2015/02/26

ماذا بعد إبادة الأشوريين؟

د. ليلى نقولا الرحباني
يومًا بعد يوم، تتكشف المآسي التي تحلّ بالمسيحيين في المشرق العربي، وآخرها المجزرة التي ارتكبها تنظيم "داعش" الإرهابي بالأشوريين في شرق سوريا، بدخوله الى الحسكة وقتله العشرات من أبنائها، واعتقال النساء والأطفال وحرق الكنائس. لقد صمد الأشوريون في الحسكة بالرغم من كل ما جرى حولهم والمخاطر التي تهددتهم، ولعل مصيرهم اليوم والأخطار التي تحدق بهم، لا تختلف كثيرًا عن الأخطار التي تحدق بباقي السوريين والعراقيين، وخصوصاً المسيحيين منهم.

من خلال متابعة الأحداث الجارية في كل من سوريا والعراق، وغزوات "داعش" المتكررة، يُلاحظ أن هناك ترابطًا عضويًا وأساسيًا بين الغزوات التي يقوم بها "داعش"، والتغاضي من قبل التحالف الدولي عن حماية الأقليات في المنطقة، أو التحسب مسبقًا لإبعاد خطر "داعش" ومنعه من شنّ المزيد من الهجمات على المدنيين.

وقد يكون الأخطر بالنسبة للأشوريين ولمسيحيي العراق وسوريا بالتحديد، ما ذكرته مجلة التايمز منذ أيام عن أن الأشوريين في العراق يخططون لحكم ذاتي في نينوى بعد استعادتها من قبل التحالف، وأن هناك نحو ألف جندي مسيحي آشوري يجرى تدريبهم من قبل متعاقدين أمنيين أميركيين في قاعدة عسكرية في العراق يمولها الآشوريون المقيمون في الولايات المتحدة وأوروبا، ليصلوا في النهاية الى تأسيس دولة صغيرة ذات حكم ذاتي تضم الآشوريين وغيرهم من الأقليات.

إن ما ذكرته الصحيفة - إن كان حقيقيًا- يبدو من أخطر ما يُحضّر للمسيحيين وللأقليات الأشورية فيها، إذ أنه "وصفة جاهزة" لطرد ما تبقى من المسيحيين من المنطقة، أو على الأقل إغراقهم في أتون الأوهام المدمرة التي ستقضي عليهم قبل أن تصل الى تفتيت المنطقة  وتهجير من تبقى من المسيحيين فيها.

لقد تبين واضحًا من خلال كل ما جرى، والنفاق الغربي في التعامل مع المسيحيين العراقيين والسوريين وقبلهم اللبنانيين، إن تهجير المسيحيين من المنطقة، ليس مجرد تفكير يطرأ على فكر صانع السياسات الغربي، بل إنه جزء أساسي من خططه المعدّة للمنطقة. ها هم الفرنسيون الذين رحبوا بالمسيحيين العراقيين المقتلعين من أرضهم، لم يستقبلوا أكثر من 700 عراقي من حملة الشهادات العالية، وأصحاب رؤوس الأموال فقط، والتحالف الدولي الذي يُعلن أنه يقاتل داعش ترك القرى المسيحية في شرق سوريا لمصيرها أمس، ولم يكن بإمكان "داعش" الدخول الى القرى المسيحية بهذه الطريقة لو لم يكن هناك قبول تركي، وتغاضٍ دولي من قبل قوى التحالف التي أعلنت أنها قصفت تنظيم "داعش" داخل القرى المسيحية في الحسكة بعدما أحتلها!.

ثم إن مَن يطّلع على الكتاب الصادر عن أحد مفكّري القاعدة عبدالله بن محمد بعنوان "المذكرة الاستراتيجية" - والذي يبدو أنه من أحد عملاء الاستخبارات الغربية- والذي يتحدث فيه بصراحة عن تخطيط لـ "فوضى عارمة" في المنطقة، و"تهجير الأقليات المعادية"، معتبرًا أنه "من مبدأ تأمين قلب الدولة وجب علينا أن نعمل على تهجير الأقليات الدينية من تلك المنطقة وجعل الشام ثاني منطقة محظورة على غير المسلمين بعد جزيرة العرب"، ويستطرد قائلاً: "لذلك أرى أنه من الواجب علينا بعد أو قبل إعلان دولة الخلافة بحسب الظرف أن نعمل على طرد اليهود وتهجير النصارى والدروز والنصيرية والبهائية بالإضافة إلى الشيعة وعبدة الشيطان وغيرهم". ويوضح بالقول: "بعبارة أوضح أقول أن أفضل سياسة للتعامل مع ملف الأقليات وما يحمله من مخاطر هو بفرض واقع جديد خال من تلك الأقليات".

في المحصلة، لا بد أن يعي المسيحيون، إن الإبادة التي تحصل لإخوانهم في العراق وسوريا، لا يمكن دفعها بالسير في المخططات الغربية المشبوهة التفتيتية للمنطقة، ولا بركوب حبل الأوهام القاتل الذي ركبه بعض اللبنانيين في الحرب والتف على أعناقهم وأعدمهم وأقصاهم من المشاركة الفعلية بالقرار. لذا بات على المسيحيين اليوم، وبجدية تامّة:

1- الوعي بخطورة ما يجري حولهم، والترفّع عن الصغائر والمصالح الضيقة.

2- التأكد أن لا أمن ذاتياً يحميهم، بل أن ما يحميهم هو الانخراط مع أقرانهم في القتال، ودعم كل من الجيش اللبناني، والجيوش العراقية والسورية والمصرية.

3- الاتعاظ من الماضي والتجارب مع الغرب، وعدم الوثوق بهم مجددًا، فلو اتكّل عليهم مسيحيو سوريا ومسيحيو لبنان قبلهم، لكانوا الآن في صقيع كندا ينوحون.

4- المقاومة ثم المقاومة ثم المقاومة، فحمل السلاح بات واجبًا على العراقيين والسوريين المسيحيين والمسلمين معًا يدًا بيد، فهم أبناء هذه الأرض وأهلها، ومن لا يدافع عن أرضه وعرضه ومن لا يتكيف مع التطورات، مصيره الانقراض حتمًا.

2015/02/19

التدخل المصري في ليبيا....فخ أو مهمة دولية؟


د. ليلى نقولا الرحباني
تضجّ أروقة الأمم المتحدة والصحافة العربية والدولية بالحديث عن إمكانية التدخُّل العسكري المصري في ليبيا، ودعوة المشير عبد الفتاح السيسي إلى استصدار قرار من مجلس الأمن لتشكيل تحالف دولي لمحاربة الإرهاب في ليبيا.

يتداخل الخطر الإرهابي "القاعدي" في ليبيا مع الخطر الذي تستشعره القاهرة من سيطرة "الإخوان المسلمين" في ليبيا على جزء كبير من البلاد واقتسامها مع قوات حفتر، الذي يحظى باعتراف دولي. وبالرغم من قول البعض إن الروايات التي تحدثت عن تشكيل ما يسمى "الجيش المصري الحر" في ليبيا - تيمُّناً بـ"الجيش السوري الحر" الذي قوّض الاستقرار في سورية - هي مجرد روايات لا صحة لها، لكن قيام المقاتلات المصرية بقصف درنة الليبية، كردّ انتقامي على قتل المصريين على يد "داعش" يشير إلى أن مصر تعتبر درنة بالتحديد مصدراً لتهديد أمنها القومي، سواء مَن يتواجد فيها من الإرهابيين هم "داعش" أو "الجيش المصري الحر".

بكل الأحوال، يبدو الطلب المصري باستصدار قرار من مجلس الأمن للتدخل في ليبيا قراراً حكيماً يشير إلى أن مصر تدرك الأخطار الناجمة عن تدخل عسكري منفرد في الأتون الليبي الملتهب، كما تدرك أنها لن تكون في نزهة في تدخلها العسكري، لأسباب عدّة أهمها:

أولاً: قد يكون التوريط المصري في ليبيا حاجة أميركية لمعاقبة الرئيس المصري على انفتاحه على روسيا، ويمكن أن يكون ذبح الأقباط ردّ سريع على زيارة بوتين إلى القاهرة، أو يهدف إلى تقويض استقرار القاهرة لإفشال المؤتمر الاقتصادي الذي سينعقد في شرم الشيخ من 13 حتى 15 آذار المقبل.

ثانياً: عدم تخلّي الغرب وأميركا بشكل نهائي عن "الإخوان المسلمين"، فعدم استصدار قرار واضح من مجلس الأمن بتشريع التدخل في ليبيا يعني أن الولايات المتحدة تعتبر التعامل مع "داعش" في ليبيا مختلف عنه في العراق، وهذا يجب أن يكبح الرغبة المصرية بالتدخل العسكري، لئلا يكون الذبح فخاً لمصر للغرق في ليبيا.

ثالثاً: لأول مرة منذ الثورة تواجه مصر أخطاراً متزايدة، وتحيط بها التهديدات من محاور عدّة؛ منها ما هو ظاهر للعيان، والبعض الآخر قد يظهر في المستقبل القريب أو المتوسط:

1-      على جبهة سيناء، يواجه الجيش المصري تهديدات إرهابية متواصلة، وتمثّل جماعة "أنصار بيت المقدس" التي أعلنت الولاء لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) تهديداً كبيراً للدولة المصرية.

2-      على الجبهة الداخلية، إن تبنّي "الإخوان" للعنف كوسيلة للعودة إلى السلطة، والتصدي لما سمّوه "الانقلاب"، يدفع مصر إلى مستوى غير مسبوق من الأخطار، وتفشّي الإرهاب، والضغط على الشرطة والجيش في معركة داخلية لاجتثاث الإرهاب.

3-      من ناحية السودان، فبالرغم من قيام البشير بزيارة للقاهرة، والاجتماع بالمشير عبد الفتاح السيسي، والاتفاق على تهدئة الأجواء المتشنجة بين البلدين منذ الإطاحة بمحمد مرسي "الإخواني"، وهي ذات مرجعية الحكم الإسلامي في السودان، لكن تبقى الحدود السودانية عامل قلق للمصريين، بسبب النزاع التاريخي على منطقة حلايب الغنية بالنفط، والتدخل الذي يقوم به البلدان بدعم المعارضة في البلد الآخر، فضلاً عن ملفي ليبيا وسد النهضة الأثيوبي، الذي استدرك السيسي تداعياته بعدما كان مرسي قد هدد بقصفه فيما لو استمرت أثيوبيا ببنائه.

4-      من ناحية البحر الأحمر، لقد عبّر المصريون صراحة أن سيطرة الحوثيين على باب المندب يعني تهديد الأمن القومي المصري، وتهديد الملاحة في البحر، وهذا قد يدفعهم إلى التدخل العسكري المباشر.

5-      على الجبهة الليبية، وبالرغم من أن الخطر الأمني قد ظهر واضحاً للعيان بعد الجريمة البشعة التي ارتكبها "داعش" بقتل 21 قبطياً مصرياً، فإن الأخطار المتأتية من الجانب الليبي ليست جديدة، وما انفك السلاح يدخل إلى مصر من الحدود الليبية منذ ثورة يناير 2011 ولغاية اليوم، كما أنها ليست المرة الأولى التي يتمّ فيها تهديد أو خطف أو قتل أقباط في ليبيا.

انطلاقاً مما تقدّم، هذه المحاذير يجب أن تدفع صاحب القرار المصري للتروّي في اتخاذ قرار التدخل العسكري أو عدمه، فالتدخل المصري يجب ألا يتمّ إلا كجزء من تحالف دولي أوسع لمكافحة الإرهاب في ليبيا فقط. إن التدخل المصري بهذه الشروط يعطي مصر دوراً إقليمياً في شمال أفريقيا، ويعطيها نفوذاً أوسع، خصوصاً أن مصر تقترب من تصدّر دور إقليمي في المشرق العربي، وفي القضية السورية على الأخص، وقد يكون المعبّر عنه الرسالة الإيجابية التي أرسلها السيد حسن نصرالله إلى مصر وشعبها، ما يعني أن دوراً مصرياً في الحل السياسي السوري سيكون مصدر ترحيب من محور المقاومة.

2015/02/12

هل كرّس بوتين دورًا لمصر في سوريا؟


مقال الخميس 12/ شباط/ 2015
د. ليلى نقولا الرحباني
ليست الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مصر، ليست تفصيلاً في مسار التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، فمصر التي كانت في كل تاريخها دولة عربية محورية؛ لها نفوذها وقوتها وقدرتها على التأثير في دول عربية عدّة، لن تكون خارج أجندة الروس، الذين دخلوا إلى السياسة الشرق أوسطية من بابها العريض بعد الحرب في سورية.
تتزامن هذه الزيارة مع تطورات عدّة يحتاج فيها كل من البلدين إلى توسيع آفاق العمل السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، وأهمها ملفّا الاقتصاد والإرهاب.
على الصعيد الاقتصادي، تحاول كل من روسيا ومصر الخروج من الأزمات الاقتصادية المتراكمة، فروسيا التي فرض الغرب عليها عقوبات أرهقت الاقتصاد الروسي وأدّت إلى تراجع الروبل بشكل غير مسبوق، تحاول تأمين بدائل ممكنة لتأمين بيع الغاز الروسي، وعقد شراكات اقتصادية مع غير الأوروبيين، بينما تسعى مصر بقوة إلى جذب مزيد من الاستثمارات العربية والدولية، من خلال المؤتمر الاقتصادي المزمع عقده في آذار المقبل، كما تطمح إلى الاستفادة من الأسواق الروسية، خصوصاً بعدما فرضت روسيا حظراً على المنتجات الغذائية الأوروبية.
وهكذا، يبدو أن الاقتصاد سيكون فاتحة علاقات ممتازة، حيث يريد الروس توسيع مروحة الشركاء الاقتصاديين، للوصول إلى الاستقلال عن الشركاء الأوروبيين، الذين يحاولون عزل روسيا وتحويلها إلى مجرد "دولة إقليمية" كما صرّح الرئيس باراك أوباما، بينما يسعى المصريون أيضاً إلى التفلُّت من الضغوط الغربية عليهم بعد إطاحة الرئيس محمد مرسي "الإخواني".
وبعكس زيارة بوتين لتركيا في كانون الأول الماضي، وحيث لم يكن من المتوقع منها أن تخرج بأي تفاهم إيجابي خارج إطار الاقتصاد، فإن العلاقة مع مصر يمكن أن تدفع إلى دور مصري إقليمي أكبر، يؤدي إلى دور إيجابي في قضايا الشرق الأوسط، ومنها الأزمة السورية.
يدرك الروس تماماً أن المبادرة التي يقومون بها لجمع المعارضة السورية مع ممثلين عن الحكومة السورية، لن تؤدي إلى شيء إذا لم تقم دولة إقليمية "سُنيّة" موازية بملاقاة هذا التوجُّه التسووي، والضغط على المعارضة للقبول بصيغة حلّ مقبول للطرفين. كما يدرك الجميع أن إمكانية كل من السعودية أو تركيا أو قطر أو الأردن للعب مثل هذا الدور، هو في حدود المستحيل، بسبب مشاركتهم المباشرة في سفك دم السوريين، وبسبب الصراع السُّني - السُّني الذي يجعل من أي مبادرة تقوم بها أي من الدول تلك مرفوضاً من قبل مموّلي وداعمي "المعارضة السورية" الآخرين. لذلك، تبدو مصر مؤهَّلة للعب مثل هذا الدور الإقليمي، والذي سيكون مقبولاً دولياً أيضاً لأسباب عدّة، أهمها:
1- حاجة الغرب والأميركيين لإبقاء مصر دولة قوية وفاعلة، وذلك لاحتواء الأزمة الليبية التي لو امتدت إلى مصر لانفجرت أفريقيا برمّتها. كما يطغى على العقل الأميركي حاجة وجود مصر كدولة مستقرة على حدود "إسرائيل"، لما لعدم الاستقرار من مخاطر هائلة على الكيان "الإسرائيلي" ووجود "إسرائيل" برمّته.
2- حاجة الروس إلى وسيط فاعل ومقبول، يحظى بثقة "المعارضة السورية" ويدفعها إلى تقديم الحل السلمي على الخيار العسكري، وهو دور بإمكان مصر - بصفتها حليفة للخليجيين - القيام به، علماً أن البلدين يتشاركان في العداء للإسلام السياسي، فالروس كانوا مبكراً قد أعلنوا "الإخوان" منظمة إرهابية منذ عام 2004.
3- يتشارك النظام السوري مع مصر - ما بعد ثورة 30 يونيو - العداء لـ"الإخوان المسلمين" بجميع فروعهم، وتعاني مصر كما سورية من الإرهاب الذي يريد تقويض استقرارها، لذلك فإن قيام مصر بمبادرة لتسهيل لقاء "المعارضة" والنظام السوريين لن يكون مرفوضاً من قبله، بالعكس؛ مجرد وقوف مصر على الحياد في القضية السورية سيحقق مكاسب للنظام السوري من حيث فكّ الحصار العربي الذي فُرض عليه بعد مؤتمرات "أصدقاء سورية" ودعوات الجامعة العربية لتدخُّل عسكري غربي لاحتلال سورية.
4- لن يعارض الإيرانيون قيام مصر بهذا الدور، فهم قد حاولوا مرات عدّة دفع أردوغان للقيام بهذا الأمر وفشلوا. وهكذا، يبدو من الأنسب لإيران أن يكون لمصر دور قيادي رائد في الدول العربية، كبديل عن دور سعودي بعد فشل المشروع "الإخواني" - التركي.
بكل الأحوال، وإلى أن تنضج ظروف الحل السياسي في سورية، سيحاول كل طرف على الأرض حسم المعركة العسكرية لصالحه، فما يحمله كل طرف إلى المفاوضات هو ببساطة ما يحققه العسكر على الأرض.

2015/02/05

الانتقام الإسرائيلي .. والخيارات المتاحة



د. ليلى نقولا الرحباني
إنه لبنان فقط، الذي شكّل - وما يزال - استثناءً في الصراع العربي مع "إسرائيل"؛ فمع استمرار المقاومة في الجنوب بعد توقيع اتفاق الطائف، وقدرة اللبنانيين على إجبار العدو على الانسحاب من أراضٍ عربية بالقوة لأول مرة من دون توقيع اتفاقية سلام أو استسلام، ودون تنازلات، كانت "إسرائيل" دائماً تضع نصب عينيها حاجتها لإخضاع اللبنانيين وإذلالهم عبر الحديد والنار، إلى أن كانت حرب تموز، ففرض اللبنانيون بدمائهم "معادلة الردع" المتقابل لأول مرة في تاريخ الصراع. أما الردع فهو يعني "محاولة طرف منع الطرف الآخر من القيام بعمل يرى فيه ضرراً له، أو على الأقل منعه من التفكير بالقيام بما يهدد له مصالحه أو مكانته"، ويرتكز على عنصرين حاسمين: الحرب النفسية، أي منع العدو من مجرد التفكير بالفعل، والثاني عسكري، وهو يرتكز على امتلاك القدرة على الردّ بالمثل، أو الانتقام وإيقاع الضرر.
منذ حرب تموز ولغاية مطلع عام 2015، ما انفك "الإسرائيليون" يحاولون إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، أي تثبيت الردع من جانب واحد؛ باستعادة الهيمنة والتفوق "الإسرائيلييْن"، إلى أن حصلت حادثة اغتيال قياديي حزب الله في القنيطرة، والرد الموجع الذي قام به "الحزب" في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة.
لقد أرست تلك العملية وما تبعها معاييرَ جديدة في الصراع العربي - "الإسرائيلي"، مفادها ما يلي:
1- إن انتقال المعادلة القائمة بين لبنان و"إسرائيل" من الردع بالتكافؤ، إلى الردع بالتفوق الكاسر للتوازن، يعني هذا لأول مرة أن الهيمنة "الإسرائيلية" على المنطقة باتت في خبر كان، وأن ردع "إسرائيل" عن العدوان على لبنان لن يكون فقط من خلال تهديدها بردٍّ مقابل، بل إن التفوُّق العسكري بات يعطي المقاومة قدرة على تهديد العدو بالذهاب إلى حرب وربحها، وتهديد "الكيان والأمن والاقتصاد الإسرائيلي"، كما صرّح السيد حسن نصرالله.
2- إن شعار المرحلة المقبلة "وحدة الساحات والميادين" لا تعني فقط أن أي اعتداء على أي مكوّن من محور المقاومة سيُرَدّ عليه في أي زمان ومكان فحسب، بل يعني أن الانتصار أيضاً سيوظَّف في الساحات والميادين الأخرى، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على أن باستطاعة اللبنانيين والسوريين استثمار هذا الانتصار في المعركة الدائرة في سورية اليوم عسكرياً ودبلوماسياً، كما الإيرانيين في مفاوضاتهم الإقليمية والدولية، وقد يمتد إلى إراحة الروس في حربهم الجديدة مع الغرب، خصوصاً أن رد المقاومة والتراجع "الإسرائيلي" أتى في وقت متزامن مع انتصار اليسار اليوناني في الانتخابات، وقيامه بكسر الإجماع الأوروبي المطلوب لإعادة فرض العقوبات على روسيا.
3- إن لجم "إسرائيل" بهذا المعنى، يعني التفرُّغ لقتال العدو التكفيري الذي يقاتل في الداخليْن اللبناني والسوري، فالصراع مع العدو "الإسرائيلي" يعني التخلص من أدواته التكفيرية التي تطرح شعارات "إسلاموية" للتغطية على عمالتها المفضوحة لـ"إسرائيل"، وكونها وكيل عن "إسرائيل" في هذا الصراع، وبهذا المعنى فإن الحرب التي يخوضها الجيش اللبناني مع الإرهابيين هي جزء لا يتجزأ من معادلة "جيش وشعب ومقاومة"، والتي أثبتت نجاعتها في قتال العدويْن التكفيري و"الإسرائيلي" معاً.
من هنا، فإن لبنان الذي كسر التوازن مع العدو "الإسرائيلي" وحقق التفوق، سيكون أمام رغبة "إسرائيلية" جامحة بالانتقام، وبما أن الانتقام المباشر بالحديد والنار غير متاح لـ"الإسرائيليين"، فماذا يمكن أن يكون في جعبة "الإسرائيلي"؟
أ- أن يكون الردّ على الإيرانيين بعرقلة الملف النووي، وهو أمر يدرك نتنياهو أنه صعب جداً، لحاجة الأميركيين إلى هذا التفاهم، أو عبر عملية عسكرية واسعة في سورية، وهو أمر لا يبدو أنه متاح للأدوات "الإسرائيلية" في سورية.
ب- أن يأتي الردّ العسكري بحرب على لبنان بعد انتهاء الانتخابات "الإسرائيلية"، وهذا أمر صعب، لأن الحرب دونها مخاطر كثيرة على "إسرائيل"، خصوصاً بعدم اليقين "الإسرائيلي" من الانتصار، في ظل تفوق المقاومة العسكري البرّي.
ج- أن يقوم العدو "الإسرائيلي" بتحريض أدواته الإرهابية التكفيرية لشنّ عمليات واسعة ضد الجيش اللبناني والمقاومة في لبنان، ومحاولة الوصول إلى القرى الشيعية أو المسيحية للانتقام والتفظيع، وهذا الخيار هو الأسهل بالنسبة لـ"الإسرائيليين"، حيث يتمّ استنزاف المقاومة بأدوات أخرى، وهو ما يجب أن يتحسب له اللبنانيون، فيعملوا على تحصين الجبهة الداخلية، وإمداد الجيش اللبناني بما يحتاجه من أسلحة وعتاد لجولة جديدة من المعارك قد تقترب كلما اقترب موعد الانتخابات "الإسرائيلية".