2014/02/27

ما هي مصالح إسرائيل في معركة القلمون؟

د. ليلى نقولا الرحباني
بالرغم من التعيتم الاعلامي الذي فُرض على الغارة الجوية الاسرائيلية التي استهدفت مواقع على سلسلة جبال لبنان الشرقية على الحدود اللبنانية السورية، والتي كثر خلالها الحديث عن امكانية دخول اسرائيلي على خط المعارك الدائرة في يبرود السورية، التي ينتظر اللبنانيين نتيجتها أملاً في أن يكون سيطرة الدولة السورية عليها عاملاً يؤدي الى الحد من وصول سيارات مفخخة من الجانب السوري وتحديداً من يبرود الى الاراضي اللبنانية.
والدخول الاسرائيلي على خط المواجهات الدائرة في سوريا ليس جديدًا، فالكل يذكر كيف تدخل الطيران الاسرائيلي لقصف مواقع الجيش السوري وراداراته خلال معركة الهجوم على دمشق التي فشلت بالرغم من كل التحشيد والدعم الللوجستي الغربي والعربي والاسرائيلي.
وقد يكون الدعم الاسرائيلي للمعارضة السورية، متكاملاً مع السياسات التجريبية الأميركية، والتي باتت السمة الغالبة على سياستهم الخارجية بعد ما سمي "الربيع العربي"، والتي جعلت "الأخوان المسلمين" يتصدرون واجهة الحرب على سوريا، وما أن فشلوا حتى اقصوا واستعين ببندر بن سلطان الذي يُعرف في الاوساط الأميركية والغربية باسم "بندر بوش". ومع بندر تصدرت المجموعات الارهابية واجهة القتال في سوريا، وسيطرت على مناطق المعارضة، ومنها دير الزور والرقة التي يتبجح داعش بأنه يسيطر على مساحة "أكبر من الكويت". وفجأة استفاق الغربيون على خطر السياسة التي يقومون بها على مصالحهم في المنطقة وعليهم في بلدانهم، فاستبدلوا "بندر بوش" بالوزير السعودي محمد بن نايف، علّه ينقذ ما تبقى من خطة غربية - عربية باسقاط سوريا، ويقوم باحتواء العناصر الارهابية لتقوية ما يسميه الغرب "معارضة معتدلة".
وتنسحب السياسات التجريبية الأميركية على مناطق عدّة من العالم، وتترافق مع عدم قدرة على السيطرة على النتائج، فالربيع العربي الذي حاول الغرب استثماره انقلبت مفاعيله، ولا يبدو أن أحدًا من الأطراف قادرًا على السيطرة على التطورات في العالم العربي والتحكم بمسارها.
وكما في العالم العربي كذلك في اوروبا الشرقية، وبالرغم من أن الرئيس الاوكراني كان شخصا فاسدًا، ولم يكن شخصًا موثوقًا به حتى من قبل الروس، إلا أن ما حصل في اوكرانيا من انتشار القناصة على السطوح وقتل المتظاهرين والشرطة معًا، يشبه - الى حد التطابق- ما حصل في مصر خلال الثورة الاولى، ويشي بضلوع جهات خارجية في عملية الانقلاب التي حصلت إن في الشارع أو في البرلمان أو داخل الحزب الاوكراني الحاكم. لكن النشوة الغربية بسقوط الحكم في اوكرانيا، والنجاح الذي حققه الغربيون بإسقاط يانيكوفيتش، يترافق اليوم مع قلق اوروبي موازٍ من تقسيم اوكرانيا أو تحوّل اوكرانيا الى يوغسلافيا أخرى وسط مخاوف من انفجار عرقي مذهبي. ويخشى الاوروبيون من ردة فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فيتسابق كل من اوباما وميركل وهولاند الى الاتصال به للاطمئنان ومعرفة ردة فعله بدون جدوى، الأمر الذي يجعل المحللين الغربيين يتسابقون لمحاولة الإجابة على السؤال التالي" كيف سيردّ بوتين؟".
إن هذه النتائج وغيرها تشي بأن السياسات التجريبية الغربية، قد ترتد سلبًا على حلفائهم. وها هو الأردن التي يتحدث داعمو المعارضة السورية بأن جبهة جديدة حاسمة ستفتح من بوابته الجنوبية، غير بعيد من القلق من النتائج السورية على الداخل الأردني، وها هو الجيش الاردني يعلن عن إحباط عمليات تهريب كميات كبيرة جدًا من الأسلحة والذخائر والمتفجرات من سوريا الى الأردن، ويشير الى أن عمليات التهريب بين الاردن وسوريا تزايدت في الآونة الاخيرة بنسبة تصل الى 300%، مشيرًا الى أنه تمّ احباط محاولات تهريب 900 قطعة سلاح مختلفة الى الاردن في شهر كانون الأول وحده.
وهكذا، تتوهم اسرائيل أن بإمكانها تغذية التطرف والارهاب في المنطقة بدون أن تحترق بنيرانه، أو تصل شظاياه الى العمق الاسرائيلي الذي يُعرف بهشاشة جبهته الداخلية، علمًا ان سنوات ثلاث من الحرب على سوريا، بدأت تُظهر أن على جميع من شارك فيها من غربيين وعرب أن يقلق، فالمارد الارهابي الذي تمّ خلقه أو أخرج من القمقم لن يتوانى عن افتراس أهله ومدربيه وداعميه، وحينها ستتشابه ساحاتهم مع ساحات لبنان والعراق وسوريا، ولن يوفر الانتحاريون الحاقدون أطفالهم ولا أيتامهم ولا شبابهم أو عسكرييهم.

2014/02/23

السياسة الغربية في سوريا: ضد الأسد والارهاب معًا

د. ليلى نقولا الرحباني

يكثر الحديث في الصحافة الغربية، ومعها الكتّاب في الصحف الخلييجية، عن تغيّر في الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا، وإن الرئيس الأميركي باراك أوباما بات مستعدًا لتغيير سياسته في سوريا ومنها القيام بتدخل عسكري في الميدان السوري، يقولون أنه سيكون محدودًا ولن يزج بقوات أميركية في الميدان، بل يسوقون لفكرة الاعتماد على خيارات عسكرية مختلفة منها تقديم أسلحة للمعارضة السورية وفرض حظر جوي بأساليب غير تقليدية، وتسخين جبهة الأردن الجنوبية.
وبقياس مدى واقعية هذه التصريحات على أرض الواقع، يمكن القول أن القيام بإمداد المعارضة السورية بأسلحة، هو أمر لم يتوقف في أي لحظة منذ عسكرة الانتفاضة في سوريا، أما فكرة قيام حظر جوي فدونها عقبات كثيرة، ويبقى الأردن فهو القلِق الأكبر من هذه الخطط العسكرية التي تتحدث عن انخراطه أكثر في الحرب الدائرة في سوريا.
وقد يكون من الأوهام أن يتحدث أحد من الطرفين عن امكانية حسم الميدان لصالحه في وقت قريب، أو تخلي أحدهما عن الميدان، ولكن لا يمكن غض النظر عن التغييرات التي طرأت على سياسة المملكة العربية السعودية في ما يخص الارهاب، بانتقالها من سياسة الدعم الى سياسة الاحتواء، الى أن يأتي يوم للانخراط في الحرب العالمية على الارهاب، والتي قد لا تكون قريبة جدًا زمنيًا، لأنها تحتاج الى نضوج التسوية بين الأميركيين والروس حول تقاسم النفوذ في الشرق الاوسط، والتي ستنسحب انفراجًا على جميع الملفات في المنطقة، ومنها سوريا والعراق اللتان تشهدان ارهابًا لم يسبق له مثيل في المنطقة.
وتبدّل السياسة السعودية تجاه الارهاب، بانتقالها من الدعم الى الاحتواء، يبرز من خلال مؤشرات عدّة، أهمها:
- اقصاء بندر بن سلطان عن الملف السوري، وتعيين وزير الداخلية محمد بن نايف. ولمن لا يعرف من هو محمد بن نايف؛ هو الرأس المدبر لاستراتيجية مكافحة الارهاب في المملكة، والذي لطالما اعتبر ان الارهاب جريمة كبرى يجب التعامل معها بيد من حديد، وأسس لاستراتيجية هامة اعتمدها في مكافحة الارهاب والتأسيس للقضاء عليه من جذوره، اعتمدت على مراحل ثلاث: الاولى، الوقاية من خلال استخدام المشايخ للحض على نبذ الارهاب من خلال تفسير الدين الاسلامي، واعتماد العمل الاستخباري بشكل مكثف... الثانية، هي التعامل مع الارهابيين بحزم وقوة وشدة أمنية... أما الثالثة، فهي القيام بإعادة تأهيل للشباب المعتقل الذي يثبت ان الارهابيين قد استطاعوا التغرير بهم، حيث يتم إخضاعهم لدورات تعليمية تتضمن برامج شرعية ودعوية ونفسية واجتماعية وقانونية بهدف تخليصهم من الأفكار المتطرفة التي يحملونها، وبعد ذلك تقوم الجهات المعنية بالإفراج عن المتخرجين من الدورات ممن لم يتورطوا في قضايا التفجيرات بشكل مباشر.
ولقد نجحت استراتيجية محمد بن نايف لمكافحة الارهاب بشكل كبير في السعودية ، التي عانت من الارهاب التكفيري منذ عام 2003، لذلك قامت القاعدة بعدّة محاولات فاشلة لاغتيال الامير السعودي- يعتقد ان عددها أربعة- كان أهمها في آب من عام 2009، حين فجر انتحاري نفسه بقرب الأمير محمد بن نايف، الذي نجا من الاغتيال وأعلنت القاعدة مسؤوليتها عن هذه العملية.
- محاولات سعودية لخفض مستوى التشنج في المنطقة، مقابل سعي وانفتاح ايراني كان قد أعلن عنه الايرانيون في وقت سابق، وهذا الانخفاض سيؤمّن حتمًا انفراج في ساحات عدّة منها لبنان واليمن والبحرين. إلا أن الساحات العراقية والسورية، فمن الصعب أن تشهد تقاربًا اقليميًا في النظرة الى الحلول فيها، كونها مرتبطة بالتسوية الكبرى في المنطقة ومن ضمنها مكافحة الارهاب في المنطقة والذي يحتاج تحالف دولي اقليمي، لم تنضج ظروفه بعد.
انطلاقًا مما سبق، ان التهويل بتدخل عسكري أميركي مباشر في الحرب السورية الدائرة، لا يبدو منطقيًا، أما الحديث عن تدخل عسكري غير مباشر فهو لم يتوقف للحظة منذ بدء الحرب في سوريا. أما الحديث عن أن إمداد السعودية للمسلحين السوريين بالسلاح، لا يُظهر تغييرًا في السياسة السعودية حيال مكافحة الارهاب، فهو يتعامى عن حقيقة أن ليس كل المسلحين في سوريا هم من القاعدة وأخواتها، وهناك من المسلحين السوريين من لا يؤمنون بفكر القاعدة ولكنهم ضد النظام السوري. وبنظر المعكسر الغربي، إن ترميم ما قام به بندر بن سلطان من تقوية الجماعات المتطرفة على حساب "الجيش السوري الحر"، يحتاج الى إعادة هيكلة وفرز للمجموعات السورية، ودعم غير الراديكالي منها، وتقويتها على حساب جماعات داعش والنصرة، لكن المشكلة تمكن في السؤال: كيف يمكن للأميركيين وحلفائهم القيام بهذا الفرز، خاصة أن التقارير تشير الى أن "الجبهة الاسلامية" وغيرها قد لا تقل راديكالية وتطرفًا، وعلمًا ان الجيش السوري الحر قد صار جيوشًا قد لا ينفع معها كل السلاح والمال لتلتزم بقيادة موحدة.

2014/02/20

السعودية والمستقبل... من التصدّي الى الاحتواء

د. ليلى نقولا 
دخل لبنان مرحلة جديدة بتشكيل الحكومة، بطريقة فاجأت العديد من المواطنين، وجعلت الانتقادات قاسماً مشتركاً بين جمهور كل من "المستقبل" و"حزب الله"، وامتدت حتى جمهور "التيار الوطني الحر"، ولعل ما حصل في لبنان قد يكون نتيجة طبيعية لما يحصل في المنطقة من تطورات متسارعة، وأهمها ما يحصل على الصعيد الإقليمي من توجّه لتسويات قد لا تكون قد نضجت بشكل كامل بعد، ولكن هياكلها بدأت تتحضر، خصوصاً على صعيد استدراك المملكة العربية السعودية نفسها، وإدراكها حتمية الانخراط الإيجابي في التسوية الإقليمية، التي ستؤدي حتماً إلى "تحالف دولي وإقليمي ضد الإرهاب".
كيف حصل كل ذلك؟
بدءاً من العام 2007، بدأت مراكز التفكير الأميركية تتحدث عن تغيّر في الاستراتيجية الأميركية في "الحرب العالمية على الإرهاب"، لاسيما بعد فشل السياسيات الأميركية في العراق، ورغبة أميركية شديدة في الخروج من المستنقعين العراقي والأفغاني، وبدأ الحديث عن مقاربة مختلفة لمواجهة "التطرف الإسلامي"، وذلك باعتماد سياسة الاحتواء containment، بدل المواجهة، وأنه من الأفضل أن يتم الاحتواء عبر قوى إسلامية أخرى "معتدلة" تسيطر عليه، وقد تصل إلى القضاء عليه نهائياً.. وبما أن هذه العناصر المتطرفة موجودة في أماكن جغرافية منتشرة في أنحاء العالم، لا بد من اعتماد سياسة التجميع، أي السماح للعناصر الإرهابية المتطرفة بالتجمع في البلدان العربية، تمهيداً لاحتوائها والقضاء عليها، وهو ما حصل في ليبيا وسورية بالذات، التي شهدت تدفقاً غير مسبوق تاريخياً للعناصر "الجهادية" من كافة أرجاء العالم.

تحقق النجاح في الجزء الأول من المشروع، وتمّ تأمين جسر جوي مفتوح وتجميع "الجهاديين" في ساحة واحدة تمهيداً لاحتوائهم ثم القضاء عليهم، بينما لم يستطع "الإسلام السياسي" - المتمثل بـ"الإخوان المسلمين" بقيادة قطر وتركيا - أن يفي بالجزء المتعلق به من الاتفاق، وذلك بأن يحقق سيطرة تامّة على الأرض، وعلى الحكم في البلدان التي شهدت تغييرات ثورية، تؤهّله لعملية الاحتواء ثم القضاء على العناصر المتطرفة في مجتمعاته. وهكذا بات الغرب اليوم أمام مأزق حقيقي، فقد تمّ تجميع العناصر الإرهابية في منطقة جغرافية محاذية لأوروبا، التي تعيش قلقاً كبيراً من عودتهم أو إمكانية تغلغلهم لديها، وباتت المشكلة: مَن سيقوم بتحقيق الجزء الثاني من المشروع، أي القضاء على هذه الإرهاب التكفيري، بعدما فشل "الإسلام السياسي الإخواني" في الوفاء بوعوده، وسقط مشروعه الإمبراطوري المدعوم من الغرب في المنطقة ككل؟

بعد الوصول إلى هذا المأزق، حاولت إيران أن تدفع أردوغان لأن يلتف على سياسته السورية ويتعهد بالاستمرار بالقيام بهذا الدور بالتعاون مع بشار الأسد، وأن يحكم الأتراك العالم السُّني تحت مسمى هذه "الوظيفة الدولية"، لكن أردوغان كان أعجز من أن يلتف على سياسته السورية التي حرق فيها كل الجسور وكل إمكانية للعودة عنها، علماً أن التراجع قد يكلّفه مستقبله السياسي في الداخل.

أمام هذا الواقع، كانت السعودية أمام خيارين: القبول بالمهمة وحكم العالم الإسلامي بالشراكة مع إيران، أو اعتماد سياسة الرفض والتصدّي للتوجهات الأميركية، والتي كان من الممكن أن تؤدي إلى تغييرات داخل المملكة نفسها، وقد اختارت السعودية - كما يبدو - الخيار العقلاني الأنسب، أي المساهمة في الاحتواء، تمهيداً لانخراطها في المرحلة الثانية التي ستأتي بعد التسوية: المشاركة في الحملة الدولية على الإرهاب.

من هنا، وإن صحّ هذا التصور، ستكون المرحلة المقبلة إقليمياً هي مرحلة بدء تفاهمات سعودية - إيرانية، ستترجم نفسها في ساحات عدة، منها لبنان والبحرين واليمن، على أن تمتد إلى العراق وسورية في مرحلة لاحقة؛ حين ينضج التفاهم الروسي - الأميركي.

أما في لبنان فستكون مرحلة قيام "تيار المستقبل" باحتواء العناصر التكفيرية المتطرفة، ومحاربتها في بيئته وفي لبنان بشكل عام، ولـ"المستقبل" مصلحة مزدوَجة في ذلك: التخلص من العناصر الهدّامة التي لن تتوانى عن تكفير "المستقبليين" قبل غيرهم، والحدّ من نفوذها في بيئته على أبواب الانتخابات النيابية، والثانية أن يُظهر نفسه قادراً على السيطرة الفعلية وتخليص اللبنانيين من هذه الأخطار الأمنية، وإعادة تكريس نفسه ضمن معادلة "الاعتدال السُّني" الذي دفع اللبنانيون أثماناً باهظة نتيجة إقصائه عن الحكم بالطريقة التي حصلت سابقاً.

2014/02/13

أصدقاء ايران القدامي: هل انتهى دورنا؟


د. ليلى نقولا 

يومًا بعد يوم، يسيطر التفاؤل على المناخ الدولي في ما خصّ الاتفاق بين الدول الست وايران، ولعل ما يحاول أن يظهره الرئيس الايراني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف من انقطاع مع إرث محمود أحمدي نجاد يزيد هذا التفاؤل، ولكنه بات يُشكّل قلقًا لبعض الذين يدورون في الفلك الايراني أو الأصدقاء الذين يعتقدون أن على ايران أن تبقي سقفها المرتفع تجاه اسرائيل والغرب.
وقد يكون العديد من المؤشرات قد أوجبت هذا القلق، منها تشبيه المحللين الغربيين للرئيس روحاني بالرئيس السوفياتي السابق غورباتشوف الذي أدّت البرسترويكا" التي قام بها الى تفكك الاتحاد السوفياتي وانهياره، ثم التصريحات التي يدلي بها وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف في الخارج، مثل إدانة المحرقة اليهودية، بعد أن كان نجاد قد نفى وجودها سابقًا، ثم المطالبة بخروج جميع المسلحين غير السوريين من سوريا، وقد أشار البعض الى أن هذا يعني حزب الله أيضًا، ثم السابقة التي حصلت في مؤتمر ميونيخ حيث لم يغادر وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون القاعة حين القاء ظريف كلمته، فبادله ظريف الأمر.
وقد يشير بعض هؤلاء القلقين الى مباركة الايرانيين للمشروع الغربي السابق بتوكيل الأتراك على مساحة الساحة العربية والاسلامية السنّية، من خلال تنصيب حكام من "الأخوان المسلمين" على البلدان التي شهدت تغييرات ثورية، ومسارعة الايرانيين الى إطلاق توصيف "الصحوة الاسلامية" على ذلك المشروع. علمًا، أن هذا قد يشير الى أحد أمرين:
أ- أن يكون الايرانيون قد شعروا أن المشروع الغربي بتوكيل "الأخوان" بالسيطرة على المنطقة، هدفه احتواء ايران كقوة صاعدة ومحاصرة نفوذها الاقليمي، وإقامة توازن اقليمي بين دولة شيعية كبيرة ذات نفوذ اقليمي كبير وامبراطورية سنيّة كبرى تنافسها وتحدّ من طموحاتها،  فتحسّبوا له، وحاولوا احتوائه بدل تصدّيه، فأشادوا به كصحوة اسلامية في محاولة منهم لإطفاء النار المذهبية السنية الشيعية. لكن ما أن وصل المشروع الى درجة تهديد أمنهم القومي، بمحاولة اسقاط سوريا والمقاومة في لبنان والتهديد بالوصول الى إسقاط النظام الايراني بعد ذلك، حتى تصدّى الايرانيون له بدعم لا محدود للنظام السوري، ومساهمة حزب الله في إسقاط المشروع الإخواني الامبراطوري ميدانيًا في القصير.
ب- أن يكون الايرانيون مباركين للمشروع الغربي الذي يهدف الى ايصال "الأخوان المسلمين" الى الحكم والسيطرة على كامل مساحة العالم العربي وتقليص نفوذ الوهابيين، ما يفتح الباب لتعاون وثيق وتقاسم النفوذ في المنطقة، وحفظ مصالح بعضهما البعض. والإيرانيون، الذين يقيمون علاقات جيدة مع جماعات الأخوان كحماس والغنوشي وغيرهم، راهنوا على الاستفادة من إقصاء الوهابيين لصالح الأخوان في الدول التي يحصل فيها التغيير، علمًا أن علاقاتهم جيدة مع قطر وتركيا بعكس تلك المتوترة مع السعودية، والتي ازدادت توترًا بعد دخول الأميركيين الى المنطقة، واقصاء طالبان عن الحكم في أفغانستان وصدام حسين في العراق مما أتاح للقوى المدعومة ايرانيًا من الوصول الى السلطة في البلدين.
ولعل ما يعزز هذا الاعتقاد لدى البعض، هو وقوف الايرانيين الى جانب النظام الإخواني في مصر، حتى بعد سقوطه، والتدخل في شؤون مصر الداخلية بطريقة مستفزة من خلال إصدار بيانات تعبّر عن "القلق ومراقبة الوضع" المصري.
بكل الأحوال، لا يمكن لمراقب من الخارج، أن يجزم بصحة أي من الأمرين، ولا الجزم بالتوجهات الحقيقية للنظام الايراني الساعي للانفتاح على الغرب، وتبديل صورته الراديكالية السابقة، ولا بمدى التنازلات التي يمكن أن يقدمها في سبيل ذلك، وهل سيضحي ببعض أوراقه القديمة في سبيل ذلك التقارب؟.
الأكيد، أن على بعض مَن ارتضوا لعب دور "ورقة للتفاوض" أن يقلقوا، فالأوراق التي تنتهي صلاحيتها يتم رميها؛ فها هي راديكالية أحمدي نجاد قد أدّت دورها في خدمة النظام، وعندما انتهى عصر الراديكالية، وبدأ عصر الانفتاح، كانت ابتسامة روحاني وكلامه المعتدل الجذاب.
في المحصلة، إن قلق أصدقاء ايران من غورباتشيف ايراني، لا يبدو واقعيًا، فلا يمكن لروحاني ولا لسواه من رؤساء الجمهورية الاسلامية أن يسيطر على توجهات السياسة الايرانية الاستراتيجية، باعتبار أن كل السياسات يبقى لها سقف مضبوط عنوانه سيطرة "الولي الفقيه"، الذي يُعتبر المرجعية الأعلى والضامن للنظام، وضابط لسقف التباينات الداخلية. وهكذا، يبقى الجميع في خدمة المصلحة الايرانية العليا، ومَن يخشى تمرد روحاني على الولي الفقيه، يبدو أنه لا يعرف إيران أبدًا.


2014/02/09

السعودية: سياسة قلق تحتاج أجوبة مطمئنة

د. ليلى نقولا 

ما أن أعلنت السعودية أن الملك عبد الله بن عبد العزيز، قد أصدر أمرًا ملكيًا، بمعاقبة كل من يشارك في الأعمال القتالية خارج السعودية، أو ينتمي إلى الجماعات الدينية أو الفكرية المتطرفة، أو المصنّفة كمنظمات إرهابية داخليًا أو إقليميًا أو دوليًا، حتى أعلن البيت الأبيض في اليوم نفسه، عن زيارة مرتقبة سيقوم بها الرئيس الأميركي باراك اوباما الى الرياض في النصف الثاني من شهر آذار المقبل.
وتأتي زيارة اوباما، في وقت تعاني فيه العلاقات السعودية الأميركية تصدعات كبرى، بسبب تباين المواقف السعودية الأميركية، من ملفات عدّة في المنطقة، كالحرب على الارهاب في العراق، والملف السوري وأهمها على الاطلاق التقارب الأميركي الايراني، والاعتراف الرسمي الأميركي بالدور الايراني الاقليمي في المنطقة.
وقد يكون الأمر الملكي السعودي، هو تمهيد للزيارة، حيث تؤكد من خلاله السعودية أنها جزء لا يتجزأ من الحرب العالمية على الارهاب، وأنها لن تقبل بأن يطلق عليها في المحافل الدولية اسم دولة راعية للارهاب، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات دولية خطيرة عليها، خاصة بعدما تبين أن هناك ملفات عدّة وتقارير موثّقة تشير الى ضلوع أمراء سعوديين في تمويل المجموعات الارهابية، بل أكثر من ذلك، إذ تشير الى ضلوع بندر بن سلطان وغيره من الأمراء في استخدام هذه المنظمات لتنفيذ عمليات انتحارية في روسيا ولبنان والعراق وسوريا.
وهكذا قد تكون الزيارة الرئاسية الأميركية الى السعودية، مناسبة لتحديد أسس السياسة الأميركية في المنطقة، أو للاعلان عن توجهاتها بعد كل المخاض الذي سارته خلال الأعوام الثلاثة منذ بدء الأحداث في العالم العربي، أو ما أسمي "الربيع العربي"، الذي أدخل القاعدة الى سوريا، وشحن الصراع المذهبي في العراق، وأخلّ باستقرار لبنان. وستسعى كل من الرياض وواشنطن الى تحقيق أهداف عدّة من الزيارة، فواشنطن تريد انخراطًا سعوديًا ايجابيًا في القضايا الشرق أوسطية في ظل توجّه أميركي جدّي للتوجّه الى الشرق الأقصى، خاصة قضية الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي والحرب على الارهاب.
أما الرياض فتريد أن تحصل من الأميركيين على أجوبة مطمئنة حول سياستها المستقبلية في الخليج، والنفوذ الاقليمي لايران الذي من الممكن أن يتمدد أكثر فأكثر، خاصة في ظل توجّه العلاقات الأميركية الايرانية والاوروبية الايرانية، الى ما يشبه شهر العسل الاقتصادي والاستراتيجي. 
وقد يكون سعي الرياض الى هذه الأجوبة ضرورويًا وملحًا، كون السياسة التي اتبعتها السعودية بالاستدارة نحو اوروبا، وبالأخص فرنسا، لم تكن على قدر الآمال المتوقعة سعوديًا. فلقد قام الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، ببيع السعوديين مواقف اعلامية سياسية عالية النبرة تجاه ايران، وأظهر الفرنسيون تشددًا في موضوع الاتفاق النووي مع ايران، عشية زيارة هولاند الى السعودية الى أدّت الى العديد من الاتفاقات التجارية وبيع الأسلحة، لكن ما أن انتهت جولة "البيزنس" الفرنسي الرئاسية بتوقيع العقود، حتى هرول الفرنسيون الى ايران يساقبون الأميركيين والروس والاوروبيين على زيارة طهران للاستفادة من السوق الايراني الواعد اقتصاديًا.
ويعتبر حجم الوفد الفرنسي الذي زار ايران في الأسبوع الأول من شباط، الأضخم من الاتحاد الاوروبي الذي يزور طهران منذ اتفاق جنيف النووي، وقد ضمّ 166 ممثلاً عن 120 شركة فرنسية كبرى تعمل في قطاعات النفط والسيارات والصناعات الزراعية والبتروكيماويات والطيران والصناعات الطبية، وهو مأ ازعج الأميركيين الذين عبّروا بصراحة عن استيائهم، علمًا أن الأميركيين يتطلعون كغيرهم من الدول الكبرى الى توقيع عقود استثمار في الاقتصاد الايراني خاصة في مجال الطاقة.
وهكذا، يجد السعوديون أنفسهم اليوم، أمام محطة تاريخية مفصلية، تفرض عليهم الواقعية والتأقلم مع المتغيرات الدولية والاقليمية المستجدة التي لا يمكن التعامل معها بنفس السياسة القديمة المعتمدة، فما بعد سوريا ودخول الروس الى المنطقة ليس كما قبله، وتفشي الارهاب في المنطقة بشكل بات تهديده يتخطى عتبة الدول العربية ليصل الى اوروبا وروسيا، يفترض تغيير جذري في السياسات السعودية الرسمية المتثملة بغض النظر ودفن الرأس في الرمال. فهل تعلن السعودية انخراطًا جديًا في محاربة الارهاب ودخولها في الحلف الدولي لمكافحته بعد زيارة اوباما فيخفّ التشنج المذهبي في المنطقة، أما أن الأمر أبعد من قدرة العائلة المالكة السعودية باعتبار أن هذا يفترض تغيرات جذرية في الهيكلية البنيوية للحكم، وإقصاء وجوه لها نفوذها وتأثيراتها الداخلية؟ الجواب يبقى بانتظار آذار المقبل. 

2014/02/06

مسيحيو لبنان: لا ميثاق بلا "طاقة"

د. ليلى نقولا 
على وقع صيحات التكفير الآتية من كل حدب وصوب في العالم العربي، يعيش المسيحيون العرب ومعهم مسيحيو لبنان، القلق على المستقبل الآتي، والخوف من مصير مجهول يتهددهم ويحوّلهم الى مشردين في أصقاع الأرض، كما حصل مع مسيحيي العراق. وهنا تتجه الانظار الى مسيحيي لبنان، لرفع الصوت، باعتبارهم الأكثر قدرة على التعبير والتحرك، بما لهم من حصة وازنة في النظام، وبما للبنان من هامش حريات اعلامية وسياسية ودينية وغيرها.
وقد تكون الهواجس المسيحية مشروعة، إذا ما نظرنا الى الواقعين العراقي والسوري المترديين، والهجرة المنهجية لمسيحيي الشرق المستمرة منذ الاحتلال الأميركي للعراق. لكن لا بد من إدراج ملاحظات أساسية، قد يكون مسيحيو لبنان والشرق بحاجة الى إدراكها، وهي:
أولاً: إن القلق المسيحي من التكفير والذبح والتهجير والاقتلاع، هو قلق يتشارك فيه جميع مواطني الدول العربية، فالمسلم السنّي الذي لا يشاطر التكفيريين آراءهم معرّض للإبادة بنفس الطريقة،  كما المسيحي أو الشيعي والعلوي وغيرهم من الطوائف الاسلامية التي تعتبر مرتدّة وكافرة في نظر التكفيريين....لذا، إن القلق مشترك، ويخطئ المسيحي عندما يصوّر نفسه بأنه المستهدف الوحيد، ويخطئ أكثر بحق المواطنين الآخرين من الطوائف الأخرى عندما يشملهم كطوائف أو مذاهب بأكملها بأنها تعمل على تهجيره واضطهاده.
ثانيًا: أثبت التاريخ أن لدى بعض الفئات المسيحية من اللبنانيين أخطاء استراتيجية قاتلة، أدّت الى الزج بهم في مشاريع مدمرة، بدأت بالاتكال على الغرب للحماية، ثم تطورت الى حد الوصول الى التحالف مع اسرائيل وتصويرها "راعية للسلام"، واستمرت بمحاولات الاستقواء بالخارج لفرض موازين قوى داخلية أو تغييرها، وانتهت اخيرًا بالاستعداد للسير بالمشروع الأميركي المعدّ المنطقة، وهي إعادة إرث "العثمانية الجديدة" بتنصيب مجموعة حكام من "الأخوان المسلمين" في سيطرة ساحقة على مساحة العالم العربي، وهو تاريخ لا يجد له في ذاكرة العرب المسلمين ولا المسيحيين الكثير من الإشراق، بل يعيدهم الى ذكريات مشينة من التمييز الطائفي تحت شعارات "أهل الذمّة"، ومن التدخل الأجنبي في شؤون السلطنة بحجة حماية الأقليات الطائفية.
ثالثًا: يعاني المسيحيون اللبنانيون من مشكلة الكيدية والشخصانية، التي تجعل من ربح متحقق لأحدهم، خسارة صافية للآخرين، وهو ما يجعل الموقف المسيحي الجامع متعذرًا. ولعل المثال الأكبر على ذلك، هو الاستحقاقات الحكومية المتتالية، وخاصة الاستحقاق الحكومي الأخير، حيث نجد أكثر من ينتقد اصرار تكتل التغيير والاصلاح على الاحتفاظ بوزارة الطاقة هم المسيحيون أنفسهم.
وقد يكون الموقف الذي يدعو التكتل الى التمسك بوزارة الطاقة، غير مفهوم لدى البعض من المسيحيين، وقد يتراءى للبعض الآخر أنه عائد لتمسّك الجنرال ميشال عون بصهره الوزير جبران باسيل بالذات، بينما مَن يدافع عن خيار التمسك بحقيبة الطاقة، يردّه الى أن المسيحيين - وخاصة التكتل المسيحي الأكبر لديهم- بات بحاجة الى الإمساك بوزارة ذات أهمية مستقبلية استثنائية، كونها ستشرف على النفط المستخرج من الأرض اللبنانية، وهذا النفط الذي سيحقق للبنان استقرارًا ماديًا وأمنيًا.
يخشى المسيحيون اللبنانيون أن يتناقص دورهم في النظام أكثر فأكثر، خاصة بعدما تمّ التنازل عن صلاحيات رئيس الجمهورية في الطائف، وتحويلها الى مجلس الوزراء مجتمعًا بحسب النص، والتي تحولت بفعل الممارسة الى صلاحيات مطلقة بيد رئيس الحكومة وهو ما يعطي السنّة صلاحيات وقدرات هائلة للتأثير في صناعة القرار، ويحفظ المكوّن الشيعي نفسه ونفوذه في النظام اللبناني من خلال امساكه برئاسة المجلس النيابي، ومن خلال السلاح الذي يجعل ميزان القوى العسكري مائلاً لصالحه، ويبقى المسيحي الذي يحتاج الى ملف يمسك به، ويجعل له نفوذًا يستطيع أن يفرض نفسه لاعبًا أساسيًا على الساحة اللبنانية، لا يمكن تخطيه.
بكل الأحوال، وبالرغم من أن المواطنية تبقى الأساس لبناء لبنان- برأيي- يبقى أن المنطقة تشهد صراعًا دمويًا طائفيًا ومذهبيًا قاتلاً، لا يمكن للبنان أن يكون منفصلاً عن القلق الذي يسود الجميع، علمًا أن التطورات أظهرت أنه لا أكثريات في المنطقة، فمن كانوا يعتقدون أنهم أكثرية مطلقة، تبين أن الاختلافات فيما بينهم قد تكون أكبر من اختلافاتهم مع الطوائف والمذاهب الأخرى، وعليه، لا حل في شرق مكون من أقليات إلا التعاون وبناء الثقة بين بعضهم البعض، وإلا تحوّل الخوف الوجودي الى صراع لن يبقي لهذا الشرق سحره، وسيطفئ نوره الذي شعّ على العالم أجمع.

 

2014/02/02

ماذا يفعل الايرانيون؟

د. ليلى نقولا 

لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن تحلّ ايران - بهذه السرعة- ضيفًا مقبولاً ومحتفى به في القمم العالمية الكبرى، فها هو وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف، لا يكاد يستقر أسبوعًا واحدًا في طهران حتى يغادرها للمشاركة في قمة عالمية كبرى، يجالس فيها الاوروبيون، ويتناغمون معه، ويطلبون رأيه أو يخطبون ودّه.
 لم يكترث الايرانيون كثيرًا لاستبعادهم عن مؤتمر جنيف 2، فهم لم يكونوا أصلاً مقتنعين بأن المفاوضات ستفضي الى حل أو الى بداية حل، فما حصل خلال الأسابيع القليلة التي سبقت المؤتمر، وما تمّ تسريبه عن التهديدات التي أطلقها السفير الأميركي روبرت فورد لوفد الائتلاف ليجبرهم جبرًا على المشاركة في المفاوضات، بالاضافة الى استمرار السقوف العالية المطالبة برحيل الأسد، كانت قد أشارت قبل المؤتمر بأن مصيره الفشل.

وما تخلّف عنه الايرانيون في مونترو، كان مناسبة لهم لحصاد من نوع آخر في مدينة سويسرية أخرى - دافوس- حيث شارك الرئيس روحاني ووزير خارجيته في «المنتدى الاقتصادي العالمي» الذي يشارك فيه سنويًا ما يفوق الأربعين رئيس حكومة ودولة، بالإضافة الى رجال الأعمال والمستثمرين، وشخصيات من المجتمع المدني العالمي. ولعل نجم مؤتمر دافوس هذه السنة كان الرئيس الإيراني حسن روحاني، الذي خطف الأضواء في مداخلته التي دعا فيها الى الاستثمار في بلاده، وأعطى صورة مشرقة لمستقبل الاستثمار في ايران خاصة في ظل التوجّه الى رفع العقوبات عن بلاده. وفي مقابل الابتسامات التي وزعها الرئيس الايراني، كان وزير خارجيته يشارك في اللقاءات المعلنة وغير المعلنة لمناقشة الوضع السوري، والوضع الفلسطيني حيث خصصت العديد من الجلسات لهاتين القضيتين على هامش المؤتمر، فطرحت ايران وجهة نظرها، وأكدت قدرتها على المساهمة بتأمين الاستقرار في الشرق الأوسط.

أما في مؤتمر ميونيخ للأمن الذي بدأ أعماله الجمعة، والذي تتصدر اهتماماته موضوعي الأزمة السورية والاتفاق النووي مع ايران، فكان الاعلان مبكرًا من قبل مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كاثرين اشتون بأنها عقدت اجتماعًا "مثيرًا للاهتمام بحق" مع وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف واتفقا على أن تبدأ المحادثات بين الدول الست وايران بشأن اتفاق طويل الأمد  في 18 شباط  الجاري.

وبمقابل بوادر الانفتاح على العالم، يدرك الايرانيون أن بيدهم أوراقًا اقليمية هامّة يتمسكون بها، ولا يتوانون عن استعمال كل ما يمكنهم استعماله للاستفادة في توسيع نفوذهم الاقليمي أو الاستفادة من موقعهم الاستراتيجي في المنطقة. فها هو رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، يزور ايران ويعلن عن زيارة مماثلة للرئيس روحاني الى تركيا في شهر شباط الجاري، ليتم التوقيع أثناءها على اتفاقية تأسيس «مجلس التعاون التجاري والاستراتيجي»، الذي تم الاتفاق عليه خلال زيارة طهران، وحيث من المتوقع أن يرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين الى 30 مليار دولار عام 2015.

ولعل الورقة الأبرز التي يحملها المفاوض الايراني - بالاضافة الى الاوراق الاقليمية في العراق ولبنان سوريا والبحرين واليمن الخ- قد تكون ورقة افغانستان، والتي تدرك طهران جيدًا كيفية استخدامها، فالعلاقات الوطيدة التي نسجها الايرانيون مع الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، واتفاقية الصداقة والتعاون التي وقعّها الطرفان، والتصريحات العالية السقف للرئيس روحاني خلال زيارة كرزاي الى طهران في كانون الأول 2013، كلها تشير الى أن الايرانيين يدعمون الرئيس الأفغاني في رفضه توقيع الاتفاقية الأمنية مع واشنطن، بالرغم من التهديدات الأميركية والدعوة الى توقيع الاتفاقية حالاً وعدم الانتظار الى ما بعد الانتخابات الرئاسية في نيسان القادم، كما يصرّ كرزاي. ويعتقد كثيرون أن مفتاح توقيع الاتفاقية في يد طهران التي تستطيع التأثير على الرئيس الأفغاني، لكن ايران لا تبدو مستعدة لإعطاء واشنطن مكاسب مجانية، في وقت يقوم الأميركيون بتحريض طالبان على القيام بهجومات في الداخل الأفغاني - كما يتهمهم كرزاي.

بكل الأحوال، تبدو السياسة الخارجية الايرانية في أكثر عهودها نشاطًا في هذه الفترة، ويستغل الايرانيون كل نقاط القوة لديهم، ويحاولون التخفيف من نقاط الضعف ولا سيما الوضع الاقتصادي المتردي الذي سببته العقوبات الدولية، ورويدًا رويدًا، ستحوّل ايران نفسها - إن استمرت عل هذا الحال- الى قوة عظمى في المنطقة خاصة في ظل انشغال العرب باقتتالهم الداخلي، وقد يكون هذا ما يخشاه السعوديون فعلاً، فهل يكون الحل بالعداء، أم بالتعاون والتنافس المشروع؟