2021/04/19

أسئلة "للثورة" لا بد منها...


لا شكّ أن تاريخ 17 تشرين الأول 2019، هو تاريخ مفصلي في حياة اللبنانيين جميعاً، حيث استشعر الجميع بأن "الشعب" قد سئم التصرفات السياسية والمحاصصة وبات يريد وطناً مستقلاً، يحكمه حكم القانون لا حكم التحاصص الطائفي والزبائنية ونهب المال العام.

وبغض النظر عن الشكوك التي تحيط عادة بهذا النوع من الثورات، كان هناك ما يشبه الإجماع بين اللبنانيين، أن غالبية مَن نزلوا في بدايات "الثورة" كانوا مفعمين بالأمل بالتغيير الحقيقي، وكانوا يريدون وطناً لأولادهم لا يشبه الوطن الذين نعيش فيه. وكما في كل الثورات، كانت هناك بعض المجموعات الحزبية التي أرادت أن تمتطي صرخات الناس لتحقق مكاسب سياسية ضد خصومها في الحكم، والبعض الآخر كان مأجوراً ينفذ أجندات خارجية، ولكن بقيت الغالبية الشعبية لا تريد سوى وطناً ومستقبلاً كريماً.

وشيئاً فشيئاً، وكما في كل الثورات أيضاً، بدأت الفئات الأكثر تمويلاً والأكثر تنظيماً، بالسيطرة على مسار الثورة في لبنان وتسويق أجنداتها على حساب الأجندة الوطنية الحقيقية، تماماً كما حصل في ثورة مصر (25 يناير) حين كان تنظيم الأخوان المسلمين الذين التحقوا بالثورة فيما بعد، أكثر تنظيماً وتمويلاً، فاستطاعوا أن يحرفوها عن هدفها الأساسي، ما اضطر الشعب المصري الى ثورة ثانية لتصحيح المسار والتخلص ممن سرق ثورتهم، وهكذا دواليك.

واليوم، وبعد مرور كل هذه الأحداث في لبنان منذ الثورة، وفي خضّم معركة القاضية غادة عون مع الفساد، مروراً بانفجار بيروت وانهيار العملة وسرقة مدخرات الناس في البنوك التي أقفلت من دون سبب ظاهري مشروع خلال أحداث 17 تشرين 2019، وحجبت الأموال عن المودعين في وقت تمّ تهريب ملايين الدولارات الى الخارج من قبل نافذين ومصرفيين، في أكبر خيانة وطنية عرفها لبنان في العصر الحديث...

اليوم، في ظل هذه الأحداث ونتائجها، ومع استمرار البعض بتشنيف آذاننا بمطالعات ثورية مثالية وطنية، حول "كلن يعني كلن" و "التغيير الحقيقي" واستقلالية السلطة القضائية وغيرها، لا بد لنا من أن نطرح على هؤلاء الأسئلة التالية:

- كيف يمكن لثورة أن تدّعي رغبتها في بناء وطن يحكمه القانون، تقوم بالتبرير لرياض سلامة بحقه بأن لا يمثل أمام القضاء اللبناني بالرغم من مثوله أمام القضاء الفرنسي والبريطاني والسويسري؟.

- كيف يمكن لثورة تدّعي أنها مع حقوق المرأة اللبنانية، وتعتبر أن "الثورة أنثى" أن تهتك عرض الامهات وتشتمهن بأكثر أنواع البذاءة اللاأخلاقية، وتعيير قاضية تكافح الفساد بمظهر شعرها وتتهمها بالجنون؟.

- كيف يمكن لثورة أن تدّعي أنها مع شعار "كلن يعني كلن"، أن تقوم بالتعبئة اليوم لإنشاء جبهة (مدعومة من الدول العربية والدولية بحسب تعبيرهم هم) للمطالبة بحكومة انتقالية برئاسة قائد الجيش في حال لم يستطع الحريري تشكيل حكومة!! إذا الحل برأيهم يكون بأن يشكّل الحريري حكومة وإلا فالانقلاب العسكري؟ وعليه، لماذا قامت الثورة بالإطاحة بالحريري أصلاً، وهل الانقلاب العسكري هو التطبيق العملي لحلم "الدولة الديمقراطية والانتخابات الحرّة النزيهة" الموعودة بحال نجاح الثورة كما بشرونا في بداياتها؟.

- كيف يمكن لثورة تدّعي ايمانها بضرورة إقامة "الدولة المدنية"، بتنصيب رجل دين ملهماً ثورياً وناطقاً باسمهم؟.

- كيف يمكن لثورة تريد محاسبة الجميع على نهب المال، أن تقف ضد التدقيق الجنائي وتعتبر "أنه مش وقته هلق" وتشكيل حكومة "كما يريدها الحريري" هو الأهم!.

- كيف يمكن لثورة تعتبر أنه يجب الإطاحة بالسياسيين جميعهم لأنهم فاسدون أثروا على حساب الشعب ومدخراته، بينما نجد العديد ممن يتكلمون باسم الثورة عليهم مئات علامات الاستفهام فيما يتعلق بحساباتهم المالية، ومظاهر الثراء الفاحش التي هبطت عليهم فجأة؟

هي أسئلة كثيرة، لا نجد إجابات عليها سوى التخوين والاتهام بأننا "غنم وعبيد"... ولكن!

يبقى الأمل بالعديد من المجموعات التي نزلت في 17 تشرين أملاً بالتغيير، وبالأغلبية الصامتة التي تتضامن مع نفسها في الأساس، فتتضامن مع كل بارقة أمل بحكم قانون وبمحاسبة حقيقية في لبنان.. الى هؤلاء نقول، سنبقى نقاتل معاً الى أن ينتصر لبنان.

والى مَن يتلقى التمويل لتيئييس اللبنانيين وذلّهم عبر تكريس حكم الزعران (باسم الثورة) المستمر منذ ما بعد الحرب الأهلية، الى هؤلاء نقول: خسئتم أنتم وثورتكم المزعومة، وستنهزمون شرّ هزيمة. 

هل يدفع بايدن روسيا الى الحرب مع أوكرانيا؟


يعيش العالم على وقع قرع طبول الحرب في أوكرانيا، بتدفق الحشود العسكرية الروسية على الحدود معها من جهات عدّة بحراً وبراً، بعد أن تصاعدت حدّة التوترات والإجراءات والإجراءات المضادة بين كل من روسيا من جهة، والأميركيين ودول حلف الناتو من جهة أخرى.

 

منذ مجيء جو بايدن إلى البيت الأبيض، بدأ الحديث عن انطلاق مسار انضمام بعض الدول، ومنها أوكرانيا، إلى حلف الناتو، إضافةً إلى مشاركة الأخيرة في المناورات العسكرية التي شجّعت الرئيس الأوكراني زلنسكي على الهجوم اللفظي على موسكو والتهديد بالحرب لاستعادة الأراضي الأوكرانية.

 

وكاد الموضوع العسكري يأخذ أبعاداً شديدة الخطورة لولا تراجع الأميركيين عن خطوة إرسال سفينتين حربيتين إلى البحر الأسود، وإبلاغ تركيا بعدم مرور السّفن، وذلك بعد الرسالة الروسية التحذيرية، إذ وجّهت روسيا إنذاراً شديد اللهجة إلى الولايات المتحدة بالبقاء بعيداً من شبه جزيرة القرم "من أجل مصلحتها"، معتبرة أن أي انتشار للبحرية الأميركية في البحر الأسود سيعتبر "استفزازياً للغاية"، ووصفت هذا الانتشار بأنه استفزاز يهدف إلى اختبار الأعصاب الروسية.

 

ADVERTISING

 

وفي تحدٍ واضح للروس، أعلنت بريطانيا عن توجّه سفن حربية بريطانية إلى البحر الأسود في شهر أيار/مايو المقبل، وذلك بعدما أعلنت روسيا تقييد ملاحة السفن العسكرية والرسمية الأجنبية في أجزاء من البحر الأسود حتى شهر تشرين الأول/أكتوبر 2021، الأمر الّذي أثار إدانات سريعة من قبل أوكرانيا والاتحاد الأوروبي.

 

هكذا، نجد أنَّ المنطقة تدفع دفعاً نحو التصعيد العسكري، ويجد الروس أنفسهم يسيرون نحو الانخراط في حرب من المرجح أنهم لا يريدونها، فما الأسباب التي تدفع إدارة بايدن إلى هذا التصعيد؟

 

منذ مجيئه إلى البيت الأبيض، ازدادت العدائية الأميركية تجاه روسيا، وتجلّت بوصف بايدن لبوتين بأنّه "قاتل"، ورفضه العرض الروسي لإجراء مباحثات معه، ثم قبوله بعد فرض عقوبات على الروس. ويبدو أنَّ العدائية تجاه روسيا، والتي تطبع تصرفاته وقراراته، تنطلق من عوامل شخصية وأخرى استراتيجية، نوجزها بما يلي.

 

1- العوامل الشخصية، وتتجلّى في:

 

- تأثر بايدن بحقبة الحرب الباردة التي عاشها كسياسي أميركي.

 

- الحنق الَّذي يشعر به إثر بروز تقارير استخبارية تشير إلى تلاعب روسي بالانتخابات الأميركية (2016 و2020) لمصلحة خصمه دونالد ترامب.

 

- حاجته إلى الظهور بمظهر "القوي والعنيف"، رداً على الحملات الداخلية التي تصفه بالضعف الشديد.

 

2- أما من الناحية الاستراتيجيّة، فيمكن الإشارة إلى أمرين:

 

الأول: إبقاء روسيا تحت ضغط "توسيع حلف الناتو"، إذ يدرك الجميع حساسية موسكو من موضوع توسّع حلف الناتو وانضمام الدول المحيطة بها إليه، لما في ذلك من خطورة استراتيجية على أمنها القومي. وقد اختبر الأوروبيون والأميركيون خطورة استفزاز الروس في هذا الأمر، وذلك منذ الإعلان عن نيّة ضمّ كلّ من أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف في العام 2008، وانجرار جورجيا إلى تحدّي الروس، ما كبّدها تدخلاً عسكرياً روسياً وخسارة إقليمين (أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية).

 

وقد أنعش بايدن الأحلام الأوكرانية بالانضمام إلى الناتو للضغط على موسكو، على الرغم من أنَّ هناك عوائق جوهرية تمنع دخول أوكرانيا إليه، منها عدم السماح للدول التي تشهد نزاعات إقليمية مع جيرانها بالانضمام إليه، وهو ما يشجع الروس على النزاع مع تلك الدول، ما يعطّل قدرتها على الانضمام إلى الحلف.

 

 أضف إلى ذلك أنَّ قبول انضمام دولة إلى الحلف يحتاج إلى اتفاق بالإجماع داخله (المادة 10)، وهو غير متوفر، إذ يتخوّف أعضاء الناتو من أن انضمام أوكرانيا سيحتّم عليهم تطبيق معاهدة الدفاع المشترك (المادة 5)، ما سيجعلهم في مواجهة عسكرية مع موسكو.

 

الثاني والأهم: جرّ ألمانيا إلى إلغاء خطّ أنابيب "نورد ستريم 2"

 

يتعرّض الرئيس الأميركي جو بايدن لضغوط شديدة من قبل الكونغرس الأميركي لفرض عقوبات على خط الأنابيب بين روسيا وألمانيا "نورد ستريم 2" ومنع استكماله، لكنه يتريث في فرض تلك العقوبات، لما قد يكون لها من تأثير سيئ في علاقة الولايات المتحدة بألمانيا، وبالتالي الاتحاد الأوروبي. وقد أوضح الألمان لكلّ من ترامب وبايدن أنَّهم لن يتخلّوا عن المشروع الذي أوشك على الانتهاء، بعد أن استثمروا فيه ما يزيد على 16 مليار يورو.

 

حاول الأميركيون دفع ألمانيا إلى شراء الطاقة من الولايات المتحدة كبديل من الغاز الروسي، ولكن الكلفة كانت أكبر. لذا، يندفعون إلى محاولة عرقلة الأنبوب، لما يحققه من فائدة اقتصادية هائلة للروس، إضافةً إلى المزايا الاستراتيجية باحتكار إمداد الطاقة لأوروبا، وخصوصاً في ظل تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى الغاز كلياً بحلول العام 2030 لدواعٍ بيئية.

 

هكذا، يبدو أن ثمة مجموعة عوامل تدفع الرئيس الأميركي إلى استفزاز الروس للخروج عن ضبط النفس والتسبّب بنزاع عسكري محدود مع أوكرانيا (لن ينخرط الناتو في الدفاع عنها في حال اندلاع النزاع). يعتقد البعض في الإدارة الأميركيّة وفي مراكز التفكير الأميركية أنّ أيّ نزاع عسكريّ أو هجوم روسيّ على أوكرانيا، يمكن أن يدفع الألمان إلى حرج شديد يضطرون معه إلى تجميد العمل بأنبوب "نورد ستريم 2".

 

وفي أفضل الأحوال، تأمل إدارة بايدن أن يؤدي التصعيد إلى الضّغط على الروس لتمديد عقود إمداد الطاقة مع أوكرانيا (تنتهي في العام 2024) لمدة 10 سنوات إضافية، بما يتيح لهم الوقت الكافي لتأمين مصادر طاقة بديلة إلى أوروبا خلال هذه الفترة. 

2021/04/14

هل تكون خطة بايدن فرصة أميركا الأخيرة؟

افتتح الرئيس الأميركي جو بايدن معركة داخلية طويلة الأمد، ستأخذ الحيز الأكبر من النقاش الداخلي في الولايات المتحدة الأميركية لأسابيع قادمة، هي معركة إقرار حزمة تمويل تحديث البنى التحتية في الولايات المتحدة.

 

بحسب قوله، لم تقم الولايات المتحدة، ولعقود عدّة، بتحديث جدّي وحقيقي للبنى التحتية. لذا، يطلب بايدن من الكونغرس الأميركي إقرار حزمة تمويل مقدارها 2.25 تريليون دولار أميركي، على أن يتم التمويل عبر زيادة فرض الضرائب على الشركات الكبرى، وهو ما يرفضه الجمهوريون بشدة.

 

يؤكّد البيت الأبيض أنَّ هذه الخطة ستقدم تصوّراً لبناء اقتصاد جديد، وستخلق ملايين الوظائف للأميركيين، وتعيد بناء البنى التحتية، والأهم أنها ستجعل أميركا "في وضع يسمح لها بمنافسة الصين"، كما يذكر موقع البيت الأبيض في شبكة الإنترنت.

 

ADVERTISING

 

بالفعل، إن التقدم الهائل الاقتصادي والاجتماعي والتقني الخارجي والداخلي الذي أحرزته الصين منذ دخولها إلى منظمة التجارة العالمية في العام 2001 ولغاية اليوم، دفع الأميركيين إلى القلق من تنامي الصعود الصيني، فالتقدم الذي حقَّقته الصين على شتى المستويات بات أمراً غير مسبوق، وقد أتى أحياناً على حساب الولايات المتحدة وعمالها واقتصادها الداخلي. وللمقارنة بين سرعة التطور بين البلدين، نذكر بعض المؤشرات على سبيل المثال لا الحصر:

 

 

 

-  البنى التحتية

في تبرير الحاجة الماسّة للحزمة المطروحة، يقول الأميركيون إنَّ الاقتصاد الأميركي البالغ قيمته 20 تريليون دولار يعتمد على شبكة قديمة جداً من البنية التحتية بنيت منذ عقود، من الطرق والجسور، إلى السكك الحديدية للشحن والموانئ، إلى الشبكات الكهربائية وتوفير الإنترنت.

 

ويقول الاقتصاديون الأميركيون إن التأخير وتكاليف الصيانة المتزايدة يعوقان الأداء الاقتصادي. وهناك مخاوف تتعلق بالسلامة أيضاً، إذ إن العديد من الجسور معيب من الناحية الهيكلية، وقساطل مياه الشفة القديمة وأنظمة الصرف الصحي باتت تشكّل مخاطر على الصحة العامة.. ما يجعل الولايات المتحدة متخلفة عن البلدان المتقدمة الأخرى في الإنفاق على البنية التحتية، بحسب التقارير الأميركية.

 

 

 

-  البطالة

خلال العام 2020، وبمعزل عن الأرقام المتغيرة شهرياً بسبب جائحة كورونا التي أدخلت العالم كلّه في ضائقة اقتصادية، وأدخلت الملايين حول العالم في البطالة القسرية بسبب الإقفال العام، كانت نسبة البطالة في الولايات المتحدة 8% تقريباً، في تحسن ملحوظ عن العقد السابق، حين ضربت الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2008 الاقتصاد الأميركي، ودفعت كثيرين إلى البطالة والفقر والتشرد.

 

أما في الصين، فقد بلغ متوسط البطالة في عموم البلاد ما يوازي 3.6% في العام 2019. وتختلف نسب البطالة فيها بين المناطق الحضرية والريفية. على سبيل المثال، بلغت البطالة في بكين 1,3% في العام 2019.

 

 

 

- محاربة الفقر

تشير الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة (1990-2019) إلى أن معدل الفقر تراجع في الولايات المتحدة، ليرسو على معدل 10.5 (قبل جائحة كورونا). ويختلف معدل الفقر في الولايات المتحدة على نطاق واسع باختلاف المجموعات العرقية.

 

يعد الأميركيون من ذوي البشرة السمراء أكثر المجموعات العرقية التي تعيش تحت خط الفقر. وفي العام 2019، أشارت الإحصائيات الأميركية الرسمية إلى أن حوالى 19% من أصحاب البشرة السمراء كانوا تحت خط الفقر، بينما كان 7.3% من السكان البيض (غير اللاتينيين) يعيشون تحت خط الفقر. كما تتباين هذه الأرقام بين الولايات، ففي ولاية كاليفورنيا كان حوالى 4.66 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر في العام 2018، مقابل 465 ألف شخص في مينيسوتا.

 

أما الصين التي بدأت مسيرة الانفتاح وإصلاح الاقتصاد في العام 1978، فقد استطاعت انتشال أكثر من 800 مليون شخص من الفقر بحلول العام 2020، بحسب تقديرات البنك الدولي. وكان الرئيس الصيني شي جينبيغ قد أعلن في شباط/فبراير الماضي أنَّ الصين حقَّقت "انتصاراً كاملاً" في مجال مكافحة الفقر في المناطق الريفية خلال 8 سنوات فقط من عهده (ما يوازي 100 مليون إنسان)، وأن معدل الفقر في الصين اليوم هو صفر.

 

تثير هذه الإحصائيات والأرقام الصينية الكثير من الانتقادات في الولايات المتحدة، متحدّثة عن أنَّ الصين الآن تعد دولة ذات دخل متوسط عالٍ، وبالتالي إن المقياس أو معدّل الدخل الفردي اليومي الذي يعلن الصينيون فيه الانتصار على الفقر متدنٍ جداً بالنسبة إلى الاقتصاد الصيني المتسارع، كما يعني أن هناك عدداً كبيراً من المواطنين الصينيين ما يزالون يعتبرون "فقراء" بمعايير البلدان المتوسطة الدخل.

 

 في المحصّلة، وعلى الرغم من أنَّ الاقتصاد الأميركي يعدّ الأقوى والأول عالمياً، فإن التأخر في التحديث ومعالجة الأزمات البنيوية التي يعانيها المجتمع الأميركي، كالفقر والبطالة والفجوة الكبيرة والهائلة بين مستوى معيشة السكان، وتكدس الثروة بيد فئة قليلة جداً، وتقاضي 1% من الأميركيين ما يوازي جميع ما يتقاضاه 90% من باقي السكان... تجعل جميعها ولاية بايدن الحالية الفرصة الأخيرة للأميركيين لمنع الصين من التفوق الاقتصادي على الولايات المتحدة في العقد القادم، فإما أن يقتنصوها فيحدوا من قدرة الصين على الصعود إلى المرتبة الأولى عالمياً، وإما يستمروا بالغرق في الحزبية والانقسام والتعطيل، فتكون فرصة ذهبية للصين للتفوق، ستستغلها حتماً، ولن تنتظر. 

2021/04/12

هجوم "اسرائيلي" على المفاعل النووي .. هل ترد إيران؟



بالرغم من الصمت الرسمي الاسرائيلي، وعدم التأكيد أو النفي، أعلنت العديد من وسائل الإعلام الاسرائيلية عن أن الهجوم الذي استهدف المفاعل الايراني النووي ( نطنز) هو من تدبير الموساد الاسرائيلي وتنفيذه، وتحدثت عن أن الهجوم الاسرائيلي على المنشأة تسبب في انفجار وإنقطاع الكهرباء داخل المنشأة ما سيمنع الإيرانيين من تخصيب اليورانيوم لعدة أشهر.

وأكدت ايران على لسان رئيس وكالة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي أن ما أصاب منشأة نطنز النووية هو "إرهاب نووي"، معتبراً إن هذا الهجوم "ضد مركز التخصيب في ناطنز يظهر فشل معارضي التقدم الصناعي والسياسي في البلاد في منع التطور الكبير للصناعة النووية، ومعارضي نجاح المفاوضات في رفع العقوبات الجائرة"، ولفت إلى أنه «لإحباط أهداف منفذي هذه الحركة الإرهابية، ستواصل الجمهورية الإسلامية الإيرانية التوسع الجاد في التكنولوجيا النووية من جهة، والعمل على رفع العقوبات الجائرة من جهة أخرى".

واللافت أن الهجوم الاسرائيلي يأتي في وقت يقوم فيه وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن بزيارة الى "اسرائيل" تستمر يومين، أكد خلالها الالتزام الأميركي بدعم إسرائيل وتحسين قدراتها، من غير أن يُعرف إن كان الهجوم الاسرائيلي على منشأة ناطنز هو بالتنسيق مع الأميركيين أم لا.

وبكل الأحوال، وبغض النظر عن التنسيق الأميركي مع الاسرائيليين قبل الضربة أو عدمه، إلا أن إدارة بايدن سوف تستفيد من هذا الهجوم على المفاعل النووي الايراني، كما يلي:

- تعاني إدارة بايدن من ضغوط داخلية في الداخل الأميركي من قبل صقور الديمقراطيين ومن الجمهوريين لعدم التسرع في إزالة العقوبات التي فرضها ترامب على إيران، قبل التفاوض على إتفاق جديد تحصل فيه الولايات المتحدة على تنازلات من الايرانيين، بينما تمارس جهات أخرى الضغط على بايدن وإدارته، معتبرين أنه هناك حاجة للإسراع في الجلوس الى الطاولة مع الايرانيين، وذلك بسبب الدخول الصيني على خط التفاوض مع إيران وقيامه بإنقاذ الاقتصاد الايراني عبر الاتفاقية الموقعة بينهما، ما يعطي إيران دفعاً لمزيد من التصلب، بالإضافة الى ضرورة الاسراع في العودة الى الاتفاق النووي لمنع إيران من الاستمرار في زيادة نسب تخصيب اليورانيوم ما يجعلها على شفير امتلاك تقنية تصنيع سلاح نووي خلال مدة زمنية قصيرة.

وأمام هذه الضغوط من الجهتين، ورغبة الإدارة بتأجيل الملفات الخارجية الحساسة، لحاجتها لإلتقاط الأنفاس في الداخل بسبب المشاكل الحزبية وحاجة البلاد الى الخروج من الجائحة وتعويم الاقتصاد، يعطي هذه الهجوم هامشاً للأميركيين للتريث في المفاوضات مع الايرانيين وعدم الاستعجال في رفع العقوبات، خصوصاً بعدما ادعى أحد المسؤولين في الاستخبارات الاسرائيلية (صحيفة نيويورك تايمز) بأن التفجير سيؤخر التخصيب الايراني لمدة تسعة أشهر.

أما بالنسبة للإيرانيين، وبالرغم من أن هناك حاجة ماسّة للرد بعدما قام الاسرائيليون بعدة عمليات عدوانية سابقة على المفاعلات النووية، وقيام الموساد باغتيال العالم النووي الايراني محسن فخري زادة، إلا ان تصريح المسؤول الايراني يعكس حقيقة التوازن الدقيق الذي تجد إيران نفسها ملزمة به، وهو أن تسير بين حدّين ضروريين، قد يفجّر أحدهما الآخر:

ضرورة الردّ على اسرائيل للحفاظ على توازن الردع في المنطقة وللقول أن هذه الاعتداءات لن تمر من دون كلفة، وبين حدّ الرد الانتقامي الذي يمكن أن يسبب تدحرجاً للأمور في المنطقة تتعقّد معها الجهود الدبلوماسية النووية لرفع العقوبات عن إيران والعودة الى الاتفاق النووي لعام 2015...

وبين هذين الحدّين، يُفترض أن يختار الايراني، تأجيل الردّ على اسرائيل، وذلك لأن الانجرار الى الردّ قد يكون أغلى كلفة من عدم الردّ، إذ أنه يحقق الهدف الاسرائيلي بتعطيل العودة الى الاتفاق النووي، وهو ما لا تريده إيران مطلقاً. 

2021/04/09

"عودة أميركا": استراتيجية كبرى تفتقد للحلفاء

أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في شباط/ فبراير الماضي أن "أميركا عادت" ، وكرر العبارة مرات ثلاث، للتأكيد لحلفائه الاوروبيي بأن الولايات المتحدة الأميركية ستعود الى حلفائها، وستعود لقيادة العالم الغربي، تمهيداً لإعادة الهيمنة الأميركية على العالم.

لا شكّ أن بايدن وخلال فترة وجيزة استطاع أن يعيد سياسة الولايات المتحدة الخارجية الى سياقها التقليدي قبل دخول ترامب الى البيت الأبيض، فعاد الى الانضمام الى اتفاقية باريس للمناخ، ومنظمة الصحة العالمية، وعطل قرار ترامب لسحب القوات الأميركية من ألمانيا، وقام بتمديد معاهدة ستارت الجديدة للأسلحة النووية مع روسيا، وعاد الى طاولة المفاوضات للعودة الى الاتفاق النووي مع إيران، وأعلن عن نتائج التحقيقات في قضية خاشقجي، وأعلن عزمه إنهاء الانخراط العسكري في اليمن... وكما سابق عهدها أيضاً، عاد بايدن الى سياسة واشنطن التقليدية باتخاذ إعلانات حقوق الإنسان وحماية المعارضين ذريعة لتدخلات في شؤون الدول الأخرى أو لفرض عقوبات على معارضي السياسة الأميركية.

وبالرغم من التصحيحات التي تقوم بها إدارة بايدن لما يسميه الأميركيون "التخريب" الذي قام به ترامب وإدارته في الخارج، إلا أن الأوروبيين يبدون عاجزين عن السير مجدداً بالطاعة وراء الولايات المتحدة الأميركية، التي تبيّن أنها ابتعدت عن النمط المؤسساتي في صناعة السياسة الخارجية، وباتت محكومة بإرادة الرئيس الذي يتغيّر كل أربع سنوات. ويبدو أن القادة الأوروبيين الذين لم يبدوا حماسة لخطاب بايدن خلال مؤتمر ميونيخ، يتناغمون فعلياً مع توجه أوروبي عام، بدأ بالظهور من خلال استطلاعات الرأي، ونعرض أبرزها في ما يلي:

- أميركا محطمة سياسياً، لا يمكن الاعتماد عليها

في استطلاع حديث للرأي أجراه "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، ظهر أن معظم الأوروبيين ينظرون للولايات المتحدة الأميركية على أنها "محطمة سياسيًا" ومن المرجح أن "تتفوق عليها الصين قريبًا كقوة عالمية". كما دعت غالبية المستطلعين الدول الأوروبية الى "مزيد من الاعتماد على الذات". وكانت نسبة 60 بالمئة على الأقل من المشاركين في كل بلد شملهم الاستطلاع - ومتوسط 67 بالمئة في جميع تلك البلدان- أعلنت أن الأوروبيين "لا يستطيعون الاعتماد دائمًا على الولايات المتحدة للدفاع عنهم"، وبالتالي هم "بحاجة إلى الاستثمار في الدفاع الأوروبي". واللافت للنظر أن 74 بالمئة من البريطانيين الذين شملهم الاستطلاع يؤمنون بهذا الرأي وهي أعلى نسبة بين الدول الأوروبية التي تمّ استطلاع آراء مواطنيها.

- الحياد في حرب الولايات المتحدة ضد الصين

ومن ضمن استراتيجية "عودة أميركا"،  دعا بايدن الدول الأوروبية للإنضمام الى الولايات المتحدة لتشكيل جبهة موحدة ضد الصين وبالتالي احتوائها ومنع صعودها العالمي. وبعدما أعلنت المفوضية الأوروبية، في كانون الأول / ديسمبر 2020 أن الاتفاقية الشاملة للاستثمار (وهي صفقة استثمارية مقترحة عام 2013 بين جمهورية الصين الشعبية والاتحاد الأوروبي) تمّ إبرامها من حيث المبدأ من قبل قادة مجلس الاتحاد الأوروبي، وباتت بانتظار تصديق البرلمان الأوروبي، حصلت ضغوط هائلة من قبل الأميركيين على حلفائهم الأوروبيين لعدم إقرار الاتفاقية في البرلمان الأوروبي، وهو ما رضخ له الأوروبيون، متذرعين  بأن هذا التأخير سببه سلوك الصين "غير المقبول" تجاه أعضاء البرلمان واللجنة السياسية والأمنية التابعة للمجلس الأوروبي ومراكز الأبحاث الأوروبية.

ولكن البرلمان الأوروبي لا يعكس فعلياً نظرة المواطنين الأوروبيين وموقفهم من التحالفات الجيوسياسية بين ضفتي الأطلسي، فلقد أظهر الاستطلاع نفسه الذي أجراه "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية"، أنه، في أوروبا اليوم، "لا يوجد حلم بالعودة إلى عالم ثنائي القطب يواجه فيه الغرب الصين وحلفائها كما فعل في السابق ضد الاتحاد السوفيتي".

وتتقاطع هذه النتائج مع استطلاع أوروبي شامل قام به المركز نفسه في وقت سابق عام 2019، حيث ظهر أن الغالبية العظمى من المشاركين (في جميع البلدان التي شملها الاستطلاع) يفضلون البقاء على الحياد في أي نزاع قد يحصل بين الولايات المتحدة والصين، أو بين الولايات المتحدة وروسيا. ويسود هذا الاتجاه حتى في الدنمارك وبولندا، الدولتان اللتان لديهما أعلى نسب من الأشخاص الذين يرغبون في الوقوف إلى جانب الولايات المتحدة - 35 في المائة و 30 في المائة على التوالي.

في الخلاصة، يبدو أن حلم عودة أميركا للهيمنة على العالم الذي وضعه بايدن من ضمن أولوياته، والذي يفترض بالدرجة الأولى، تكريس الزعامة في العالم الغربي، دونه عقبات عدّة، ابرزها استعادة الثقة بين ضفتي الأطلسي بعدما دمرها ترامب بسياساته الوطنية الضيقة، وتصنيفه الاتحاد الاوروبي كخصم. كما تفترض جهد كبير من قبل الاميركيين مع الحلفاء، للتأكيد على استمرارية السياسة الخارجية المتبعة اليوم بعد عام 2024، وهو أمر يبدو مستحيلاً، إذ من الصعب التنبؤ بعدم عودة ترامب أو من يشبهه الى البيت الابيض. 

2021/04/05

لمصلحة مَن الفوضى في الأردن؟


 

ليلى نقولا

 

بعد سلسلة اعتقالات نتيجة فشل عملية إنقلابية في الأردن، خرج وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ليعلن أن "التحقيقات تؤكد تورط جهات خارجية في القضية، ورصدت اتصالات مع جهات خارجية حول التوقيت الأنسب للبدء بخطوات زعزعة أمن الأردن". وأكد أن "هناك من وظف أمنيات لخدمة أجندات منطلقة من هدف ضرب الأردن وموقفه من قضايا رئيسة في المنطقة".

 

ولعل العبارة الأخيرة قد توحي بشكل أساسي من يريد زعزعة استقرار الممكلة الأردنية الهاشمية، ومَن يريد الإطاحة بالملك الأردني عبدالله بن الحسين والإتيان بأخيه ملك على الأردن، ولمصلحة مَن الفوضى في الاردن؟

 

بداية، لا بد من العودة بالتاريخ الى عام 2017، أي العام الذي استلم فيه دونالد ترامب الحكم في أميركا، وإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل ثم اندفاعته لإجبار الفلسطينيين على القبول بتصفية القضية الفلسطينية تحت شعار "صفقة القرن" وموقف الأردن من تلك التطورات، والنتائج التي ترتبت عن مواقف الملك الأردني:

 

مبكراً أعلن الملك الأردني رفضه إعلان كامل القدس عاصمة لإسرائيل معتبراً أن كل إجراءات إسرائيل في القدس التي تهدف لتغيير طابعها ووضعها القانوني باطلة، وأكد خلال لقائه مع نائب الرئيس الأميركي مايك بنس (كانون الثاني 2018) على ضرورة التوصل لحل الدولتين بين إسرائيل والفلسطينيين على حدود 1967 وأن تكون القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطينية مستقبلية.

 

ولم يكتفِ الملك الاردني بذلك، ولكنه حضر بنفسه قمتي اسطنبول الاولى والثانية الاستثنائية، بالرغم من الضغوط الخليجية التي مورست عليه وعلى محمود عباس لعدم الحضور. حضر الملك عبدالله ومحمود عباس القمة الاولى، ولكن عباس تذرع بمرضه ولم يحضر القمة الثانية بينما حضر الملك الأردني وألقى خطاباً رفض فيه صفقة القرن، واعتبر أن القدس توأم عمان (أيار 2018).

 

شكّل حضور الملك الأردني رسالة قوية للخليجيين خاصة للسعودية التي زارها قبل الذهاب الى اسطنبول، وتحدثت تقارير عن ضغوط مارسها ولي العهد السعودي عليه لعدم الحضور أو الاكتفاء بمشاركة أردنية رمزية، لكن حضور الملك اعتبر تحدياً لكل من ترامب ولولي العهد السعودي ورسالة للخليجيين بأن تعميق أزمة الأردن الإقتصادية من خلال رفض تقديم الدعم المالي للخزينة الأردنية لن يدفع به الى الموافقة على صفقة القرن الأميركية، وأن مسألة سحب الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وتحويلها الى السعودية لن تمر.

 

مباشرة، بعد قمة اسطنبول الثانية بدأت الاحتجاجات في عمان في أواخر أيار وأوائل حزيران 2018، ضد قانون رفع ضريبة الدخل وارتفاع الأسعار في عدد من المدن الأردنية، ومطالبة بإسقاط الحكومة... كان واضحاً أن هناك من يحاول ابتزاز الأردن للموافقة على صفقة القرن، وإلا الدخول في المجهول. لكن القبول الأردني بالصفقة كان خياراً مميتاً، إذ أنه أمراً يمسّ بالأمن القومي الأردني وبوجود الأردن ككل، فمن ضمن مشروع تصفية مشروع "دولة فلسطينية" مستقبلية، اقترحت صفقة القرن أن يكون الأردن وطناً بديلاً للفلسطينيين.

 

وبعد رحيل ترامب، استمر أصحاب مشروع صفقة القرن بمحاولة تطبيقه، فمنع نتنياهو زيارة ولي العهد الأردني الى الحرم القدسي (استمراراً في رفض الوصاية الأردنية على المقدسات)، فردّ الأردن بمنع طائرة نتنياهو المتجهة الى الامارت من المرور فوق أجوائه.

 

وهكذا، قد يكون التحريض على الانقلاب على الملك الاردني خليجي الطابع وذلك للروابط التي تربط الدول الخليجية بالعشائر الأردنية والتمويل والعلاقة مع الأمير حمزة بن الحسين والدائرة المحيطة به وأعوانه الأساسيين، لكن المستفيد الأكبر من الفوضى في الأردن هي، بالدرجة الأولى، اسرائيل. 

2021/04/02

الاتفاق النووي الايراني: بايدن في وضع غير مريح


 

رحب العديد من الأميركييين والأوروبيين ودعاة السلام في أميركا والعالم بإعلان الاتحاد الأوروبي عن اجتماعات في فيينا الأسبوع المقبل، بين جميع الأطراف الموقعة على الاتفاق النووي بما فيها الولايات المتحدة للتباحث في كيفية العودة للإتفاق، لكن طهران كررت موقفها برفض التفاوض المباشر مع واشنطن.

 

وبالإعلان الأميركي عن المشاركة في تلك الاجتماعات، تكون الإدارة الأميركية قد تجاوزت استراتيجية "التأرجح" التي طبعت مواقفها حيال العودة الى الاتفاق النووي التي وقعته إدارة الرئيس باراك أوباما، وخرج منه دونالد ترامب بشكل آحادي، معيداً فرض العقوبات على طهران ومتسبباً بكارثة اقتصادية وإنسانية للشعب الايراني.

 

ويعكس التخبط والتأرجح الذي شهدته مسألة العودة الى الاتفاق النووي، الوضع العام الحرج الذي تعيشه إدارة بايدن في الداخل، والذي ينعكس على مجمل الملفات الداخلية والخارجية ومنها الملف الايراني، وتبدو أبرز ملامح هذا الحرج، كما يلي:

 

1- رئيس تقليدي بأجندة تقدمية

 

لا شكّ أن الحزب الديمقراطي قد تعلم درساً قاسياً لا يُنسى عام 2016، حين أصرّت مؤسسات الحزب على ترشيح هيلاري كلينتون والإطاحة بالمرشح اليساري بيرني ساندرز، ما جعل ترامب يكتسح الانتخابات. وفي العام 2020، أدرك الديمقراطيون أن ليس بإمكانهم الفوز بدون الرافعة "التقدمية" في الحزب والتي تشكّل عصب الحركات الشعبية والسود والفقراء والمهمشين، ما جعل الطبقة السياسية التقليدية التي يمثلها بايدن، تقيم تحالفاً انتخابياً  مع السيناتور بيرني ساندرز، عبر "أجندة" للحكم، وخطة عمل تعهد بايدن بتطبيقها في حال الوصول الى الرئاسة. وتتضمن تلك الاجندة الكثير مما يعد التقدميون جمهورهم به، كحماية البيئة ورفع الحد الأدنى للأجور والتعليم والصحة للجميع وسواها.

 

2- إدارة متباينة إيديولوجياً

 

بعد فوز بايدن، وفي خضّم تشكيل فريق الإدارة الجديد، حصلت معارك سياسية هائلة بين الجناح التقدمي والطبقة التقليدية للحزب الديمقراطي لفرض مرشحيهم لملء المراكز في الإدارة الجديدة. وخاض التقدميون معارك طاحنة على المناصب، انطلاقاً من شعار السناتور إليزابيث وارن بأن "الموظفين هم السياسة" معتبرة أنه يجب على التقدميين فرض الموظفين المناسبين في السلطة التنفيذية لأنهم يمتلكون سلطة خفض أسعار الأدوية، وتعديل قروض الطلاب أو إلغائها، وتحويل مليارات الدولارات إلى الطاقة الخضراء البديلة وغيرها.

 

حاول بايدن إرضاء الجميع، فتمّ تشكيل إدارته من تقدميين معتدلين، ووسطيين، وجماعات باراك اوباما، ومرشحي المؤسسة الديمقراطية التقليدية الأثرياء، وجماعات اللوبيات من الحزب الديمقراطي. لكن الليبراليين التقدميين ينتقدون توظيفات بايدن باعتبارها آمنة للغاية، ومعتدلة للغاية، ومؤسساتية للغاية، وأعمارها كبيرة جدًا.

 

لا شكّ أن الإدارة الأميركية اليوم تتميّز بالتنوع الشامل، ولكن هذا التنوع يشكّل سيفًا ذو حدّين، فمن جهة هي تعكس التنوع في المجتمع الأميركي، ولكنها من جهة أخرى تتسم بالتناقض الايديولوجي لأعضائها. وهو ما ينعكس على العديد من الملفات الهامّة، مثلاً معركة رفع الحدّ الأدنى للأجور الذي رفض بايدن إدراجه من ضمن حزمة المساعدات الشاملة، كما كان يطالب التقدميون، ما جعله يسقط بالتصويت المنفرد عليه كقانون.

 

3- سياسة خارجية: خطوة للأمام خطوة للوراء

 

لا شكّ أن بايدن أرضى الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي من خلال سلسلة من الخطوات التي قام بها خارجيًا، كالعودة الى اتفاقية باريس للمناخ، الموقف من الحرب في اليمن، العودة الى منظمة الصحة العالمية، رفع العقوبات على المحكمة الجنائية الدولية الخ.

 

وبعد أن أظهرت استطلاعات الرأي أن بايدن يحظى بنسبة تأييد عالية جداً في حزبه، وحيث ظهر أن 86% من الديمقراطيين راضون عن آدائه في الأشهر الأولى، يحاول بايدن المحافظة على هذه النسب، فيحاول إرضاء الجميع. مثلاً، في السياسة الخارجية، وبسبب القلق من التعرض للهجوم من قبل الصقور ومن المحافظين في الحزب الديمقراطي، بشأن عدم الحزم الكافي بشأن الصين أو روسيا أو إيران، يقوم بالشيء ونقيضه في العديد من القضايا الخارجية، فهو يريد العودة للاتفاقيات النووية مع روسيا ومستعد للتعاون معها ولكنه يصف بوتين بالقاتل، ويريد العودة للإتفاق النووي مع إيران ولكنه يشترط أن يتنازل الايرانيون في البداية.

 

دعا الكثير من الصقور في الحزب الديمقراطي ومن مؤيدي اسرائيل في الإدارة، إدارة بايدن الى حرب باردة مع إيران وممارسة سياسة احتواء تسقط النظام الايراني، تماماً كما حصل مع الاتحاد السوفياتي خلال الثمانينات، لكن الجناح الأكثر اعتدالاً أعرب عن خشيته من أن يقوّض هذا الموقف الأميركي القاعدة المعتدلة والاصلاحيين داخل إيران وبالتالي تندفع إيران الى سياسات أكثر تشدداً ستضر بالولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.

 

وفي ظل التردد الأميركي وحاجة بايدن للإنكفاء الى الداخل لمعالجة القضايا الملحة، ومنها الخروج من جائحة كورونا، والعنصرية المتجذرة والتي تنذر بقلق أمني واجتماعي، وضرورة تحديث البنية التحتية الأميركية التي تحتاجها البلاد في حال أرادت النهوض بالاقتصاد وإعادة التصنيع الى الولايات المتحدة... استغلت الصين هذا الانكفاء المرحلي، لتقوم بسياسة هجومية دبلوماسياً واستثمارياً في المناطق الحيوية في العالم، وتوّقع اتفاقاً تاريخياً مع إيران.

 

وفي خضم هذا الهجوم الصيني للاستثمار في الشرق الأوسط، وعدم التراجع الايراني، وبعد التأكد من أن سياسة "الضغوط القصوى" التي مارسها ترامب في الشرق الأوسط قد أتت بنتائج عكسية وكانت مضرّة للنفوذ الأميركي ولأمن الجنود الأميركيين في المنطقة، ليس أمام بايدن وإدارته سوى القيام بعملية احتساب المخاطر والأرباح من ضمن المعادلة التالية:

 

أيهما أفضل لأولوياتنا (التعافي الداخلي): بعض التوتر السياسي الداخلي جرّاء العودة الى الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران، أو خطر الانجراف الى صراع في المنطقة، قد تستغله الصين وروسيا لتوسيع دائرة نفوذهما في الشرق الأوسط؟... بكل الأحوال، إن تخفيف التوتر العالمي الذي يسمح بالتفرغ للداخل، ولجم الصين عالمياً يبدو دائماً الأهم والأكثر ربحاً للأميركيين اليوم