2012/05/31

خطف اللبنانيين.. قطع طرق أم فتنة مذهبية؟

تكثر التأويلات والتكنهات بشأن المخطوفين اللبنانيين الذين فُقدوا لدى اجتيازهم الحدود البرية من تركيا إلى سورية، بحجة تأييدهم لحزب الله، أو بذريعة النيّة بمبادلتهم بموقوفين لدى الدولة السورية ممن يُتهمون بأعمال تمس الاستقرار والأمن في الداخل السوري.
وبالرغم من حساسية هذا الملف في المجال الإنساني، والحزن الذي يلف اللبنانيين جميعاً، وحرصهم على معرفة مصير المخطوفين وعودتهم سالمين إلى أهلهم، وبالرغم من كثرة أيدي الطباخين التي تداخلت فيه، إلا أن عملية الخطف ساهمت في نتائج سياسية منها الإيجابي ومنها السلبي بالنسبة إلى الأطراف الفاعلة في الملفين اللبناني والسوري.
أما الخسائر السياسية من عملية الخطف، فقد طالت بالدرجة الأولى تركيا والمعارضة السورية.
- تركيا: بلا شك، تُعتبر من أكثر المتضررين من ملف المخطوفين اللبنانيين، فقد ظهرت تركيا كدولة مارقة إرهابية، تقوم بتجنيد الإرهابيين للقيام بعمليات خطف لصالحها.
لم تعد تركيا تستطيع أن تتنصل من مسؤوليتها الكاملة عن الخطف، بعدما صدر على لسان مسؤوليها تأكيد أن المخطوفين باتوا في عهدتهم، ولو عادوا وأنكروا هذا الأمر، علماً أن المقربين من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يؤكدون أنه تلقى اتصالات رسمية من نظيره التركي تبلغه بموعد إطلاق سراح المختطفين، وأنهم باتوا في عهدة الأتراك! ثم إن حدوث حادثة الخطف بتوقيتها وشكلها ومضمونها وسرعتها القياسية، تشير إلى قدرة استخبارية عالية الدقة، وحرفية لا يمكن لمجرد قطاع طرق - كما يشاع - أن يقوموا بها من دون مساعدة استخبارية من مخابرات دولة ما، هي على الأرجح الدولة التركية.
- المعارضة السورية: أظهرت حادثة خطف اللبنانيين أن المعارضة السورية لا تتوانى عن القيام بأعمال قطاع الطرق للوصول إلى غايات سياسية، كما أظهرت حجم الإرباك الذي تعيشه تلك المعارضة، والدكاكين الموجودة بداخلها، بدليل أن الشخصيات التي تولت الوساطة مع الخاطفين لم تتفق على مطالب موحدة للإفراج عنهم.
أما ما يسمى "الجيش السوري الحر"، فقد أظهر عجزاً فاضحاً، وعدم قدرته على الإمساك بالوضع في المناطق التي يقول إنها تابعة له، فهو لغاية الآن لا يستطيع أن يحدد إن كانت إحدى المجموعات التابعة له قد قامت بعملية الخطف أم لا، ما يعني وجود مجموعات متفلتة من أي رقابة أو مسؤولية تقوم بالعمل وتقويض الاستقرار في الداخل السوري، ولا قدرة لأحد السيطرة عليها وضبطها، ما يجعل من رفض الدول الكبرى تسليح المعارضة السورية أمراً منطقياً، بسبب القلق المشروع من فقدان السيطرة على هذا السلاح، وهو ما أثبتته قضية المخطوفين اللبنانيين.
وانطلاقاً من معادلة "مصائب قوم عند قوم فوائد"، حققت عملية الخطف بعض المكاسب السياسية لبعض الأطراف اللبنانيين، تتجلى على الشكل الآتي:
- طغت حادثة الخطف في لبنان على ما عداها، وما كان يُشار إليه في لبنان عن قيام "المستقبل" وحلفائه بتقويض الاستقرار، والظهور بمظهر المليشيات الخارجة على القانون، تحوّل إلى خبر ثانوي في نشرات الأخبار والتحليلات الصحافية المختلفة، وهنا يكون الخطف قد أدى خدمة للمتورطين في تقويض الأمن في الشمال، خصوصاً بعد فشلهم في إقامة منطقة لبنانية عازلة ينطلقون منها إلى الداخل السوري لمحاربة النظام.
- أفادت حادثة الخطف تيار المستقبل بأن غطت على فضيحة محاولته تدمير الدولة وهيبتها، وعلى ازدواجيته التي ظهرت جلياً في أحداث الشمال والطريق الجديدة الأخيرة، خصوصاً بعدما أغرق اللبنانيين بمفردات "بناء الدولة" و"لا للسلاح" و"ضرورة حصر السلاح بيد الجيش اللبناني".. وغيرها، فسرعان ما تبين أنه حزب لا يقيم وزناً لهيبة الدولة، ولا يتوانى عن قتال الجيش اللبناني، ويريد طرده من مناطقه، كما تبين أن السلاح المشكو منه في يد فئة، موجود بكثافة في يد الفئة الشاكية.
- أفادت حادثة الخطف رئيس الحكومة اللبناني والوزير الصفدي والقضاء اللبناني، بجعل تغطيتهم لإرهابي مطلوب خبراً ثانوياً على مواقع الإنترنت، فها هي الوثائق تكشف تورط شادي المولوي بالانتماء إلى تنظيم مسلح بهدف النيل من سلطة الدولة وهيبتها، والحكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة ثلاث سنوات، خفضت إلى سنتين وتجريده من حقوقه المدنية، ولا مَن يطالب باستقالة الصفدي ولا رئيس الحكومة، ولا وزير الداخلية الذي نفى أن تكون الضغوطات قد أدت إلى الإفراج عن المولوي، ولا من يسأل كيف يصبح الوزير "سائقاً" لإرهابي مدان.
- أبرزت حادثة الخطف وما تلاها أن "الشارع الشيعي" مضبوط ومثله الشارع اللبناني بشكل عام، وأن الشارع الوحيد الذي لم يعد يستطيع قادته ضبطه هو "الشارع السُّني"، فقدرة تيار المستقبل على ضبط الشارع باتت محدودة، وبات الشارع يقود قادته، وهنا قد يكون المستقبل فقد السيطرة على الشارع لأسباب عديدة، منها المادي، ومنها هجرة سعد الحريري، ومنها غزارة الخطاب المذهبي الذي شحن الغرائز وعبأ النفوس لدرجة الانفجار، فكانت ضحايا انفجاره الأولى تيار المستقبل بالذات، ما يثبت أن "طابخ السم آكله".
- الشعب اللبناني هو الرابح، فقد يكون لخطف لبنانيين شيعة هدف أساس، وهو إثارة الفتنة بين اللبنانيين، ولعل المخطِّط أراد من الشارع أن يهب لحرق الدواليب والانتقام من المعارضين السوريين، ما يجعل "المستقبل" وحلفاءه يردون بالمثل.. وهنا، نتساءل: هل مَن طلب من الحريري استخدام طائرته لجلب الحجاج أراد إهداءه مكسباً سياسياً، أم كان يريد حرقه وحرق لبنان بإشعال فتيل فتنة سنية - شيعية، بإيهام الرأي العام اللبناني أنه ضالع بعملية الخطف؟!
في المحصلة، قد يكون اللبنانيون قد فوّتوا مرة أخرى على المخططين اللعب بالنار المذهبية لحرق لبنان، وقد لا تسلم الجرة كل مرة، لذا على اللبنانيين التنبه لما يحاك لهم، وعلى تيار المستقبل - بالتحديد - الوعي بأن النار المذهبية التي تؤجج في النفوس ستحرق أصحابها والوطن قبل أن تمتد لحرق الخصم السياسي.. ونأمل عودة المخطوفين إلى أهلهم بسلام، فقد كفى لبنان مآسٍ، ويكفيه 17000 مخطوف منذ الحرب لم يعرف مصيرهم لغاية الآن.

2012/05/26

خطبة الزهراء: قراءة ودلالات سياسية


ورقة مقدمة الى مؤتمر "السيدة الزهراء رسالة وقدوة" الذي  يعقده مكتب شؤون المرأة المركزي في حركة أمل، يوم السبت في 26/5/2012 .

مقدمة
إثر الأحداث التي شهدتها الساحة الإسلاميّة بعد وفاة النبي محمد، وخاصة بعد ما حصل في موضوع الخلافة، وشعور فاطمة الزهراء أن ظلمًا وقع عليها، واعتداء على حق زوجها علي بن ابي طالب في الخلافة، وإن الواجب يفرض عليها كإبنة النبي، بما هي وارثة عنه من صفات وما تعلمته في بيته من مبادئ وتتلمذت على يديه، أن تقف مع الحق وتقول كلمتها فيما يحصل من انقسامات، وتجاهر برأيها في محاولة جادّة لرفع الظلم الواقع عليها وعلى زوجها..إثر كل ذلك، خرجت فاطمة إلى مسجد النبي، وألقت خطبة بليغة قيّمة، فيها من القيم والمدلولات السياسية التي تحتاج الى قراءة متأنية باعتبارها تكرّس الكثير من المفاهيم السياسية والاسلامية التي نحتاج لجلاء مضامينها في عصرنا الراهن، علمًا أنها قدمت هذه المآثر في فترة زمنية لا تزيد عن 6 اشهر، وكانت شابة صغيرة سرعان ما وافتها المنية، وتوفيت تاركة وراءها مدرسة في العنفوان والمقاومة.
فما هي القيم السياسية التي كرّستها فاطمة الزهراء بخطبتها الشهيرة؟ وكيف يمكن أن نقرأ تلك الخطبة في ضوء ما عاشه العالم العربي والاسلامي من تحريف لمفاهيم سياسية أساسية ثبتتها فاطمة في خطبتها وتجربتها الانسانية، هو ما سنناقشه فيما يلي، علمًا أننا ندرك احتواء الخطبة على قيم اسلامية واجتماعية أخرى هي ليست موضوع المداخلة.

المبدأ الأول- تكريس حق المؤمنين في معارضة الحاكم المنحرف
كرّست فاطمة بتجربتها السياسية، حق المؤمنين في ممارسة أهم حق سياسي للانسان وهو حق معارضة الحاكم ومساءلته، والوقوف أمامه للمطالبة بحق مسلوب أو عدل مهدور.
 واقعيًا وتاريخيًا، تمّ تكريس الاستبداد في البلاد العربية عن طريق رجال الدين الذين سايروا الحكام المستبدين، والذي أطلق عليهم عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي صفة "وعاظ السلاطين". لقد قام هؤلاء باختلاق الكثير من الأقوال واسنادها إلى النبي في طاعة الحاكم حتى ولو كان مستبدًا جائرًا، منها على سبيل المثال لا الحصر: "اسمع وأطِع حاكمك، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك".
ان هذا الحديث المنقول، تدحضه سيرة النبي ودعوته الى الجهاد ويتباين مع ما أتى في القرآن من دعوات الى الدفاع عن النفس والحفاظ على الكرامة الانسانية. وفي هذا المجال، نرى أن موقف فاطمة المعارض للحاكم وما أصدره من قرارات، جاء تطبيقًا لما تعلمته في منزل والدها حول الاسلام الحقيقي، فقامت بوظيفتها الجهادية على أكمل وجه، وجسّدت عبارة الإمام علي: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر".
أرادت الزهراء أن تضع المسلمين أمام مسؤولياتهم في إقامة العدل واسترجاع الحق لإصحابه، وذلك بإعلانها: الإمام علي والزهراء هم أولى الناس من بعد أبيها في فهم الدين والاحكام، ولهم الاولوية في قيادة الامة، وأنا اعتبر أنكم هدرتم هذا الحق وأعلن ذلك أمامكم وأدعو المسلمين لرفض ما تمّ اقراره.
وهكذا، تكون فاطمة من خلال رفضها لما أتت به السلطة الجديدة قد أسست تيارًا سياسيًا معارضًا للحكومة الاسلامية المشكّلة بعد أبيها.
وهنا، أريد أن أميّز بين مطالبة الزهراء بحقها المادي الشخصي، والحق السياسي للأمة بولاية علي عليها. فلم نرها تفرّط بأي من الاثنين، ولم تساوم بأحدهما على حساب الآخر، فلم تقم مثلاً بمفاوضات أو تسوية على واحدة للحصول على الأخرى، كأن يضيع حق الأمام علي مقابل الحصول على حقوقها المادية أو العكس، بل ناقشت وحاججت في كل واحدة بمفردها باعتبار أن الحق حق، وان الحق الشخصي شيء والحق السياسي أمر آخر، ولا مساومة على أي من الحقوق.
لكن الجماعة أصرّوا على ربط الامرين معًا، فبالرغم من أن الزهراء أفحمتهم واستطاعت اثبات حقها الشخصي بالإرث بالمنطق والحجة، لكنهم لم يقبلوا بإعادته لها، باعتبار ان موافقتهم على ذلك ستجعل مطالبتها ببطلان مؤتمر السَّقيفَة أقوى. لذا كان رفضهم المسبق وإصرارهم على عدم الاعتراف بحقها الشخصي بالإرث وذلك لِجعل موقفهم من الخلافة أكثر حجّة من الزهراء، باعتبار أنهم لم يأخذوا بكلامها وشهادتها بفَدَك فكيف يسلّموا بقضية مصيرية يتوقف عليها مصير أمّة بأكملها؟.
إذا، في هذا الإطار، نقول أن الزهراء ثبتت في مجال الحقوق السياسية، أمرين:
1- حق معارضة الحاكم الجائر، وثبتت ما ضمنته الشريعة الإسلامية للمواطنين من حق مراقبة الحاكم ومحاسبته وتقويمه، وحق المطالبة بعزله.
2-  عدم القبول بالمساومة على الحق العام من أجل المكسب الشخصي، وتلك هي طبيعة أصحاب الرسالات الذين يفكرون بالناس قبل أن يفكروا بأنفسهم. لقد سقط كثيرون عندما تحوّلت الرسالة عندهم إلى جسر يعبرون من خلاله إلى تحقيق مصالحهم الخاصة على حساب المصلحة العامة الأكبر، لكن فاطمة لم تسقط.

المبدأ الثاني- النأي بالنفس والحياد في طريق الحق ممنوع
عندما ندرس حياة السيدة الزهراء، نجد أنها حين رأت الأمة تتجه نحو الغرق في الفتنة، انطلقت لتواجه الموقف، ولم تقف موقفًا سلبيًا حياديًا ولم تنأى بالنفس في الصراع الدائر، فالخلافة ليست مسألة زوج أو حق شخصي أو مطالبة بسلطة، بل إنها مسألة الأمة ومسألة رسالة وقضية.
كانت تشعر أنها مسؤولة عن حماية الأمة وحماية الرسالة التي تركها والدها وأراد أن يتم الاستمرار بها بعده، لذلك اندفعت في أولِ موقف خطابي لها إلى المسجد، لتتحدّث للمسلمين عن الإسلام، والواقع الذي عاشه المسلمون سابقًا وما ينتظرهم بغياب النبي، ثم بعدها للحديث عن إرثها الشخصي والذي لم يكن يمثّل بالنسبة لها مجرد مالٍ تريده أو ميراث ورثته عن والدها، بل كان يمثّل منطلقًا للحق، أرادت أن تحرّكه في نفوس المؤمنين هناك.
لقد أرادت الزهراء أن تكرّس موقفًا مبدأيًا على كل إنسان اتّباعه، ففي الموقف من الحق والباطل، والظلم والعدل، على الإنسان أن يسلك طريق الحق والعدل، ولا يساوم ولا يجامل ولا ينأى بنفسه، ذلك أن المجاملات والكلمات الضبابية إنّما قد تُقبل في العلاقات الإنسانية العادية التي لا تحتاج الى حد فاصل، أما عندما تكون القضية قضية إثبات حق ودحض باطل، فإن المجاملة والنأي بالنفس والوسطية كلها قد تشكّل معايير خيانية.

المبدأ الثالث- الثبات في الحق وابتداع اساليب مبتكرة للمقاومة
نجد عند الزهراء ثباتًا في المواقف وصبرًا عظيمًا على الشدائد، إذ لم يشغلها مرضها وألمها وحزنها على والدها عن الوقوف مع الحق لتدافع عنه بكل ما آتاها من قوة، فوقفت وخطبت وتكلمت واحتجّت بكل الوسائل لإثبات الحق.
لم تيأس فاطمة عندما وجدت أن ردّ الظلم صعب، ولم تستسلم بعدما شعرت أنها خسرت معركة بعد تلك الخطبة حين رفضت الجماعة الاقرار بحقوقها بالرغم من المنطق الذي ساقته، بل اعتبرت ان معركة الحق مستمرة، وان المقاومة تكون في كل ما هو متاح. لذلك نجد أنها مارست جميع الأساليب الممكنة في التعبير عن رأيها ومظلوميتها أمام معاشر المسلمين من كبار الصحابة من النصارى والمهاجرين وأمام النساء، وساقت جميع الحجج والبراهين لإثبات حقها ونصرة زوجها.
وهكذا أعطت فاطمة درسًا مهمًا في المقاومة، وهو ان خسارة معركة، أو الشعور بالعجز الآني لا يجب أن يقعدنا عن ممارسة واجبنا بالمقاومة، ولا يكون ذريعة للابتعاد عن مسؤولياتنا.
المقاومة رد فعل دفاعي على ظلم وقع، وهو يكون من خلال يدٍ تتحدى وكلمة تثور وقلب يرفض، وكلها تتعلق بإنسان حي، أما أن تكون مقاومة واحتجاج بعد الموت، فهي المقاومة التي انفردت بها فاطمة الزهراء دون غيرها حين أوصت بأن تدفن ليلاً، ولا يعرف مكان قبرها، ولا يشارك في تشييعها الذين ظلموها، وهو أبلغ درس في دروس المقاومة ورفض الظلم يمكن أن يقدمه انسان أو يعتمده في حياته، ثم بعد مماته.

المبدأ الرابع- شرعية العمل السياسي للمرأة
أن الموقف الفاطمي المقاوم الذي يمثّل الموقف المتحدي، والذي تقف فيه المرأة لمواجهة الظلم والمطالبة باحقاق الحق والتغيير، يعطينا شرعية حركة المرأة المسلمة في المجال السياسي، فالزهراء ابنة النبي ولذلك إنّ سلوكها في أي موقع، يعطينا الفكرة بأنّه يمثل السلوك الإسلامي الحقّ.
كانت الزهراء رائدةً في العمل السياسي والجهادي من خلال معارضتها وثورتها واحتجاجها وخطبها في المسجد ومع نساء المهاجرين والأنصار، وهكذا ينبغي أن تكون المرأة المسلمة مقتدية بالزهراء. إن ما صنعته الزهراء يعدّ من أهم مميزات المرأة والدور المطلوب منها، وهو رفض الباطل وكسر طوق الصمت في بيان مظلوميتها ومطالبتها بالحقوق.
في تجربتها السياسية، كانت فاطمة تطبّق ما جاء في القرآن من شرعية يقرّها الاسلام في العمل السياسي للمرأة من خلال الآية: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}[التوبة:71] .
وإذا أردنا أن نعطي تفسيرًا للمعروف والمنكر، فالمعروف لا ينحصر بالصلاة والصوم والحج وغيرها من العبادات وأعمال الخير، يمكن أن يتسع لكل عدل وحق في الحياة، فهو يمكن أن يتسع لكل عدل وحق في الحياة، والمنكر لا ينحصر بشرب الخمر وأكل مال اليتيم وغيرها من المحرّمات، بل هو يتسع لكل الظلم والباطل في الحياة. وإذا عرفنا أنّ العلم والعدل هما أعلى أنواع المعروف، وأنّ التخّلف والجهل والظلم هي أشدّ أنواع المنكر، فالمؤمنات - كما المؤمنون- مدعوَّات إلى التحرك في خط العلم والثقافة وفي خطِّ العدل، وللتحرّك ضد خط الظلم والجهل والتخلّف والانحراف.
إذًا الإسلام لم يرد للمرأة أن تنكفئ بعيدًا عن حركة المجتمع والإطار السياسي والاجتماعي العام، فالمجتمع يحتاج إلى جميع الطاقات، ويحتاج إلى طاقة كل من المرأة والرجل، ويفرض على المرأة أن تنمّي طاقاتها كما يفرض على الرجل ذلك. وهكذا عندما يواجه المجتمع تحديات كبرى ويشهد انحرافًا ما، سواء كان انحرافًا في الحكم أو في السياسة وغيرها، لا بدّ من أن يكون للمرأة دور في مواجهة الانحراف، بكلّ ما لديها من طاقات وقدرات، وإلا إعتُبرت مخلّة بواجباتها التي دعاها اليها القرآن.

المبدأ الخامس: تكريس الحجاب لا الحجب
تقول الرواية:" لما أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة فدكًا وبلغها ذلك، لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها....."
إن مقدمة الرواية، تدحض بشكل قاطع الذرائع التي يتمسك بها المعارضون لحق المرأة في العمل السياسي والاجتماعي بقولهم إن اشتراك المرأة في هذه الأمور يتعارض مع الحجاب وحفظ العفة والحشمة، إذ لم يمنع الحجاب فاطمة من المطالبة بحقها وحق الامام علي، وخطبتها الطويلة في المسجد، شاهد على مشروعية الدور السياسي للمرأة وعدم منافاته للحجاب.
 إذًا، أقامت فاطمة الدليل على أن هذه الذريعة غير صالحة، وإن الحجاب لا يعني حجب المرأة، ولا  يجب أن يعيق عملها ومشاركتها في القرار، وأثبتت أنه لا تعارض بين إبداء الرأي والمشاركة السياسية وبين العفة ما دام إبداء الرأي والمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية هو في الأطر الشرعية المعروفة.
إن صورة فاطمة المحجبة الخطيبة على المنبر، تؤكد أن الظلم الذي لحق بالمرأة ومنعها من ممارسة العمل السياسي هي وليدة تصوّرات ومفاهيم نشأت عن أعراف وتقاليد وممارسات اجتماعية لا تمثِّل الإسلام ولا قيمه الحقيقية.

المبدأ السادس- ممارسة التعبئة والتثقيف الجماهيري
لم تكتفِ فاطمة الزهراء بأخذ الموقف السياسي الخطابي للتعبير عن رأيها، ومواجهة الحاكم بالحجة والمنطق، بل تابعت مسيرتها السياسية بما يطلق عليه اصطلاحًا اليوم في العلوم السياسية باسم "التعبئة والتثقيف الجماهيري"، فقد طافت على المهاجرين والأنصار، لتذكّرهم بحقّ علي، ثم جمعت نساء المهاجرين والأنصار في بيتها، وتحدّثت إليهنَّ حديثًا قاسيًا عن أزواجهن، وتوجهت إلى الأنصار الذين أحاطوا بالرسول ونصروه لتؤجج مشاعرهم وتستنهض هممهم وتستنصرهم.
في سيرة حياتها، نقرأ أن فاطمة كانت تساهم في نشر الدعوة الاسلامية وكانت تلقي دروسًا على نساء المهاجرين والأنصار اللواتي كنّ يجتمعن عندها لغرض التعلم، ولم تمنع أعبـاء البيـت وتربيـة الأولاد فاطمة الزهراء مـن القيــام بهذه المسؤولية، ولم يمنعها كون زوجها مجاهدًا في الحروب من القيام بالمسؤوليـات التـي كانت ملقاة على عاتقها، ومـن أن تقوم بـوظيفة التثقيف والتعبئة، والـقيـام بمسؤوليـة العلم في حياتهــا، ولم تقبل بأن تكون المرأة كميةً مهملة على هامش الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي العام في المجتمع.
من هنا ندرك أن الاسلام لم يدعُ الى تجهيل المرأة، ولم يشأ لها أن تبقى متخلفة محجوبة في المنزل لممارسة مهامها البيتية فقط، بل اعتبر أن على المرأة أن تتحمل مسؤولية العلم وقسطها من مسؤولية الأمة، ومسؤولية أن تنقل ما تعلمه إلى الآخرين ما أمكنها ذلك، كما كانت الزهراء تنقل علمها للآخرين.
بالفعل، أعطت فاطمة المرأة المسلمة مثالاً حيًا كيف تستطيع أن تكون إنسانة رسالية تقدم نفسها فداءً للرسالة وليس مجرد أنثى تُسقِط انوثتها إنسانيتها.
خاتمة
في النهاية، لا بد لي من أن أنوّه بتلك الشخصية التاريخية التي هالني ما قاسته وشاهدته من مظالم، حين كانت ترى آثار التعسف الذي يمارسه القوم ضد والدها، فكانت تلقاه وهي طفلة لتخفّف عنه، الى أن قال عنها "فاطمة أم ابيها"، ثم معايشتها لظلم كبير لحق بها وزوجها الامام علي، ولعل الله رحمها فتوفاها ولم يضف الى أوجاعها رؤية الفاجعة التي حلّت بعائلتها.
ولكن، إن يكن لنا أن نأخذ عبرًا من قصتها، فإننا نرى أنها تصلح أن تكون قدوة ليس للمرأة المسلمة فحسب، بل للرجل أيضًا. هي قدوة انسانية في تحمل الظلم، والصبر على المظالم، وفي تحمّل المسؤولية العامة، وفي المواجهة والمعارضة للظلم والانحراف.
قال الإمام علي: ما ضاع حق وراءه مطالب.. وحق فاطمة لم يمت ما دمنا في القرن الحادي والعشرين ما زلنا نذكره ونستخلص من مواقفها العِبر. وكما في دلالات ثورة الحسين، أريد أن أشير الى أن الظلم الذي لحق بفاطمة، لا شك يحزننا ولكن لا يجب أن يتحول الى مجرد بكاء ولطميات، وإلا أفرغنا ثورتها من قيمها الحقيقية، وجعلنا العاطفة والندبيات تطغى على قوة الموقف وتحطّ من قدره.
الحياة مواقف عزٍ وإباء، فإما أن نموت واقفين أو نعيش مذلولين تدوسنا الاقدام، وفاطمة اختارت العزة وماتت مقاوٍمة أبيّة، فلا تجعلوا الدمعة تحجب الموقف، ولا المناحة تحجب خطيبة المنابر الأبيّة.

2012/05/23

بين شيكاغو وبغداد... هل يتم القبول بايران نووية؟

بالرغم من قيام حلف شمال الأطلسي بمناورات في الاردن تحت عنوان "الاسد المتأهب" بمشاركة العديد من الدول العربية، واعتبار البعض أن الأمر تهديد مباشر لسوريا، إلا أن المعطيات الميدانية والدولية الواقعية تشير الى عدم امكانية أي تدخلٍ عسكري لحلف الناتو في سوريا، وقد انعكس هذا الأمر بوضوح في نتائج قمة شيكاغو التي أنهت أعمالها مطلع الاسبوع الحالي والتي أظهرت واقعية الحلف في الموازنة بين طموحاته وقدراته، وفي اعلانه تقديم موعد انسحاب قواته من افغانستان.
بلا شك،لم يكن مفاجئًا اعلان حلف شمال الاطلسي في قمته المنعقدة في شيكاغو عن تقديم موعد انهاء العمليات القتالية في افغانستان، وسحب القوات في منتصف العام القادم بدل نهاية العام 2014 كما كان مقررًا سابقًا، فالمطّلع على أوضاع دول الاطلسي المشاركة في الناتو وعلى المشاكل التي عانى منها الحلف في السنوات الأخيرة يدرك أن هذا القرار الاستراتيجي الهام يأتي متناسبًا مع محدودية قدراته وتقليض موازنته.
يعاني حلف شمالي الاطلسي منذ مدة من مشاكل اقتصادية ولوجستية وقيادية، فمنذ انتهاء الحرب الباردة وسقوط مبدأ الردع المتبادل مع الاتحاد السوفياتي، عمدت الدول الاوروبية الى تقليص مساهماتها في موازنة الحلف، في مقابل تحوّل وجهة عمل الحلف من الحفاظ على التوازن في اوروبا، الى القيام بعمليات تدخلية عسكرية خارج مناطق نفوذه. وهكذا، كان للتقليص المتزايد للمساهمات الذي أتى نتيجة للأزمة التي تعانيها الاقتصاديات الاوروبية، بالاضافة الى زيادة المهام والتدخلات العسكرية في الخارج أن اصبح الحلف في حالة حرجة، عكسها وزير الدفاع الاميركي الاسبق روبرت غيتس، حين أعلن ان مستقبل الحلف سيكون كئيبًا وقاتمًا ان استمر على هذا المنوال، وطالب الحلفاء بتحمل مسؤولياتهم تجاه الحلف خاصة بعدما باتت حصة مساهمات الولايات المتحدة الاميركية تبلغ 75 بالمئة من موازنة الحلف.
وهكذا، وكما أعلن في شيكاغو، ستنسحب القوات المقاتلة من الأراضي الافغانية ولكن سيبقي الاميركيون بعض القوات " للمساعدة والتدريب" للعام 2024. ولكن واتعاظًا من التجربة العراقية السابقة، لن تقبل قوات حلف شمال الاطلسي والولايات المتحدة بالتحديد، أن يظهر انسحابها من افغانستان وكأنه هزيمة لها. لذلك، وبسبب عدم الثقة بين باكستان والاطلسيين- خاصة بعد العملية النوعية على أراضيها والتي أدت الى مقتل بن لادن، وبعد قتل جنود باكستانيين- فإن الحلف يحتاج الى التعاون مع ايران لتسهيل انسحابه من افغانستان والعمل على انجاح استراتيجية الخروج المقررة، ما يجعله مستعدًا لتقديم تنازلات هامة في مجال الملف النووي الايراني، ستظهر نتائجها في قمة بغداد.
إذًا، إن قراءة النتائج التي خرجت بها قمة حلف شمالي الاطلسي، تظهر نتائج عدة أهمها:
أولاً: ضعف الحلف المتزايد أدى الى مزيد من الخطاب الواقعي بعدما تبين أن الطموحات الدولية تصطدم بقدراته المحدودة. وهذه الواقعية ستنعكس بشكل اساسي في الملف النووي الايراني، وفي منطقة الشرق الأوسط  التي ستشهد في السنوات القادمة تبدلاً في موازين القوى، ما سيعيد خلط الأوراق الاقليمية بشكل كبير .
لا شك أن قمة بغداد ستعكس – على ما يبدو – حاجة الغرب الى ايران في الملف الافغاني، والتي سبقتها بوادر الانفتاح الذي أبداه الاميركيون على تقبل فكرة "ايران نووية"، والتفهم الذي أظهره الرئيس الأميركي باراك اوباما في الرسالة التي ارسلها الى مرشد الثورة الايرانية علي خامنئي، والتي تبدي انفتاحًا واستعدادًا لقبول حق ايران في التخصيب لأغراض سلمية، واستعدادًا لتخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة على ايران.
وهكذا، ستدخل ايران الى النادي النووي، مستفيدة من موقعها الجيوستراتيجي الذي يسمح لها بتكبيد الحلف تكاليف باهظة في مناطق عدة منها العراق وافغانستان، ومرتكزة الى قوة عسكرية وصاروخية وتكنولوجية هامة، وقدرة على الصمود الاقتصادي لفترة طويلة من الزمن جعلت العقوبات الدولية المفروضة غير ذي قيمة، ومن الاعلان الذي اعلنته من ان علماء منظمة الطاقة الذرية الايرانية حمّلوا مفاعل الابحاث في طهران وقودًا نوويًا ايراني الصنع لذا لن تحتاج الى تشبيع اليورانيوم في الخارج، وانه بات لديها ما يكفيها لتشغيل مفاعلاتها النووية لمدة ست سنوات قادمة.
ثانيًا: استمرار الحلف بتأمين الاستقرار في البلقان، والمحافظة على السلام والأمن في اوروبا، وتوجه للتعاون مع روسيا بالرغم من ارث كبير من عدم الثقة  والاختلافات الثقافية بينهما، وبالرغم من قلق الدول الاوروبية الصغيرة والدول الاسكندنافية من التعامل الروسي "الفوقي" معها، إلا أن التعاون يبدو بالنسبة للحلف "شر لا بد منه".
ثالثًا: بسبب ازدياد التحديات العالمية وضعف القدرات الشخصية،يبرز اتجاه لدى الحلف لاعطاء تركيا بعض الدور، وتطوير انواع  من الشراكة الاستراتيجية مع دول في مناطق متعددة خارج اطاره الجغرافي، منها الامارات المتحدة والاردن، استراليا ونيوزيلندا، كوريا الجنوبية واليابان وغيرها.
رابعًا: رغبة أكيدة لدى الولايات المتحدة بالابقاء على الحلف، فللحلف مهمة استراتيجية أكبر من الأمن، تتجلى في اعطاء الشرعية للتدخلات الأميركية في العالم، خارج اطار الشرعية الدولية وحين يتعذر استصدار تفويض من مجلس الأمن.
في المحصلة، تبدو قمة بغداد اليوم  وقبلها قمة شيكاغو مفصلية بالنسبة للشرق الاوسط والتطورات في سوريا بالتحديد، وما قيل سابقًا عن امكانية تدخل اطلسي او سواه لاسقاط الاسد، ستتحول رويدًا رويدًا الى معركة ضد الارهاب، والى خشية غربية من انفلات الوضع في سوريا، أن يؤدي الى عدم استقرار المنطقة، وبالتالي قد تعود اللازمة التي كان يرددها الغرب قبل عام 2004 "سوريا عنصر استقرار في المنطقة"، وبالنتيجة، يكون السوريون قد دفعوا بدمائهم فواتير معارك اقليمية وعالمية على ارضهم.

2012/05/21

أي ديمقراطية في الجحيم العربي القادم!

2012/05/09

حقد جنبلاط المتمادي ضد الجيش ورموزه.. لماذا؟


في اللحظات الأولى لاغتيال كمال جنبلاط، وبالرغم من معرفة جنبلاط بالقاتل الحقيقي لوالده، كما كشف يوماً قائد الشرطة القضائية الأسبق؛ العميد عصام أبو زكي، قرر جنبلاط أن تكون
"ساعة التخلي" ورغبة الثأر لديه موجهة ضد المسيحيين، فقام بما قام به من مجازر وتنكيل بحقهم، إلى أن استعاد ذاكرته فجأة بعد عام 2005، فاستفاق على دم والده، موجهاً سهامه صوب السوريين، ومطالباً بالثأر منهم، ثم عاد ففقدها ثانية بعد أحداث 7 أيار، التي أتت رد فعل على ما اقترفته يداه من تحريض ضد المقاومة، إلى أن هبّت العاصفة الدولية على سورية مجدداً، فاستيقظ جنبلاط من ساعة تخلٍّ ليدخل في أخرى مجدداً!
اللافت أن الحركة الجنبلاطية وتقلباتها الكثيرة، وكثرة "ساعات التخلي" لديه، والتي تتوج شروراً وقتلاً هنا وهناك، لا يُستثنى منها فقط إلا الجيش اللبناني، فمهما كان موقف اللحظة لديه، يبقى العداء للجيش اللبناني الثابت الوحيد في الحركة الجنبلاطية.
لطالما كره جنبلاط الجيش اللبناني، وبالغ في تحية الجيش السوري باستمرار، فحين تمّ الاتفاق على تسليم أسلحة الميليشيات إلى الجيش اللبناني بعد اتفاق الطائف، طرفان اثنان رفضا هذا الأمر؛ القوات اللبنانية التي باعت أسلحتها، وجنبلاط الذي فضّل أن يسلمها إلى الجيش السوري، محيّياً إياه ومحيّياً شهداءه، وشاكراً له حسم المعركة مع "هذا" الجيش اللبناني.
بالطبع، يكره جنبلاط الجيش لأنه لا يستطيع أن ينسى كيف أحبط له محاولته التقسيمية في سوق الغرب، وكيف أثبت هذا الجيش وطنيته وحافظ على عقيدته القتالية في خضم كل التطورات الحاصلة في المنطقة.. وكيف لجنبلاط اليوم أن يغضّ النظر عن قيام الجيش اللبناني - بالرغم من كل محاولات التضييق عليه التي قامت بها حكومات المستقبل المتعاقبة - بضبط الأمن والحفاظ على السلم الأهلي، وإفشال مخطط الإمارة التي كان يُعدّ لها في الشمال انطلاقاً من نهر البارد، وأخيراً قيامه بكشف بواخر الأسلحة المهربة إلى سورية..؟
وفي فهم العداء الجنبلاطي، نشير إلى واقعتين تاريخيتين:
الأولى، حين عيّن جنبلاط أحد الضباط الدروز رئيساً للأركان، فذهب الأخير ليشكره، فما كان من جنبلاط إلا أن طلب منه أن يخلع بزته العسكرية حين يأتي إليه للزيارة.
أما الثانية فتعود إلى العام 1982، وعلى إثر حرب راح ضحيتها آلاف المواطنين، ودمرت مئات القرى، وكانت لها تداعياتها الإقليمية والدولية، حيث رحلت القوات الأطلسية عن لبنان، وسقط اتفاق 17 أيار.. لم يرَ فيها وليد جنبلاط إلا قضية واحدة اختصرها بكلمات معدودة: «ها قد عدنا يا بشير».. تلك كانت الصيحة الأولى التي أطلقها في قصر المير بشير في بيت الدين حين احتفل بانتصاره في «حرب الجبل»، معلناً انتزاع القصر من المير بشير الشهابي ثأراً لبشير جنبلاط. ولم تتوقف نزعة الثأر لديه يومها عند هذا الحد، بل راح يبحث عن سبل لاستعادة الأراضي التي انتزعها بشير الشهابي من بشير جنبلاط، فامتدت أنظاره إلى سهل البقاع، مستملكاً العديد من العقارات في البقاع الغربي، وباحثاً عن طريق تصله بوادي التيم، آملاً، ربما، في تحقيق حلم طالما سعى بشير جنبلاط لتحقيقه؛ أن يرى نفسه على رأس إمارة تضم دروز المشرق العربي جميعاً.
من خلال تلك الوقائع، يمكن أن تُفهم الحركة الجنبلاطية المكوكية، وعداؤه الثابت للجيش اللبناني، بنزعته لتقمّص شخصية بشير جنبلاط، الحالم بإمارة درزية يحكمها.. لهذا، إن كل القيم والمبادئ تتكسر على عتبة هذا الحلم، الذي يتشاطر وجعجع فيه.. هذا الحالم بإمارة درزية يحكمها، وذاك الطامع بحكم "إخواني" يبيح له المطالبة بكونتون مسيحي، وتبقى تلك الأحلام والأوهام سبباً لكل ما يعاني منه الوطن من مآسٍ.
بالفعل، يبدو مخزياً تبادل التحيات - الأخير - إلى "الشهداء" بين القوات اللبنانية ووليد جنبلاط، في مشهد يوحي لغير العارف كأن الاثنيْن كانا في خندق واحد يقاتلان ضد عدو خارجي سبّب كل هؤلاء "الشهداء"، وكأن الشعب اللبناني فاقد الذاكرة ولا يعرف أن هؤلاء "الشهداء" المتباكين على شهادتهم سقطوا في حروب جعجع - جنبلاط العبثية، حين كان الاثنان يتنافسان على خدمة الإسرائيليين في الجبل، وتقديم أوراق اعتماد في مَن يستطيع أن يؤمّن للإسرائيلي مصلحته الاستراتيجية الكبرى، ليحصل على "فُتات كونتون" يحكمه.
وإن كان الإعلام يتحدث أن ذلك حصل في ظل استياء جنبلاطي من كلام رئيس تكتل التغيير والإصلاح، والذي جاء رد فعل دفاعي عن النفس، بعدما تمادى الجنبلاطيون في الهجوم على التيار الوطني الحر ورئيسه، فلماذا يستاء جنبلاط من كلام العماد عون؟ فمهنة "تبليط البحر" مهنة أرقى بكثير من مهنة "زبال في نيويورك" التي تمناها جنبلاط يوماً، والتي قد يكون وفاء جنبلاط لفيلتمان لغاية الآن، نابعاً من تحقيق تلك الأمنية، فما هي إلا أيام حتى سارع فيلتمان لتلبية النداء؛ زائراً ومبادراً: جلبت لك معي البدلة من نيويورك.

2012/05/03

بين تايلور والأسد.. أي مقارنة؟

كانت لافتة رسالة التحذير التي أرسلها وزير الخارجية البريطاني ويليام هيغ على موقعه على تويتر، إلى الرئيس السوري بشار الأسد، عقب صدور قرار المحكمة الدولية الخاصة بسيراليون بإدانة الرئيس الليبيري السابق تشارلز تايلور، حيث قال هيغ في رسالته التي نقلتها وسائل الإعلام، إن "العدالة أخذت مجراها.. تذكروا ضحاياه وتذكروا الأسد".
منظمات حقوق الإنسان المختلفة رحبت بذلك القرار التاريخي، وهو أول حكم يصدر عن القضاء الجنائي الدولي بحق رئيس دولة سابق منذ الحكم الذي صدر عن محكمة نورمبرغ العسكرية الدولية في العام 1946، بحق كارل دونتز القائد الأعلى للبحرية الألمانية، الذي خلف ادولف هتلر في نهاية الحرب العالمية الثانية، وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهمة ارتكاب جرائم حرب. لكن المرحبين بتلك الإدانة في العالميْن العربي والغربي من السياسيين أمثال هيغ، يتجاهلون وقائع أساسية تحفل بها محاكمة تايلور أمام المحكمة الدولية الخاصة بسيراليون، أهمها ما يلي:
أولاً: من الناحية القانونية، دانت المحكمة الخاصة بسيراليون تشارلز تايلور ليس لضلوعه المباشر بارتكاب جرائم الحرب والجرائم اللاإنسانية في سيراليون، وهو بالمناسبة ليس سيراليوني، بل دانته بـ"المساهمة والتحريض" لمتمردين ضد الحكومة في سيراليون، من خلال "توفير الأسلحة والدم والمواد الطبية والتجهيزات"، لكنها أكدت أنه "لم يصدر لها الأوامر أو خطط لما تفعله"، كما أدين بـ"تدبير وتنفيذ حملة رعب هدفت إلى السيطرة على سيراليون لاستغلال الماسها".
وفي الاطلاع على هذا القرار، يظهر أن المقارنة لا تجوز بين تايلور والرئيس السوري بشار الأسد، كما فعل وليم هيغ، بل قد تصحّ مع هيغ نفسه، ومع مَن يعلن ليل نهار، وعلى الملأ، رغبته بتسلح المتمردين السوريين، والإعلان بمدّهم بالسلاح والتجهيزات لمواصلة قتالهم ضد النظام، والقيام بالأعمال الفظيعة، كقتل المدنيين والتفجيرات الإرهابية وسواها.
وإذا كان هناك من عدالة دولية يتم التغني بها، فالأصح أن المعيار الذي طُبق على تايلور يجب أن يطبق على وزراء خارجية قطر والسعودية، وعلى الأتراك، وغيرهم ممن يقدم السلاح للمنظمات السورية، وممن يعلنون رغبتهم بالسيطرة على سورية لاستغلال موقعها الجيوستراتيجي، والذي يوازي "الماس سيراليون" بالنسبة إلى "إسرائيل" وأميركا.
ثانياً: من الناحية السياسية، يأتي الحكم على تشارلز تايلور اليوم في وقت يعاني حلفاء أميركا في سيراليون من صعوبة النجاح في الانتخابات النيابية المقبلة في تشرين الثاني القادم، لذا يأملون أن يكون الحكم سبباً في إضعاف الطرف الآخر، ووصول حلفائهم إلى السلطة في سيراليون.
 لكن على هؤلاء المتغنين بالعدالة الدولية من العرب، خصوصاً حلفاء أميركا، أن يعلموا أن تايلور يُعتبر حليفاً متمرداً للأميركيين، فقد دعمت الولايات المتحدة الأميركية تشارلز تايلور خلال الحرب الأهلية في ليبيريا في ثمانينات القرن الماضي، وكشفت وثائق ويكليكس في 48 وثيقة سرية، أن وزارة الدفاع الأميركية و"السي اي اي" عملوا مع تايلور ومدّوه بما يحتاجه من الدعم المالي والسياسي والخبراء خلال الحرب الأهلية.
وفي العام 1997، وبعد توقيع اتفاق سلام برعاية المجتمع الدولي في بلاده، انتخب الليبيريون تايلور رئيساً بنسبة 75 بالمئة من الأصوات، وبدعم واضح من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، لكن الرئيس الليبيري سرعان ما تمرّد على الولايات المتحدة الأميركية، فقامت أميركا، المستاءة من حليفها السابق، بدعم حركة تمرد جديدة في شمال البلاد تطالب بالديمقراطية، للإطاحة به، وفي حزيران من العام 2003، وجهت المحكمة الدولية الخاصة بسيراليون اتهاماً إلى تايلور بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، قامت على أثرها الولايات المتحدة بدعم المتمردين لمداهمة العاصمة منروفيا، بعد حصار دام 3 أشهر، وإجباره على التنحي ومغادرة البلاد في 11 آب 2003.
وهنا نلفت نظر الرؤساء والقادة العرب الذين يتنافسون لتقديم أوراق اعتمادات إضافية للولايات المتحدة الأميركية، من خلال محاولة تقويض الاستقرار في سورية، ومد المنظمات المسلحة بالسلاح والمال والعتاد والرجال، أن لا شيء يمنع من أن تقوم الولايات المتحدة بالتضحية بهم وتقديمهم إلى المحاكمة بهذه التهم، كما فعلت بحليفها السابق تايلور، علماً أن الادعاء بأن هذا الأمر منسق مع الأميركيين لا يجدي نفعاً، فتايلور أيضاً كان "قائداً مهماً يقود شعبه" بالنسبة إلى الأميركيين؛ حين نسق معهم دعمه لثوار سيراليون خلال السنوات الممتدة بين 1996 و2002، وهي الجرائم التي يحاكَم عليها اليوم.. وهكذا، لا شيء يمنع من أن تُعقد المحاكمات لهؤلاء في حال تغيرت مصالح الأميركيين معهم، وعندها سيتغنى العالم أيضاً بانتهاء عصر "الإفلات من العقاب".