2017/10/25

هل انتقل صراع الاسلام السياسي إلى المغرب العربي؟



مع بدء موجة "الربيع العربي" وانفلات الوضع إلى الفوضى، شهد العالم العربي صراعاً جديداً يُضاف إلى صراعاته السابقة، فقد أضيف صراع الإسلام السياسي السنّي - السنّي، إلى صراع سابق كان قد تفجّر مع سقوط صدّام حسين واحتلال الأميركيين للعراق ومازال مُشتعلاً لغاية اليوم وهو الصراع السنّي الشيعي، وذلك للتعمية على الصراع الأساسي والذي بدأ مع قضْم فلسطين وهو الصراع المحوري: الصراع العربي الإسرائيلي.

 انفجار شاحنة مفخخة في العاصمنة الصومالية مقديشو
انفجار شاحنة مفخخة في العاصمنة الصومالية مقديشو
حاول الإسرائيليون لفترة طويلة، تحويل وجهة الصراع العربي الإسرائيلي وتحجيمه، لتحويله إلى مجرّد صراع على أرض بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فقاموا بمعاهدات سلام مع مصر والأردن، وعقدوا الاتفاقيات مع السلطة الفلسطينية، وحاولوا استمالة اللبنانيين للانخراط في السلام ففشلوا.

وبعدما شنّ الأميركيون حربهم على الإرهاب بعد 11 أيلول/ سبتمبر، وقاموا باحتلال أفغانستان والعراق، استفادت إيران من التطوّرات وتوسّع نفوذها في الشرق الأوسط، واستفادت من نصر حزب الله في حرب تموز عام 2006، بدّل الإسرائيليون استراتيجيتهم فأعلنوا في مؤتمر هرتسيليا عام 2008، وجوب العمل على تزكية الصراع السنّي الشيعي لمواجهة إيران وعزْل حماس وحزب الله وإسقاط سوريا، ثم عادوا وأكّدوا على ذلك في جميع توصيات مؤتمراتهم اللاحقة.

واللافت، أن صراعاً تفجّر عقب موجة الربيع العربي، تجلّى بمواجهة سياسية وعسكرية وأمنية ومالية واقتصادية، بين أجنحة الإسلام السياسي السنّي؛ فتواجه الأخوان المسلمون بقيادة تركيا ودعم قطري، والذين حاولوا قطف الربيع العربي للحلول في الحكم مكان حلفاء السعودية، مع الجناح الوهّابي - الخليجي، الذي دافع عن مُكتسباته التاريخية في المنطقة، فانتقل الصراع السياسي إلى مواجهة مفتوحة تارةً عبر المجموعات المسلّحة، وتحالف أحياناً بسبب تقاطع المصالح ضد إيران وحلفائها طوراً.

واليوم، وبعد توجّه الأحداث في الشرق الأوسط إلى نهاية تنظيم داعش وفي ما يبدو أنه مسار نحو التسوية في سوريا والعراق، تشي التطوّرات المُفجعة في مصر وقبلها في الصومال، أن صراع الإسلام السياسي قد يكون قد انتقل إلى المنطقة الجغرافية الأقرب إلى الشرق الأوسط، وأن الدول العربية في أفريقيا مرشّحة لتكون مقر الصراع المنتقل من الشرق الأوسط:

- في الصومال: هزّ انفجار شاحنة مُفخّخة العاصمة الصومالية مقديشو، في منتصف شهر تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، أدّى إلى مقتل 358 شخصاً وجرح العشرات في أسوأ كارثة إنسانية تهزّ هذا البلد الفقير منذ عام 2007 ولغاية اليوم. ولم تعلن "حركة الشباب" الإرهابية مسؤوليتها عن الحادث، وتشير المعلومات إلى عدم قدرة ذلك التنظيم الإرهابي على القيام بهكذا عملية.

وفي قراءة للأحداث التي حصلت في الصومال قبل ذلك التفجير وسلسلة التفجيرات المتنقّلة التي حصلت في مقديشو في الأسابيع التي تلته، أن قيادة الصومال الجديدة قد انخرطت طرفاً في الصراع، فقد رفضت الصومال قيام الإمارات بإنشاء قاعدة عسكرية في "صوماليلاند"، واعتبرتها خرقاً للقانون الدولي ولكنها بالمقابل دشّنت في أواخر سبتمبر الماضي، قاعدة عسكرية تركية، تعدّ ثاني أكبر قاعدة خارجية للجيش التركي في العالم.

وكان موقف الصومال لافتاً بخصوص الصراع الخليجي، فقد رفض الصومال قطْع علاقاته مع قطر وفَتَحَ أجواءه لها ولجأت طائرات تابعة للخطوط الجوية القطرية إلى استخدام المجال الجوي الصومالي لتجاوز العقوبات التي فرضتها دول عربية على الطيران القطري.

- أما في مصر، فإن حادثة الواحات الإرهابية التي أودت بحياة 16 ضابطاً من الأمن المصري جنوب غرب القاهرة، لا تشذّ عن قاعدة الصراع على السلطة الذي تفجّر بعد سقوط محمّد مرسي، وانتهاء حُكم الأخوان في مصر، فقد أعلنت حركة "حسم" مسؤوليتها عن الحادث، وهي منظمة تابعة للأخوان المسلمين، ظهرت في مصر في يناير 2014، وبحسب البيان الأول لها قالت إنها تهدف إلى استعادة روح وتنفيذ أهداف ثورة 25 يناير 2011، والقضاء على ما وصفته بـ" الانقلاب العسكري".

إذًا، في ظلّ التوجّه إلى إخماد الحريق المُشتعل في المشرق العربي، وتعذّر انتقال الحريق إلى الخليج بسبب الضغط الأميركي على الخليجيين لعدم الانفجار، يبدو أن إسرائيل ستستفيد من الحريق المنتقل إلى المغرب العربي، وستبدأ مأساة جديدة للعرب القاطنين في القارة الأفريقية، فالفوضى الأمنية وتسيّب الحدود الليبية قد تشعل المغرب العربي كما اشتعل المشرق في وقت سابق.

2017/10/18

هل تقع سوريا في الفخّ التركي مجدّداً؟



حسناً فعلت الخارجية السورية في بيانها الذي دعا القوات التركية إلى الخروج من الأراضي السورية فوراً، بعد دخول الجيش التركي إلى محافظة إدلب، بتنسيق وتعاون تام مع مجموعات المعارضة المسلحة السورية و"هيئة تحرير الشام" أو ما كان يُسمّى بـ "جبهة النصرة الإرهابية" سابقاً.

 يبدو الهدف التركي واضحاً من العملية العسكرية في إدلب هو وضع اليد على المنطقة السورية المحاذية للحدود
يبدو الهدف التركي واضحاً من العملية العسكرية في إدلب هو وضع اليد على المنطقة السورية المحاذية للحدود
وكانت محافظة إدلب المحاذية للحدود التركية، من أولى المحافظات التي سيطرت عليها المعارضة المسلحة وخرجت عن سيطرة الحكومة السورية، وهي المحافظة التي تمّ على مدى سنوات تجميع المسلحين فيها، من مجمل التوجّهات "المعتدلة" والإرهابية التكفيرية، ونُقل إليها عشرات آلاف السوريين المعارضين بموجب اتفاقات الهدنة والمصالحة، حتى باتت تعيش على صفيح ساخن يُنبئ بالانفجار في أيّ وقت.

ومؤخراً، انضمت إدلب إلى مناطق "خفض التوتر" خلال مؤتمر آستانة ، وكُلّف الجيش التركي بالانتشار ومواجهة المعترضين من المسلحين، وخاصة "جبهة النصرة" التي رفضت ظاهرياً دخول "الجيش الحر" إلى إدلب بدعم تركي، لكن سرعان ما تبيّن أن الجيش التركي قد دخل إلى المحافظة بالتنسيق والتعاون مع جبهة النصرة وأن المجموعة المصنّفة إرهابية قد سلّمت الأتراك مواقعها بشكل سلس.

من هنا، تبيّن للحكومة السورية والقوى الضامنة لاتفاقات خفض التوتر أي إيران وروسيا، أن أردوغان قد يكون قد نصب لهم فخاً في آستانة، وأن دخوله في عملية التسوية في آستانة لا يعود فقط لتحقيق مصالحه في منع تشكّل كانتون كردي على حدوده فحسب، وليس لرغبة صادقة منه بإنهاء ظاهرة الإرهاب في إدلب، بل يكون لهدف أكبر من ذلك بكثير.

تشي التطوّرات المُتسارعة على الأرض السورية، أن أردوغان بصدد إقامة المنطقة العازلة التي لطالما طالب حلفاءه في الناتو بدعمه لتحقيقها وفشل، فالتعاون والتنسيق جارِيان بين الجيش التركي والمجموعات المسلحة، ويقوم الأتراك بتسليم المقار الحكومية إلى ما يُسمّى "الحكومة السورية المؤقتة"، بالإضافة إلى عملية التتريك الممنهجة، والتي تذكّر بمحاولات الدولة العثمانية تتريك بلاد الشام. ناهيك عن وضع صوَر أردوغان في المرافق والمؤسسات الرسمية في المناطق التي سيطرت عليها تركيا ضمن عملية "درع الفرات"، بالإضافة إلى تعليم اللغة التركية في المدارس وغيرها.

إذاً، يبدو الهدف التركي واضحاً من العملية العسكرية في إدلب هو وضع اليد على المنطقة السورية المحاذية للحدود بعمق يتراوح بين 75 و100 كلم، وإقامة منطقة عازلة فيها يسيطر عليها الأتراك والمجموعات المسلحة المدعومة من قِبلهم، تمتد من باب الهوى إلى مدينة جرابلس غرب نهر الفرات، حتى مدينة الباب السورية الاستراتيجية، لتصبح في النهاية، وبحكم الواقع، جزءاً من الجغرافيا التركية، تماماً كما لواء الإسكندرون.

ولعلّ الخطورة الإضافية التي قد تعيشها سوريا مستقبلاً، هي إمكانية اقتطاع بعض الأقاليم والمحافظات بشكل دائم، فيحتفظ الأكراد - بدعم أميركي- على منطقة كبيرة من الشمال والشمال الشرقي السوري والذي يحتوي على كميات هائلة من النفط والغاز، وأن يتذرّع أردوغان بالكانتون الكردي للبقاء في المساحة الممتدة من الحدود التركية وصولاً الى إدلب، خاصة وأنه كان قد صرّح في وقت سابق بأن جيشه لن يخرج من الأراضي قبل القضاء على الإرهاب (الكردي) بشكل كامل.

والنتيجة، أن حلفاء الحكومة السورية قد يكونوا قد وقعوا بفخ الوثوق بأردوغان في آستانة، وحققوا له بالسياسة ما عجز عن تحقيقه بالحرب خلال سنوات ستّ من عمر الحرب السورية، وبات على الحكومة السورية الانتباه لئلا يتحوّل الانتشار التركي إلى احتلال دائم لجزء من الأراضي السورية، كما حصل مع قبرص التي يمنع التواجد التركي فيها إمكانية توحيد الجزيرة.

وعليه، بات على الحكومة السورية، التوجّه إلى حفظ حقّها في السيادة على كامل ترابها الاقليمي، وذلك عبر التوجّه إلى الأمم المتحدة لرفض العدوان التركي على سيادتها بالطرق القانونية وتثيبت حقها فيه، كما عليها التوجه بالتحذير لحلفائها، من مغبّة الوثوق بالنوايا التركية تجاه سوريا، فالمؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين، والسوريون الذين فتحوا أبواب المشرق لأردوغان عامي 2009- 2010، عادوا ودفعوا الثمن ابتداءً من العام 2011، وتعلّموا الدرس الأهم في العلاقات الدولية: لا تُبنى الدول وتُحفظ السيادة بالنوايا الطيّبة بل باكتساب القوة ولا شيء غير القوة.

2017/10/12

هل يخرج أردوغان من حلف الناتو؟


د. ليلى نقولا
تأزمت العلاقات الأميركية - التركية على خلفية قيام السفارة الأميركية فى تركيا بتعليق إصدار التأشيرات للأتراك غير المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأميركية، بعد اعتقال موظف تركي في القنصلية الأميركية لاتهامه أنه من أنصار فتح الله غولن، فردّ الأتراك بالمثل وقاموا بتعليق إصدار التأشيرات التركية للأميركيين.

وسابقاً، أصدر البنتاغون بياناً أعرب فيه عن قلقه من رغبة تركيا شراء صواريخ أس-400 من روسيا، وكان واضحاً أن الاتفاقيات التي وقّعها الرئيس بوتين في تركيا قد سببت الكثير من الغيظ الأميركي، باعتبار أن أهداف الرئيس بوتين الاقتصادية من التقارب مع تركيا قد تحققت، وأهمها مشروع خط أنابيب الطاقة (السيل التركي)، وهدفه تحويل أنابيب الطاقة الروسية عن أوكرانيا، واستمرار احتكار إمداد الغاز إلى أوروبا، وقطع الطريق على أنابيب أخرى كان الأوروبيون والأميركيون يودّون استخدامها لإمدادت الطاقة من آسيا الوسطى.

والجدير بالذكر أن العلاقات الأميركية - التركية كانت قد بدأت بالتوتر خلال الحرب على سورية ودعم الأميركيين للأكراد، ثم تزايدت بعد محاولة الانقلاب الفاشل للإطاحة بأردوغان. وفي وقت سابق، عانت العلاقات الاوروبية - التركية من مآزق عدّة على خلفية ملف الهجرة الجماعية للاجئين إلى أوروبا عبر تركيا، ثم ازدادت بعدما عنّف أردوغان المسؤولين الأوروبيين واتهمهم بدعم الإرهاب (الكردي).

ولعل استطلاعات الرأي في الداخل التركي، والتي قامت بها مراكز دراسات محترمة، تشي بتغيّر هام في نظرة الأتراك إلى الأخطار التي تتهدد بلادهم، وإلى نظرتهم إلى الاتحاد الأوروبي، وهي على الشكل الآتي:

1-   الولايات المتحدة هي الخطر الأكبر 66.5%، وتأتي "إسرائيل" بالدرجة الثانية 37.4%، وأوروبا في الدرجة الثالثة 24% (كانت 10.4% سنة 2016)، بينما تناقصت نسبة الخطر الروسي من 34.9% سنة 2016، إلى 18.5% هذه السنة.

2-   بالنسبة للموقف من الحرب في سورية: حوالى 50% اعتبروا أن تركيا يجب أن تكون محايدة ولا تتدخل في القضية السورية، وتقريباً 55% اعتبروا أنهم غير راضين عن سياسة استقبال اللاجئين السوريين.

وهكذا يبدو أن أردوغان يعاني من أزمة ثقة، وتوتر مع حلفائه في حلف شمالي الأطلسي، فهل يدفعه هذا الى التخلي عن الحلف لصالح الانضمام إلى حلف المقاومة؟

الأكيد أن هناك مصالح إيرانية - تركية مشتركة، وأن زيارة أردوغان لإيران كانت تاريخية واستثنائية بكافة المقاييس، خصوصاً في ظل الخطر الذي يستشعره الطرفان حيال انفصال كردستان العراق، والأكيد أيضاً أن هناك مصالح اقتصادية هامة تربط بين إيران وتركيا، وبين روسيا وتركيا.

لكن، بالرغم من ذلك، فإن أردوغان ما زال يحاول ممارسة سياسة حافة الهاوية مع حلفائه مع حلف "الناتو"، وإمساك العصا من الوسط مع حلف المقاومة، فهو يعتمد تأنيب حلفائه واستعمال اللغة التهديدية، بينما يقوم بالاتفاق مع كل من إيران وروسيا اقتصادياً ويسايرهم لفظياً، ثم يقوم بمواجهتهم في كل من سورية (خطابات ضد بشار الأسد)، وأوكرانيا التي أثار خطاب أردوغان فيها حول القرم استياءً روسياً كبيراً.

يدرك أردوغان جيداً قيمة بلاده الاستراتيجية، وأنه مهما فعل فإن كلاً من الحلفين يريد خطب ودّه، فبالنسبة لحلف "الناتو" لا حرب في المنطقة بدون أردوغان، وبالنسبة للروس مع حلف المقاومة، لا سلام ولا تسوية في سورية من دونه.

ويدرك كلٌّ من إيران وروسيا أهمية إبعاد تركيا عن أن تكون رأس حربة في السياسات الأميركية في كل من منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، لما لها من نفوذ في كلا المنطقتين، عبر "الإخوان المسلمين" والمجموعات التي تدعمها في الشرق الأوسط، وعبر الشعوب الناطقة باللغة التركية في آسيا الوسطى.

والنتيجة، إن المراهنة على التزام مطلق لأردوغان مع أي من الطرفين تبدو مراهنة سطحية، لأن أردوغان لن يتخلى عن حلف "الناتو" الذي يؤمّن له دعماً استراتيجياً وعسكرياً كبيراً، ولن يتخلى عن موسكو وطهران اللتين تربطه بهما علاقات اقتصادية هامة تحتاجها بلاده في ظل أزماتها الاقتصادية، كما أن مصالحه ضد الأكراد تتقاطع مع طهران التي ستدعمه في إجهاض الحلم الكردي بالاستقلال، وهذا ما لن يقدّمه له الأميركيون أو حلفاؤه في حلف "الناتو"، والأهم ألا يتصور السوريون أن دخول الأتراك إلى إدلب الذي يبدو لمصلحتهم اليوم، أنه قد يكون لمصلحتهم في الغد.

2017/10/03

أميركا - أردوغان: اللعب على حافة الهاوية


ليلى نقولا
تكلّلت زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى تركيا بنجاح اقتصادي واستراتيجي، خاصة أنها أتت في وقت تشهد فيه العلاقات الأميركية التركية توتراً غير مسبوق في ظلّ الدعم الذي يقدّمه الأميركيون للأكراد سواء في سوريا أو العراق.
منذ بداية ما يُسمّى "الربيع العربي"، انخرط الأتراك والأميركيون في مشروع سياسي، يقوم على تغيير شامل في الأنظمة الحاكِمة في المنطقة، على أن يكون "النموذج التركي" هو المثال حيث يتم التزاوج بين العلمانية والإسلام، أو ما أطلق عليه "الإسلام المودرن". في بداية تلك المرحلة ومع بدء عهد  أوباما، ازدهرت العلاقات التركية الأميركية خاصة بعدما قام الرئيس باراك أوباما بزيارة تركيا كأول زيارة خارجية له إلى دولة إسلامية بعد تولّيه منصبه.

ومع تعثّر المشروع وسقوط محمّد مرسي في مصر، وتراجع أوباما عن توجيه ضربة عسكرية للإطاحة بالنظام السوري على أثر حادثة الكيماوي، ساءت العلاقات بين أنقرة والولايات المتحدة حيث اتّهم أردوغان الغرب بالتخاذل، وعدم دعمه في فكرة إنشاء منطقة عازلة في سوريا.

في المقابل، بلغ الاستياء الأميركي أشدّه عام 2014 حين رفض أردوغان الدعوات الأميركية المتكرّرة للمساهمة  في عمليات التحالف الدولي ضدّ داعش. ثم عاد وقِبِل ذلك على مضض عام 2015، بعدما لجأ الأميركيون إلى الاستعانة بالأكراد لقتال داعش، وتوسّعت مهام التحالف الدولي إلى الداخل السوري.

وعلى أثر محاولة الانقلاب في تركيا، اتّهم أردوغان الاستخبارات الأميركية والغربية بمحاولة الإطاحة به، فأغلق قاعدة أنجرليك وقطع عنها الكهرباء،  وبدأت البروباغندا المُعادية للغرب والأميركيين تنتشر في المجتمع التركي. ومؤخّراً، أظهر استطلاع للرأي أجرته جامعة "قادر هاس" على عيّنة من ألف شخص  ونُشِر في تموز /يوليو 2017، أن المستطلعين يعتبرون الولايات المتحدة الخطر الأكبر على تركيا، بنسبة 66.5%، بينما كانت تلك النسبة 44.1% عام 2016.

وهكذا، يمكن القول أن الاختلاف بين الحليفين على السياسة في سوريا، دفع الأتراك إلى الانضمام إلى الترتيبات الروسية لمناطق خفْض التوتّر، بمقابل دعم أميركي مُطلَق للأكراد. أما في العراق، فيتّهم الأتراك الأميركيين بتشجيع البرزاني على رفع التحدّي بوجه حليفه رجب طيّب أردوغان والحكومة المركزية في بغداد. ويؤكّدون أن البرزاني لم يكن ليقوم بهذا التحدّي لولا حصوله على ضوء أخضر أميركي.

وهكذا، وإذا صحّ الاتّهام التركي للأميركيين، يكون الاستفتاء الكردي مجرّد نوع من الاستفزاز ومحاولة زرع عدم الاستقرار في كل من إيران وتركيا، لأن فكرة الاستقلال وتأسيس دولة بالقوة تبدو غير واقعية، لأسباب عدّة أهمها:

- أولاً؛ يُدرك الأميركيون جيّداً أن إنشاء دولة كردية قابلة للحياة أمر متعذّر، وذلك لأن الجغرافيا تلعب لغير صالح الأكراد. فدولة كردستان - العراق هي دولة داخلية مُغلقة تعيش في ظلّ محيط اقليمي معادٍ، لن يسمح لها بالحياة، فإن اتّفقت الدول المحيطة بالأكراد على حصارهم، لن يستطيعوا الصمود لوقت طويل.

- ثانياً، من ناحية القانون الدولي، تحتاج الدولة الكردية الوليدة إلى اعتراف الدول بها، كما تحتاج إلى موافقة أعضاء مجلس الأمن لكي تصبح عضواً في الأمم المتحدة، وعلى هذا الأساس، إن العديد من الدول سيحجم عن هذا الاعتراف لعدم تعكير صلاته بدول الجوار.

- ثالثاً، يعاني الأكراد طيلة تاريخهم من انقسام داخلي وتشرذم وتعدّد المرجعيات والأهداف، لذا من غير المُستبعَد أن يكون مصير دولة كردستان كمصير جنوب السودان التي ما إن استقلّت حتى دخلت في حرب أهلية طاحنة حوّلتها إلى دولة فاشلة.

- رابعاً، يمكن لكل من تركيا وإيران التذرّع بمحاربة الإرهاب للقيام بتدخّل عسكري في اقليم كردستان لإخضاعه، كما يمكن للأتراك التذرّع بحماية الأقلية التركمانية للتوسّع عسكرياً في الاقليم.

وهكذا، يبدو أن الأميركيين يحاولون دفْع أردوغان اليوم إلى مأزق اللعب على حافّة الهاوية، فهو لا يستطيع التخلّي عن حلفائه التقليديين والانسحاب من حلف الناتو لصالح الانخراط في حلف مع الروس بسبب إرث من التاريخ المُتناقض وعدم الثقة والاختلاف على سوريا، كما لا يمكنه التخلّي عن الروس الذين تربطهم به علاقات اقتصادية هامة، ويعدونه بتحويل تركيا إلى "محور الطاقة"، ويخشى في الوقت نفسه من أن يعمد الأميركي إلى تنفيذ سياسته بتقسيم المنطقة عبر تنفيذ دومينو انفصالي كردي يبدأ بالعراق ويمتد إلى إيران ولا ينتهي إلا بتقسيم تركيا نفسها.