2020/04/22

هل يجرّ ترامب العالم الى حرب؟

في سلسلة تغريدات لافتة ومستغربة، غرّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب داعيًا أنصاره الى "تحرير" بعض الولايات الأميركية (مينيسوتا، ميتشغن، فيرجينيا)، ومذكرًا بالتعديل الثاني للدستور الأميركي، والذي يقول " إن وجود ميليشيا حسنة التنظيم ضروري لأمن أية ولاية حرّة، لا يجوز التعرض لحق الناس في اقتناء الأسلحة وحملها".
وهذه التغريدات وتلك الاشارة الى التعديل الثاني، تفيد بأن ترامب يدعو أنصاره صراحة لحمل السلاح، بوجه السلطان المحلية التي تقوم بإغلاق الولايات الأميركية وفرض الحجر المنزلي بسبب تفشي فيروس كورونا.
فما الذي يجعل ترامب يبدو مذعورًا مهددًا بحمل السلاح في الداخل؟
إن التاريخ الأميركي يشير الى أن الاقتصاد كان دائمًا عاملاً أساسيًا وهامًا في خيارات الناخبين الأميركيين، ولقد ساهمت الأزمات الإقتصادية في الاطاحة بالعديد من الرؤساء المرشحين للانتخابات.
كما تشير الدراسات، أنه دائمًا ما توفرت حظوظ أكبر للرؤساء الأميركيين خلال سعيهم للتجديد لولاية ثانية، شذّ قليلون عن هذه القاعدة، منهم على سبيل المثال لا الحصر، جيمي كارتر وجورج بوش الأب.
بالنسبة لجيمي كارتر؛ لقد أدّت أزمة الرهائن الأميركيين في إيران بالاضافة الى تراجع الوضع الاقتصادي، الى خسارته معركة التجديد الرئاسية، بعدما اعتبر الاميركيون انه لم يكن فعالاً في إدارة أزمة الرهائن، وأن الاقتصاد يتجه من سيء الى أسوأ.
أما جورج بوش الأب، والذي كانت استطلاعات الرأي تعطيه تأييدًا غير مسبوق (89%) بعد حرب الخليج الثانية (تحرير الكويت)، لكن عدم وفائه بوعده بعدم زيادة الضرائب، وبالاخص الانكماش الذي عاناه الاقتصاد الأميركي، أديا الى تراجع شعبيته وخسارته الانتخابات أمام بيل كلينتون.
قبل كورونا، كانت المؤشرات الاقتصادية ممتازة وكان ترامب يتصور معركة سهلة أمام جو بايدن. أما اليوم، فيواجه ترامب بعدم الكفاءة في مواجهة الأزمة، بعدما استمر لمدة أسابيع يتعاطى مع الموضوع باستخفاف، ويعتبره "خدعة"، ويستشعر الخطر الذي سيتأتى من استمرار إقفال الأسواق وتصاعد أعداد العاطلين عن العمل نتيجة الحجر الصحي والتنبؤات الاقتصادية بركود اقتصادي لا مثيل له في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، بالاضافة الى انهيار أسعار النفط الخام الأميركي والتي تنذر بإفلاس شركات النفظ الصخري، وطرد الملايين من الموظفين.
وأمام هذه الخطر والقلق من عدم إمكانية الفوز بولاية ثانية، يعمد ترامب الى استراتيجية هجومية تتجلى في: تكثيف الظهور الاعلامي، وضع اسمه على الاموال التي سيتم منحها للمواطنين كمساعدات، دعوة الولايات لفتح الأسواق، بالاضافة الى إلقاء المسؤولية على الصين التي - برأيه- مارست الخديعة وتسترت على الاعداد وخطورة الفيروس، وعلى حكام الولايات الذين يتهمهم بالتقصير، وبأنهم يريدون إقفال ولاياتهم ومنع الناس من الذهاب الى إعمالها.
من غير الواضح - لغاية الآن- مدى قدرة هذه الاستراتيجية على قلب الأوضاع لمصلحته. ولكن، يبدو أن ترامب - وكما تدل شخصيته- مستعد للذهاب الى أبعد حدود في حال شعر بأنه سيخسر انتخابات تشرين الثاني / نوفمبر 2020، وبالتالي من الممكن أن يذهب الى خيارات كبرى وخطيرة، أملاً في كسب المزيد من الأصوات مستندًا الى قاعدة شعبية معبأة ايديولوجيًا وغرائزيًا، منها على سبيل المثال:
- اتهام الصين باختراع الوباء وإرساله الى الولايات المتحدة عمدًا، وبالتالي المطالبة بتعويضات مالية كبرى، فيعمد الى فرض عقوبات على الصين أو حجز الاموال الصينية في الولايات المتحدة.
- التحريض على حمل السلاح في الداخل والتهديد بحرب أهلية في حال خسارته، وذلك باقناع ناخبيه ومؤيديه أن هناك "مؤامرة" ضده يتم تحضيرها من قبل الحزب الديمقراطي بالتعاون مع وسائل الاعلام والدولة العميقة.
- التحرش عسكريًا أما بالصين في بحر الصين الجنوبي، أو بايران في الشرق الأوسط. وبالرغم من أن الخيار العسكري هو مكلف بالتأكيد، وبالرغم من عدم اقتناع ترامب بالحروب العسكرية الكبرى، لكن هذا الخيار قد يستخدمه كملاذ أخير في حال شعر بانهيار حظوظه الرئاسية. ويمكن له بعد اتهام الصين بارسال الوباء الى أميركا والعالم، أن يتذرع بالدفاع عن النفس في تلك المواجهة.

2020/04/20

تسييس كورونا لبنانيًا!


وفي الأسبوع الأخير قبل انتهاء الفترة الأساسية للتعبئة العامة التي أعلنتها الحكومة اللبنانية، بدا اللبنانيون على طرفي نقيض: أصوات تتعالى تتحدث عن ضرورة فتح الأسواق لعدم قدرة اللبنانيين على الصمود أكثر، بينما آخرون يتحدثون عن حاجة الدولة الى استكمال فترة الحجر الصحي لمدة أسابيع ثلاث بعد الوصول الى مرحلة تسجيل صفر حالات جديدة.

والأكيد أن لكل طرف حجته ومسوغاته المشروعة، وهذا السجال اللبناني ليس مختلفًا عن السجالات في العالم أجمع، التي تقارب الموضوع إما من زاوية إقتصادية أو من زاوية صحية. المقاربتان صحيحتان، ولهذا تعمد الحكومات في كل العالم الى قيام موازنة دقيقة بين الاقتصاد والجوع القادم، وبين احتواء الجائحة وقدرتها على الفتك بالمجتمعات.

أما لبنانيًا، فتبرز على ضفة هذا السجال، مجموعة أخرى ذات مصالح خاصة، بدأت بتحريك الشارع وإنزال التظاهرات، التي تتخذ عنوانًا مطلبيًا، بينما هي تجسّد في الواقع منحى سياسيًا صرف.

واقعيًا، بدأت الحملة السياسية مباشرة بعد حديث الرئيس عون عن استعادة الأموال المنهوبة، وكلام الرئيس حسان دياب عن أن هناك فئة تقارب 2 % من المودعين ستتأثر بعمليات "القص" والتي يبدو أنها الفئة الأكثر ثراءً والتي قد يطالها التحقيق في مصدر الاموال، وكيفية تهريبها الى الخارج خلال ثورة 17 تشرين الاول.

أما إعلان بدء الحملة، فأتى بتصعيد من قبل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط  بعد لقائه كل من السفيرة الأميركية والسفير الفرنسي في بيروت، أرسل بعدها جنبلاط موفدين من قبله الى رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. وتكامل التصعيد مع عودة الرئيس سعد الحريري الذي ترافق مع مظاهرات لمناصريه في كل من طرابلس وسعدنايل، وظهور دعوات على وسائل التواصل تدعو المواطنين الى مسيرات بسياراتهم يومي الثلاثاء والأربعاء.

وفي ظل هذا الحراك السياسي المرشح للتفاقم، يمكن لنا أن ندرج الملاحظات التالية:

أولاً: إن الاطلاع على مواقف الأطراف المتعددة التي ساهمت في ثورة 17 تشرين، يشير الى أن العديد من المجموعات "المدنية" لم تبدُ معنية بالصراخ الحريري - الجنبلاطي. نرى أن الكثير ممن يتكلمون باسم الثورة، طالبوا بمحاسبة فعّالة والتحقيق في مصدر أموال كل من تولى منصبًا  سياسيًا أو إداريًا أو مارس شأنًا عامًا منذ التسعين ولغاية اليوم، وهذا يتلاقى مع دعوات كل من الرئيسين عون ودياب.

ثانيًا: إن تريث جعجع (بدون رفض مطلق) في الالتحاق بجنبلاط والحريري لتشكيل جبهة سياسية ضد العهد والحكومة، له مبرراته. لا ينسى جعجع كيف استغل هؤلاء دعم القوات، ثم انقلبوا عليهم. فهل يفعلها جعجع مرة أخرى؟ بكل الأحوال، لن يتحرك جعجع ويساهم في الانقلاب الجديد على العهد بدون غطاء خارجي إقليمي.

ثالثًا: يمكن وضع لقاء السفيرة الأميركية في بيروت مع جنبلاط بالتزامن مع تصعيده الكلامي، ضمن فرضيتين: إما أن تكون قد دعمته في تحريضه على الحكومة الحالية، أو أبلغته بعدم رغبة الولايات المتحدة بتغطية أي من الفاسدين في ظل الوضع الافلاسي الذي يعانيه لبنان، لذا زاد صراخه.

وفي الفرضية الأولى، يصح التساؤل: ما الذي تستطيع أن تجنيه الولايات المتحدة من دعمها لقوى سياسية فاسدة سبق أن جرّبها الأميركيون ودعموها بين عامي 2005 و 2008، وانتهت معركتهم بخسارة مؤكدة خلال 48 ساعة فقط؟.

ألا يدرك الأميركيون أن الاستثمار في الاحزاب السياسية التقليدية اللبنانية ضار أكثر مما هو نافع، فما دخل هؤلاء الى شيء إلا وأفسدوه؟. لقد أفسدوا الحكم، وسرقوا الدولة، وحاولوا سرقة ثورة 17 تشرين ومطالبها للانقضاض على حلفائهم واحتكار السلطة.

وعليه، إن الجبهة السياسية التي تتشكل اليوم والتي تحاول تعويم نفسها مستغلة الوضع الاقتصادي السيء والذي ازداد سوءًا بالتأكيد بعد أزمة كورونا، لن تصل الى أي مكان في حال تصرفت الحكومة اللبنانية بشجاعة أكثر. على الحكومة التصرف وعدم الانتظار، فتبدأ بإعلان جدّي عن استعادة الأموال المنهوبة، وتلجم ارتفاع الأسعار، وتصاعد الدولار....وتفكر جديًا بفكّ الحجر الصحي رويدًا رويدًا للتمهيد لإعادة الموظفين الى أشغالهم، والعمال الى أعمالهم، وعودة الحياة الى السوق "ببطء" مع اتخاذ الاجراءات الوقائية اللازمة، فكلما تأخر الحجر كان الوضع الاقتصادي أخطر وأكثر تعقيدًا.

2020/04/14

تبدل أولويات الأمن القومي بعد كورونا!

يقف العالم اليوم، مذهولاً أمام هول الكارثة التي حلّت بالدول كافة في ظل تفشي جائحة كورونا، وتساوي قدرة دول كبرى على المواجهة والاحتواء مع دول صغيرة وأخرى هشة ومفلسة كلبنان على سبيل المثال لا الحصر، الذي فاق بقدرته على احتواء الوباء أفضل بكثير من قدرة بعض الدول الاوروبية.
والأكيد، أن الوباء اليوم كشف هشاشة وقدرة العديد من الدول في التعامل مع التهديدات، وبالتالي من المنطقي أن تقوم تلك الدول - في مرحلة ما بعد كورونا- بإعادة تقييم شاملة لمستوى جهوزيتها الوطنية، ومستوى قدرتها على الاستجابة للمخاطر المستجدة. وهذا التقييم سيفرض إعادة ترتيب الأولويات في موضوع التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي، ويمكن أن يفضي الى إعادة تعريف للأمن القومي ككل.
تنطلق الدول عادة، من فكرة أن التهديدات التي يجب مواجهتها هي بشكل أساسي عسكرية - أمنية، ما یجعل التهدید الخارجي والخوف من السیطرة الأجنبیة، من الأولویات الرئیسیة لأمن الدول. وهكذا يكون التعريف التقليدي للامن القومي، والذي يبدو أنه يضيق يومًا بعد يوم في ظل زيادة التحديات العالمية، وهو "ما تقوم به الدول للحفاظ على سلامتها من الأخطار الداخلیة والخارجیة التي قد توقعها تحت سیطرة أجنبیة أو تكون عرضة للتضحية بالقيم الأساسية، نتیجة ضغوط خارجیة أو انهیار داخلي".
وانطلاقًا من هذه المقاربة التقليدية، برزت مدرستان، الاولى تركّز على الجانب العسكري والتهديد الخارجي للدولة، والثانية تضيف الى ما سبق أمن الموارد الحيوية والاستراتيجية، والتنمية التي بدونها لا محل للحديث عن الأمن.
ومع تطور الظروف الدولية وتبدل مصدر التهديدات وتطورها، تبدلت النظرة الى الموضوع الأمني، وبات يُنظر الى الأمن القومي باعتباره أبعد من الدولة كوحدة، وأضاف الباحث - المرجع في الدراسات الأمنية- "باري بوزان" المخاطر الفردية والمجتمعية، والتهديدات العابرة للحدود، والأزمات الزاحفة، والكوارث الطبيعية الخ باعتبارها جزء لا يتجزأ من النظرة المعاصرة للأمن القومي.
أما "روبرت كابلان" فأضاف إلى هذه التهديدات أبعادًا أخرى، تتعلق بالاكتظاظ السكاني، الأمراض المعدية، التحزبات القبلية والعشائرية الخ، واعتبر أنها تشكّل تهديدًا للأمن العالمي، ويمكنها أن تدمر النسيج الاجتماعي لكوكب الأرض .
وبالرغم من كل هذه التطورات والأفكار بقيت الدول- خاصة الكبرى منها- تركّز على البعدين العسكري والاقتصادي باعتبارهما يشكّلان قوة الدول الأساسية، وبقيت العوامل الأخرى في إطار ثانوي الى أن أتت أزمة كورونا فكشفت هشاشة وقصر نظر التفكير الأمني التقليدي للدول.
وهكذا، يمكن أن نشير الى بعض المقاربات العالمية التي ساهمت بتفاقم أزمة كورونا وتأثيراتها في بعض الدول، نذكر منها:
- في الولايات المتحدة:  
في مقارنة بين استراتيجية الأمن القومي التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتلك التي وضعها قبله الرئيس باراك أوباما، نجد أن التهديدات جراء التغيرات المناخية والبيئة والصحة وحقوق الانسان التي أوردها اوباما في استراتيجيته، غابت كليًا عن استراتيجية ترامب وحلّ مكانها التنافس الاستراتيجي مع روسيا والصين، والتهديدات من كوريا الشمالية وايران كأولوية.
- في الإطار الاوروبي:
استمر الأوروبيون - بشكل عام - بالتركيز على التهديد الاستراتيجي الروسي، وتنبهوا لتحديات الهجرة غير الشرعية، ومشاكل النمو الاقتصادي، وأغفلوا كليًا التهديد الصحي، بدليل أن معظم الدول الأوروبية قامت بخصخصة قطاعات الصحة والمواصلات وغيرها، معرّضة أمنها القومي لأخطار لم تكن في الحسبان.
- سياسات و"نصائح" منظمة الصحة العالمية:
سوّقت منظمة الصحة العالمية "معاييرها العالمية" لفعالية الأنظمة الصحية في العالم، وحصرت الموضوع بحجم "الكلفة المادية"، والتي تقوم على فكرة أنه كلما كان إنفاق الدولة أقل، كان نظامها الصحي أكثر فعالية، والعكس صحيح، في إغفال واضح لمبدأ جودة الصحة وقدرة المواطنين على الوصول للخدمات الصحية في قياس تلك الفعالية، وهو ما تبيّن عدم صحته اليوم.
بالاضافة الى ما سبق، شجعت منظمة الصحة العالمية الدول على الخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص في المجال الصحي والمستشفيات، وهذا ما أثبت عدم فعاليته في هذه الأزمة حيث اضطرت دولة مثل فرنسا - على سبيل المثال- الى تأميم المستشفيات لمواجهة كارثة كورونا.
في المحصلة، لا بد للدول اليوم، وبعد أن تنجلي أزمة كورونا، من أن تعيد تقييم سياساتها الصحية، ووضع الأمن الصحي في سلم الاولويات وبشكل موازٍ للأمن العسكري. والأهم، بات على العالم الحذر مما يسوّق له كوصفات عالمية، والتي يبدو أنها تخدم أدوات العولمة النيوليبرالية كالشركات الكبرى، وهي في إطار الصحة: شركات الأدوية الكبرى، وشركات التأمين.

2020/04/13

لبنان: قلق ما بعد كورونا!


تمتد فترة الحجر المنزلي في لبنان، وتدخل الاسبوع الخامس حيث يبدو أن الاجراءات المتبعة قد اتخدت طابعًا جدّيا وفعالاً، وأن لبنان قد دخل مرحلة تناقص أعداد الاصابات في ظل عدم تسجيل أي حالات وفاة جديدة بسبب الكورونا.

وبالرغم من هذه المؤشرات الجيدة والمريحة، إلا أن القلق يسود اللبنانيين مما سيأتي، خاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وذلك على خطين:

- الخط الأول: الفقراء والعمال والموظفين وأصحاب المهن الحرة الصغيرة، وهؤلاء يعيشون على وقع قلق مما سيأتي غدًا، وإمكانية العودة الى أعمالهم وبعضهم قد تمّ تسريحه  بالفعل، وبعضهم الآخر تم منحه فرصة مفتوحة غير مدفوعة الأجر...

- الخط الثاني: الحديث عن الخطة الاقتصادية التي تعدّها الحكومة للخروج من الأزمة الاقتصادية والمالية التي سبقت وصول كورونا الى لبنان، والتي اضطرت الحكومة الى اعلان عدم قدرة لبنان على تسديد سندات اليوروبوند، وطلب استشارة من صندوق النقد الدولي للتعامل مع الأزمة.

وفي هذا الاطار، يقلق اللبنانيون - من الذين يملكون ودائع كبيرة بالدولار الأميركي- على ودائعهم في البنوك، والتي تتحدث الخطة المالية عن تعرضها لعملية "هيركات" أو ما تمّ تسميتها "مساهمة المودعين" في تمويل البنوك عبر إعطائهم حصصًا وأسهم فيها. وقد اقترحت المستشارة الدولية للحكومة، أن تكون نسبة الهيركات 54% على ثلاث شرائح من الودائع: 79% على الودائع التي تفوق 100 ألف دولار، 130% على الودائع التي تفوق 500 ألف دولار، و173% على الودائع التي تفوق مليون دولار.

والمقلق في الخطة أيضًا، الحديث عن تحرير سعر صرف الليرة اللبنانية، والتخلي عن تثبيت سعر الصرف(وهو بالطبع لم يعد مجديًا، وهو بالأساس قد كلّف خزينة الدولة مليارات الدولارات). والحديث اليوم، عن تحرير سعر الصرف تدريجيًا، ليصبح سعر الدولار في لبنان 3000 ليرة في العام 2024.

القلق في هذا الإطار، يتأتى من حقيقة مرّة قوامها أن أجور اللبنانيين ومداخيلهم ستتآكل الى النصف، وهي بالأساس تآكلت اليوم بفعل الغلاء الفاحش الذي ضرب كل شيء بدون حسيب ولا رقيب.

وهكذا، ينام اللبنانيون اليوم على قلق صحي فرضه الوباء ويصحون على قلق آخر، فرضته عليهم الحال التي وصلوا اليها بعد السرقة والنهب المنظّم الذي قامت به ميليشيات وأمراء الحرب وأصحاب الوصفات الاقتصادية الذين تولوا الدولة بعد الطائف. لقد تمّ نهب الدولة اللبنانية من قبل قلّة، بينما الجميع مدعو اليوم لتحمّل الخسارة.

نعم! اللبنانيون مستعدون لتحمّل خسارة لم يشاركوا في صنعها لإنقاذ وطنهم، لأن انهياره لن يوفّر أحدًا وسيسقط الهيكل على الجميع. ولكن، على الحكومة اللبنانية أن تطمئن هؤلاء أن الاموال المنهوبة ستستعاد وان أصحابها سيتعرضون للمساءلة القضائية، وإلا كانت المساهمة مجرد "بلطجة" وسرقة من جيوب المواطنين، و"قوننة" لسرقة العصر التي أفلت أصحابها من العقاب ومن تحمّل الخسارة ومن المساهمة في الحلّ بتهريب أموالهم الى الخارج.


2020/04/07

لبنان - كورونا ... وانجازات "الثوار" الوهمية


يعيش لبنان منذ ما قبل انطلاق ثورة 17 تشرين الأول 2019 مشاكل اقتصادية واجتماعية، وفساد ضرب كل مفاصل الدولة السياسية والادارية، أدّت الى كفر المواطنين بكل الطبقة السياسية المسؤولة عما آلت اليه الأوضاع والتي تحكم لبنان منذ اتفاق الطائف. ولم يكفِ اللبنانيين مآسيهم والإفلاس الاقتصادي والمالي الذي تعاني منه الدولة، حتى أتى الوباء والحجر الصحي وإعلان التعبئة العامة ليعمّق الأزمة.

وفي خضم هذا الواقع، تشهد مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الوسائل الاعلامية حربًا مستمرة على الحكومة اللبنانية، وتبخيسًا للاجراءات المتبعة والتي أثبتت فعاليتها بشهادة الكثيرين في الداخل والخارج.

وهكذا، وفي خضم تسارع مبادرات المجتمع المدني للتكافل والتضامن للردّ والتعامل مع جائحة كورونا، نجد أن الأموال التي كانت تصرف منذ أشهر على المنصات وحشد الجمهور والمياه والأكل والحملات الاعلانية الداعمة للثورة وغيره، قد اختفت!، وحلّ مكانها أموال لشراء "الهاشتاغ" على التويتر لدعم الطاقم الطبي، أو للدعوة لتخفيض أسعار بطاقات السفر للعائدين من الخارج... ليخرج من بعدها من يقول أن الهاشتاغ هو من حقق النتائج، وليس اجراءات الحكومة ولا كفاءة وزرائها.

أبطال هذه الحروب الاعلامية، طرفان:

1) القوى السياسية التي رأت في الثورة  سابقًا امكانية للانقلاب على حلفائها، والتي شعرت بالخذلان بعدما تبين أن ركوب الثورة لم يؤدِ الى تحقيق الأهداف المرجوة.

2) "المؤثرون  في الرأي العام"   influencers الذين يعتبرون أن الحكومة الحالية كما الحكومات السابقة، ليست على قدر طموحات الثورة وبالتالي لن يمنحوها أي "جائزة" أو "هدنة" حتى لو كنا في زمن الوباء.

وبمراقبة هذه المشاهد الثورية منذ تشرين الأول ولغاية اليوم، ورؤية خيبة الفقراء من اللبنانيين الذين ثاروا للتغيير، تحضرنا رواية جوروج أورويل الشهيرة بعنوان "مزرعة الحيوانات":

تدور أحداث الرواية حول قيام حيوانات إحدى المزارع في الريف اللندني بالثورة ضد صاحب المزرعة الذي كان يعاملهم بطريقة سيئة، ولم يطعمهم لأيام. على أثر الثورة، قام ثلاثة خنازير (سنوبول، نابوليون، سكويلر) باعداد مجموعة من المبادئ كمانيفستو الثورة أسموها “الحيوانية”، الأهم فيها مبدأين " كل من يسير على قدمين هو عدو... وكل الحيوانات متساوية".

وبالفعل نجحت الثورة، وتولت الحيوانات إدارة وقيادة المزرعة. وأصبح كل من "سنوبول" و "نابوليون" بمثابة العقول القيادية في المزرعة، أما "سكويلر" فقد شغل منصب المتحدث بإسم الجهاز القيادي لقدرته الكبيرة في التعبير وبراعته في قلب الحق الى باطل او العكس.

بعدها، قرر "السياسي المحنك" نابوليون، التخلص من أصدقائه الثوار، للتفرد بالسلطة، فكلّف "سكويلر" بتشويه سمعة "سنوبول" واتهامه بالتعامل مع الانسان، وأفلت كلابه لمهاجمته، مما اضطره الى الهرب من المزرعة.

وهنا بدأ عصر الاستبداد الذي فرضه نابليون، بدعم من الكلاب الشرسة، وتشويه سمعة كل مخالف للرأي أو معارض. ولم يمضِ وقت طويل حتى بدأ انتهاك المبادئ الاساسية- الوصايا السبعة، وإعادة صياغتها. على سبيل المثال، الوصية التي تنص على "أن كل الحيوانات متساوية" صارت “كل الحيوانات متساوية لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من البعض الآخر” الخ...

وينهي جورج اورويل قصته بمشهد نابليون (سياسي) الذي اتخذ منزل صاحب المزرعة مسكناً له، يجلس هو وسكويلر(اعلامي influencer (  مع مزارعين بشر من الجيران، يشربون الخمر ويدخنون التبغ ويلعبون الورق...

المغزى من القصة وارتباطها بالثورة، أن سكوت المنتفضين على "قيادة"  و"ركوب" الثورة من قبل بعض السياسيين وبعض الانتهازيين والمتلاعبين بالكلام ومحترفي البروباغندا، قد حرف الثورة فعلاً عن أهدافها الحقيقية. وان تقاطع المصالح السابق، والحاصل اليوم لتقويض سلطة حكومة حسان دياب، لن يأتي بالخير على اللبنانيين- الثائرين الحقيقيين... واما التغني اليوم ببطولات إعلامية وتحقيق انجازات عبر هاشتاغ على وسائل التواصل، فلا يعدو كونه بروباغندا، لا تطعم جائع ولا تدفع ايجار منزل عائلة فقيرة.

2020/04/06

سقوط الطبقة السياسية...


لم يكن ينقص اللبنانيين سوى أزمة الوباء العالمي المنتشر ليزيد على مشاكلهم المتراكمة منذ زمن، والتي أدّت الى ثورة في 17 تشرين الأول 2019، التي عمّقت الأزمة الاقتصادية بسبب قطع الطرقات واستغلال بعض القوى السياسية للثورة لتنفيذ أجنداتها السياسية.

واليوم، يبدو أن لا شيء يمكن أن يثني الطبقة السياسية اللبنانية عن ممارساتها ومناكفاتها، واستغلال وجع اللبنانيين لتنفيذ طموحاتها وأجنداتها التي لا تفيد اللبنانيين شيئًا. ويمكن أن نذكر على سبيل المثال لا الحصر، كيف تستمر تلك الطبقة بنفس الممارسات القديمة حتى في ظل انتشار الوباء وقلق اللبنانيين من الغد، بما يلي:

- أزمة كورونا: منذ بدء الأزمة الوبائية، والاعلان عن وصول أول حالة الى لبنان عبر مطار بيروت الدولي، تستمر بعض القوى بممارساتها القديمة في اتهام بعض اللبنانيين - ومعهم الايرانيين- باستقدام الوباء الى لبنان. وبالرغم من أن اثباتات أكدت وصول كورونا الى لبنان قبل ذلك، عبر مواطنين لبنانيين أتوا من فرنسا، وانتشرت في البيئة التي مارسوا حياتهم اليومية فيها، وبالرغم من ذلك ما زال البعض ولغاية الآن يحاول تسليط الاتهام على بيئة معينة بأنها تتستر على اصاباتها، وأن هناك مراكز حجر سرية لم يتم الاعلان عنها.

حتى في قضية عودة اللبنانيين من الخارج، فقد تباينت آراء القوى السياسية بين بداية الأزمة وطرح القضية، فمعظم قوى 14 آذار التي طالبت الحكومة باغلاق الحدود كافة - للتصويب على الطائرات التي تأتي من ايران- هي نفسها التي حاولت المزايدة على الحكومة بموضوع عودة اللبنانيين المنتشرين في الخارج، وهي نفسها التي تأبى الاعتراف بأن الحكومة قد نجحت في تلك العودة وسلامة العائدين.

- أما الأخطر فكانت التعيينات المالية، فقد تبين ان الطبقة السياسية التي عاثت فسادًا في لبنان منذ التسعينات، لم تتعلم شيئًا مما حصل ومن الانهيار الذي أصاب لبنان ولا من ثورة 17 تشرين الاول.

ما أن طرح ملف التعيينات في مصرف لبنان، حتى خرج أركان تيار المستقبل يهددون الحكومة، وبالتوازي مع البيان التهديدي الذي أطلقته كتلة المستقبل، بدأت سيارات تجوب طرابلس تطلق صرخات نداء واستغاثة للناس للخروج الى الشارع ( في عزّ خطر كورونا) لرفض تغيير نواب الحاكم المحسوبين على تيار المستقبل. واللافت كان تماهي رئيس تيار المردة سليمان فرنجية وتهديده بالاستقالة من الحكومة في حال عدم منحه مقعدين من الحصة المسيحية! وغياب الوزيرين المحسوبين عليه عن اجتماع الحكومة.

عمليًا، في ظل قلق اللبنانيين على مستقبلهم وعلى قدرتهم على الخروج من الوضع الاقتصادي التعيس الذي زادته اجرءات الحجر المنزلي، يجد اللبناني أن الطبقة السياسية التي حكمته لا يهمها سوى تنفيعاتها وحصصها، فيما يغرق اللبنانيون بالديون والعجز.

واليوم، بات على حكومة حسان دياب، ان لا تلتفت الى ضجيج القوى السياسية المتضررة من بناء الدولة، وتستمر في عملية الاصلاح المطلوبة منها. لكن، على الحكومة أن تفكر جديًا بمرحلة ما بعد التعبئة العامة، ولتبدأ بعد الاعياد بإعادة الدورة الاقتصادية الى العمل.

لا يكفي فقط أن تعالج الحكومة قضية الفئات الأكثر فقرًا، بل هناك العمال والموظفون المهددون بالتسريح، وهناك المهن الحرة والمؤسسات الفردية أو الصغيرة التي قد لا تستطيع النهوض بعد فترة الحجر المنزلي.

الحل، ان تعود الحياة الاقتصادية بشكل تدريجي، مع استمرار اقفال المدراس والجامعات ودور العبادة، واعطاء توجيهات صارمة بالتباعد الاجتماعي، فلا يمكن أن نواجه أزمة وباء بكارثة اقتصادية .

2020/03/31

جيوش العالم لمواجهة كورونا.. العواقب والكلفة


في ذروة انتشار فيروس كورونا حول العالم، وبعد أن أقفلت معظم دول العالم حدودها، ودخلت في حجر صحي لإحتواء الجائحة المنتشرة التي لا تعترف بحدود ولا طبقات اجتماعية ولا تكترث لدول غنية أو فقيرة، ولا تميّز بين دول متقدمة ودول نامية.

والملاحظ أن تعامل الدول وإرباكها تساوى، فالدول الغربية المتقدمة أظهرت هشاشة غير متوقعة، كانت من المفترض أن تعانيها الدول النامية فحسب. وإزاء تلك الهشاشة وصعوبة التحديات وفرادتها، استدعت معظم الدول (نامية ومتقدمة) جيوشها للمساعدة داخليًا في التعامل مع المرض واحتواء التهديدات المستجدة الناجمة عنه، وللمساعدة في نقل المصابين، وتأمين أسرّة استشفائية، وتأمين المواد الغذائية والطبية وسواها.

لكن، استخدام الجيوش في الداخل لإحتواء أزمة كورونا ونتائجها، قد يخلق أنواعًا مختلفة من المشاكل والتحديات، تتفاوت بين الدول النامية والدول المتقدمة، وذلك على الشكل التالي:

- بالنسبة الدول المتقدمة:

لقد بنت تلك الدول تجاربها الخاصة على مدى التاريخ، واستطاعت اقرار دساتير عصرية تحفظ تداول السلطة، وحفظ حقوق المواطنين وحرياتهم.

عادة ما تتحاشى تلك الدول استخدام الجيوش في الداخل، وتثير هذه القضية حساسية لدى الشعوب التي عانت خلال تاريخها من مساوئ تدخل العسكر في الشؤون المدنية، أو كان لها تاريخ سابق من الحروب الخارجية. وبالرغم من ذلك، فإن الحاجة للتعامل مع الأزمة الوبائية المستجدة دفعت الدول لاستخدام وسائل لم تكن معروفة من قبل، ففي المانيا على سبيل المثال، يضع الدستور حدود صارمة جدًا لاستخدام الجيش في الداخل، بعد الحروب التي تمّ شنّها خلال الحرب العالمية الثانية، لكن الحاجة اليوم أجبرت السلطات على الاستعانة بالعسكر بالرغم من كل العوائق الدستورية.

ويشير العديد من الكتّاب الاوروبيين، الى أن آلية اتخاذ القرار الديمقراطية كانت في بعض الأحيان عائقًا أمام سرعة الاستجابة لمواجهة فيروس كورونا المستجد، وإن الدول ذات الطبيعة "الديكتاتورية"- كما وصفوها- كانت أفضل من ناحية سرعة اتخاذ القرارات والقدرة على فرضها.

- بالنسبة للدول النامية:

إن غياب التنمية، وضعف الأجهزة الأمنية والفساد، والبطالة والفقر وانتشار الجريمة المنظمة، ناهيك عن فشل هذه الدول في صياغة نموذج اندماج وطني يستوعب الصراعات القبلية والعشائرية والطائفية على الأرض والسلطة والموارد، سيضاعف، بالتأكيد، الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي ستنجم عن أزمة كورونا.

بالتالي، إن الجوع والفقر الذي سيزداد بفعل الحجر المنزلي وتوقف الأعمال وانتشار البطالة، قد يؤدي الى عدم استقرار أمني، ما سيفرض مزيدًا من الحاجة لتدخل الجيوش والقوى الأمنية في مرحلة ما بعد الجائحة.

لطالما كانت الجيوش في الدول النامية أقوى من المجتمع المدني ومن باقي مؤسسات الدولة. وعادة، ما تمتلك الجيوش إمكانيات لا تتوفر لباقي المؤسسات، ذلك لأن حاجة السلطات الى الجيوش وولائها، للدفاع عنها في وجه أي امكانية للتمرد أو للثورة ضدها، جعلتها تخصص موازنات كبرى للقوى العسكرية وضباطها. لكن هذا الأمر، شكّل تاريخيًا سيف ذو حدّين، فهو من ناحية يكرّس السلطة واستمراريتها، ولكنه من ناحية ثانية قد يغري العسكر لممارسة سلطات ليست من اختصاصهم. وتشير الدراسات أن الدعم المفرط للجيوش يؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار على المدى الطويل، ويزيد من احتمال وقوع انقلابات عسكرية في تلك الدول.

في الخلاصة، لقد بيّنت التجارب حول العالم، أن العسكريين هم عادةً أكثر قدرة من المدنيين على الاستجابة للتحديات والتنظيم والمساعدة خلال الأزمات والكوارث، وهو ما دفع الأمم المتحدة، ومنذ كارثة زلزال هايتي عام 2010، للاستفادة من خبرات العسكريين المتقاعدين وتوظيفهم ضمن مؤسساتها المخصصة للتعامل مع الأزمات.

وعليه، إن حاجة الدول اليوم للجيوش للتعامل مع الأزمة الوبائية، قد تستمر لفترة أطول من المتوقع، بسبب التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي ستفرض نفسها في مرحلة ما بعد الحجر المنزلي، ولكن السؤال: ما هي كلفة ذلك على حريات المواطنين وحقوقهم، وعلى استمرارية السلطة ككل في بعض دول العالم الثالث الهشّة؟.

2020/03/30

هدنة الكورونا...والعودة لإسقاط دياب؟!


في الاسبوع الأخير من آذار، وبعد أسابيع من الحجر المنزلي، يكتشف اللبنانيون يومًا بعد يوم، أن الأخطبوط المالي الذي يحكمهم وقوى الدولة العميقة لا تزال تتربص بهم، للفتك بهم ولامتصاص الباقي من لقمة عيشهم وحياتهم، وأن الطبقة السياسية ما زالت تستخدم نفس الأساليب القديمة في مساراتها السياسية.

في الأسبوع المنصرم، عادت التوترات السياسية على خطوط عدّة:

1- خط التعيينات في مصرف لبنان، والتي أعادت الى الأذهان، ذكريات تجييش الشارع مذهبيًا وبحجج مطلبية لتحقيق مكاسب سياسية. فبعد بيان كتلة المستقبل الذي اعتبر ان خروجه من الحكومة لا يعني أنه سيقبل بعدم إعطائه حصصًا في التعيينات، وإنه يرفض إقصاء "أزلامه" من المواقع الرئيسية، بدأت مسيرات التكبير والاستغاثة في طرابلس. وبالرغم من التعبئة العامة وقرار حظر التجول، دفع المستقبل انصاره للمظاهرات الليلية، بهدف إرسال رسائل مزدوجة: الاولى أنه ما زال باستطاعته تحريك الشارع في وجه الحكومة وفي أصعب الظروف الصحية والإنسانية، والثانية ضد وزارة الداخلية لكسر قرارها، خاصة لأن للمستقبل وحلفائه - على ما يبدو- حساسية من الوزير فهمي بالتحديد.

2- خط المغتربين اللبنانيين: والذي أظهر حجم الاجحاف الذي تمارسه المصارف اللبنانية على المغتربين، بحجزها الأموال ومنع تحويل الأموال الى الطلاب في الخارج.

وبالرغم من التوافق الحكومي على أحقية عودة المغتربين، وضرورة وضع خطة لتأمين هذه العودة بطريقة آمنة ومدروسة ومضبوطة، إلا أن تصعيد الرئيس برّي في موضوع المغتربين، قد يخفي في طياته خلافًا سياسيًا أكبر مع الرئيس حسان دياب؛ وخاصة أن الرئيس برّي لم يكن من المتحمسين لحكومة دياب في البداية وكان يفضل حكومة سياسية يترأسها الحريري. ولكن، وبما أن الظروف لم تكن لتسمح بعودة الحريري، فقد عمل الرئيس برّي على استخدام نفوذه لتأمين النصاب للحكومة في المجلس النيابي، لكن هذا لا يعني أن الكيمياء التي كانت مفقودة مع دياب قد وُجدت الآن.

3- دخول الحراك على خط أزمة الكورونا، ليس من باب التبرع للمستشفيات الحكومية أو مساعدة الأسر الفقيرة، ولكن من باب العودة الى الاعلام والبروباغندا.

بعد أن غاب الحراك ومحرّكيه عن السمع لفترة، وتزامنًا مع التصعيد المستقبلي في طرابلس، بدأت "قيادات" الحراك بالتحرك إعلاميًا، فكانت خطة "التصفيق" - المستنسخة من الخارج- والتي اعتبرها بعض الاعلام نجاحًا للثورة، وتأكيدًا على استمرار قدرة ملهمي الحراك "influencers " على جذب الشارع اللبناني برمّته.

أما الخط الثاني، فكان اتهام وزير الداخلية بالانتقام من الخيم وإزالتها، واعتبار الأمر تشفيًا من الثورة، واتهامه بالتعسف ضدها. علمًا أن جماعة الحراك أنفسهم كانوا أول من طالب بفرض حالة الطوارئ، والتي تسمح للقوى الأمنية بتعليق العديد من الحقوق والحريات العامة وحقوق النشر وغيرها.

والنتيجة، أن دخول البلاد مرحلة الحجر ومواجهة الكورونا، وقلق اللبنانيين على مصيرهم خلال وبعد مرحلة الحجر، قد تكون هدنة مرحلية قصيرة، ويبدو أن العديد من القوى السياسية تستعد لمرحلة ما بعد الكورونا، لمحاولة إسقاط حكومة دياب أو إغراقها بالمشاكل، بالرغم من أنها أثبتت - لغاية اليوم- أنها أفضل حكومة عرفها لبنان منذ إتفاق الطائف لغاية اليوم.

2020/03/24

أزمة كورونا: هل تبدّل التوجهات العالمية الليبرالية؟


بانهيار الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينات من القرن الماضي، طغت الأفكار النيوليبرالية على ما عداها  من مبادئ وايديولوجيات في النظام العالمي، وباتت الأساس في صناعة السياسات العامة للدول في العالم. وتعبيرًا عن هذا التوجه، أصدر فوكوياما، مبكرًا جدًا، كتابًا بعنوان "نهاية التاريخ والانسان الأخير" وفيه اعتبر ان العقل البشري قد وصل الى أقصى تطوره، وأن التاريخ آحادي الاتجاه وتقدمي، وأنه سيصل لمنتهاه مع الأفكار النيوليبرالية، وان الديمقراطية الليبرالية ونظام السوق الاقتصادي هما الخياران الحقيقيان والوحيدان المتاحان للمجتمعات المعاصرة.
وبالفعل، ومع هيمنة الولايات المتحدة على العالم، توجّه الرؤساء الأميركيين - قبل ترامب- على اعتبار نشر القيم الليبرالية وهيمنة آليات السوق في صلب أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي.

وكنتيجة لهذا الأمر، حلّ الاقتصاد مكان الجيوبوليتيك التقليدي، والمنافسة على الحصص في السوق العالمي مكان المنافسة للسيطرة على الأراضي والصراع للسيطرة على الموارد الطبيعية في لعبة الامم. ولم يعد التفتيش عن التحالفات يقتصر على الدول أو المنظمات الدولية الحكومية بل تعداها الى التفتيش عن تحالفات مع الشركات عبر الوطنية. وهكذا، صارت قوى السوق العالمية أقوى من الدول التي من المفترض بها أن تحتكر السلطة السياسية على المجتمع والاقتصاد.

أضف الى ذلك، أن التكنولوجيا، وتطور وسائل التواصل الالكتروني، كانت من الأسباب التي قوّضت أحد أهم اسباب وجود الدولة ككل وهو "قدرتها على ردّ هجوم الآخرين"، أو قدرتها على ما أسماه آدم سميث "الدفاع عن وجودها".

 وهكذا، وبعد أن كان الليبراليين التقليديين ينادون بأن يكون تدخّل الدولة في حدّه الأدنى، أي تأمين النظام العام (الدولة - البوليس)، خرجت أصوات الليبراليين الجدد، لتقول بقدرة القطاع الخاص وفعاليته حتى في الأمور التي كانت سابقًا من اختصاص الدولة، وتدعو الدول حتى للتخلي عن دورها الأمني لصالح الشركات الأمنية الخاصة.

وبالفعل، حصلت تحوّلات عالمية هامة قلّصت من سلطة الدولة وحوّلت العديد من مهام الدولة الى السوق(القطاع الخاص). لم تكن الشركات هي التي سرقت السلطة من الدول المتقدمة بل قامت الدول نفسها بتكليف شركات القطاع الخاص بمهام كانت سابقًا من اختصاصها.

وصارت السياسات الاقتصادية والنقدية تقررها البنوك بالاضافة الى الدولة، وباتت الكهرباء والمواصلات والمياه والمستشفيات والبريد الخ كلها خدمات تقدمها الشركات الخاصة بدل الدولة. أما في الدول النامية، فقد كانت الوصفات الجاهزة لصندوق النقد الدولي تفرض على تلك الدول اعتماد نفس المبدأ، أي تخلّي الدولة عن أدوارها التقليدية وخصخصة القطاعات التي تملكها.

وكانت الضربة الأولى التي تلقاها السوق العالمي ومعه الدول الليبرالية هي الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، حين انهارت الأسواق العالمية وخرجت الاصوات تطالب الدول بالتدخل لانقاذ الشركات والبنوك، وهو ما حصل بالفعل (تدخلت الدول الليبرالية لإنقاذ شركاتها وبنوكها، وتركت الطبقات الوسطى والفقيرة تنهار).

اليوم، وبعد تفشي أزمة الكورونا، تبين للدول الأوروبية أن تحويل مهامها الى القطاع الخاص لم يؤدِ الغرض المطلوب منه، فاضطرت اسبانيا - على سبيل المثال لا الحصر- تأميم المستشفيات لمواجهة الوباء. وعلى مدى السنوات، تبيّن أن القطاع الخاص في أوروبا، أضعف جودة التقديمات التي تقدمها الدولة لمواطنيها ولم يطوّرها.

وعليه، كيف سيتطور العالم بعد انتهاء أزمة كورونا؟

عمليًا، إن التطورات العالمية في مرحلة ما بعد أزمة كورونا، ستكون مرتبطة بعوامل ثلاثة: التكنولوجيا، سياسات الدول، والأسواق المعولمة. علمًا أن كلاً من العوامل الثلاثة يؤثر ويتأثر بالآخرين.

- بالنسبة للتكنولوجيا:

من المستبعد أن تتراجع التكنولوجيا وسرعة تطورها بسبب أزمة الكورونا.

- على صعيد الدول:

إن الدروس المستفادة من مواجهة الأزمة، ستدفع الدول الى اتخاذ الاجراءات كافة التي ستسمح بمواجهة أزمات مماثلة في المستقبل، وسيكون ارتفاع في معدلات الشعور الوطني والقومي، والبحث عن سبل حماية الدولة وبقاءها في ظل تهديدات مستمرة متبدلة الوجوه والمظاهر.

ويمكن لبعض الدول الليبرالية القيام بدراسة بمدى جدوى الاستمرار بسياسات "الخصخصة التامّة" الذي اعتمدته، لكن الأمر ليس سهلاً.

- على صعيد السوق:

الأكيد أن الاقتصاد العالمي سيعاني بشدّة، ويعتقد العديد من الاقتصاديين أن عام 2020 سيكون عام الركود الاقتصادي. وبالرغم من ذلك، من الصعب أن تؤدي هذه الأزمة الى تقليص عولمة الانتاج، فالانتاج الذي تحوّل عبر عقود من الزمن من "انتاج مصمم وموجّه الى السوق المحلي" الى انتاج "مخصص للأسواق العالمية"، من الصعب أن تقضي عليه أزمة وبائية مثل الكورونا وسواها.

والنتيجة، إن قدرة الدول - لوحدها- على تغيير حاد وجذري في السياسات العالمية، يبدو غير ممكن، فالتطورات في التكنولوجيا، وآليات السوق ستبقى عاملاً حاسمًا في المنافسة العالمية بين الدول وقدرتها على الاستمرار فيها.

أما المستبشرين بأن هذه الأزمة ستدفع الدول الى الاشتراكية مجددًا، وأن سبحة التأميمات ستكرّ بعد الأزمة، فيبدو الأمر أصعب مما يعتقدون.

ويبقى على الدول، أن تستخلص من دروس الكورونا، ضرورة تأمين شبكات أمان للضعفاء غير القادرين على البقاء والحياة في اقتصاد السوق، فالدول وان لم تكن قادرة على احتكار السلطة والقرار في بيئة عالمية معولمة، يمكن لها أن تكون أساسية كدرعٍ واقٍ من عدم الاستقرار الاقتصادي.

2020/03/23

الحكومة وامتحان ما بعد الكورونا!



دخل لبنان الأسبوع الثاني في مرحلة الحجر الصحي، وكما كان متوقعًا تشددت الحكومة اللبنانية في الاجراءات الجزرية لكل من يخالف قرار التعبئة العامة التي فرضتها، وسطّرت محاضر ضبط للمخالفين الذين لم يلتزموا بالبقاء في منازلهم وحيث كان خروجهم بدون مسوغ شرعي.

وقد يكون لافتًا مطالبة البعض المستمرة بفرض حالة الطوارئ العامة وحظر التجول، بالرغم من كل ما يعنيه هذا من حدّ لحركة الناس حتى للخروج لقضاء أبسط حاجياتهم من شراء مأكل وحاجيات ضرورية للعائلة، وبالرغم من تفسيرات المختصين بالشأنين العسكري والقانوي والذين أكدوا أن إعلان " التعبئة العامّة" يأتي في موقعه بالنسبة للمخاطر التي يعانيها لبنان حاليًا، والتي ليست من طبيعة عسكرية لكي يتم إعلان حالة الطوارئ، التي تعطي الجيش الحقّ باتخاذ كافة التدابير التي تسهّل له مقاومة أي اعتداء على الوطن.

هذا في الشكل القانوني، أما في فعالية التدابير الصحيّة التي اتخذتها الحكومة، فنجد أنه - ولأول مرة منذ اتفاق الطائف- يشعر اللبنانيون أنهم أمام فرصة حقيقية لتأسيس دولة. دولة يدرك المعنيون فيها كيف يتصرفون وكيف يحمون مواطنيهم، بدليل أن الاجراءات المعتمدة في لبنان لمواجهة الوباء، أثبتت أنها أفضل بكثير من تلك التي اعتمدتها بعض الدول الاوروبية المتقدمة.

ولكن هذه النظرة الإيجابية، لا يجب أن تجعل الحكومة تدفن رأسها في الرمال أو تنام على حرير، فالقادم من الايام- خاصة بعد انتهاء فترة الحجر والطوارئ الصحية- سيكون صعبًا جدًا من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية.

إن فترة الطوارئ الصحية اليوم، قد أعطت مهلة للحكومة لدراسة كيفية مواجهة الوضع النقدي والمالي، والتفكير الجدّي في سبل حماية المودعين الذين أمعنت المصارف في سرقة أموالهم، لذا عليها أن تتحضر لفترة ما بعد الحجر الصحي للإجابة على هواجس اللبنانيين في هذا الشأن.

على الحكومة أن تتحسب لمرحلة ما بعد التعبئة، حين يعود اللبنانيون الى أشغالهم المعطّلة منذ تشرين الاول 2019، حيث ستجد العديد من الأسر اللبنانية نفسها في مستوى ما تحت خط الفقر، بالإضافة الى دخول العديد من العمال في البطالة، هذا ناهيك عن عدم قدرة اللبنانيين على دفع مستحقاتهم والضرائب الباهظة التي تثقل كاهلهم بالأساس.

من هنا، على الحكومة اللبنانية أن تستعد لفترة ما بعد الطوارئ الصحية، فتكون مستعدة لتقديم الاجابات الصحيحة والفعّالة تمامًا كما تعاملت مع الوباء الزاحف، وإلا ستكون أمام تهديد حقيقي، حيث تتجدد الاحتجاجات، وبالطبع سوف تستغل الأطراف السياسية المعارضة تلك المشاكل ووجع الناس للتصويب على الحكومة وكأنها هي المسبب لتلك المشاكل وليس وارثة لها.

ورثت الحكومة اللبنانية برئاسة حسان دياب، تحدّيات كثيرة ومتراكمة منذ سنوات، وقد أتت أزمة الكورونا لتضيف تحديات جديدة تجد معظم دول العالم نفسها عاجزة أمامها، ولكن الأداء الصحي والأمني لحكومة الرئيس حسان ديّاب خلال هذه الأزمة يجعلنا نتطلع أن يكون الأداء الاقتصادي والمالي مماثلاً، وأن تكون الأولوية هي حماية المواطن ولقمة عيشه وحماية المودعين، كما نأمل بأن لا تسقط الحكومة في فخ نصائح مستشاري البنوك. تجربة مكافحة الكورونا، أعطت علامات جيدة للحكومة، فعسى أن لا تسقط في امتحان لقمة عيش اللبنانيين وودائعهم.

2020/03/17

هل تقضي "الكورونا" على الاتحاد الاوروبي؟


يعيش الاتحاد الاوروبي اليوم، مرحلة غير مسبوقة في تاريخه الحديث. فلأول مرة، منذ تأسيسه واعتماد مبدأ حرية الحركة وعبور الأشخاص والبضائع، وبسبب أزمة الكورونا، تقفل الدول الأوروبية حدودها أمام مواطني دول أوروبا الآخرين.

كانت معاهدة ماستريخت نتيجة لمحطات طويلة وبطيئة من التكامل الأوروبي والعمل المشترك، بدأت في 18 أبريل/نيسان 1951 عندما اتفقت ست دول (فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وإيطاليا) على تشكيل المجموعة الأوروبية للفحم والصلب ،التي شكّلت نواة المجموعة الاقتصادية الأوروبية (وقّعت الاتفاقية في آذار 1957) ثم الاتحاد الأوروبي فيما بعد.

ولقد فتحت معاهدة ماستريخت الباب أمام التكامل السياسي والاقتصادي بين البلدان الأوروبية، وتوصلت الى ممارسة سياسة خارجية ودفاعية مشتركة بالاضافة الى توحيد العملة النقدية الخ...

وبالرغم من تباين السياسة الخارجية الاوروبية في العديد من المحطات التاريخية، إلا أن الاتحاد بقي متماسكًا سياسيًا، وعسكريًا، لكن أزمات كبرى ضربته، أهمها:

1- الازمة الاقتصادية العالمية 2008:

والتي بدأت معها عمليًا المصاعب الحقيقية للاتحاد، فالوعود بمستويات معيشية مرتفعة وتعزيز فرص العمل داخل المنطقة الأوروبية، عطّلها العجز الذي وقعت فيه موازنات تلك البلدان، مما دعاها الى التقشف وخفض الإنفاق على برامج الخدمات الحكومية خاصة في مجالات الرعاية الصحية والتعليم، بالاضافة الى موجات تسريح للموظفين، وتقليص القطاع العام الخ... هذه الأمور بالاضافة الى تراجع النمو وارتفاع البطالة، ساهمت بارتفاع أسهم المشككين بمستقبل الاتحاد وجدواه من المواطنين الأوروبيين.

2- موجات الهجرة غير الشرعية:

لطالما عانى الاتحاد الاوروبي من الهجرة غير الشرعية، لكن الأزمة الأخطر التي واجهت الاتحاد هي الموجة الكبرى للجوء عام 2015 والتي أعلنت خلاها المستشارة الإلمانية أنغيلا ميركل، فتح الأبواب للاجئين مهما كانت أعدادهم.

ترافقت تلك الموجة الكبرى مع عمليات ارهابية ضربت عمق دول الاتحاد، واتهم فيها متطرفون اسلاميون، مما زاد الضغط على دول الاتحاد خاصة ألمانيا التي طلبت من دول الاتحاد، الالتزام بسياسة الهجرة وتوزيع اللاجئين، لكن الدول الأوروبية رفضت، وهدد العديد بالخروج من الاتحاد فيما لو تمّ إجبارهم على استقبال اللاجئين بحسب ما تنص عليه اتفاقية "دبلن".

3- ارتفاع أسهم اليمين، وخروج بريطانيا

لا شكّ أن عوامل عدّة ساهمت في ارتفاع أسهم اليمين الأوروبي، فانعدام النمو وازدياد البطالة، بالاضافة الى عوامل أخرى كاللاجئين وانعدام الأمن وتزايد العمليات الارهابية، والخوف من فقدان الهوية والخصوصية الثقافية الخ...كلها عوامل أدّت الى التشاؤم من مستقبل الاتحاد، فارتفعت أسهم اليمين  الذي استطاع الاطاحة بالعديد من الحكومات في الاتحاد، وتسجيل أرقام تاريخية في انتخابات البرلمان الاوروبي نفسه.

ولا شكّ أن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي سيساهم في إضعاف الاقتصاد كقوة سياسية، ناهيك عن الدعوة التي وجهها ترامب للبريطانيين لتأسيس اتحاد جمركي مع ما يعنيه هذا من خسارة اقتصادية للاتحاد الاوروبي.

4 - الأزمة المستجدة: وباء الكورونا (كوفيد - 19)

كشفت هذه الأزمة عن هشاشة لم تعرفها دول الاتحاد من قبل، فبالاضافة الى اغلاق الحدود، كشفت الازمة أن التكامل الاقتصادي الذي صمد لفترة طويلة، قد ينهار أمام عمق الازمة الحالية.

عاشت دول الاتحاد طويلاً في تكامل اقتصادي فعلي، فالبضائع المصنّعة في أي دولة من دول الاتحاد وبسبب غياب الحمائية وانعدام التعرفات الجمركية، لم تعد تحتاج الى تصنيعها في بلدان أخرى. ولكن، الأزمة المستجدة، كشفت أن ما يصحّ خلال فترة السلم، قد لا يكون متوافرًا خلال الازمات. فلقد وضعت بعض الدول الاوروبية قيودًا على التصدير، فمنعت تصدير المستلزمات الطبية والأدوية والأقنعة الى الخارج، على سبيل المثال، رفضت المانيا تسليم 240 الف قناع طبي لشركة استيراد سويسرية، كما رفضت فرنسا تسليم أدوات طبية الى بريطانيا بموجب عقود سابقة، كما رفضت تشيكيا تسليم معدات كانت السويد قد دفعت ثمنها مسبقًا.



إذًا، إن الدروس المستخلصة من هذ الازمة الجديدة التي ضربت العالم، ومعه الاتحاد الاوروبي، ستدفع بحكومات الاتحاد الاوروبي، الى مراجعة شاملة لمبدأ "التكامل الوظيفي" الذي اعتمده الاتحاد الاوروبي خلال تأسيسه وتطوره.

من الآن فصاعدًا، إن ارتفاع منسوب "التعصب الوطني" لن يكون حكرًا على المجتمعات الاوروبية أو على اليمين الاوروبي فحسب، بل إن حكومات الاتحاد - حتى تلك الأكثر ليبرالية - سوف تعيد النظر في سياسات الاعتماد المتبادل، وبالتالي سوف تشهد أوروبا مزيدًا من التوجهات اليمينية والسياسات "الوطنية"، وسيكون السؤال الأكثر جوهرية لدى المواطنين: لماذا أحتاج الى الاتحاد الاوروبي؟... فهل يمكن أن تدفع أزمة الكورونا الجديدة، الى تغيير جذري في تركيبة الاتحاد الاوروبي برمته؟