاسة.

خلال عام 2016، اشترط العديد من الأطراف السياسيين (خاصة المسلمين) على ميشال عون أن يحظى بتوافق مسيحي قبل القبول به رئيساً للجمهورية، ما دفعه الى القيام بتسوية تاريخية مع القوات اللبنانية أتت بعد التسوية مع سعد الحريري، وهو ما ساهم بوصوله الى قصر بعبدا.

اليوم، يحتاج فرنجية الى تسوية أو مع التيار الوطني الحر أو مع القوات اللبنانية، وبما أن باسيل حسم أمره، يبقى له أن يقيم تسوية مع القوات اللبنانية تأتي به رئيساً...

وبغض النظر عن قدرة القوات على السير بتلك التسوية وتسويقها أمام جمهورها أم لا، يبقى أن انتخاب فرنجية بهذه الطريقة ومساهمة حزب الله به لن يمر مرور الكرام عند التيار الوطني الحر وجمهوره، وهو المعبأ نفسياً بعد سنوات ست مما يعتبره "تخلي الحلفاء عن دعم ميشال عون خلال عهده".

2-  قبول باسيل بتسوية تأتي بفرنجية:

بالاضافة الى ست سنوات من الحقد والكلام التجريحي الذي أطلقه فرنجية بحق ميشال عون وجبران باسيل، يستذكر العديد من ناشطي التيار، كيف أنه وبعد انسحاب السوريين من لبنان عام 2005، قام العماد ميشال عون العائد من المنفى في فرنسا (والذي يتمتع بشعبية عارمة) بتعويم العديد من حلفاء سوريا السابقين سياسياً وانتخابياً، ومنهم سليمان فرنجية، ما أدى الى "حرد" العديد من ناشطي زغرتا في التيار، الذين تعرضوا للتضييق عليهم قبل عام 2005.

وكان ردّ  فرنجية على ذلك، محاولة التوسع شعبياً على حساب التيار في البترون وفي العديد من المناطق اللبنانية، معتبراً (كما العديد من القادة المسيحيين) أنه يجب العمل على وراثة ميشال عون سياسياً من خلال التقارب مع جمهور التيار، وأن باسيل "غير محبوب" لذا من الممكن جذب العديد من العونيين الذين لا يحبون باسيل... لكن رهان فرنجية فشل.

واقعياً، لا يمكن لباسيل أن يسير بفرنجية مهما كانت الضغوط الممارسة عليه من حلفائه، إذ لن يكون بإمكانه تسويق ترشيح فرنجية لدى جمهور التيار، الذي عانى ما عاناه خلال سنوات ست خلال فترة رئاسة ميشال عون. إن قيام قيادة التيار بالرضوخ والسير بتسوية فرنجية، ستؤدي الى حنق على باسيل نفسه في صفوف التيار والمناصرين والمؤيدين للتيار من خارج الهيكلية الحزبية.

من منظور جمهور التيار، إن القبول بتسوية فرنجية هي تخلٍ عن كل شعارات مكافحة الفساد وبناء الدولة، وإذا كان الجمهور تقبّل على مضض تسوية مع سعد الحريري عام 2016 والتخلي عن "الابراء المستحيل" لأجل وصول ميشال عون الى بعبدا، فالقبول بتسوية وصول فرنجية ستكون القشة التي ستقسم ظهر البعير. 

2022/11/20

هل ترامب فعلاً ضد الدولة العميقة؟


على الرغم من الخسارة غير المتوقَّعة، والتي مُني بها الحزب الجمهوري، وخصوصاً المرشحين المدعومين من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، فإن الأخير أعلن نيّته الترشح للرئاسة عام 2024، الأمر الذي عدّه وزير العدل الأميركي "ظروفاً استثنائية" تسمح له بتعيين جاك سميث، المدعي العام السابق في جرائم الحرب في كوسوفو، للتحقيق في الاتهامات ضد ترامب، بسوء التعامل مع السجلات الحكومية، ودوره في أحداث 6 كانون الثاني/يناير 2021.

 

وكانت نتائج الانتخابات النصفية المحبطة للجمهوريين، وقيام عدد منهم باتهام ترامب بالتسبب بالخسارة، بالإضافة إلى صدور تصريحات ضده من مسؤولين جمهوريين سابقين وحاليين... أدّت إلى قيام عدد من أنصار ترامب في الداخل الأميركي وفي العالم باتهام "الدولة العميقة" الأميركية بمحاربة ترامب؛ الاتهام الذي عزّزه إعلان ترامب "تعهُّدَ تفكيك الدولة العميقة وإعادة الحكم إلى الشعب"، بحسب تعبيره.

 

أمام هذه الشعبوية الترامبية، تحضر أسئلة ثلاثة:

 

1- ما هي الدولة العميقة الأميركية؟

 

2- هل ترامب فعلاً ضد الدولة العميقة؟

 

3- هل تسعى الدولة العميقة لإطاحة ترامب حالياً؟

 

ما هي الدولة العميقة الأميركية؟

بعكس الاعتقاد الشائع، ومفاده أن الدولة العميقة الأميركية هي "مجتمع الاستخبارات" حصراً، فإن الدولة العميقة هي أبعد وأوسع وأكثر شمولاً لقوى نافذة أخرى، قادرة على ممارسة التأثير والنفوذ، أكثر من مجتمع الاستخبارات والأمن.

 

إن الباحث في هيكلية التأثير في الحكم في الولايات المتحدة يجد أن هناك مجموعة مختلطة ومركّبة من عناصر حكومية واستخبارية وجماعات مالية وصناعية وعسكرية وإعلامية، قادرة على التأثير في قرارات حكام الولايات المتحدة الأميركية، وأبرزهم وول ستريت، سيليكون فالي، المجمع الصناعي العسكري، وكالات الأمن القومي، البنتاغون، شركات النفظ العملاقة، وغيرها.

 

ويعتقد فرنسيس فوكوياما أن النظام الأميركي كرّس آلية استخدام الفيتو، ومنحها لمجموعات نافذة تستطيع أن تضع فيتو ضدّ أي إجراء قد يضرّها، الأمر الذي يجعل إمكان تحقيق الصالح العام صعباً جداً. وبات النظام يعمل لمصلحة قوى المال والأعمال، وليس من أجل الشعب أو المصلحة العامة.

 

هل ترامب فعلاً ضد الدولة العميقة؟

إن التدقيق في إدارات ترامب ومساعديه والمصالح التي سعى لأجلها، خلال فترة ولايته، يشير إلى أن ترامب كان يمثّل مصالح أجنحة من الدولة العميقة بينما تعمل ضده أجنحة أخرى. بمعنى آخر، كانت انتخابات عام 2016 عبارة عن صراع أجنحة ضمن الدولة العميقة نفسها، وليس من خارجها أو ضدها، أدّت إلى وصول ترامب إلى البيت الأبيض.

 

لقد تحالفت إدارة ترامب مع عدد من عمالقة المال في وول ستريت، ومجموعات النفط، وخصوصاً النفط الصخري، بالإضافة إلى مجموعة من الجنرالات، ومن أصحاب نظريات الإسلاموفوبيا، والقوميين البيض، والكنائس الإنجيلية المحافظة.

 

وكانت إدارته تضمّ عدداً من الناس القادمين من عالم الأعمال، والفاحشي الثراء، ومجموعة من متعهدي الشركات الأمنية الخاصة، وخبراء في العمل في وول ستريت والبنوك ومجموعة روتشيلد، وليمان برزر Lehman Brothers’، وغيرهم.

 

هل تسعى الدولة العميقة لإطاحة ترامب حالياً؟

إن التأييد والدعم الممنوحين لترامب، من قوى في النظام الأميركي، ليسا من دون حساب، ويرتبطان بالمصلحة فحسب، ولا مانع من سحب التأييد إن تبدلت المصلحة.

 

على سبيل المثال، كان تحالف ترامب مع شركات النفط الصخري محورياً، فلقد انسحب ترامب من أجلها من اتفاقية باريس للمناخ. وما اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، إلّا لخدمة شركة النفط الأميركية، "جيني" (ديك تشيني، روتشيلد، ماردوخ…)، التي استحصلت على عقود استخراج النفط هناك منذ نحو عقد من الزمن. لكن شركات النفط الأميركية نفسها استفادت من الحرب الروسية الأوكرانية، وشراء الأوروبيين النفط والغاز الأميركيَّين بأربعة أضعاف السعر العالمي، بعد أن أعلنوا خطة التخلص من الاعتماد على الطاقة الروسية، وهو أمر لم يستطع ترامب أن يحقّقه على الرغم من كل التهديدات التي أطلقها بسحب القواعد الأميركية من أوروبا، والتنمّر ضد ميركل.

 

إنّ رفض ترامب نتائجَ الانتخابات الرئاسية عام 2020، ومحاولة الانقلاب عليها عبر تشجيع أنصاره على دخول الكونغرس، والادّعاء أن الانتخابات مزوّرة ومسروقة لغاية اليوم... إلخ، إن هذه الممارسات السابقة تدقّ ناقوس الخطر لما يمكن أن يكون عليه الموقف عام 2024، في حال خسارة ترامب الانتخابات الرئاسية.

 

في حال خسارته الانتخابات مرة أخرى عام 2024، فإن السيناريو المرجَّح هو إعلان ترامب أن الانتخابات سُرقت مرةً أخرى، ودعوته إلى العصيان، وعدم الاعتراف بشرعية الرئيس الأميركي، الأمر الذي قد يؤدي إلى فرز عميق وخطير في أميركا، يمكن أن يدفع إلى احتمال مطالبة بعض الولايات بالانفصال، أو قيام بعض العسكريين والجنرالات برفض أوامر "القائد الأعلى للقوات المسلحة"، المطعون في شرعيته، أو قيام اشتباكات مسلحة وحرب شوارع... إلخ.

 

لذا، فإن هذا السيناريو يجعل ترامب تهديداً للديمقراطية الأميركية ككل، وليس فقط تهديداً لمصالح أطراف الدولة العميقة، التي تستفيد من الهيمنة الأميركية في العالم.

2022/11/15

الترامبية": ظاهرة آفلة في الولايات المتحدة


بعد فرز تصويت عشرات الملايين من المواطنين الأميركيين، حدد فوز كاثرين كورتيز ماستو الصعب، في ولاية نيفادا، النتيجة الحاسمة للمعركة السياسية بين الحزبين، فحصد الحزب الديمقراطي المقعد رقم 50 في مجلس الشيوخ الأميركي، بينما وصل الجمهوريون إلى المقعد رقم 49.

ويبقى المقعد الأخير في ولاية جورجيا، والذي لن تحسم نتائجه قبل إعادة الانتخابات في كانون الثاني/يناير المقبل، غير ذي أهمية في تقرير الأغلبية التصويتية في مجلس الشيوخ، فحتى لو فاز الجمهوريون بالمقعد المتبقي في ولاية جورجيا، ستكون نائبة الرئيس كمالا هاريس قادرة على ترجيح كفة الميزان في مجلس الشيوخ خلال أي تصويت.

وبالرغم من بقاء إمكانية فوز الحزب الجمهوري بالأغلبية في مجلس النواب، كانت المفاجأة أن الرئيس جو بايدن، وهو الرئيس الأقل شعبية في تاريخ الولايات المتحدة، سيحافظ على قدرته على تمرير أجندته بشكل يسير. ولا ينسى الديمقراطيون كيف قامت الأغلبية الجمهورية بتعطيل الجلسات، ومنعت عقد جلسة استماع لمرشح الرئيس السابق باراك أوباما لعضوية المحكمة العليا، بينما قام مجلس الشيوخ ذو الغالبية الجمهورية بالمصادقة على تعيين مرشّحة ترامب القاضية المحافظة إيمي كوني باريت عضواً في المحكمة العليا، والتي كانت العضو اليميني الثالث الذي يعيّنه ترامب

عملياً، اتكل الديمقراطيون على أصوات النساء والشباب، وتشير التقارير إلى أن تلك الفئات في الولايات المتحدة صوتت ضد مرشحي ترامب بعدما شعرت بالرغبة في حماية حقوقها المكتسبة، وذلك بعد تجربة سيطرة اليمين المتطرف المؤيد لترامب على المحكمة العليا، وهي أعلى هيئة قضائية في الولايات المتّحدة، وإصدارها قراراً ألغت فيه المحكمة الحكم التاريخي المعروف باسم "رو ضد ويد"، وأصبح من حق كل ولاية على حدة حظر عملية الإجهاض، ومعه فقدت ملايين النساء في الولايات المتحدة الحق القانوني في الإجهاض، ويخشى الشباب أن يكون ذلك مقدمة لفقدان العديد من الحقوق الأخرى، وخاصة حقوق المثلية الجنسية وغيرها.. 

أما على الجهة الجمهورية، فبدا التصويت أشبه بتصويت على زعامة ترامب للحزب الجمهوري وترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2024، خاصة بعدما بدأت الظاهرة "الترامبية" تعكس تحوّلاً خطراً في الديمقراطية الأميركية، وذلك على صعيد شخصنة الحزب وتحوّله إلى حزب "الزعيم"، وظاهرة استخدام الدين في السياسة وهي ظاهرة غريبة عن المجتمع الأميركي.

1-حزب الزعيم:

كما معظم دول العالم الثالث، تحوّل الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة إلى حزب الزعيم، الذي يقرر سياسات الحزب ويختار بنفسه المرشحين، ويحدد الخطوط العريضة لسياسة حزبه، فيقوم المؤيدون بالدفاع عنها بدون تفكير، وبدون أي قبول بفكر مختلف، ويؤيدونه بشكل يشبه "العبادة".

قبل أسبوعين من انتخابات التجديد النصفي، وهي الأولى منذ ترك ترامب البيت الأبيض، ظهرت "الترامبية" بأوضح صورها، إذ ظهر أن معظم المرشحين من الحزب الجمهوري الذين رفضوا التعهد بالولاء للرئيس السابق، أو رفضوا ترديد مقولة ترامب بأن "الانتخابات سرقت منه عام 2020"، فقدوا انتخاباتهم التمهيدية أو تقاعدوا لتجنب الهزيمة، باستثناء قلة قليلة استطاعت الفوز بالترشيح.

2-استخدام الدين:

كان واضحاً خلال فترة حكم ترامب أنه حاول استغلال الدين، وخاصة تأييد الكنائس الإنجيلية من أجل كسب تأييد شعبي ضمن تلك الكنائس التي يزيد عدد أعضائها على 70 مليون ناخب في جميع الولايات الأميركية.

رويداً رويداً، شهدت الولايات المتحدة مع "الترامبية " ابتعاداً عن القيم العلمانية التي تأسست عليها، وبات اليمين المسيحي يحاول فرض أجندته في المحكمة العليا والسياسة الخارجية، أو يمكن القول إن ترامب كان ينفذ أجندة يمينية مسيحية لكسب تأييد الناخبين المنتمين إلى تلك الكنائس. إذاً، هي علاقة مصلحية متشابكة بين الطرفين، جعلت ترامب "المخلّص" في نظر العديد من المتدينين الذين يعيشون خوفاً ثقافياً حضارياً، يريدون معه إيقاف عجلة التحوّل الثقافي، ولو بالقوة.

في النتيجة، وبحسب الدراسات التاريخية، عادة ما يخسر حزب الرئيس الموجود في البيت الأبيض في الانتخابات النصفية، وتشير البيانات الصادرة عن جامعة كاليفورنيا (سانتا باربرا) إلى أن متوسط خسارة الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس 28 مقعداً في مجلس النواب و4 مقاعد في مجلس الشيوخ في كل انتخابات نصفية بين عامي 1934 و2018 (بحسب جدول الإحصاء).

المفاجأة هذه السنة، تعني أن "الترامبية" أضرّت بالحزب الجمهوري بشكل كبير، وأن المرشحين الجمهوريين الذين خسروا الانتخابات والذين تمّ اختيارهم، ليس بحسب معيار الكفاءة بل بمدى الولاء الشخصي لترامب، يؤكدون أن الظاهرة "الترامبية" القائمة على الشعبوية وانتشار نظريات المؤامرة والتنمر، ليست مقبولة تماماً في الولايات المتحدة.

2022/11/14

سيناريو الانهيار اللبناني... سياسة "التجربة والخطأ"

ضجّت وسائل الاعلام اللبنانية الأسبوع الماضي، بما قالته مساعدة وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، باربرا ليف في مركز ويلسون سنتر عن حالة لبنان في محاضرة 4 تشرين الثاني / نوفمبر الحالي، والتي اعتبرها البعض أنها كشف عن مخطط أميركي يهدف الى تقويض استقرار لبنان، والتأسيس للفوضى فيه خلال فترة الفراغ الرئاسي، بالرغم من أن السيدة بربرا ليف ركّزت على استمرار دعم القوى الأمنية، وتحدثت عن ضغوط على الطبقة السياسية للأخذ بمسؤولياتها.

وما يهمنا من حديث السيدة ليف، هو ما كشفته عن أن هناك بعض الآراء في الولايات المتحدة تدعو الى "ترك لبنان ينهار وينهض من الركام من جديد، لان هذا يعطّل قدرة حزب الله التي يستخدمها منذ سنوات"، وبالرغم من أنها رفضت هذه المقاربة واعتبرتها "مضرّة بلبنان والاردن واسرائيل والشعب السوري..."، إلا ان تلك المقاربة تشير الى توجّه فكري لدى العديد من مسؤولي السياسة الخارجية  ومراكز التفكير في الولايات المتحدة والتي تقارب موضوع لبنان من منطلق "ضرورة احتواء حزب الله مهما كلف الأمر" وهي المقاربة التي سار فيها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو مع فريقه، الذين استخدموا سياسة الضغوط القصوى التي سرّعت بالانهيار اللبناني بعدما كانت ممارسة النهب المنظم الذي مارسته السلطة السياسية علة مدى 30 عاماً، قد أوصلت لبنان الى حافة الهاوية.

وهكذا، راهن فريق السياسة الخارجية الأميركية المسؤول عن ملف لبنان خلال فترة ترامب، على الانهيار، لكن نتائجه لم تكن كما تمّ توقعها، بل أدّت الى:

-      تعاظم نفوذ حزب الله، في بيئته وخارجها، بعد سنوات ثلاث من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وانقطاع الكهرباء وفقدان المازوت وسواها من الازمات.

-      فشل الثورة في التخلص من الطبقة السياسية (هدفها المعلن في البداية)، أو أقلّه تحجيم التيار الوطني الحر وحزب الله (بحسب ما انتهت اليه أهدافها). أما النواب الذين نجحوا باسم الثورة، فلقد تبين أن العديد منهم مجرد "جيل جديد من 14 آذار"، وبرزت الانقسامات بينهم في الفكر والمواقف والايديولوجيا والتصويت في المجلس النيابي.

-      نتائج كارثية وهجرة لبنانية غير مسبوقة، وخاصة فئة الشباب الجامعي الذي هاجر يبحث عن فرص عمل ومستقبل أفضل.

-      عودة الطبقة السياسية نفسها في الانتخابات النيابية. وإذا كانت الانتخابات قد أدّت الى خسارة بعض حلفاء حزب الله مقاعدهم، لكن الحزب حافظ على كتلته وأضاف إليها مقعداً في جبيل، وأظهرت الاحصاءات احتفاظه بتأييد عارم في مناطقه.

 

وهكذا، وانطلاقاً من مبدأ "التجربة والخطأtrial and error  الذي يستخدمه الأميركيون في سياساتهم الخارجية وهو اسلوب يتميز بتكرار التجربة والتنويع المستمر في الأساليب حتى النجاح، فإن تمّت تجربة ما وفشلت في تحقيق الأهداف المرجوّة منها، تمّ الانتقال الى غيرها من الوسائل التي تحقق الغاية المرجوة والمصالح الأميركية. انطلاقاً من هذا المبدأ، يجد فريق السياسة الخارجية الأميركية الحالية أن مقاربة بومبيو "اتركوا لبنان ينهار ليتخلص من حزب الله ثم يُبنى من جديد" لم تحقق الأهداف المرجوة منها، لذا كانت السيدة ليف واضحة في مقاربتها "لن يستفيد أحد من هذا السيناريو". 

 

2022/11/07

اتفاق الطائف اللبناني: المطلوب حماية التعدد لا جمود الدستور

أقامت السفارة السعودية في لبنان، مؤتمراً في قصر الأونيسكو- بيروت، بمناسبة مرور 33 سنة على توقيع اتفاق الطائف، الذي رعته المملكة العربية السعودية في نهاية الثمانينيات من القرن العشرين. حضر المؤتمر العديد من الشخصيات السياسية والإعلامية، وتحدث فيه العديد من الشخصيات التي أكدت أهمية الحفاظ على تلك الوثيقة وتطبيقها، وضرورة عدم المساس بها.

لا شكّ في أنّ وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) التي أدّت إلى تعديل الدستور اللبناني في أوائل التسعينيات من القرن الماضي،  يجب أن لا تكون منزّلة لا يمكن المسّ بها، ولا شيء يمنع اللبنانيين أو مواطني أيّ دولة من تعديل الدستور في حال وجدوا ثغرات، أو تحوّل الدستور إلى مُعطّل للنظام والحياة السياسية، كما هي حال الدستور اللبناني الحالي (المعدّل بموجب القانون الدستوري الصادر في 21 أيلول/سبتمبر عام 1990).

ولا شكّ في أنّ الدعوة إلى إجراء تعديلات دستورية، ليست دعوة للتخلي عن النظام السياسي في لبنان، الذي يعتمد الصيغة التوافقية التي ما زالت – لغاية الآن- النموذج الذي لا يمكن التخلي عنه بسبب هواجس المجموعات وقلقها، وخاصة بعد التطورات التي حصلت في العالم العربي، وفي المشرق العربي خصوصاً، منذ عام 2003 وما تلاه، والتي أدّت إلى تهجير مكونات أساسية، وطغى الخطاب المذهبي على الخطاب القومي الجامع.

لم ينشأ مفهوم الديمقراطية التوافقية كغيره من النماذج الديمقراطية التي انطلقت من أثينا، ومن مفكري وفلاسفة الأنوار بل نشأ من التجارب المقارنة حول العالم. بداية، جرت دراسة هذا النموذج وتدويله من خلال بعض المؤلفات التي تتحدث عن أنظمة الحكم في كل من بلجيكا والنمسا وسويسرا وكندا، ثم امتدّ المفهوم إلى بعض بلدان العالم الثالث، وخصوصاً إلى ماليزيا وقبرص وكولومبيا والأوروغواي ونيجيريا.

أما النموذج التوافقي اللبناني، فهو صيغة سبقت قيام الدولة اللبنانية، إذ امتدّ منذ نظام الملل العثماني ونظام القائمقاميتين والمتصرفية وفي إصلاحات شكيب أفندي، إلى أن ثبّته الفرنسيون خلال الانتداب، ثم كرّسه ميثاق وصيغة 1943، وفيما بعد اتفاق الطائف. 

وقد صاغ العالم السياسي الهولندي ليبهارت Arend Lijphart، هذا النموذج في كتابه، وعدّد خصائصه على الشكل التالي:

1- حكومة ائتلاف واسع 

هذا الأمر يميّز النموذج التوافقي عن النموذج البرلماني التقليدي الذي يقوم على "حكومة مقابل معارضة". وقد رأى البعض أن هذا النوع الائتلافي يحمي الأقليات الموجودة، ويعطيها مجالاً للمشاركة في الحكم لا تتيحه لها الأسس البرلمانية. 

2- نسبية في التمثيل بدلاً من قاعدة الأكثرية

 وهذا ما يلاحظ في لبنان من خلال توزيع المقاعد النيابية والوزارية والرئاسات على أساس طائفي نسبة إلى حجم الطوائف وعديد أفرادها. 

3- الفيتو المتبادل كوسيلة لحماية الأقلية ضد القرار الأكثري

المشاركة في الائتلاف الحكومي قد لا تكفي بالفعل لحماية الأقليات، لذلك يجب إعطاء هذه المجموعات حق النقض في الأمور ذات الأهمية الحيوية والمصيرية بالنسبة لها ولوجودها. وهو ما يسمى في لبنان: "الميثاقية"، وهو ما ورد صراحة في مقدمة الدستور اللبناني التي أضيفت بعد الطائف والتي تنص في الفقرة (ي) منها على "أن لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

4- إدارة ذاتية للمجموعات في بعض الشؤون الخاصة. تمنح الديمقراطية التوافقية الثقافات الفرعية إدارة ذاتية في الميادين التي تخصها مباشرة. 

ونلاحظ هذا الأمر في لبنان من خلال إعطاء الطوائف الحرية في المحاكم الشرعية والأحوال الشخصية، علماً أن ذلك كرّس تفاوتاً بين اللبنانيين في إدارة شؤونهم وميّز بينهم، وكانت المحاكم الدينية سبباً في الإجحاف الذي طال عديداً من النساء اللبنانيات وأطفالهن.

منذ نشأته، ومنذ استقلال لبنان، يعتقد كثير من المفكرين والباحثين اللبنانيين أن التمثيل النسبي الطائفي أو ما يعرف بالطائفية السياسية هو علة العلل في لبنان، وأنّ هذا النظام يستولد الأزمات وهو الذي أدى إلى الحروب الأهلية.

أما البعض الآخر فعدّه أفضل الحلول الممكنة، منطلقاً من مقولة إن النظام الأكثري في ظل تعدد طائفي ومجتمعات غير متجانسة قد يكون أشد إيلاماً من حكم الحزب الواحد في الأنظمة الأكثرية، إذ في الديمقراطيات المتجانسة، هناك احتمالات بأن تتحول الأقلية إلى أكثرية بفضل تغيير الرأي العام الذي يغير مسار الانتخابات، أمّا في المجتمعات المتعددة وغير المتجانسة فإن الأقلية الإثنية أو الطائفية أو اللغوية محكوم عليها سياسياً بالبقاء أقلية وبالعزل، ولا يمكنها الاعتماد إلا على نمو ديمغرافي متسارع. 

وبغضّ النظر عن هذا التباين السياسي والفكري في النظرة إلى "النظام التوافقي اللبناني" الذي لا يبدو أنّ هناك ميلاً لتغييره في لبنان في الوقت الراهن، فإنّه من المهم النظر إلى الدساتير بصيغة متحركة لا جامدة، يجب أن تكون –دائماً- تعبيراً عن حاجات المجتمع ونموه وتطوره في زمن معين، ويجب أن تعكس ضرورات استمرارية العملية السياسية وتأمين المخارج الضرورية درءاً للتعطيل، مع ضرورة تأمين الأدنى المطلوب من الوحدة والتوازن، ومن العدالة والكرامة، والحرية والديمقراطية، للجميع وبين الجميع. 

في النتيجة، فإنّه وبعد كل أزمات الحكم التي حصلت في لبنان، وبعد كل التعطيل الذي أدخل لبنان في أزمات مستعصية الحل بدون تدخل خارجي، فإنّ وضع "دستور الطائف" بمنزلة الدستور المنزّل غير القابل للتطوير أو للتعديل، لا يبدو منطقياً، فلقد وُجد القانون والنظم السياسية لخدمة الإنسان والمجتمع وليس الإنسان والمجتمع لخدمة النظام.


تعديل الدستور اللبناني: لا إرادة ولا موازين القوى تسمح

أقام السفير السعودي في لبنان مؤتمراً في قصر الأونيسكو في بيروت، بمناسبة مرور 33 عاماً على إبرام اتفاق الطائف، معتبراً خلالها أن البديل عن إتفاق الطائف هو "الفوضى والمجهول"، ومؤكدًا أن "فرنسا أكدت لنا من خلال اللقاءات مع الرئيس ايمانويل ماكرون أنّه لن يكون هناك أيّ نية أو طرح لحوار وطني لتغيير اتفاق الطائف".

بغض النظر عن هوية القائل وصفة المنقول عنه، لا يجب أن يغيب عن الذهن أن إتفاق الطائف هو إتفاق بين اللبنانيين برعاية دولية (أميركية- سعودية- سورية)، أدّى الى تعديل الدستور اللبناني ليعكس موازين القوى القائمة في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، فأعاد توزيع الحصص الطائفية في الدولة ووزعها على الطوائف بحسب تسوية دولية أدّت الى "غالب" يحظى بالحصة الأكبر من الصلاحيات، و"مغلوب" يُنزع منه صلاحيات كان يملكها.

 

الأكيد أن الدعوة الى مؤتمر الاونيسكو، تأتي في ظل تطورات كبيرة شهدها لبنان والمنطقة، حيث تبدلت فيها موازين القوى السياسية والاقليمية مرات عدّة وتبدلت التحالفات، ويمكن لفت النظر الى ما يلي:

 

أ‌-     بعد التطورات المحلية والاقليمية، تشعر بعض الفئات اللبنانية ذات الامتداد السياسي والديني العربي، أنها باتت أضعف مما كانت عليه في مطلع التسعينات من القرن الماضي وبالتالي هي تتخوف من أن تقوم الفئات الأخرى باستغلال موازين القوة المتبدلة لتنتزع منها حصصاً مكرسة لها في النظام، كما فعلت هي في وقت سابق.


ب‌- أثبتت التجارب منذ عام 2005 ولغاية اليوم، أن الدستور اللبناني معطل، ومصمم ليحتاج الى وصي خارجي بشكل دائم والى تسويات خارجية تُخرج اللبنانيين من التعطيل والمراوحة، فلا مهلة لتشكيل الحكومة، ولا إمكانية العودة الى الشعب مصدر السلطات وإقامة إنتخابات مبكرة حين تتعطل الآليات الدستورية الخ... لذلك، فإن تعديله قد يكون ضرورة، لكن موازين القوى الحالية تجعل من بعض الفئات تخاف من أي تعديل قد يمسّ بها وبمكتسباتها في النظام.


ت‌- عملياً وواقعياً، لم يكن هنا توجه سياسي أو حديث – علني أقلّه – الى تعديل الدستور اللبناني.

علماً ان التعديل الدستوري يحتاج الى ثلثي مجلس النواب (أي 86 نائباً) وهي نسبة من المستحيل الحصول عليها في الفترة الراهنة بدون تسوية إقليمية كبرى تنسحب على الداخل اللبناني. هذا يعني أن التخويف من أن جهات لبنانية تسعى (بمفردها أو مع حلفائها)  الى تعديل الدستور والتخلي عن الطائف هو أمر غير واقعي، لا يتناسب مع الواقع القائم والتوازنات في المجلس النيابي الحالي.

 

في المحصلة، وفي زمن التحولات في المنطقة، ليس عيباً ولا محرماً القول والقبول بالتنوع الثقافي والتعدد الطائفي لا بل بات المطلوب الاعتراف بأن التنوع والتعدد هما ثروة انسانية ونوافذ حضارية على العالم، على حد تعبير الامام موسى الصدر. لكن، الالتزام بجمود النصوص الدستورية، بعد فترة من التعطيل السياسي، وبعد تجربة سنوات الازمات منذ عام 2005 ولغاية اليوم،  تبدو جزءًا من خوف على المكتسبات والنفوذ وليست بالضرورة مصلحة وطنية لبنانية.

2022/10/31

هل يكرر ريشي سوناك تجربة باراك أوباما؟

سابقة هي الأولى من نوعها، اختار حزب المحافظين في بريطانيا، البريطاني–الهندي الأصل ريشي سوناك ليكون رئيساً للحزب، وبالتالي رئيساً لمجلس وزراء بريطانيا، ما عده كثيرون "لحظة تقدمية" في السياسة البريطانية التقليدية التي عُرفت رئاسة الوزراء فيها بأنها للبريطانيين البيض حصراً.

لا شك في أن المهمة الملقاة على عاتق سوناك ليست سهلة بعد سلسلة من الإخفاقات الاقتصادية والسياسية التي امتدت منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مروراً بفترة حكم تيريزا ماي، فبوريس جونسون، وصولاً إلى ليز تراس التي انهار معها الجنيه الإسترليني وانهارت معها الأسواق المالية، ما دفعها إلى الاستقالة على الرغم من أيامها المعدودة في الحكم.

وإذا كان سوناك قد وصل على خلفية المأزق القيادي الذي وصل إليه حزب المحافظين البريطاني، فإن اللحظة التاريخية البريطانية تشبه إلى حدٍ بعيد اللحظة الأميركية التي أوصلت باراك أوباما إلى البيت الأبيض، وذلك على النحو التالي:

1-   المأزق السياسي الحزبي:

تعاني الأحزاب الغربية عموماً أزمة قيادية، تتراوح بين طبقة تقليدية "هرمة" تسيطر على مقدرات الحزب وتمنع تداول السلطة مع قيادات شابة، وقيادات شعبوية تحاول اختصار الأحزاب بشخصها وتحويلها من مؤسسات حزبية إلى أحزاب-الشخص القائد الملهم.

في وقت سيطر فيه دونالد ترامب على الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية واختصره بشخصه وأقصى معارضيه، فإن الحزب الديمقراطي ينقسم إلى تيارات ثلاثة متصارعة: التيار التقليدي الأول بزعامة الرئيس الأسبق باراك أوباما وامتداداً إلى الرئيس جو بايدن، والتيار التقليدي الثاني بزعامة هيلاري وبيل كلينتون، في مقابل تيار ليبرالي تقدّمي بزعامة بيرني ساندرز

في المقابل، وصل سوناك إلى رئاسة حزب المحافظين، وورث حزباً منقسماً على خطوط عدة، تتراوح بين اليسار واليمين. الصعوبة الكبرى التي سيواجهها سوناك، مصدرها الجناح الشعبوي المؤيّد لجونسون، وهو أكثرها تطرّفاً في موضوع الخروج من الاتحاد الأوروبي، والذي يمكنه -إذا أراد جونسون- أن يُغرق سوناك ويطيحه بالتزامن مع الإضرابات العمالية المتوقعة هذا الشتاء.

2-   أزمة اقتصادية عالمية:

وصل أوباما إلى البيت الأبيض في ظل أزمة اقتصادية عالمية، بدأت في الولايات المتحدة وامتدت إلى أنحاء العالم، وعُدّت الأسوأ على الإطلاق منذ زمن الكساد الكبير عام 1929. بدأت الأزمة بما سمّي أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة وامتدت إلى المصارف الأميركية، التي انهار منها 19 مصرفاً عام 2008.

وبالمشهد نفسه تقريباً، يصل سوناك إلى رئاسة مجلس الوزراء في المملكة المتحدة، في ظل تنبّؤات بركود اقتصادي عميق وارتفاع في أسعار الكهرباء والطاقة والتضخم، وأزمات اقتصادية متوقعة ترتبط بأزمة جائحة كورونا والحرب الدائرة في أوكرانيا والعقوبات التي فرضها الغرب على روسيا.

في عام 2008، استطاع أوباما أن يقنع غالبية الناخبين الأميركيين، بأنه أكثر المرشحين تأهيلاً لقيادة البلاد في الأوقات الاقتصادية المضطربة فاختاروه وخسر "بطل الحرب" جون ماكين، واليوم احتاج حزب المحافظين إلى شخصية اقتصادية تستطيع أن تعطي "أملاً" بإمكانية خروج الاقتصاد البريطاني من كبوته العميقة وتُخفّف الضغوط الشعبية عن الحزب، فكان ريشي سوناك، وزير الخزانة الأسبق المتمرّس في سوق المال والأعمال.

3-   تعثّر الإمبراطورية:

ورث أوباما عن سلفه جورج بوش الابن، دولة منخرطة في حربين مكلفتين في الشرق الأوسط، وأصواتاً شعبية في الداخل تطالب بعودة الجنود الأميركيين إلى منازلهم، وكثيراً من الانتقادات الداخلية والخارجية لسياسة القوة الصلبة التي أضرّت بصورة الولايات المتحدة في الخارج.

وبالطريقة نفسها، كان أداء حزب المحافظين سيئاً في معالجة الأزمات التي استجدت بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كان التصويت الإيجابي على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016 العامل الرئيس في زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي في بريطانيا.

 كما جورج بوش والمحافظين الجدد الذين انخرطوا في حروب خارجية في الشرق الأوسط من دون رؤية واضحة للمستقبل، لم يكن هناك رؤية واضحة لدى حزب المحافظين تجاه ما يعنيه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فغرقت تيريزا ماي وبوريس جونسون في المشكلات والتحديات، وكانت رئاسة ليز تراس لمجلس الوزراء الأقصر على الإطلاق بعد سلسلة من المشكلات التي تسبّبت بها بنفسها وقلة خبرتها.

وفي النتيجة، ومع أن الظروف الموضوعية والحزبية الداخلية هي التي أملت هذه "الثورة" التغييرية داخل الولايات المتحدة وبريطانيا، لكن تجربة باراك أوباما على الصعيد الاجتماعي–السياسي الداخلي لم تكن مشجعة فقد ساهمت في تعميق الانقسامات وزادت القلق على الهوية الحضارية لدى الطبقات البيضاء، بالتزامن مع مشكلات اقتصادية أضرّت بالطبقات المتوسطة

لقد أدّت الأزمة الاقتصادية العالمية، وتراجع مستوى معيشة الطبقات المتوسطة البيضاء، ووصول شخص من ذوي البشرة السوداء، أي باراك أوباما إلى البيت الأبيض للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، إلى زيادة حدّة الانقسامات وارتفاع نسبة التأييد لأشخاص أمثال دونالد ترامب ومارغوري غرين المتطرفة وغيرهم، لذا يحتاج ريشي سوناك في المملكة المتحدة إلى المزايدة في التطرف ليوازي الشعبوية التي يتمتع بها بوريس جونسون، وهذا سيجعل المشكلات البريطانية تتفاقم ربطاً بالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية المرتقبة وصعوبة الملفات الشائكة كملف إيرلندا الشمالية والاتفاق على آليات الخروج من الاتحاد الأوروبي.