2021/01/11

باسيل يعرّي "يمين" التيار ويؤكد الثوابت


كان المؤتمر الصحفي الذي عقده الوزير السابق جبران باسيل مناسبة للتأكيد على الثوابت الأساسية التي قام عليها التيار الوطني الحر، وتكرّست خلال مسيرة قيادة الرئيس عون للتيار في مرحلة ما بعد عام 2005.

لا شكّ أن الظروف التي يمر بها لبنان والمنطقة أثرّت بشكل أوبآخر على التيار الوطني الحر، خاصة مرحلة "الضغوط القصوى" التي شهدها لبنان، وشهدها التيار بالأخص كونه حليفاً لحزب الله. لقد أدّت هذه الضغوط لإعطاء مساحة علنية لطرح بعض الأسئلة الداخلية حول جدوى هذا التحالف ومدى التزام حزب الله بوثيقة التفاهم وأهمها بند "بناء الدولة". لكن الأهم، أنها سمحت بخروج العديد من المحسوبين على التيار بتصريحات علنية أقل ما يقال فيها أنها انقلاب على الثوابت والمبادئ التي أرساها العماد ميشال عون منذ عام 1988 ولغاية اليوم.

وعليه، كان خطاب باسيل في شقّه الاستراتيجي مفصلياً، لإعادة تصويب البوصلة وتكريس الثوابت وأبرزها:

أولاً- لا لتقسيم لبنان تحت أي عنوان صريح أو مقنّع:

لقد شهدت وسائل التواصل والاعلام تصريحات عدّة تريد أن تعيد لبنان الى خطابات الحرب الاهلية ومشاريعها التقسيمية التي دفع ثمنها اللبنانيون الغالي والنفيس ودفع المسيحيون خاصة من دمائهم، وكلّفتهم دورهم ووجودهم في النظام اللبناني، وأهمها طروحات التقسيم المقنّع تحت شعار "الفيدرالية ".

لا شكّ أن الفيدرالية نظام معتمد في العديد من البلدان المتقدمة وقد يكون وصفة جيدة للعديد من المجتمعات المتعددة، لكن الفيدرالية المطروحة في لبنان على أساس طائفي و/ أو مناطقي، ومع الانقسام العامودي الذي يعيشه لبنان، والسعار الطائفي والمذهبي في لبنان والمنطقة، والاختلاف حول الهوية والدور، والتباين في الرؤى حول السياسة الخارجية والدفاعية والنقدية (وهي اختصاصات الدولة المركزية)، ستكون وصفة لزيادة الشرخ الطائفي والمذهبي وتهميش الفئات الأقلوية في كل "كونتون" جغرافي أو طائفي.

كما نعرف لبنان وتركيبته، ندرك أن أي مشروع فيدرالي سيكون وصفة لإعادة أحلام "الكونتونات" السابقة، وعودة عنصرية ومحاولات إلغائية تحت عنوان "مناطقنا ومناطقهم / نحن وهم"، بالإضافة الى زيادة محاولات اللبنانيين الاستقواء بالخارج على شركائهم في الوطن.

بعبارات صريحة أكد باسيل " ... يلّي بيعتقد انو بتقسيم لبنان، هو بيسلم وبيقوى، هو خاوي!"، وهذا مبدأ أساسي قام عليه التيار الوطني الحر وكان أساس في مسيرة العماد عون النضالية "لبنان أكبر من أن يبلع وأصغر من أن يقسّم".

 

ثانياً: العداء مع "اسرائيل"

أكد باسيل على ثوابت التيار الوطني الحر التي تدرك أن النموذج "الاسرائيلي" القائم على العنصرية ويهودية الدولة هو نقيض لنموذج التعايش اللبناني القائم على التعددية والتسامح الديني. وصوّب على مَن يدعون الى الاستسلام تحت عنوان "تعبنا وبدنا نعيش"، بالقول أن السلام بدون عدالة وبدون إعطاء الحقوق الفلسطينية وأهمها حق عودة اللاجئين (الذين يعيش قسم كبير منهم في لبنان) هو وصفة لحرب أهلية لبنانية ونهاية وجود لبنان.

 

ثالثاً- العلاقة المميزة مع سوريا وحفظ العلاقات الجيدة مع دول العالم حتى المتخاصمة اقليمياً

انطلق باسيل في مقاربته للعلاقات اللبنانية السورية من المصلحة اللبنانية الأكيدة بحسن الجوار والعلاقات الجيدة مع سوريا ومع الدول العربية، والانفتاح على الغرب والشرق معاً. وأكد باسيل موقف التيار من الجدال اللبناني الداخلي حول الموقف من سوريا، بالتأكيد أن لبنان المتخاصم مع سوريا والمعادي لها سيكون أضعف اقتصادياً وسيسهل استهدافه اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً الخ.

وهذا مبدأ استمر عليه التيار الوطني الحر حتى في عزّ نضاله ضد الجيش السوري في لبنان، خلال فترة حرب التحرير وما بعدها في التسعينات، حين أكد العماد عون مراراَ : فلتخرج سوريا من لبنان ونقيم معها أفضل العلاقات المميزة.

 

رابعاً- إعادة التذكير بنهج الحريرية السياسية

بغض النظر عن التفاصيل المحلية المرتبطة بتشكيل الحكومة، لا شكّ أن باسيل كان يهدف في مقاربته للأمور المحلية بإعادة التذكير بإرث الحريرية السياسية الذي استقوى بالسوريين لتطبيق نهج اقتصادي سياسي اجتماعي أفقر لبنان وكرّس الفساد والمحسوبية والزبائنية والنظام الريعي، وهمّش المسيحيين في النظام، وجعل من رئيس الجمهورية "باش كاتب"... وبالتالي كيف يمكن إعادة إنتاج هذا النظام وتوقّع نتائج مختلفة!.

 

واقعياً، لقد كان خطاب باسيل متعدد الرسائل التي أطلقها في اتجاهات شتى خارجية وداخلية، ومنها أيضًا رسائل للمغردين خارج السرب من أنصار التيار والمحسوبين عليه، حين أكد بكلمات صريحة وواضحة، أن هناك أصوات "بتجنح... لأنها بتواجه عن حق حيط بيسدّ أفق الحل"، لكنه ومع إعطائه جزء من الأحقية (التي يعود جزء منها لليأس)، أكد أن التيار سيحافظ على الميثاق الوطني، ولن يدخل بمشاريع إنفصالية، وأنه سيبقى على طرحه الأساسي ورؤيته للبنان "دولة مدنية مع لامركزية موسعة". 

2021/01/08

بعد الانقلاب الفاشل: هل تشكّل ايران "فشة خلق" لترامب؟


 8 january 2021

في مشهد غير مسبوق في الولايات المتحدة، اقتحم مجموعة من المتظاهرين المؤيدين للرئيس الأميركي الخاسر دونالد ترامب، مبنى الكونغرس في محاولة لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية وعدم التصديق على فوز جو بايدن.

 

واقعياً، لم تكن محاولة الانقلاب التي قام بها ترامب وأنصاره مفاجئة، فكل التقارير الصحفية والتصريحات المختلفة، كانت تشير الى أن ترامب ومعاونيه يدرسون بجدية القيام بانقلاب وأن صديقه ومستشاره (الخارج من السجن بعفو رئاسي) الجنرال مايكل فلين يحاول أن يضع تصوراً لإنقلاب عسكري يقلب بموجبه نتائج الانتخابات لصالح ترامب.

 

وكما يبدو، لم يكن في يد ترامب سوى تحريض أنصاره من الغوغاء لكي يقتحموا مبنى الكونغرس خلال التصديق على نتائج الانتخابات، بعدما أسقط من يده القدرة على استخدام الجيش الأميركي في الداخل، فقد أعلن العديد من القادة العسكريين ورئيس هيئة الأركان المشتركة - بوضوح - أن الجيش لن يتدخل في الانتخابات ولا في السياسة الداخلية، وأن القسم على الدستور يجعل من الجيش موالياً للدستور فحسب وليس لفرد أو ملك أو رئيس...

 

والآن، أين يتجه ترامب بعد محاولة الانقلاب الفاشلة؟

 

داخلياً-  يبدو ترامب في أضعف لحظة في مسيرته السياسية، خاصة بعد تخلي نائب الرئيس مايك بنس والعديد من أعضاء الحزب الجمهوري عنه، بعدما لمسوا أن تأييدهم لترامب قد يودي الولايات المتحدة الأميركية الى حرب أهلية، أو الى فوضى عارمة سوف تدمر أميركا من الداخل.

 

خارجيًا، وخاصة في موضوع التهديدات لإيران:

 

خلافاً للقيود التي ينصّ عليها الدستور حول تدخل الجيش الأميركي في الداخل وفي الانتخابات، فإن ترامب ولغاية آخر يوم من ولايته، يمكن له أن يأمر بشنّ ضربات على أهداف خارجية، وبالتالي، ما زال يملك الصلاحيات الكافية لذلك.

 

في هذا الإطار، يمكن أن تشهد الايام القليلة المتبقية من ولاية ترامب، سيناريوهان:

 

- السيناريو الاول: أن تكون محاولة الانقلاب الفاشلة قد أضعفت ترامب وجعلته يتراجع عن الأعمال العدائية التي كان ينوي القيام بها ضد إيران.

 

- السيناريو الثاني: أن يستغل ترامب الأيام الأخيرة المتبقية له في ولايته الرئاسية، فيقوم بالانتقام من الايرانيين ومن جو بايدن الذي يتحضر للعودة الى الاتفاق النووي، فيأمر بشنّ ضربات صاروخية على مواقع إيرانية بذرائع متعددة.

 

كما يبدو من مسار الأمور ومن شخصية ترامب النرجسية، لا نستبعد أن يستمر ترامب في التفكير في شنّ ضربات على إيران حتى بعد محاولة الانقلاب الفاشلة:

 

تتميز شخصية ترامب النرجسية بحاجته الدائمة الى إظهار القوة والانجاز، لذلك هو لا يتقبل الخسارة بسهولة، وكما لم يستطع تقبّل خسارة الانتخابات الرئاسية، فإنه لن يتقبل أن يكون قد فشل في استراتيجيته ضد إيران، بالرغم من كل الضغوط القصوى التي مارسها، لذا من المؤكد أنه ما زال يفكر جدياً في الانتقام من الإيرانيين.

 

وللدلالة على شخصيته التي لا تتقبل الهزيمة ولا تعترف بالخسارة، يكفي أن نقرأ في البيان المكتوب الذي أصدره ترامب بعد فشل الانقلاب الذي حضّر له، والذي قال فيه أنه "يتعهّد بالانتقال المنظم للسلطة في 20 كانون الثاني/ يناير على الرغم من إنه لا يتفق مع نتيجة الانتخابات"  وأضاف في جملة معبّرة؛ "بينما يمثل هذا نهاية أعظم ولاية أولى في تاريخ الرئاسة، إلا أنها مجرد بداية لمعركتنا لجعل أميركا عظيمة مرة أخرى!"

 

من ناحية أخرى، وبما أن ترامب يطمح الى أن يترشح للانتخابات في الدورة القادمة عام 2024، فإنه يعتقد أنه إمكانياته للفوز سوف تكون أفضل بضرب إيران لإرضاء القاعدة الانجيلية المؤيدة لإسرائيل التي انتخبته ومنحته مئات الملايين من الأصوات بالرغم من عدم كفاءته.

 

إذًا، يختصر وضع ترامب اليوم برئيس غاضب متهور، يملك بموجب الدستور الأميركي- في الوقت القليل المتبقي لديه -  الكثير من الصلاحيات الخارجية خاصة في المجال العسكري، وليس لديه ما يخسره على الصعيد الشخصي، لذا قد يلجأ الى إحداث الضرر على الصعيد الدولي وخاصة في منطقة الشرق الأوسط.

 

وعليه، نجد أن السيناريو الثاني هو الأكثر ترجيحاً، أي أن ترامب بعد محاولة الانقلاب الفاشلة لن يتراجع بل سيكون أكثر إصراراً على القيام بمغامرة عسكرية في الخارج لحفظ ماء الوجه والانتقام من الداخل والخارج معاً، وبالتالي سيشكّل الشرق الأوسط "فشة خلق"، إلا إذا رفضت قيادات البنتاغون تنفيذ الأمر الرئاسي، واستغلت ضعف ترامب لعدم جرّ منطقة الشرق الأوسط الى الفوضى. 

2021/01/04

خطة ترامب الآتية: انقلاب عسكري أو ضربة لإيران؟

 4 كانون الثاني/ يناير 2021

منذ هزيمته في 3 تشرين الثاني المنصرم ولغاية اليوم، لا يتراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن التخطيط لقلب النتائج الانتخابية والحديث عن تزوير الانتخابات  الرئاسية، الى أن بدأت التقارير الصحفية تذكر أن الرئيس يخطط لإنقلاب عسكري، مستخدماً سلطته كقائد أعلى للقوات المسلحة للاحتفاظ بالسلطة ولو بالقوة.

 

وكان الجنرال مايكل فلين،  الذي حصل على عفو رئاسي مؤخراً، وأول مستشار للأمن القومي في عهد ترامب، قبل أن تتم إقالته بعد اتهامه بالكذب على اف بي اي في موضوع التخابر مع روسيا، قد اقترح على الرئيس أن يعلن "حالة الطوارئ" في البلاد، ويمنع بايدن من أداء اليمين الدستورية، ويعيد الانتخابات في الولايات المتأرجحة.

 

وبحسب اقتراح مايكل فلين؛ بصفته قائدًا أعلى للقوات المسلحة، يصدر ترامب أمراً للجيش بمنع نقل السلطة، فيطلب من وزير الدفاع المعيّن حديثاً والموالي له أن ينفذ وينقل الأمر الى قائد القيادة الشمالية، الذي يقوم بحجز ماكينات الفرز، ويعلن إعادة الانتخابات في الولايات الحاسمة التي خسرها ترامب.

 

وما زالت حملتي ترامب وبايدن تتحدثان عن أن الجيش الأميركي يمكن أن يلعب دوراً في الانتخابات سواء في إجبار ترامب على التخلي عن السلطة (كما لمّح بايدن) أو وبتعطيل نتائج الانتخابات والسطو على ماكينات الفرز وإعادة الانتخابات (كما تعتقد حملة ترامب). ونتيجة لهذا الجدل ومخاطره، كتب عشرة وزراء دفاع سابقين رسالة تحذّر من مغبة التفكير بذلك، وأكد كبار قادة الجيش ووزارة الدفاع عن عدم وجود أي دور للجيش الأميركي في النزاعات السياسية الداخلية أو في تحديد نتيجة الانتخابات الأميركية، وخرج رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي ليعلن "نحن لا نؤدي اليمين لملك أو ملكة، أو طاغية أو ديكتاتور... نحن نقسم على الدستور".

 

وهكذا، يبدو أن زجّ الجيش الأميركي في السياسة الداخلية الأميركية سيكون كارثياً، وقد يؤدي الى تراجع القيادة الأميركية للعالم، وذلك عبر ما يلي:

 

- انهيار صورة الديمقراطية الأميركية عالمياً وانهيار إدعاء تفوقّها في مجالي الديمقراطية والانتقال السلمي للسلطة والقيم الليبرالية. وبالهذا سيؤدي بدوره الى سقوط القوة الناعمة الأميركية بعدم القدرة على الاقناع، ما قد يؤدي الى تراجع القيادة الأميركية للعالم، وخاصة العالم الغربي.

 

- الإنشغال الداخلي ما يؤدي الى ترك فراغ استراتيجي في المناطق الحيوية في العالم:

 

 قد يؤدي تدخل الجيش الأميركي في السياسة الداخلية الى حرب داخلية، إذ أن الانقسام المجتمعي الذي شهدته السنوات الأربع من حكم ترامب، والذي برز جلياً في الانتخابات والسجال حولها وما بعدها، لن يكون بدون تأثيرات كارثية على الداخل الأميركي.

 

ويعيدنا هذا المشهد الى مشهد آخر في التاريخ الأميركي، حيث أدّت الانقسامات المجتمعية والخلاف حول الرقّ والعبودية وحقوق الولايات والتعرفات الجمركيةوغيرها الى حرب أهلية في الولايات المتحدة امتدت من عام 1861 إلى 1865،  وكان فوز الرئيس الجمهوري "مناصر حرية العبيد" آبراهام لينكولن بمثابة الشرارة التي أشعلت الحرب بعدما أعلن الجنوبيون - على أثر فوزه بالانتخابات- رغبتهم في الانفصال.

 

بالنتيجة، يبدو أن الجميع يتخوّف من محاولات ترامب رجّ الجيش في السياسة الداخلية، ويتخوفون من أن يكون ذلك الشرارة التي ستقضي على اتحاد الولايات في أميركا وعلى صورة أميركا في العالم وتفوقها وقدرتها على إعادة هيمنتها على العالم... وكما يبدو، إن الجيش الأميركي وقادة البنتاغون يعرفون خطورة هذا الأمر ويتحسسون بأهميته، لذا لا يبدو أنهم سينجرّون وراء ترامب وأهوائه خاصة أن الدستور الأميركي لا يعطيه هذه الصلاحيات.

 

ولكن، ونظراً لشخصية ترامب النرجسية، وحيث انه يتصرف كنمر جريح وغاضب، يبقى الخوف من أن يحاول ترامب التعويض عن عجزه الدستوري بإعطاء أوامر داخلية للجيش، بالقيام بإصدار أوامر - يتيحها  له الدستور- لشنّ ضربات خارجية، فيقوم بقصف المواقع النووية في إيران وإشعال حرب في منطقة الشرق الأوسط، لتسليم كرة لهب الى سلفه جو بايدن، وإنقاذ كبريائه المجروحة.

  

2021/01/03

اغتيال سليماني ورفاقه في منظار القانون الدولي

 

في 3 يناير / كانون الثاني من عام2020، شنّت طائرات مسيّرة تابعة للولايات المتحدة الأميركية هجوماً ضمن الأراضي العراقية، أدّى الى مقتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الفريق قاسم سليماني، ومسؤول الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس ورفاقهما.

 

 أثارت الحادثة العديد من ردود الفعل الدولية والاقليمية، التي تخوّفت من تدحرج الأمور الى حرب إقليمية، كما العديد من ردود الفعل الشاجبة والمنددة بالعملية، كان آخرها تقرير المقررة الأممية الخاصة المعنية بحالات الإعدام خارج القضاء، أنياس كالامار، التي رفعت تقريرها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 3 يوليو / تموز 2020، والتي اعتبرت ان عملية الاغتيال غير قانونية وتنتهك الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

 

وبالرغم من كل الأصوات القانونية وغير القانونية داخل وخارج الولايات المتحدة الأميركية، ما زال الرئيس الأميركي دونالد ترامب وفريق إدارته، يتحدثون عن العملية كونها "إنجاز"، معتبرين أن اغتيال سليماني "جعل الولايات المتحدة وحلفائها أكثر أمناً في الشرق الأوسط". بينما زعم ترامب أن "سليماني  كان يستحق هذه الضربة القاسية ... لأنه قتل آلاف الأميركيين"، وأن الولايات المتحدة استخدمت مبدأ "الدفاع عن النفس" لأن سليماني كان يخطط "لهجمات وشيكة وشريرة" ضد مواطنين وسفارات أميركية، في وقت خرجت تصريحات معاكسة منها، تصريح وزير الدفاع الأميركي السابق مارك إسبر المناقض لأقوال ترامب والذي قال بإنه "لم ير أدلة على أن إيران تخطط لشن هجوم على أربع سفارات أميركية"، كما زعم ترامب.

 

لا شكّ أن ترامب حاول إضفاء شرعية قانونية على العملية، عبر العديد من الذرائع ونفنّدها كما يلي:

 

1- تذرع ترامب بالضربة الاستباقية من ضمن مبدأ الدفاع عن النفس:

 

بالمبدأ، يحظّر ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة أو التهديد باستخدام القوة بين أعضاء الأمم المتحدة باستثناء حق الدفاع الأصيل عن النفس، المنصوص عليه في المادة 51، وهو مستمد أساسًا من العرف الذي سبق تشكّله إقرار ميثاق الأمم المتحدة عام 1945.

 

وتعرّف الحرب الاستباقية، بأنها شنّ هجوم مباغت على العدو استنادًا الى وجود خطر حقيقي "جاهز وموجود” imminent، لذا فإن عنصر المفاجأة والاستباق والقيام بالضربة الأولى يعدّ من ضمن المعايير المقبولة لشنّ الحرب.

 

في هذا الإطار، يتبين من تصريح أسبر، إن ذريعة "الخطر الجاهز والحقيقي والمتربص" لم تكن تتوافر في قضية سليماني وبالتالي لا شرعية ولا قانونية لتلك الضربة ضمن القانون الدولي الذي يحدد أسس شنّ الحرب.

 

2- الاغتيال كعملية وقائية دفاعاً عن النفس:

 

 يستند هذا الى مبدأ أقرّه "جورج بوش الابن" في استراتيجيته عام 2002، والتي تدعو الولايات المتحدة الى الهجوم عندما "تظن" ان قدرات ما تتجمع لدى العدو ويمكن أن تؤهله للهجوم، ولو كان التوقيت أو المكان أو التحرك المحتمل للعدو غير معلوم، أو بعيد في المستقبل. مع العلم أن "الحرب الوقائية" أو حق الدفاع "الوقائي" عن النفس، عمل محظور في القانون الدولي العام ويتناقض كليًا مع ميثاق الأمم المتحدة، خاصة المادة 2(4) التي تمنع استعمال القوة أو التهديد باستعمالها بين اعضاء الأمم المتحدة.

 

إذًا، من الناحية القانونية، تعدّ عملية الاغتيال التي قامت بها طائرات مسيّرة أميركية بذريعة "الدفاع المشروع عن النفس" غير قانونية من ناحية القانون الدولي، فمبدأ الدفاع عن النفس المشروع الذي تستند إليه الدول لتبرير شنّ ضربات على اراضي أو مسؤولي دولة أخرى لا يمكن الاعتداد به هنا، لأن لهذا المبدأ شروطه ومعاييره القانونية التي لا تتفق وحالة اغتيال سليماني والمهندس ورفاقهما.

 

3- الاغتيال من ضمن مبدأ الضرورة العسكرية:

 

وهو مبدأ أقرّه القانون الدولي للنزاعات المسلحة والتي تعطي الحق للدولة بشنّ هجوم قد لا يتناسب والمعايير الدولية لحماية المدنيين. لكن، هناك بعض الشروط التي يجب توفرها للاعتداد  بالضرورة العسكرية هي: أن يكون اللجوء اليها لتحقيق أهداف عسكرية مشروعة لا يمكن إنجازها إلا بإجراء عسكري غير معتاد ، وأن ينجم عن تلك العمليات العسكرية أقل قدر ممكن من الخسائر التي تطال المدنيين أو الأعيان المدنية.

 

لكن لا يعتد بمبدأ الضرورة العسكرية إلا في حالة الحرب أو النزاع المسلح، وبالتالي لم يكن كل من الولايات المتحدة وإيران في حالة حرب (معلنة أو غير معلنة) للإعتداد بمبدأ الضرورة العسكرية لعملية الاغتيال، بل إن تصريحات ترامب في مرحلة ما بعد الاغتيال، اشارت الى أن العملية ليس هدفها التصعيد للوصول الى الحرب بل منع الحرب!.

 

4- "الجنرال" سليماني ورفاقه كهدف "عسكري" مشروع:

 

لا يحظّر القانون الدولي للنزاعات المسلحة قتل المتحاربين، لكنه يحظّر قتل المدنيين والأشخاص العاجزين عن القتال، وكذلك الهجمات العشوائية وتلك التي تؤدي إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين.

 

كما يشير القانون الدولي للنزاعات المسلحة الى مبدأ أساسي وجذري يحدد الأفراد والأعيان التي يعدّ استهدافها من ضمن الأهداف المشروعة للعمل العسكري، وهو مبدأ المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية.

 

بالرغم من أن لسليماني ورفاقه صفة عسكرية، لكن الإعتداد بمبدأ "الهدف العسكري المشروع" لا ينطبق إلا في حالة الحرب أو النزاع المسلح، وبالتالي لو كان هؤلاء متواجدون في معركة، لكانوا، بموجب القانون الدولي، أهدافًا عسكرية مشروعة كمقاتلين. لكن العملية لم تأتِ في سياق نزاع مسلح قائم، بل إن سليماني كان بمهمة رسمية داخل الأراضي العراقية، ما يعطيه صفة "مسؤول ايراني" ذو صفة رسمية، وليس كقائد عسكري ضمن معركة قائمة، وبالتالي إن استهدافه يعتبر غير قانوني بموجب القانون الدولي الإنساني.

 

5- الاغتيال من ضمن "الحرب على الإرهاب":

 

بعيداً عن الاطار السياسي الفضفاض الذي تستخدمه الدول لوسم كل معارضيها بالارهاب، من الناحية القانونية لا يمكن لترامب أن يغطي العمل بمبدأ محاربة الارهاب، فمبدأ محاربة الارهاب - بحسب التوصيف الاميركي- ينطبق على الأشخاص أو الكيانات غير حكومية (غير دولتية) التي تقوم باستخدام العنف أو التهديد به لخدمة أهداف سياسية، أو دينية، أو أيديولوجية، أو اجتماعية الخ... وهذا التوصيف لا ينطبق على سليماني الذي كما أسلفنا كان بمهمة رسمية وهو - حتى بصفته العسكرية - يعتبر مسؤولاً إيرانيًا، وبالتالي لا ينطبق عليه التوصيف الأميركي لمحاربة الارهاب.

 

ثم، إن قانونية أي ضربة عسكرية من ضمن محاربة الارهاب، يجب ان تتحلى بضوابط دولية قانونية أهمها: أن يكون الهدف الارهابي مدرجاً على لوائح الارهاب العالمية (الأمم المتحدة) وأن يكون قد صدر قرار من مجلس الأمن، بموجب الفصل السابع ، يجيز استخدام القوة ضد الهدف الارهابي.

 

إذًا، إن الاستناد الى القانون الدولي بكافة فروعه، وخاصة قانون حقوق الانسان والقانون الدولي للنزاعات المسلحة، كما الاستناد الى العرف الدولي، بالاضافة الى مراجعة ممارسات الدول في إطر النزاعات الدولية وغير الدولية، تؤكد أن عملية اغتيال سليماني ورفاقه غير قانونية وغير شرعية بموجب القانون الدولي. وهذا يطرح على بساط البحث، سؤالاً جوهرياً يرتبط بمدبأ المساءلة، وكيف تشكّل قوة الدول حصانة لمرتكبي الجرائم الدولية، بالرغم من التطور في القضاء الجنائي الدولي والذي كرّس مبدأ المسؤولية الجنائية الفردية في المحاكم الدولية.