2020/07/20

التدقيق الجنائي... معركة لا بد من ربحها وإلا!


يومًا بعد يوم، يجد اللبنانيون أنفسهم عالقين في أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية خانقة، بدون أي آفاق ملموسة للحل أو لتغيير الوضع القائم. وفي خضّم تلك الأزمة،  يتناتش السياسيون المسؤولية وإلقاء التهم على بعضهم البعض بدون أي اجراءات ملموسة أو تصوّر لحلّ الأزمة التي يتحمل السياسيون أنفسهم الجزء الأكبر من مسؤوليتها. وتبدو الحكومة "بطيئة" ماشية كالسلحفاة في وقت تحتاج الأمور الى سرعة وديناميكية وقرارات جريئة، تبدو الحكومة بتركيبتها الحالية أعجز من أن تقوم بها.

وفي خضّم هذه المصاعب، يطرح على بساط البحث على طاولة مجلس الوزراء أمر التدقيق الجنائي المالي، الذي بات مطلبًا حيويًا ينطلق منه الاصلاح الحقيقي والجدّي وبدونه لا يبدو أن هناك إمكانية فعلية للتقدم الى الامام في مجال بناء الدولة، والحفاظ على المال العام.

لا شكّ ان هذا التدقيق هو المفتاح لبدء إصلاح جدّي وحقيقي، يبدأ بالاعتراف بأن هناك مسؤولين متورطين في نهب المال العام وسرقته، وأن أي محاولة لفتح صفحة جديدة بدونها، والتخلي عن تحميل المسؤوليات الجنائية لمرتكبيها، يعني تحميل المواطنين مرة جديدة وزر ما ارتكتبته الطبقة السياسية التي حكمت لبنان منذ 30 عامًا وتعاملت مع الدولة كأنها "بقرة حلوب".

لقد اعتادت السلطة السياسية اللبنانية على انتهاك القانون والافلات من العقاب بشكل مستمر، فها هم يتفاوضون لإقرار قانون عفو عام عن الجرائم التي ارتكبت من عمالة واتجار بالمخدرات وارهاب وقتل الجيش اللبناني وغيرها،  وذلك بعدما تمّ منح معظم أركان السلطة الحالية عفوًا شاملاً عام 1991 عن كل القتل والمجازر التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية، والتي مورس فيها التعذيب والإخفاء القسري والخطف والقتل على الهوية.

ويبدو أن منح العفو العام صار عادة متبعة في لبنان ومشجعًا للسياسيين وأزلامهم لمخالفة القانون، إذ صدر قانون عفو شامل عام 1958، ومنح العفو عن كل الجرائم المرتكبة خلال "ثورة ربيع 1958" لغاية 15تشرين الأول 1958. وبعد المشاكل والجرائم التي حصلت على أثر حرب حزيران 1967، صدر القانون رقم 8/69 بتاريخ 17/2/1969 الذي منح عفوًا عامًا عن الجرائم المرتكبة قبل 1/1/1968. أضف الى ذلك، قانون العفو الذي أقرّه مجلس النواب عام 2005، والذي منح العفو عن قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، وعن ارهابيي الضنية الذين قتلوا ونكّلوا بالمواطنين والجيش اللبناني.

وتبقى الخشية الفعلية من أن يطالب السياسيون بقانون عفو عن الجرائم المالية المرتكبة والتي أدّت الى إفلاس الخزينة العامة، كما يُخشى أن يعمد بعض المتضررين الى محاولة ابتزاز الحكومة عبر التهديد بخلط الأوراق السياسية برمّتها وإسقاط الحكومة أو القيام بما يمسّ بالسلم الأهلي، ودفع الأمور الى مكان لا يعود بعدها هناك قدرة على المطالبة بالتحقيق المالي.

وهنا، تبدو الخشية مضاعفة من أن يجد اللبنانيون أنفسهم امام معضلة كبرى مردها قدرة الدولة العميقة على المسّ بالاستقرار كلما تعرضت مصالحها للخطر أو كلما اقترب القانون من "جماعاتها". وهنا نستذكر - على سبيل المثال لا الحصر- قول الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله (في مقابلة اعلامية في أيار 2020) ان موضوع الفساد كبير ويحتاج الى وقت طويل جدًا، وأنه قد يسبب حربًا أهلية، وأن الطبقة السياسية بلا قلب!... بالرغم من أنه كان قد وعد بإطلاق "مقاومة الفساد" في آذار عام 2019، واعتبر ان "الفساد بات أشبه بالخطر الوجودي على لبنان واللبنانيين" معتبرًا أن هذه المعركة هي "الشق الآخر من معركة المقاومة" (راجع خطاب السيد نصرالله في 14 آذار 2019).

في المحصلة، لا بدّ للبنان من المواجهة وكما انتصر اللبنانيون في معركة كبرى هي معركة تحرير الأرض واستطاعوا هزيمة أعتى جيش في الشرق الأوسط وطرده مذلولاً، يمكنهم الانتصار في معركة الفساد الداخلي، فقط إذا توفرت الجرأة والإرادة بخوض معركة "بناء الدولة" بالفعل لا بالقول.

2020/07/14

هل يطبّق لبنان مبدأ الحياد؟


ما أن طرح الأميركيون عقوبات جديدة على سوريا بمعرض "قانون قيصر"، حتى انكب اللبنانيون على طرح أفكار ورؤى مختلفة منها؛ ما يحاول أن يجنّب لبنان هذه العقوبات عبر مطالبة الأميركيين بمنح لبنان استثناءات محددة، ومنهم من عرض المواجهة والتشبيك أكثر من السوريين لتحدّي الأميركيين، ومنهم من طرح فكرة "حياد لبنان" والنأي بنفسه عن كل ما يحصل.

ويبدو أن الدولة اللبنانية اختارت الخيار الأول، انطلاقًا من الإدراك بصعوبة وقدرة على اتخاذ الخيار الثاني (المواجهة والتشبيك) والثالث (الحياد) الذي يطل برأسه كل فترة، وتتناوب على طرحه بعض القوى السياسية بين الفينة والأخرى. 

وبغض النظر عن تعريف "الحياد" وهل يمكن أن يطبّق هذا التعريف على بلد كلبنان الذي هو نفسه جزء من الصراع الدائر في المنطقة بطريقة مباشرة وغير مباشرة، من المفيد أن نعالج مسألة "قدرة" لبنان على تبني خيار كهذا فعليًا.

يعيش لبنان في نظام اقليمي معقّد ومركّب، وينطبق عليه التعريف الذي قدمه "باري بوزان" وزميله "أولي وايفر" لمفهوم لمركّب الأمن الأقليمي وهو "مجموعة من الدول تترابط اهتماماتها الأمنية الأولية مع بعضها البعض بشكل وثيق، بحيث أن الأمن القومي لأي واحدة لا يمكن تحقيقه بشكل معقول بعيدًا عن الأخرى".

ما يمكن أن نفهمه من هذا التعريف، أن النظم الاقليمية المركّبة - كالنظام الإقليمي الذي يتواجد فيه لبنان- يتحلى بديناميكيات أمنية تخترق الحدود الوطنية للدول، بحيث يصبح الإستقرار الأمني للدولة محددًا بما يحدث في المنطقة الاقليمية المحيطة بها، وليس معزولاً عنها، ولا يمكن عزله عنها بطبيعة الحال.

وفي هذا النظام الاقليمي المركّب لا يلعب حجم الدولة وجغرافيتها وقدراتها البشرية والمادية الدور الأبرز، بل إن كل دولة تستطيع أن تؤثر وتتأثر بالعلاقات الأمنية الإقليمية، وجزء منها هو ما يُعرف بدول "الخاصرة الرخوة" في النظام الإقليمي والتي تشكّل تهديدًا أمنيًا للدول المحيطة بها بغض النظر عن حجمها وقدراتها (لطالما قال السوريون أن لبنان يشكّل خاصرة رخوة لأمن سوريا واستقرارها).

وحين نقيس العوامل التي تحدد المركّب الأمني الاقليمي الذي نعيش فيه، والذي يمكّننا من قياس مدى تأثير وتأثّر لبنان بالوضع الاقليمي العام وقدرته على الحياد والنأي بالنفس عنه، فيمكن أن نحدد المؤشرات التالية والتي تلعب دورًا في جميع الأنظمة الإقليمية المشابهة:

1- التجاور الجغرافي: وهو الذي يجعل من أي أزمة أو عدم استقرار في دولة ما، أزمة زاحفة الى الدولة المتاخمة، وهو ما لاحظناه في تمدد الخلايا الارهابية من سوريا الى لبنان خلال الأزمة السورية، وهو ما يجعل لبنان محط أطماع التوسع الاسرائيلي الدائم.

2- العلاقة التاريخية، والتي قد تكون علاقة صداقة أو عداوة تاريخية، والأكيد أن العلاقات الأمنية الاقليمية تتأثر بالتاريخ بالضبط كتأثرها بالجغرافيا، وهو ما يجعل لبنان متأثرًا بالصراع السوري انطلاقًا من علاقة الصداقة والتنسيق الأمني التاريخي بين البلدين، وبالعكس يبدو لبنان معنيًا بالصراع العربي الاسرائيلي بتأثير العداوة التاريخية المتأتية عن الأطماع الاسرائيلية في لبنان.

3- الاعتماد المتبادل على صعد عدة ومنها الصعيد الأمني، ويزداد عادة الاعتماد المتبادل بعوامل الجغرافيا والتاريخ التي ذكرناها، بحيث يكون هناك أما تأثير أمني إيجابي (علاقات تعاون استخباري الخ) كما هي الحال مع سوريا، أو تأثير أمني سلبي (حروب ومشاكل، وتهديدات عسكرية) كما هي الحال بالنسبة لإسرائيل.

4- الإختراق الخارجي والذي يشكّل تهديدًا دائمًا لأطراف النظام الاقليمي، خاصة ذلك الذي تقوم أطراف النظام باستدعائه لفرض موازين قوى لصالحها في النظام، وهو الذي نشهده من خلال التدخلات الأميركية والروسية وسواها.

5- التباين في القوة بين الدول بحيث يمكن لدولة ما أن تشكّل تهديدًا للدول الأخرى، ما يدفعهم أما الى الاستعانة بالخارج أو محاولة امتلاك القوة لتقليص الفجوة الأمنية لديهم.

إذًا من خلال كل ما سبق، لا يبدو لبنان قادرًا على تطبيق فكرة الحياد التي ينظّر لها بعض القوى السياسية، لأسباب موضوعية وأمنية ومنطقية، ناهيك أن هناك قسم من اللبنانيين معنيين بالعقوبات الأميركية مباشرة  وهو ما يجعل كل لبنان متأثرًا بها، وبالتالي كيف يمكن للبنان ان يعلن الحياد عن نفسه وقسم من شعبه؟


2020/07/13

هل يتخلى الاميركيون عن لبنان؟


كان اللقاء الذي عقدته السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيّا مع الرئيس حسان دياب إيجابيًا، سرت بعده أجواء تفاؤلية تراهن على تحسّن العلاقة بين الطرفين الأميركي واللبناني الممثل بحكومة حسان دياب، خاصة بعدما عبّر دياب عن هذه الإيجابية بالقول إن السفيرة شيّا "أبدت كل استعداد لمساعدة لبنان في مجالات مختلفة".

وكانت بعض التقارير الإعلامية قد نقلت عن مصادر الرئيس برّي أن لقاءه مع السفيرة شيّا كان جيدًا، وأنها ابلغته استعداد واشنطن لإستثناء لبنان من العقوبات المفروضة على سوريا مع بدء تطبيق "قانون قيصر"، وأنها تنتظر لائحة الاستثناءات التي تعدّها الحكومة في هذا الشأن.

واقعيًا، لقد بالغ بعض اللبنانيين من قوى 14 آذار وبعض أركان "ثورة 17 تشرين" في المراهنة على ما يمكن أن تصل إليه السياسة الأميركية في ممارسة "الضغوط القصوى" على لبنان، وبالغوا في العداء مع المكوّنات اللبنانية الأخرى، متوهمين أن الأميركيين سيأتون بالأساطيل الى السواحل اللبنانية لإخراج عناصر حزب الله خارج لبنان كما حصل عام 1982 خلال الاجتياح الاسرائيلي للبنان، والذي أفضى الى إخراج ياسر عرفات والمقاتلين الفلسطييين (هذا السيناريو كتبه على وسائل التواصل الاجتماعي أحد صقور 14 آذار).

ما لم يفهمه بعض اللبنانيين، أن السياسة الدولية تتخد بناءً على حسابات عقلانية، تأخذ بعين الاعتبار حسابات الربح والخسارة، فيعمد صاحب القرار العقلاني الى احتساب الأرباح النسبية، وبالتالي يختار الخيارات الأكثر ربحًا والأقل كلفة، ومن الصعب أن تذهب خيارات الدول الكبرى نحو سياسيات ذات نتيجة صفرية، أي أما تربح كل شي أو تخسر كل شي.

لا يسير الأميركيون بسياسة صفرية في لبنان، فهم وانطلاقًا من واقعيتهم والبراغماتية التي يتحلون بها، يدركون أن عليهم أن يتعايشوا مع نفوذ واقعي إيراني في كل من العراق ولبنان، وبالتالي هم يمارسون سياسة الضغوط القصوى لتغيير سلوك إيران و/أو حلفائها، أو للحصول الى تنازلات تعيد موازين القوى الى ما قبل عام 2018 في كلا البلدين. وبالتالي، المعادلة تتجلى في أنهم غير مستعدين للتخلي عن لبنان، ومدركين عدم قدرتهم على احتكار النفوذ كليًا في لبنان.

لماذا لا يتخلى الأميركيون عن لبنان؟

بداية، لأن لبنان يتواجد جغرافيًا في منطقة تسمى "قوس الأزمات" وهي المنطقة الممتدة من إيران إلى لبنان. ونظرية قوس الأزمات تعني المنطقة الجغرافية المحكومة دائمًا بالأزمات بسبب وقوعها في منطقة تنازع نفوذ قوى كبرى، ولعل الأصعب حين تكون تلك المنطقة واقعة في منطقة تجاذب نفوذ بين قوى بحرية كبرى وقوى برية كبرى. وتختلف منطقة قوس الأزمات عن المناطق الاستراتيجية الأخرى، بأن الدول الصغيرة في هذا القوس لها أهميتها، فانتقال دولة - مهما كان حجمها وأهميتها- من محور نفوذ إلى محور آخر، يستطيع أن يعدّل في موازين القوى القائمة، لذا تكون كل الدول في هذا القوس محورية في الصراع ولا تعتبر هامشية مهما صغرت جغرافيتها.

وهكذا، إن وجود لبنان في منطقة قوس الأزمات يجعله ذا أهمية مضاعفة بالرغم من صغر حجمه. زد على ذلك، أن المرحلة هي مرحلة صراع كبير في المنطقة يعتمد سياسة الضغوط الأقصى وتستخدم فيه كل أدوات القتال من عسكرية واقتصادية وتكنولوجية واستخباراتية...  وعليه، ليس من السهولة بمكان أن تتخلى أي دولة من الدول التي تشكّل طرفي قوس الأزمات عن نفوذها في لبنان، وهو ما ندفع ثمنه غاليًا من ناحية، ويعطينا دفعًا إيجابيًا لأن سقوطنا مكلف للأطراف المتحاربة من ناحية أخرى.

2020/07/07

الاستراتيجية الأوروبية... بين ماكرون الهجومي وميركل المترددة


بالرغم من القدرة المعقولة للاتحاد الأوروبي على لملمة الجراح التي خلّفتها السياسات الوطنية والحمائية التي اعتمدتها كل دولة على حدى في مواجهة أزمة كورونا، تعيش أوروبا اليوم على وقع تحديات ومشاكل متعددة تتعلق بالانكماش الاقتصادي المتوقع، وإفلاس الشركات الأوروبية الكبرى، والخشية من العودة الى المطالبات اليمينية بسياسات أكثر "وطنية وقومية" مما يهدد الاتحاد الاوروبي بمزيد من التشرذم والانقسام.

وفي ظل هذا الوضع الصعب، تتحضر إلمانيا لرئاسة الاتحاد لمدة ستة أشهر تبدأ في 1 تموز / يوليو 2020، ولغاية نهاية العام الحالي، ما يفرض عليها التعامل مع كل التحديات الآنفة الذكر، بالاضافة الى التحديات التي تواجه الاتحاد في تصوّره المستقبلي لعالم ما بعد كورونا، ولعالم متغير دوليًا حيث تشهد العلاقات بين ضفتي الأطلسي تشنجًا حقيقيًا لم تعرفه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في دراسة ملامح الاستراتيجية الاوروبية القادمة للتعامل مع التحديات العالمية، نجد اختلافًا بين النظرة الفرنسية الهجومية التي تريد أن ترسم إطارًا مستقلاً وفاعلاً لدور أوروبي عالمي بغض النظر عن موقف الولايات المتحدة الأميركية، بينما يطغى التردد والحذر على موقف الإلمان ورؤيتهم لهذا المستقبل.

يطمح ماكرون الى "حكم أوروبي ذاتي استراتيجي"، يتلخص بالاستقلالية الأوروبية الدفاعية أي القدرة على الدفاع عن القارة دون الاعتماد على الولايات المتحدة، وتفعيل "السيادة على المستوى الأوروبي".

وحدد ماكرون رؤيته للأهداف الأوروبية في العشر سنوات القادمة، بالإهتمام بما تريده الطبقات الوسطى، والسير بسياسة دفاعية فعّالة، وموازنة مالية أكبر وأسواق رأسمالية متكاملة، والتخلي عن حق النقض الذي يبطئ عملية صنع القرار في الهياكل الأوروبية العليا.

وكان ماكرون في شباط/ فبراير الماضي قد دعا ميركل الى "حوار استراتيجي" لرسم سياسة مستقبلية للاتحاد تأخذ بعين الاعتبار المستجدات على الساحة الدولية والتراجع الأميركي، لكن الإلمان لم يرسلوا جوابًا على الطرح الفرنسي كما أعلن ماكرون نفسه.

والمفارقة، أن التردد والضعف الذي لمسه دونالد ترامب من المستشارة الإلمانية أنجيلا ميركل، جعله يندفع بسياسته الهجومية ضدها، فأعلن رغبته بسحب 9,500 جندي أميركي من القواعد الأميركية المنتشرة في في إلمانيا، الأمر الذي ردّت عليه ميركل بحذرٍ أيضًا، فأكدت أن وجود الجيش الأميركي مفيد لإلمانيا والقسم الأوروبي من الناتو بالتأكيد، ولكنه مهم ومفيد للولايات المتحدة الأميركية أيضًا.

وفي تحذير ناعم للأميركيين، قالت ميركل: " لقد نشأنا على فكرة أن الولايات المتحدة أرادت أن تكون قوة عالمية. إذا رغبت الولايات المتحدة الآن في الانسحاب من هذا الدور بإرادتها الحرة ، فسنضطر إلى التفكير مليًا في ذلك".

إذًا تتباين دول الاتحاد الأوروبي الكبرى (فرنسا - إلمانيا) في نظرتها الى مستقبل الاتحاد وعلاقته مع الولايات المتحدة الأميركية، بينما تتفق كل من نظرة ميركل وماكرون الى ضرورة الحوار مع الصين وروسيا، وأن قطع العلاقات مع الصينيين غير مطروحة في قاموس الأوروبيين كما أكدت ميركل نفسها.

وعليه، يبدو أن الاتحاد الأوروبي لن يحسم خياراته الاستراتيجية قبل إنكشاف نتيجة الانتخابات الأميركية، وذلك على الشكل التالي:

- إن عاد ترامب الى الرئاسة لمدة أربعة أعوام إضافية، ستنتصر وجهة النظر الفرنسية. وسيكون هناك دافع قوي لدى الاوروبيين لمزيد من الاستراتيجيات الاستقلالية، وستطغى وجهة نظر ماكرون على تردد ميركل التي ستجد نفسها مجبرة على الدفاع عن بلادها وعن الاتحاد. وهكذا ستؤدي سياسات ترامب الى مزيد من عزلة الأميركيين في العالم وانفكاك العديد من الحلفاء من حولهم.

- أما إذا نجح بايدن في الوصول الى الحكم، فسيكون رئيسًا أميركيًا تقليديًا يطبق نفس سياسات أوباما السابقة وأهمها التركيز على التعددية، والتشبيك مع الحلفاء، وعودة السياسة التقليدية في الشرق الأوسط، ومواجهة روسيا، واحتواء الصين بطرق أقل هجومية، وسترتاح ميركل من اتخاذ خيار استقلالي هجومي لا تريده.

2020/07/06

الانكفاء الخليجي في لبنان.... الأتراك بالمرصاد


يعيش اللبنانيون منذ تشرين الاول 2019، حركة اقليمية وسياسية دولية ناشطة، تعمل على استثمار الوضع السياسي والاقتصادي المتأزم لتغيير موازين القوى السائدة أو لفرض موازين قوى جديدة لم تكن مكرّسة في السابق.

وفي هذا الإطار، يُلاحظ الدخول التركي النشط على الساحة اللبنانية، وقيام الأتراك بدعم واضح لمجموعات من الثوار في طرابلس والتي كان لها تأثير واضح على مسار التظاهرات والتجمعات في الشمال ككل. علمًا أن لتركيا نفوذ طبيعي في العديد من الساحات السنيّة في طرابلس وعكار والمنية والضنية وصيدا، سواءً عبر الجماعة الإسلامية التي تسير على نهج الاخوان المسلمين، أو عبر الأقلية التركمانية في لبنان، أو سواها من مساحات النفوذ المكتسب، والتي اكتسبته عبر الدعم المالي والتنموي والثقافي وسواها.

وكان وزير الداخلية اللبناني العميد محمد فهمي، قد تحدث في مقابلة مع صحيفة اللواء عن  "تدخل خارجي تركي في لبنان"، وكشف أن "هناك طائرة خاصة قدمت من تركيا تمّ توقيف أربعة أشخاص كانوا على متنها اتراك وسوريين ينقلون أربعة ملايين دولار، وقد دخلوا على أساس أن لديهم شركة صيرفة. ولا ندري هل هذه الأموال هي للتهريب والتلاعب بالدولار أم لتغذية تحركات عنفية معينة في الشارع. هذا إضافة الى التعليمات التي تصل من تركيا عبر "الواتساب" لبعض أطراف الحراك الشعبي".

إنطلاقًا من هذه الوقائع، يمكن القول أن السياسة الخليجية في لبنان والتي تتلخص بـ "الانكفاء" قد ترتدّ سلبًا على النفوذ الخليجي في لبنان، فالإنكفاء الخليجي السابق والاحجام عن مساعدة لبنان الآن سواء كان ناتجًا عن سوء تقدير أو بسبب الضغوط التي تفرضها إدارة الرئيس دونالد ترامب، هي سياسة ستدفع بأطراف كثيرة اقليمية ودولية الى استغلال الفراغ في الساحة السنيّة للتعويض عن غياب النفوذ الخليجي فيها.

في علم السياسة الدولية عادةً ما تقوم الدول بمدَ نفوذها عبر نفوذ طبيعي ونفوذ مكتسب، والنفوذ المكتسب هو بالعادة نفوذ متحرك متقلب لا يُركن الى استمراريته، بينما يبقى النفوذ الطبيعي هو الأكثر ولاءً وتماسكًا، ولا نجد أي دولة في تاريخ العلاقات الدولية قد ضحّت بنفوذها الطبيعي لصالح نفوذها المكتسب.

وقد يكون التقدير الخليجي بأن الفراغ المؤقت الذي يسمحون به لن يؤثر بشكل دراماتيكي، باعتبار أن تاريخهم متجذر في لبنان ولن يتأثر بسياسة "الانكفاء المرحلي"، ولكن التاريخ المعاصر يثبت عكس ذلك:

في منتصف القرن العشرين وصلت موجة المدّ الناصري الى لبنان، واعتُبر جمال عبد الناصر ومبادئ العروبة والناصرية الملهم للعديد من المجموعات اللبنانية ومنها الشارع السنّي. لكن بعد انتهاء الحرب الأهلية في لبنان، وبعد أن كرّس الطائف ازدواجية نفوذ سعودي - سوري في لبنان، ومع صعود نجم الرئيس الراحل رفيق الحريري، استطاع الحريري الأب أن يحوّل وجهة هذا الهوى العروبي الى وجهة أخرى هي الوجهة السعودية، وتمّ تكريس نفوذ سعودي في لبنان بدا (سابقًا) من الصعب إزاحته.

وانطلاقًا من كل ما سبق، يمكن القول أن النفوذ الخليجي في لبنان ليس بمأمن عن الاختراق والتراجع، وأن التاريخ أكبر معلم، فلا شيء دائم مع تبدّل الظروف وتعاقب الأجيال؛ فكما انكفأ النفوذ الناصري لصالح النفوذ السعودي، وإذا استمر الانكفاء الخليجي عن مساعدة لبنان في هذه الظروف المصيرية التي تعيشها مكوناته المجتمعية، يمكن أن تتحوّل بعض الساحات الى الاستعانة بالأتراك، وسيجد هؤلاء يد الأتراك مفتوحة، خاصة وأن تركيا تطمح الى لعب دور في الحل السياسي في سوريا، كما أن العلاقات بين إيران وتركيا هي في أفضل حالاتها كما كشف وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف مؤخرًا، ما قد يعني تشجيعًا لإعادة إحياء مشروع أوباما للربيع العربي أو ما سماه الايرانيون "الصحوة الاسلامية".

2020/07/01

ضمّ الضفة: كيف يطوّع الاوروبيون قوانينهم لصالح "اسرائيل"؟


تعيش منطقة الشرق الأوسط والعالم، على وقع الأنباء الواردة من فلسطين المحتلة والتي تتحدث عن قرار اسرائيلي بضم أجزاء من الضفة الغربية وغور الأردن تنفيذًا لما سمي اصطلاحًا "صفقة القرن"، والتي تتبناها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وكان يفترض أن تبدأ إسرائيل عملية ضم أجزاء من الضفة الغربية يوم الأربعاء في 1 تموز/يوليو، لكن الولايات المتحدة الأميركية، وبالرغم من أن سفيرها في "اسرائيل" كان أكثر المتحمسين لعملية الضمّ، لم تعطِ الموافقة النهائية على آليات تطبيق الخطة، وذلك خوفًا من أن تأتي العملية بردود فعل عكسية تؤثر سلبًا على الانتخابات الأميركية ( كان ترامب بالأساس مستعجلاً على الضمّ لإستثمار الموضوع في الانتخابات، لكن ردود الفعل الدولية والفلسطينية المعترضة والخوف من نتائج عكسية دفعته للتريث).

ويبقى اللافت هو الموقف الأوروبي من القضية، فبالرغم من قيام الأوروبيين بالتعبير عن رفضهم للضمّ واعتبار الموضوع مخالفًا للقانون الدولي إلا أن العديد من الدول الأوروبية، ومنهم إلمانيا التي تتولى رئاسة الاتحاد الأوروبي، رفضت فرض عقوبات على "اسرائيل"، وقال البرلمان الإلماني (البوندستاغ) أن  "المباحثات حول عقوبات آحادية أو التهديد بعقوبات لا يحمل أي أثر بنّاء على عملية السلام". مع العلم، أن الاتحاد الاوروبي كان في وقت سابق قد أقرّ حزمة من العقوبات الاقتصادية على روسيا  بسبب ضمّ القرم، والذي اعتُبر عملاً مخالفًا للقانون الدولي.

فرض كل من الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة وكندا ودول أخرى، عقوبات اقتصادية على روسيا عام 2014، بعد ضمّ القرم، وتمّ تشديد هذه العقوبات في فترات لاحقة بعدما حصلت انتخابات في القرم وسواها من الأعمال التي كرّست السيادة الروسية على شبه الجزيرة. تنوّعت هذه العقوبات بين نوع يقيّد الوصول إلى الأسواق والخدمات المالية الغربية بالنسبة لمؤسسات روسية حكومية في قطاعات الصرافة والطاقة والدفاع. ويفرض النوع الثاني حظرًا على الصادرات إلى روسيا والأجهزة المستخدمة للتنقيب عن النفط وإنتاجه. أما النوع الثالث فيفرض حظرًا على الصادرات الدفاعية والعسكرية إلى روسيا.

وهكذا، يكون الاتحاد الأوروبي قد طبّق ازدواجية المعايير، خاصة في ظل مبدأ واضح وضريح في القانون الدولي، وهو "عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة أو خلال الحرب"، وقد أكد مجلس الأمن على هذا المبدأ في العديد من القرارات الدولية التي تعاملت مع الاحتلال الاسرائيلي منذ عام 1967.

إن عدم الشرعية القانونية لضم الضفة أو سواها من الأراضي الفلسطينية، ينطلق من مبادئ أساسية وواضحة في القانون الدولي، أهمها مبدأ "عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير" وهو أحد القواعد القطعية التي لا يُسمح فيها باي استثناء، وقد أكدته القواعد القانونية، وقرارات محكمة العدل الدولية وكذلك قرارات الأمم المتحدة المختلفة بالإضافة الى "حق الشعوب في تقرير مصيرها" وهو من المبادئ الآمرة في القانون الدولي.

وهكذا، وبما أن الاتحاد الاوروبي ينطلق من نفس المبادئ الدولية لتجريم ضم روسيا للقرم، كان من المفترض بالاتحاد اتخاذ سياسات متسقة تعتمد وحدة المعايير، كأن يقوم الأوروبيون - على الأقل- بفرض نفس الإجراءات العقابية التي تمّ فرضها في القرم ومنها منع المواطنين والشركات الاوروبية من الاستثمار او السياحة أو تملك عقارات الخ... في المناطق التي يتمّ ضمّها في فلسطين.

لا شكّ إن التعامل الأوروبي اليوم مع ضمّ الضفة يتمّ بطرق ملتوية، وما الحديث عن عدم القدرة على فرض عقوبات خوفًا من الاضرار بالسلام، يؤكد أن الأوروبيين إنما يحاولون تطويع القانون الاوروبي والقانون الدولي لصالح حسابات سياسية، مرتبطة بالصراع الدولي وهي أبعد ما تكون عن احترام ذلك القانون.

2020/06/30

سيناريوهات نجاح "استراتيجية التجويع" في لبنان


تزداد الأزمة الاقتصادية في لبنان حدّة، وتزداد بالتوازي حدّة السجالات السياسية الداخلية والتوترات الأمنية التي تشي بوجود نار تحت الرماد، يخشى أن ينفجر في أي وقت من الأوقات.

ولا يخفى على أي مراقب أن هناك من يدفع الأمور دفعًا نحو التوتر بهدف استدراج مشاكل أمنية داخلية أو تكرار سيناريو 7 أيار لجرّ حزب الله الى الشارع أو دفعه الى استخدام قوته في الداخل، وما إغلاق طريق الجنوب يوم الجمعة الماضي لمدة سبع ساعات، ورشق سيارات المارة بالحجارة والكرّ والفرّ مع الجيش اللبناني سوى نموذج عن محاولات بعض الأطراف لإشعال فتنة مذهبية في لبنان.

وفي خضّم سياسات التصعيد المتبادل، يمكن القول أن سياسة "الضغوط القصوى" التي تمارسها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على لبنان والتي قضت على الستاتيكو السابق (القائم على تقاسم نفوذ أميركي - إيراني واقعي) تبدو سياسة محفوفة بالمخاطر العالية يمكن أن تؤدي الى أحد السيناريوهات التالية:

1- السيناريو الأول: أن تنجح الاستراتيجية تلك في دفع لبنان الى تقديم التنازلات التي حددها مساعد وزير الخارجية الأميركي شينكر ووزير الخارجية الأميركي بومبيو في تصريحاتهما، منها القبول بالتصور الأميركي لترسيم الحدود البحرية بين لبنان و "اسرائيل"، والسير بقانون "قيصر" والمساهمة في الضغط على سوريا وحكومة بدون حزب الله، وغيرها... وهو أمر صعب التحقق، فالشروط تعجيزية ولن يقبل أي مسؤول لبناني التخلي عن الغاز في المتوسط لاسرائيل، والمساهمة في حصار سوريا تعني حصار لبنان، ولن يقبل حزب الله بحكومة من دونه خاصة وأنها شرط أميركي معلن..

2- السيناريو الثاني: فشل تلك الاستراتيجية:

إن الضغط على لبنان للوصول الى حدّ تجويع اللبنانيين وانهيار الوضع الاقتصادي اللبناني ما سيدفع اللبنانيين ومعهم اللاجئين السوريين والفلسطينيين الى مستويات أدنى من خط الفقر بكثير، وهذا قد يؤدي الى انفلات الوضع الأمني  نتيجة خسارة الاستقرار الاقتصادي والأمن الغذائي والاجتماعي.

وهنا تكون الخشية من أن يقوم الاميركيين بالتسبب بانهيار لبنان ثم ينفضون يدهم منه ويتركونه لمصيره كما جرت العادة في حالات ممثالة في بلدان أخرى.

هذا الوضع سيسبب أزمات كبرى، قد تدفع الامور الى وضع لا تستطيع معه السلطات اللبنانية إيقاف الراغبين بالهجرة الى أوروبا، أو سيدفع الأمور الى فتنة داخلية (يتم التحريض عليها) سيضطر معها حزب الله الى النزول الى الشارع (كما أعلن أمينه العام) وعندها سيتغير ميزان القوى لغير صالح الأميركيين والخليجيين وحلفائهم في لبنان.

كما سيرتد سلبًا على النفوذ الخليجي في لبنان، في ظل إعلان السعوديين عدم اهتمامهم بلبنان وأنه أصبح في آخر سلم أولوياتهم، الأمر الذي سيدفع قوى إقليمية أخرى لسدّ هذا الفراغ الذي سيتركه انسحاب الخليجيين من الساحة لصالح كل من تركيا وايران. واليوم، نشهد دخولاً تركيًا قويًا الى الساحة السنية في العديد من المناطق اللبنانية، وهذا النفود سوف يأتي على حساب النفوذ السعودي التقليدي في تلك الساحات.

هذه الضغوط القصوى الأميركية ومنع "العالم" من مساعدة لبنان إذا لم تتحقق الشروط الأميركية (كما أعلن بومبيو) سيؤدي لدخول كل من روسيا والصين على خط المواجهة، وبالتالي قد لا يجد اللبناني مفرًا من التوجه شرقًا حين لا يكون أمامه سوى الجوع أو الشرق. وحينها تكون السياسة الأميركية نفسها هي التي أدخلت شركاء دوليين لها الى لبنان.

3- السيناريو الثالث: التسوية

أن تصل الأمور الى نقطة ما قبل الانفجار، فتحصل تسوية ما تعيد خلط الأوراق وتعيد ترتيب الأوراق الاقليمية وخريطة النفوذ في لبنان. العقدة هنا أن من يمتلك رفاهية الوقت والصبر يربح، ومن ليس لديه القدرة الكافية للصمود وللاستمرار في سياسة عضّ الأصابع، سيكون الخاسر الأكبر في هذا السيناريو.

2020/06/29

لماذا تستعجل "اسرائيل" التنقيب عن الغاز قرب حدود لبنان؟

في ظل التصاعد المتزايد للأزمة الاقتصادية اللبنانية، والتصعيد الأمني والسياسي والدبلوماسي الذي يطغى على الساحة اللبنانية، برز خبر جديد أمس عن قرار الحكومة "الاسرائيلية" بمنح تراخيص التنقيب عن الغاز في البلوك الذي يحاذي البلوك 9 اللبناني، والذي يمكن أن يشكّل مادة جديدة لتفجير الأوضاع في المنطقة في حال تمّ بالفعل الاعتداء على السيادة اللبنانية وسرقة الغاز اللبناني.

وقد أوردت وسائل الاعلام أن وزير الطاقة "الاسرائيلي"  وقّع قرار فتح المناقصة في البلون "ألون د" محددًا المهلة القصوى لتلقي العروض في الخامس من آب2020 ، وفضّ العروض وإعلان الفائز في 23 آب، وتقدم الكفالات في مهلة قصوى في 23 أيلول ليبدأ العمل في 26 تشرين الأول في الموقع المذكور.

فما الهدف من قيام اسرائيل بهذه الخطوة، ولما الاستعجال في ظل انهيار اسعار النفط العالمي؟

بداية، يجب القول أن الحديث عن ضرورة فتح جبهة للقتال على الحدود لحماية الغاز اللبناني أو أن اسرائيل تدفع الأمور الى حرب يبدو مستبعدًا، بدليل الموقع الذي حددته "اسرائيل" للتنقيب في البحر الفلسطيني المحتل هو محازِ للحدود اللبنانية ولا يدخل ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان المتنازع عليها، والتي يريد الاسرائيلي أن يقرصنها بمساعدة من الأميركيين.

لذلك، لا يبدو واضحًا أي رغبة "اسرائيلية" بحرب حاليًا،  أولاً لأن أن "الاسرائيلي" يدرك أن إعلانه عن التنقيب في أراضٍ متنازع عليها لن يشجع الشركات على التقدم للمناقصة. وثانيًا، لأن التوتر العسكري قد يكون في مصلحة محور المقاومة في وقت تتعرض فيه كل من سوريا ولبنان وإيران لضغوط اقتصادية قصوى.
وعليه، وبما أن الحرب مستبعدة حاليًا، وإنطلاقًا من كل الاحتمالات الواردة والتي تدفع الاسرائيلي للترخيص بالتنقيب عن الغاز في محيط محاذٍ للبنان، يمكن القول ان الموضوع قد يرتبط بأمرين:

الاول: زيادة الضغط على لبنان في ظل أزمة اقتصادية خانقة للقبول بالجلوس الى طاولة المفاوضات، وتطبيق "التصور" الأميركي الذي تحدث عنه مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد شينكر. وهنا من المهم لفت النظر الى أن الاستعجال الأميركي والضغوط الحثيثة يمكن أن تكون مرتبطة بالوعود التي كان قد أعطاها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنتنياهو بحلّ هذه القضية قبل انتهاء ولايته.
كان واضحًا من حديث شينكر الأسبوع الماضي، اعتباره أن الكرة في ملعب لبنان، وربط بين حلّ الأزمة المالية التي يواجهها لبنان، والتنقيب عن الغاز في البلوكين رقم 9 و10، واعتبر ان موافقة لبنان على "التصور" الأميركي لحلّ القضية يمكّن اللبنانيين من الاستفادة من الغاز في المتوسط ويمكّنه من حلّ أزمته الاقتصادية.
والتصور الأميركي الذي يتحدث عنه شينكر هو ما يسمى بترسيم الحدود البحرية بحسب "خط هوف". هذا الخط هو عبارة عن تسوية اقترحها الموفد الأميركي فيدريك هوف، المكلّف بوساطة لحلّ النزاع الحدودي البحري بين الجانبين عام 2012، والذي اكتشف أن "اسرائيل" تحاول أن تقرصن الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة في الجنوب اللبناني، فاقترح "تسوية" تقضي بإعطاء "اسرائيل" 40 بالمئة من البلوك اللبناني رقم 9 (310 كلم2)، وأن يحصل لبنان على 60 % (860 كلم2). الأكيد أن الجانب اللبناني رفض الأمر وأصرّ على الاستحصال على كامل حقوقه في نفطه ومياهه.


الثاني: زيادة الضغوط الخارجية على لبنان تزامنًا مع الضغوط الداخلية التي تتجلى بارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة، وأزمة الرغيف، والتوترات الأمنية والسياسية وإقفال الطرق وإشغال القوى الأمنية وإنهاكها، والدفع نحو فتنة مذهبية سنية شيعية الخ... ويبدو أن الهدف من هذه الضغوط هو ما أعلن عنه شينكر في مقابلته الاعلامية، وما حدده وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، بأن الأميركيين و"العالم" مستعد لمساعدة لبنان اقتصاديًا بشرط قيام حكومة "غير مرتهنة لحزب الله"، وبشرط " إصلاح حقيقي وتغيير حقيقي وابتعاد جوهري عن حزب الله كسلطة حاكمة داخل لبنان".
في المحصلة، كل ما يبدو من الصورة الاجمالية في المحيط الاقليمي اليوم، أن اسرائيل دخلت طرفًا في استراتيجية ممارسة "الضغوط القصوى" التي تعتمدها إدارة الرئيس ترامب في المنطقة، والهدف دفع لبنان لتقديم تنازلات سواءً في ملف ترسيم الحدود البحرية الذي يجب أن ينتهي قبل نهاية ولاية ترامب (تمامًا كما ضمّ الضفة)، والسير بمشروع "قيصر" لحصار سوريا، أو تعديل ميزان القوى السياسي اللبناني، بإخراج حزب الله من الحكومة والمجيء بحكومة "أميركية الهوى" توافق على ما سبق.

2020/06/23

هل يستفيد لبنان من السياسة الهجومة الصينية؟


في خطابه الأخير، دعا السيد حسن نصرالله اللبنانيين الى مواجهة العقوبات الأميركية التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية على لبنان، عبر تنويع خياراتهم الاقتصادية والتوجه نحو كل الدول الصديقة التي يمكن أن تساعد لبنان، عبر اعتماد العملات المحلية أو عبر خيار التبادلية، أو سواها من الخيارات، كما دعا الى التعاون مع الصين وايران وسواها.

وبالرغم من ردّ السفارة الصينية الترحيبي عبر بيان رسمي، وإعلانها اهتمام الشركات الصينية بحث " فرص التعاون في البنية التحتية والمجالات الأخرى في لبنان"، إلا أن العديد من السياسيين والصحفيين اللبنانيين شككوا بالموضوع معتبرين أن الصين لن تدخل في اشتباك مع الولايات المتحدة من أجل لبنان، وهو ما تثبت الوقائع عدم صحته.
بالمبدأ، وقبل جائحة كورونا، كانت الصين دائمًا تعتمد في سياساتها الخارجية على براغماتية شديدة مستمدة من وزير خارجية الصين الشيوعي الأول "تشو إن لاي" الذي دعا إلى تكوين أكبر عدد ممكن من الأصدقاء للبلاد وتجنب صنع الأعداء.  ولقد استُكملت هذه السياسة خلال عهد "الاصلاح" أي فترة "دنغ شياو بينغ" والتي تختصر بعبارته "تحفيز وقتنا ورعاية قوتنا" أي القيام بما يجعل الصين تحافظ على مكانة دولية منخفضة من أجل التركيز على النمو الاقتصادي.

وبالفعل، ومنذ أعلن الصينيون عن مبادرة طريق الحرير الجديد، اعتمدوا في مقارباتهم الاستثمارية الخارجية في البلدان الأخرى، على معايير ثلاث: دراسة الجدوى، الاستقرار الأمني، والاستقرار السياسي الذي يسمح باستثمارات طويلة الأجل بدون أن يظهر معارضون  سياسيون في الدولة ويعيدون النظر بالاتفاقيات الجارية.
وعلى هذا الأساس، رُسمت خرائط طريق الحرير مرارًا وتنوعت وتبدلت بحسب المعايير الثلاث الآنفة الذكر.  وبالفعل، حاول الصينيون تجنّب استفزاز الولايات المتحدة  وتحدّيها بشكل صارخ، وحاذروا الدخول الى الساحات التي اعتبروا ان "الأميركيين مستعدين للقتال" فيها.

لكن، وبسبب أهمية الصراع الدائر مع الولايات المتحدة وتأثيره على قدرة الصين على كسب الوقت لزيادة قوتها الاقتصادية، قامت الصين - في السنوات السابقة- بمساعدة الاقتصادين الروسي والايراني.
ففي العام 2014، وبعد إعلان الاميركيين والاوروبيين العقوبات على روسيا بسبب ضمّها للقرم، أعلنت الصين عن استثمارات هائلة في قطاع النفط الروسي والبنى التحتية تصل الى مئات مليارات الدولارات. وفي العام 2019، وبعد أزمة كبرى عاناها الاقتصاد الايراني نتيجة العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد خروجه من الاتفاق النووي الايراني، تمّ الاعلان عن أن الصين تعتزم استثمار 280 مليار دولار في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات الإيرانية، وهي القطاعات الأكثر تضررًا جراء العقوبات الأميركية.

ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حربًا اقتصادية على الصين، وقيامه بتحميل الصين المسؤولية الكاملة عن انتشار فيروس كورونا، وحديثه عن تحميلها المسؤولية وفرض عقوبات بمثابة تعويضات، وانتشار مشاعر "الصينوفوبيا" في الولايات المتحدة بنتيجة التحريض والشعبوية.... كان لا بد للصينيين من الخروج من دائرة " الدبلوماسية المنخفضة" والهروب من المشاكل الى المواجهة المباشرة.

وهكذا، بدأت الحروب الكلامية والبيانات التصعيدية من الدبلوماسيين الصينيين بعد تعليمات أصدرها الرئيس شي جين بينغ في مذكرة الى الدبلوماسيين دعا فيها إلى إظهار المزيد من "الروح القتالية". كما تخلى الصينيون عن الصبر الذي استخدموه في التعامل مع الاحتجاجات في هونغ كونغ، فأعلنوا عن مشروع القانون الأمني الجديد الذي "يشمل إنشاء مكتب جديد للأمن القومي خاص بهونغ كونغ لجمع معلومات المخابرات والتعامل مع الجرائم التي تمس الأمن القومي" والذي أثار حفيظة كل من الولايات المتحدة والغرب.

وهكذا، فرضت الظروف الدولية المستجدة على الصينيين تبديل الآليات التي يستخدمونها في سياساتهم الخارحية، وهي تنطلق من شعار الزعيم المؤسس ماو تسي تونغ "لن نهاجِم ما لم نهاجَم.. لكن إذا تعرضنا لهجوم، فسنقوم بالتأكيد بهجوم ساحق". وعليه، على اللبنانيين التحلي بالشجاعة، وعدم الاتكال على طرف واحد لمساعدة لبنان، بل تنويع خياراتهم والاستفادة من أي ظرف مؤاتٍ سواء كان رغبة صينية في المساعدة، أو إحراج يعانيه ترامب في الداخل أو سواها.          

2020/06/22

سيناريوهات الحرب... الاحتمالات والنتائج


في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها لبنان، تسري أخبار يومية في وسائل الاعلام وعلى مواقع التواصل تتحدث عن خيارات سيئة وسيناريوهات كارثية، منها الحروب (حرب داخلية، حرب اسرائيلية) ومنها ما هو أسوأ (حرب شاملة في المنطقة).

وفي تحليل لكل سيناريو من السيناريوهات، يمكننا التعليق بما يلي:

- الحرب الداخلية:

سرت في الأسابيع الماضية، الكثير من التهويلات والأحاديث وانتشرت فيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تستعير مفردات الحرب الأهلية، وتحرّض اللبنانيين على بعضهم البعض، دفعًا لحرب أهلية!.

والحقيقة أن جزءًا من أسباب هذه الحملة، قد يكون كلام السيد حسن نصرالله في مقابلته مع الاعلامية بثينة علّيق حين لمّح بأن "فوبيا" حزب الله هي الحرب الأهلية، وبأن الحزب مستعد للتراجع في معركة مكافحة الفساد وغيرها إذا ما كان الثمن هو الحرب الداخلية.

ويمكن أن يكون هذا الأمر شكّل عاملاً مشجعًا للبعض في الداخل والخارج للتهويل بالحرب الأهلية طمعًا بمكاسب أو تنازلات من هنا وهناك.

لهذا السبب، استدرك السيد نصرالله الأمر في خطابه الأخير، معتبرًا أن الثنائي الشيعي مستعد للنزول الى الشارع في حال كان هناك تهديد بفتنة أو تعكير للسلم الأهلي. وقد يكون هذا الحديث معطوف على حديث له في بداية انتفاضة 17 تشرين، حين أعتبر أن القرار بالنزول الى الشارع ليس سهلاً، وأنهم حين ينزلون لن يخرجوا من الشارع إلا وقد حققوا الأهداف التي نزلوا من أجلها.

وعليه، وبعد هذا الكلام الذي يتضمن تهديدًا وتوضيحًا في آن، سنشهد تراجعًا كبيرًا في الحديث عن الحرب الأهلية، وسيتراجع مؤشر التحريض المذهبي والطائفي الذي يعيد اللبنانيين الى ذكريات الحرب الأهلية التي لم تكن لتحصل بالأساس.

- الحرب الاسرائيلية على لبنان التي يتحدث البعض أنها محتملة وقريبة، علمًا ان الاسرائيليين محرجين في التعامل مع ضمّ الضفة الغربية التي تدفع إليها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وحيث هاجمت الصحف الاسرائيلين السفير الأميركي في "اسرائيل" الذي يضغط لحصول الضمّ رغمًا عن إرادة معظم الاسرائيليين (30 بالمئة فقط يؤيدون الضم) معتبرة أنه يريد أن ينصّب نفسه رئيس وزراء ثالث (إضافة الى نتنياهو وبيني غانتس).

بالأساس، تعاني اسرائيل من صعوبات داخلية من جرّاء جائحة كورونا، ومن الخلافات السياسية التي فرضت إعادة الانتخابات لأكثر من مرة. هذا بالإضافة الى أن دروس وعبر حرب تموز (تقرير فينوغراد) بالاضافة الى إمتلاك حزب الله لصواريخ دقيقة، واكتسابه خبرة عملية في حروب المدن والحروب الهجينة من جرّاء انخراطه في الحرب السورية... كلها تجعل من المغامرة الاسرائيلية بالحرب على لبنان غير مضمونة النتائج، وبالتالي أقرب الى الجنون والتهور.

- ويبقى سيناريو الحرب الشاملة في المنطقة والتي يعتقد البعض أنها باتت حاجة لمحور المقاومة بعدما وصلت الضغوط الأميركية الى حد الإفقار والتجويع لكل من لبنان وسوريا والعراق وإيران.

عادة، قد يكون من مصلحة المأزوم أن يدفع الأمور الى التوتر وذلك أملاً بتخفيف الحصار والضغوط القصوى التي تُمارس عليه. ولكن، من المتعارف عليه أيضًا، أن كل ّ طرف يحاول أن يجرّ الخصم الى اللعب في ملعبه، أو يقوم بدفع الامور الى وضع يمتلك فيه الأدوات الأقوى. ومن هذا المنطق، قامت إدارة الرئيس الأميركي باستعمال الضغوط الاقتصادية والعقوبات باعتبارها السلاح الأفعل والأقوى التي تملكه الولايات المتحدة ويجعلها تضغط على أعدائها بأقل الخسائر (نسبيًا).

منطقيًا، في حال أرادت قوى المقاومة أن تستخدم السيناريو الحربي لدفع خيار الجوع، فإن من مصلحتها استخدام الحرب بالوكالة، واستنزاف القوى المعادية في معركة يتقنونها ويملكون فيها الأدوات اللازمة. لذا فإن القرار بالتصعيد العسكري لتخفيف الضغوط الاقتصادية(إذا أتُخذ) لن يكون الى حدّ الوصول الى التسبب بحرب شاملة لن تفيد "المحور" ولن يكون له اليد الأعلى فيها، بل تكون بضربات موجهة وبأماكن موجعة للخصم لا تؤدي الى تدحرج الأمور الى ظرف لا يمكن السيطرة على نتائجه.

وهكذا، يمكن القول أن السيناريوهات العسكرية الآنفة لا تبدو متوفرة لمن يريدها أو يدفع إليها. علمًا أنه لا يبدو أن هناك انفراجًا سريعًا في الأزمة الاقتصادية التي تضرب منطقة المشرق بأكمله، والتي تحتاج الى صبر وإرادة صمود، لتمر هذه الأزمة كما مرت سابقاتها.

2020/06/16

ضم الضفة الغربية: أين أصوات مسيحيي المشرق؟


كشفت القناة العبرية الـ “12” عن وثيقة سريّة جرى بحثها من قبل أجهزة الأمن الاسرائيلية، حول كيفية التعاطي مع استعدادات ضم أجزاء من الضفة الغربية الذي من المقرر أن يقوم به نتنياهو في الأول من شهر تموز/ يوليو المقبل.
وبالرغم من التحذيرات المتعددة من خطورة القيام بعملية الضم، إلا أنه من المرجح أن يقوم نتنياهو بهذه الخطوة لأسباب عدّة أهمها:
أولاً، لأن الأصوات العربية والدولية المعارضة عاجزة عن اتخاذ أي موقف مؤثر أو موجع للاسرائيليين، خاصة بعد تجربة إعلان القدس عاصمة لإسرائيل.
ثانيًا: الضوء الأخضر الذي يتلقاه نتنياهو من إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب، لذا هو يخشى أن يفقد هذا الدعم المفتوح لقضم الأراضي في حال خسر ترامب  الانتخابات في تشرين الثاني / نوفمبر المقبل.
ثالثًا: استعجال ترامب على أن يقوم نتنياهو بالضم وتوسيع الأراضي الإسرائيلية قبل موعد الانتخابات الأميركية، وذلك لكي "يبيع" هذه القضية الى الكنائس الانجيلية الأميركية مقابل أصوات إنتخابية، وذلك لإيمان هؤلاء بأن قيام اسرائيل الكبرى سيسهم في عودة المسيح مرة ثانية.
وهنا، ولأن الموضوع يأخذ أحيانًا عنوانًا مسيحيًا غربيًا داعمًا لما تقوم به اسرائيل في حق الفلسطينيين وفي القدس، لا بد من إعادة توجيه شاملة لمسيحيي المشرق لرفع الصوت، وهم الذين كانوا السباقين في لفت النظر الى قضية فلسطين وأهمية الحفاظ على القدس والتصدي لمؤامرة تهويدها.
وبالرغم من كل ما حصل خلال الحرب الأهلية اللبنانية، من تعامل بعض المسيحيين مع اسرائيل، لا شكّ أنه من المفيد التذكير بالمواقف المسيحية المشرّفة حيال القضية ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ميشال شيحا الذي دافع عن القضية الفلسطينية من منطلق الدفاع عن لبنان، واعتبر أن "اسرائيل هي "سوبر دولة" تدعمها قوى عالمية كبرى، ولا يمكن أن تكون الا دولة توسعية، وان نموّها سيتم على حساب جيرانها، مؤكدًا أن الصراع بين اسرائيل والعرب، وفي مقدمهم لبنان، هو صراع وجود وحدود معًا.
ويمكن أن نضيف الدبلوماسي اللبناني شارل مالك، الذي اعتبر عام 1949 أن مرحلة إعلان "دولة اسرائيل"  هي توطئة للمرحلة التكميلية التالية التي تهدف الى استعمار واستعباد العالم العربي".
نذكر هذين المثالين، بالرغم من وجود العديد من الوجوه المسيحية المدنية والدينية البارزة الرافضة للإحتلال، لنقول إنه -حتى-  أعتى عتاة دعاة "القومية اللبنانية" والانتماء المسيحي أدركوا مبكرًا خطورة المشروع التوسعي الاسرائيلي على المنطقة برمتها، وعلى لبنان بشكل خاص.
وعليه، بات من المنطقي أن يهبّ المسيحيين - كتابًا ومفكرين وسياسيين- للدفاع عن فلسطين وعن القدس في مواجهة أساطير توراتية غربية، تكرّس النظرة الصهيونية لفلسطين وتباركها.
لا يمكن لمسحيي المشرق الوقوف مكتوفي الأيدي تجاه ما يروّج من ذرائع ومبررات لتهويد القدس وإنهاء القضية الفلسطينية. وهذا يتطلب اقتناعًا لدى المسيحيين المشرقيين بإن الضعف ليس سمة دائمة وليس هو موروث جيني، وإنما القوة تكتسب اكتسابًا عندما يتوافر مشروع فكري مقاوم وتتوافر الدوافع الأولى للتحريك، وعندها يدركون أن القوة نسبية واحتمالية وعناصرها تختلف من جهة لأخرى وبين واقع وآخر، وهم يملكون هذه القوة.

2020/06/15

لبنان... الفقر وخطوط الانتحار المذهبية

كما كان متوقعًا، عادت الاحتجاجات والتظاهرات الى الشارع اللبناني بعد غياب قسري للمتظاهرين بسبب جائحة كورونا. نقول متوقعًا، لأن الأسباب التي دفعت الناس الى الشارع ما زالت هي نفسها، ولأن الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ما انفكت تضغط على اللبنانيين، حتى باتت في شهر حزيران 2020 أسوأ مما كانت عليه في تشرين الاول 2019 حين بدء الاحتجاجات.
ويمكن القول أن هناك مركَزَي قوى ما زال مستمرًا بمعركة "كسر عظم" حتى لو أدى الأمر الى إحراق لبنان برمته، وهما:
- الأول: حزب المصارف، وعلى رأسه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والذي تبين انه كان وراء المضاربة بالعملة والذي أوصل الأمور الى ما وصلت اليه من انهيار دراماتيكي أواخر الأسبوع المقبل... وكان النائب حسن فضل الله قد كشف أن التحقيقات التي أجريت أظهرت "أنه من آب ٢٠١٩ هناك من يعمل على سحب الدولارات بكميات ضخمة من السوق وإرسالها إلى خارج الأراضي اللبنانية... وأن اعترافات الموقوفين لدى القضاء أكدت أنه منذ آب ٢٠١٩ لغاية أيار ٢٠٢٠ حصل الجمع والتهريب، وكانوا يأخذون من البنك المركزي كميات من الليرات اللبنانية، وتجميعها كان يصبّ في مصرف سوسيتيه جنرال، إلى أن استُدعي المدير في المصرف كريم خوري إلى التحقيق" وأضاف إن "الليرة اللبنانية كانت تخرج من المصرف المركزي إلى مصارف عدة، منها مصرف سوسيتيه جنرال ومصارف أخرى. المصرف يعطي المال اللبناني لشبكة من الصرافين، ما أدى إلى تراكم الشح بالدولار، وفي 20 أيار استدعي المشتبه فيهم، وفي 21 أيار أفرج عنهم"!.
ووقد اتهم فضل الله السفارة الأميركية في منع شحن الدولار الى لبنان، لكن لم يقل لنا النائب فضل الله مَن مارس الضغوط على القضاء للإفراج عنهم؟ وإذا كان من المتعذر على النيابة العامة المالية أن تستمر بالتحقيق وتوقيف المتورطين، لماذا لم تقم السلطة السياسية بالضغط على هؤلاء للتعهد بالتوقف عن المضاربة بالعملة مقابل الافراج عنهم؟.
- الطرف الثاني هو الطبقة السياسية التي استمرت تنهب اللبنانيين منذ 30 عامًا، والتي تبدو مستعدة للاندفاع الى حرب أهلية إذا شعرت بأن سلطتها على المحك.
لقد عاش اللبنانيون خلال الاسبوعين الماضيين كل مظاهر الحرب الأهلية وعادت بهم الذاكرة الى عشية 1975، حين تقاذفت الطبقة السياسية التهم، واستجلبت التدخلات الخارجية للحفاظ على مصالحها الضيقة تحت عنوان "الحفاظ على الطائفة والوجود".
وهكذا، عادت المتاريس المذهبية؛ وبات أمام اللبناني - المهدد بلقمة عيشه والذي ينحدر بسرعة الى ما تحت خط الفقر- أن يختار على أي خط مذهبي يريد أن ينتحر ويسفك دمه ودم أولاده؛ فهناك عنوان "الاقتتال السنّي السنّي" الذي ينخرط فيه الأخوين الحريري (سعد- بهاء) والوزير السابق أشرف ريفي الذي يحاول أن يستجلب الدعم التركي مقابل نفوذ تاريخي تقليدي للخليجيين في تلك البيئة. وهناك عنوان "الصراع السنّي الشيعي"، الذي يتم تغذيته تحت عنوان "استباحة بيروت التي عمّرها رفيق الحريري"، وهناك عنوان " الاقتتال المسيحي الاسلامي" والذي يتم تحفيزه في مناطق خطوط التماس السابقة، ويشترك فيه أمراء الحرب والميليشيات المسيحية، تحت عنوان "نزع سلاح حزب الله"، والتسلح لـ"حماية مناطقنا".
النتيجة، يبدو أن لبنان مصاب بلعنة أبدية لن ينجو منها؛ طبقة سياسية عفنة بلا قلب ولا ضمير، كرّست نفسها بعد الطائف "دولة عميقة" تعيث فسادًا وإفسادًا، ومستعدة لإحراق الهيكل وتدميره على من فيه حماية لمصالحها وتكديسًا لثرواتها.