2015/08/27

مع المطالب المشروعة ولكن!


د. ليلى نقولا الرحباني
كانت الانتفاضة التي هبّت في لبنان طبيعية في ظل الفقر والتهميش والمعاناة، واستمرار قوى السلطة الحاكمة المستأثرة بغيّها وظلمها وفسادها، ضاربة بعرض الحائط كل المطالبات والمناشدات بالشراكة، والاستماع إلى صوت الشعب، والكفّ عن تخطي الدستور والقوانين..

لكن، ما أن نزل اللبنانيون بالآلاف إلى الساحات حتى ظهرت مفارقات عدّة جعلت الظاهرة الممتازة تختلط بالكثير من التساؤلات والإشكاليات التي نذكر منها ما يلي:

1-   محاولة السلطة ترهيب المتظاهرين من خلال إعطاء الأوامر للقوى الأمنية بالعنف والشدّة المفرطة وغير المبرَّرة، وذلك لأن التظاهرة السلمية شكّلت مصدر قلق للسلطة السياسية الحاكمة منذ عقد التسعينات، والتي انتبهت فجأة إلى أن الشعب بكافة طوائفة وفئاته بات قاب قوسين أو أدنى من الانفجار، وفي هذا تهديد لنفوذها وفسادها المتمادي منذ الطائف، والتي لم تعد تنفع معه الادعاءات المذهبية التي ما انفكت تتهم بأن كل من يطالب بمحاكمة من سرق أموال الدولة اللبنانية منذ عام 1992، إنما هو يمسّ بالرئيس رفيق الحريري، ويمسّ بالطائفة السُّنية، وفي هذا الادعاء ظلم للسُّنة قبل غيرهم من المدعى عليهم بهذا الاتهام المذهبي والطائفي.

2-   وإذا كان عنف السلطة معروفاً ومتوقَعاً، فما لم يكن متوقعاً - على الأقل من قبَل الناس العاديين المشاركين بالتظاهرة - فهو تصرُّف الجهة الداعية إلى التظاهرة، أي حركة "طلعت ريحتكم"، وفيه:

أ‌-       النزعة الحادة للإلغاء والاستئثار ورفض الآخر، وقد ظهرت من خلال البيانات والخطب والتصريحات لمنظمي التظاهرة الأساسية، والتي ظهرت وكأنها تريد أن "تفحص" أهلية كل مواطن، وإن كان يحق له المشاركة أم لا، وبدا حالهم كحال التكفيريين المنتشرين في المنطقة؛ إما أن تكون مثلنا ومطابق لنا في فكرك وتوجهاتك، أو ممنوع عليك أن تكون بالأساس.

وقد ظهر هذا الأمر خلال التظاهرة وبعدها، خصوصاً من خلال بيان الجمعية الذي طالب القوى الأمنية باعتقال "جميع من بقي في الساحة بعد إعلان الجمعية عن فكّ اعتصامها"، وهو يعني أن كل من لا ينتمي إلى المجموعة إياها، هو مجرم يستحق الاعتقال برأيها، بغض النظر عن الفعل الذي يقوم به.

ب‌-  النزعة الطبقية المقيتة التي ظهرت من خلال الكلام العنصري الذي انتشر على الصفحة الرسمية لمنظمي التظاهرة، والذي يشي بأن "كل فقير هو بالسليقة مندس"، ثم ما لبثت أن تحوّلت الطبقية فيما بعد إلى عنصرية طائفية تتهم أهل "الخندق الغميق" بأنهم نزلوا إلى التظاهرة لتخريبها! وكأن الفقراء لا مكان لهم في تظاهرة "المجتمع المدني المودرن"، بل بات هؤلاء بفقرهم وغضبهم المكبوت مصدر إزعاج ، لذا ممنوع عليهم المشاركة في تظاهرة حاكت أوجاعهم وآلامهم وقهرهم المستمر منذ عقود.

ت‌- التعميم اللا أخلاقي واللا منطقي الذي مارسه منظمو التظاهرة ومن يدور في فلكهم؛ بأن وضعوا "الجميع في سلة واحدة"؛ فالكل فاسد والكل مرتهَن، ولا فرق بين القوى السياسية، ونقطة عا السطر ولا نقاش في ذلك.

اللافت أن مطالب المتظاهرين كانت هي نفسها المطالب التي طالب بها العماد عون في وقت سابق، وبالرغم من ذلك فإن هذا لم يعفه، بنظرهم، من مسؤولية التمديد لمجلس النواب - الذي كان تكتل التغيير والاصلاح الوحيد قد رفضه - ولم يعفِ وزير جديد في الحياة السياسية ومشهود له بالكفاءة ونظافة الكف من أن يتعرّض لكلام حاقد والتبجح بطرده من الساحة، وكأن الساحة باتت ملك منظمي التظاهرة وليست ملك أي مواطن لبناني طامح للتغيير.

ث‌- الشبهات التي تحوم حول منظمات "المجتمع المدني" بشكل عام، فالمواطنون كانوا قد لبّوا دعوة حركة "طلعت ريحتكم" انطلاقاً من شعورهم بضرورة التغيير، وأنه آن الأوان للمساءلة والمحاسبة وإسماع المعنيين صوت الشعب، بدون أن يعرفوا أو يستفسروا بالضبط من هي الجهة الداعية، ومن أين تأتي بتمويلها، أو ما هو برنامجها لما بعد المطالبة بمعالجة مشكلة النفايات المتراكمة.

وفجأة ظهرت أمامهم صيحات "الشعب يريد.." في محاولة تكرار مرعب لسيناريو لـ"الثورات العربية"، فعادت إلى الأذهان "وصفات الثورات الملونة" المصنوعة في أميركا، والتي امتدت من البلقان إلى العالم العربي ثم إلى أوكرانيا مرة أخرى.. وبدأت الأنظار تتجه إلى منظمي التظاهرة وارتباطاتهم الخارجية، وتمويلهم الخارجي المعروف.. وعندها عُرف سبب مهاجمة العماد عون، وبطل العجب.

بالنتيجة، لا يمكن لأي مواطن لبناني مؤمن بلبنان وطامح لدولة قانون تحفظ له مواطنيته وتحترم حقوقه وتحميه، إلا أن يكون مع المطالب التي يتم رفعها في ساحات التظاهر في رياض الصلح وساحة النجمة.. لكن، ليس كل ما يلمع ذهباً، ولكي نقتنع حقاً بأن ما يُعرض علينا هو ذهب خالص، على منظمي التظاهرة أن يتواضعوا، فيعندوا الى تقويم التجربة، ويصححوا المسار، ويثبتوا عدم تلقيهم الإرشادات والتوجيهات من السفارات كمعظم منظمات المجتمع المدني "المشبوهة" في العالم.

2015/08/24

الثورات الملونة: ما لها وما عليها


بدأت هذه تنتشر بشكل كبير بعد الثورة التي حصلت في صربيا وأطاحت بالرئيس الصربي ميلوسوفيتش عام 2000، لكن الموجة الأهم هي تلك التي شهدتها الاعوام الممتدة من 2003 الى 2005، حيث حدثت ثورات عدة بشرت بانبلاج فجر جديد من الديمقراطية وحقوق الانسان، فبدأ المد الثوري من جورجيا  في تشرين الثاني 2003  في ثورة استخدم فيها سلاح وحيد هو الورود الحمراء، ولهذا أطلق عليها اسم "ثورة الورود"، وكان من نتائجها أزاحة إدوارد شيفاردنادزه الموالي لموسكو من الحكم وتنصيب ميخائيل ساكاشفيلي حليف الولايات المتحدة الاميركية مكانه.
ثم ما لبث أن امتد النبض الثوري الى أوكرانيا فقامت «الثورة البرتقالية» في خريف 2004 وأدت الى اطاحة فيكتور يانوكوفيتش المحسوب على موسكو وبدء عهد جديد حليف للغرب مع فيكتور يوشنكو. وتزامنت الحركات الاحتجاجية في لبنان وقيرغزستان في آذار 2005، ففي قيرغستان قامت "ثورة الزنبق tulip" التي اطاحت بالحكم الموالي لروسيا، وجاءت بالرئيس باكييف المدعوم غربيًا الى السلطة ، أما في لبنان فقد اطلق الرئيس جورج بوش على التظاهرات التي قامت ضد الوجود العسكري السوري في لبنان على اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري اسم «ثورة الأرز».
لكن لم يكد يمر سنوات قليلة جدًا، حتى شحبت الالوان عن تلك الثورات وتحولت من "ملونة" الى "رمادية وسوداء"، فقد ظهر ان من اتت به تلك الثورات الى الحكم لم يكن اقل فسادًا من أسلافه، وان آمال التغيير والعيش الكريم التي دفعت الشباب للثورة، كانت مجرد أحلام، فقد استغل الوصوليون تلك الثورات وركب الانتهازيون موجة التغيير، فسرقوا صيحات الثوار وأحلامهم وأمانيهم.
وهكذا، عاد الوضع في تلك البلدان جميعها الى ما كانت عليه قبل الثورات، ففي معظم دول البلقان أعاد الشعب الحكام الموالين لموسكو من خلال الانتخابات، بعدما ضاقت بهم الحال بفساد وسوء ادارة الحكم الجديد، ثم شهدت اوكرانيا ثورة ثانية، أدّت الى هرب الرئيس الموالي لروسيا التي أتت به الانتخابات، وتدخل الروس فتمّ اقتطاع القرم، ودارت حرب أهلية في الشرق الاوكراني بين الاوكرانيين من أصل روسي وبين الحكومة الاوكرانية الجديدة المدعومة من الغرب.
ما هي هذه الثورات؟
أوّلاً: في التّعريف
الثورة الملوّنة مصطلح يُطلق على أعمال التّحرّكات والتظاهرات الشبابيّة المطلبيّة المنظّمة التي يحمل فيها المتظاهرون أعلامًا وشارات ذات لون مميّز تُعرف به، على أن لا تُستعمل فيها الأسلحة، فالذي يميّزها عن غيرها من الثورات هو أنّها سلميّة.                                                                                                                                
ثانًيا: في الخصائص
أهم من كَتَبَ - أو بالاحرى علّم- كيفية صياغة هذه الثورات كان الأميركي جين شارب، في كتبه حول اللاعنف، وخاصة في كتابه من الديكتاتورية الى الديمقراطية، الذي يعدّ المرجع لجميع الثورات السلمية في العالم، والذي ابتدع فيه وفي غيره من الكتب 198 وسيلة على الثوار استخدامها في ثورتهم اللاعنفية.
أهم الخطوات في صناعة الثورة بالنسبة لجين شارب:
- صياغة استراتيجية لتحقيق الحرية، ورؤية للمجتمع كما تريدونه.
- تخطي الخوف عبر أعمال محددة وصغيرة من المقاومة.
- استخدام الألوان والرموز لإظهار وحدة المعارضة.
- التعلّم من الأمثال التاريخية التي نجحت في المقاومة اللاعنفية.
- استخدام أسلحة لاعنفية.
- تحديد أسس الدعم للديكتاتور، وصياغة استراتيجية لتقويض كل منها.
- استخدام القمع او العنف الذي يستخدمه الديكتاتور للتجييش ضده ولانضمام الناس الى الحركة اللاعنفية.
- التواصل مع القوى الأمنية لإغرائها بمكاسب للانقلاب على النظام الديكتاتوري، أو على الأقل تحييدها في النزاع القائم.
- عزل أو إزالة أي رموز عنفية من المجموعة، وعدم السماح لأشخاص العنفيين أو الذين لديهم سجل عنفي بالانخراط في الحركة.
من بين أشهر الذين كتبوا في موضوع " الثورات الملوّنة " منظّر ومدرب الشباب على هذه الثورات عبر مركز دراسات وتدريب أسسه لهذا الغرض، سفير الولايات المتّحدة الأميركيّة في روسيا مايكل ماكفويلMcfaul ، ( غادر منصبه عام 2014) ونستعرض مما كتبه حول خصائص الثورات الملوّنة :
–  تتمّ في نظام إستبداديّ في الأساس، لكنّه يقبل بالتّعددية ووجود أحزاب صوريّة متنوّعة من خلال نظام إنتخابات، أي أنّه من أجل تجميل صورته أمام العالم حتى لا يبدو كنظام مستبدّ، فإنّه يسمح بأحزاب تشارك في الإنتخابات من إتجاهات سياسيّة مختلفة دون أن يكون لها أي مشاركة حقيقيّة في القرار السّياسيّ.
–  تنتج عن رفضٍ عامٍّ من الشعب للقائمين على النّظام السياسيّ ولسياستهم, يستتبعه شعورهم بالحاجة إلى تغيير هذه الوجوه وهذه السّياسات.
–  تندلع بتحرّكات من قوى المعارضة بعد أن تتناسى خلافاتها وتتّحد تحت مظلّة واحدة محاولة الإئتلاف ساعيةً وراء إيجاد دورٍ فعّالٍ لها نظرًا لغيابها الملحوظ عن المشهد السّياسيّ.
–  تقوم كردّة فعلٍ على الفساد المستشري في مؤسسات الدّولة متوازية مع تحرّك المجتمع المدنيّ والوسائل الإعلاميّة بغية إيجاد براهين على التزوير في الإنتخابات وفضح الأخطاء الحاصلة إبّان صنع القرارات السّياسيّة.
–  تتميّز بكونها إحتجاجات واسعة في الشوارع والميادين غالبًا ما تكون مليونيّة، تتّسم بالتّنظيم الشديد والغضب إلّا أنّها في الآن عينه تستخدم الطـّرق السلميّة للتعبير عن آرائها.
– 
  ترفض أثناءها قوّات الأمن والجيش إطلاق النّار على المتظاهرين بدافع ذاتيّ أو مصلحيّ، تنأى بنفسها فلا تقف مع طرفٍ على حساب آخر بل تنتظر من ينتصر.  

سياسة الأمصال المضادّة وطرق مواجهة الثورات
لقد اتّفقت الأنظمة الحاكمة في بلاد آسيا الوسطى وأوروبا الشرقيّة على تسمية المعارضة بـ " ڤيروس "، لذا كان من المؤكّد أنها ستستحدث ما أسموه " الأمصال المضادّة " لهذا الڤيروس. تجمع حكومات هذه البلاد وحكومة روسيا على كون البيئة الحاضنة والمثالية لترعرع الفيروس ترتكز أساسًا على استقواء المعارضة الدّاخلية بدعمٍ أورو– أميركيّ في الوجهين: المادّي والإعلاميّ.
تحضير الأمصال الفعّالة المضادّة للمعارضة وأهمّها:
‌أ-      إخضاع المنشآت الحيوية والمباني التابعة للدّولة كمباني الوزارات للحماية؛ وإقامة تدريبات شأنها تأهيل القوات العسكرية وتدريبها على الوسائل اللازمة لمواجهة احتلال المتظاهرين لوسائل المواصلات الحيوية في البلاد عمومًا وفي المدن الرّئيسيّة خصوصًا.
‌ب-تشكيل تنظيمات شبابية مضادّة للتنظيمات الشبابية الثائرة عليها. لقد ثبت بعد الثورة البرتقالية في أوكرانيا والثورة الوردية في جورجيا أن الآلاف من فئات الفتيان والفتيات الذين تجمّعوا تحت شعارٍ واحد، علمٍ واحد وموسيقى واحدة هم  من لعب الدّور الأكبر في محاولات إنجاح الحركات المعارضة.
ج- بشكلٍ موازٍ تخصّص الحكومات –في الدول المهدّدة بقيام هذه الثورات–  ميزانيّات لتمويل تظاهرات مضادّة، فيقابَل كل اعتصامٍ باعتصام مضادّ ويكون لكلّ شيء ثمن في هذا الإطار. فقد تزايد اقتناع هذه السلطات الحكومية في روسيا، آسيا الوسطى وأوروبا الشرقيّة أن المشاركين في الثورتين الأوكرانية والجورجية  تلقّوا دعمًا مادّيًّا، يتفاوت بين قبض الاموال مباشرةً قبل التظاهر الى توفير وجبات الطّعام والشّراب كما والأعلام، كذلك الشارات الملوّنة وخيام المبيت خلال التظاهر؛ على ضوء كلّ ذلك اعتمدت الحكومات سياسة تخصّص فيها سيولةً لـ " تمويلٍ مضادّ ".
د- عسكرة شخصيّات عامّة كالمفكّرين، الفنّانين، ورجال الدّين في معسكرٍ "مع" أو "ضد" لما لهؤلاء من تأثير كبير على جموع الشّعوب. أصبح المفكّرون أولئك معروفين، من السّهل تمييزهم عن غيرهم، فبالنهاية هم أصحاب الحظوظ الوفرة بتولّي المناصب.
ه- رصد دقيق لنشاط قوى المعارضة الداخلية على كافّة مستويات الوحدات الإدارية، أي المحافظات، الولايات، المقاطعات والجمهوريّات.  
و- تقوم الحكومات بتسريب متعمد للتّحضيرات الحكومية المواجهة، والإيهام بأنّ التسريب حصل بطريق الخطأ، ولكنه في الحقيقة يكون مقصودًا كجزء من عملية الردع لمن يفكّر في المشاركة بالثورة.
ز- عدم مواجهة " الثورات الملونة " بالسلاح، ولا الغازات المسيّلة للدموع، فتبدو للعالم المترقّب والصحافة الشاخصة على أنّها أنظمة ديكتاتورية؛ بل ستواجه الثورة بأخرى مضادّة وعشرات الآلاف من الشباب الذي سيشتبكون بالأيدي والعصيّ.
هذا أدّى الى تغيير استراتيجيات الثورات الملونة وداعميها، وهو ما حصل في كل من فنزويلا ومصر واوكرانيا، حيث يقوم بعض القناصة أو أفراد يلبسون لباسًا عسكريًا حكوميًا بالاعتداء على المتظاهرين السلميين لتحريض الرأي العام ضد النظام، ولكسب التعاطف الذي لم يحصل لأن الحاكم لم ينجر للعنف.


2015/08/20

هل يحسم الميدان السوري معركة التقسيم؟


د. ليلى نقولا الرحباني
يوماً بعد آخر يتجه المشهد السوري إلى مزيد من التعقيد والمراوحة، وعدم استعداد أي من الأطراف المتحاربة وداعميهم الدوليين للتخلي عن خططهم السابقة، أو تعديلها لمصلحة حلّ سياسي بات يفرضه إدراك جميع الأطراف ألا حلّ عسكرياً للأزمة في سورية.

وفي المشهد السوري، ومباشرة بعد إنجاز الاتفاق النووي، يقوم الإيرانيون بتقديم مبادرة لحل الأزمة السورية، متّكلين على قدرتهم على إقناع الحكومة السورية بها، وعلى كلام إيجابي كان قد صدر عن موسكو بأن الأطراف الإقليمية المعادية للنظام قد تكون بوارد القبول بتسوية ما، تؤدي إلى مشاركة أوسع في الحكم في سورية، مقابل بعض التنازلات من هنا وهناك.

وفي حمأة هذا التفاؤل الدبلوماسي، تعود الأمور إلى نقطة الصفر، فيخرج وزير الخارجية السعودي من لقائه مع لافروف أكثر صراحة في رفض السعوديين بقاء الأسد في الحكم، ثم تالياً تسقط الهدنة في الزبداني، وتتعالى الأصوات الغربية متهمة النظام بقتل المدنيين في دوما.

كل هذا التأزّم يلاقي بشكل أكيد الإعلان الاميركي عن خطة تقسيم المنطقة على لسان رئيس الأركان في الجيش الأميركي؛ ريموند أوديرنو، من أن "تقسيم العراق قد يكون الحل الوحيد" لإعادة الهدوء إلى العراق، وأن المصالحة بين السُّنة والشيعة تزداد صعوبة يوماً بعد يوم"، والتي تأتي مكمّلة لتصريحات السفير الأميركي السابق في دمشق؛ روبرت فورد، خلال محاضرة له في منتصف شهر تموز الماضي في "مركز دراسات الشرق الأوسط"، والذي اعتبر فيها أن التقسيم في سورية "بات تحصيلاً حاصلاً"، وأن عدة تصوّرات بشأن سورية "ستضع وحدة البلد في مهب الريح"، متنبئاً بتقسيم سورية إلى دويلات ست بدون حدود ثابتة، أما العاصمة دمشق فوضعها سيكون كوضع بيروت خلال الحرب الأهلية اللبنانية وقت ذروتها، بحسب فورد.

وعلى الجبهة المقابلة، يبدو أن الروس والإيرانيين قد وعوا بشكل أكيد ضرورة الاستمرار بتنسيق الجهود أكثر من قبل، فقد يلاقي مشروع التقسيم الأميركي آذاناً صاغية ورغبة من العديد من المكوّنات الطائفية في المنطقة، التي ما انفكت أبواق الفتنة تحرّضها باعتبارها فئات مظلومة، وقد يلاقي تجاوباً من السعودية - بالرغم من خطورته على السعودية ووحدة أراضيها - التي تفضّل أن تحصل على موطئ قدم في العراق وسورية بدل أن تخسر نفوذها بشكل كامل في البلدين.

أما الأتراك، فبالرغم من رغبة الرئيس التركي بضمّ جزء من سورية والسيطرة عليه تحت مسمى "المنطقة الآمنة"، إلا أن التقسيم كما هو مطروح من قبل الأميركيين، يعطي الأكراد السوريين دويلة في الشمال، والشمال الشرقي من الأراضي السورية، وهو أمر مستحيل أن يقبل به أي رئيس تركي، سواء كان أردوغان أو سواه، لما له من تأثيرات سلبية على الأمن القومي التركي ككل.

خطورة هذا الطرح الأميركي على المنطقة ككل، حتّم رداً إيرانياً مباشراً من قبَل الولي الفقيه، الذي اعتبر أن إيران ترفض رفضاً مطلقاً تقسيم المنطقة، وأنها ستسعى لإسقاط هذا المشروع، كما أعلن ذلك صراحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير بمناسبة الانتصار على العدو "الإسرائيلي" في حرب تموز.

وبالرغم من أن الروس لم يعلنوا موقفاً واضحاً من التقسيم لغاية الآن، لكن السلوك الروسي يشي بالاستعداد للاستمرار بمعركة كسر الإرادات، ولو غلّفوها بعبارات التعاون في مجلس الأمن والسعي للتواصل مع المعارضة السورية، وذلك من خلال إعلان موسكو عن تسليم سورية طائرات "ميغ 31" المتطورة، وإعادة التأكيد على عدم القبول بأي شروط مسبقة للمفاوضات، بالاضافة إلى البيان الروسي - الإيراني المشترك، والذي كان ضرورياً في ظل انخراط مسؤولين سياسيين وإعلاميين في حملة تضليل الرأي العام، وبثّ أخبار كاذبة حول تخلّي الروس عن حليفهم بشار الأسد، وأن الإيرانيين قدّموا "رؤوس" حلفائهم في المنطقة ثمناً للاتفاق النووي مع الغرب.

وهكذا إذاً، يبدو أن عنوان المرحلة المقبلة هي المعركة لمنع التقسيم في المنطقة، وستكون الكلمة للميدان السوري في رسم مستقبل المنطقة، فمن ينتصر تكون له كلمة الفصل في تقرير مصير المنطقة العربية بأكلمها، إذ إن التقسيم المفترَض لسورية والعراق سينسحب على كافة دول العرب بدون استثناء.. والسؤال المضحك المبكي: هل سيستطيع الإيراني إنقاذ بلاد العرب من التفتيت، أم أن العرب أنفسهم سيذهبون بأرجلهم إلى الانتحار عبر الدخول رأس حربة في مشاريع الدويلات المذهبية المتناحرة؟

2015/08/13

لماذا يريد المحور السعودي "كسر" العماد عون؟


د. ليلى نقولا الرحباني
تتدحرج الأمور في لبنان وتتجه إلى التصعيد، في ظل اصطفاف سياسي واضح، وانقسام عامودي أبعد من اختلاف على تعيينات أمنية هنا، وصلاحيات مكرّسة لطائفة هناك، بل إن الأمور بتعقيداتها وتشعباتها الإقليمية والدولية تعكس "كباشاً" يشبه إلى حد بعيد الحروب التي تخاض في الدول المجاورة.

ومن سخرية الأقدار اللبنانية، أنه عندما يحين أوان إيجاد حلول أو تسوية إقليمية معيّنة، الجميع يفتّش عن "كبش محرقة" يحمّلها أخطاء وموبقات الحرب الدائرة بين الأطراف المتصارعة، علّ مشاكلهم وحروبهم وسفك الدماء المتنقل بينهم ينتهي بتقديم "كبش فداء" يحرقونه في مشهدية احتفالية ويرقصون حوله مبشّرين بعهد جديد من السلام والوئام بين أعداء الأمس.

عشية 13 تشرين الأول 1990، اجتمع المتقاتلون الذين نهشوا جسد الوطن لمدة 15 عاماً، واتفقوا على التخلُّص من ظاهرة - كانت جديدة يومها - اسمها العماد ميشال عون، وبتكليف إقليمي ودولي، تولّى الجيش السوري مهمة التخلّص من تلك الظاهرة، مُنهياً 15 سنة من الاقتتال اللبناني، وكأنّ الجنرال الواقف في بعبدا آنذاك كان هو المشعّل لتلك الحرب المستمرة منذ سنوات، وبإنهاء ظاهرته ينتهي كل شيء ويعود السلام إلى لبنان.. واليوم، يحاول التاريخ أن يعيد نفسه، فيأتي الأضداد من كل حدب وصوب، ويتكاتف أمراء الميليشيات ومافيات رؤوس الأموال، ومصاصو الدماء من هواة التحريض المذهبي، للتصويب على الجنرال ميشال عون ولسان حالهم يقول: "اصلبوه".. وقد يخيَّل للمراقب من بعيد أن العماد عون هو من أشعل الصراع السُّني - الشيعي في المنطقة، وهو الذي ألّب المذاهب للتقاتل على المنابر، وهو الذي موّل الإرهاب وأشعل الساحات واستقدم الانتحاريين، وبسقوطه تزول كل الخلافات، وتسقط كل الحواجز، فيجتمع صقور "المستقبل" مع بعض خصومهم فيتبادلون التهاني.

لكن، وبالرغم من كل محاولات استنتساخ السيناريو السابق، تبقى بعض الملاحظات التي لا بدّ من لفت النظر إليها:

أولاً: إن محاولة كسر العماد عون اليوم هي بالضرورة من ضمن الحرب الدائرة في المنطقة بين محورين؛ فمع تحقيق انتصار إيراني بتوقيع الاتفاق النووي، ومع اتجاه للحل في سورية يبقي الرئيس الأسد من ضمن المعادلة السورية المستقبلية، مع ما يعني ذلك من انكسار لكل القوى التي اشترطت رحيله، ومع تقدّم "الحشد الشعبي" في العراق، يهدف السعوديون لتحقيق انتصار في ساحة من الساحات الشرق أوسطية، فيقع الخيار على لبنان، باعتبار أن لهم نفوذاً تاريخياً فيه، بعكس سورية، وبما أنهم يدركون أنه من المستحيل كسر حزب الله ميدانياً في الداخل، يصوّب هؤلاء بواسطة حلفائهم في لبنان على النقطة الأضعف في المحور المعادي لهم، فيقومون بكسرالمسيحيين المتحالفين مع المقاومة، فيحققون هدفاً في شباكها.

ثانياً: بالرغم من الأوهام التي تراود البعض بتكرار التجربة التاريخية لعام 1990، إلا أن اختلاف الظروف الإقليمية والدولية تمنع بالضرورة تكرار السيناريو التسعيني، فقد شهد عام 1990 سقوط الاتحاد السوفياتي وسيطرة الولايات المتحدة على عرش النظام الدولي، بالإضافة إلى حاجة الأميركيين إلى ضمّ العرب لتحالف دولي للتخلص من صدام حسين واستقدام القوات الأميركية إلى الخليج بذريعة تحرير الكويت، فكان أن حصلت تسوية إقليمية جعلت لبنان محكوماً بتقاسم نفوذ سعودي - سوري انخرطت فيها جميع قوى الأمر الواقع، باستثناء العماد عون، الذي بقي الصوت الوحيد "النشاز" الرافض لتلك الصفقة، مطالباً بالسيادة والاستقلال، فكان أن دفع المسيحيون ثمن "تمرُّدهم"، بأن كانوا "كبش الفداء" الذي قدِّم على مذبح التسوية، فخرجوا من السلطة والقرار، وتمّ تهميشهم.

أما اليوم فالأمور تبدّلت، وما يعيشه النظام الدولي الراهن هو بمنزلة انقلاب مرتدّ على الهيمنة والأحادية التي تمتّعت بها الولايات المتحدة منذ تلك الحقبة التسعينية، ولم يعد الأمر الأميركي هو "أمر اليوم" الذي يجب أن ينفّذه البشر على امتداد الكرة الأرضية، وإلا شُنّت الحرب عليهم وتحركت الأساطيل لقمع تمردهم.

أما أولئك المبشرون بقرب حصول تسوية إقليمية تجعل لبنان محكوماً بتقاسم نفوذ سعودي - إيراني، ويراهنون على أن التخلّص من العماد عون وإعادة تكريس تهميش المسيحيين سيكون نتيجتها، فهؤلاء بالتأكيد لم يدرسوا السلوك السياسي المتراكم لحزب الله، والذي يفيد بأن "حزب الله لم يتخلَّ يوماً عن حليف إلا إذا قرر هذا الحليف التخلي عن الحزب من تلقاء نفسه"، كما حصل مع حركة "حماس"، فكيف إذا كان هذا الحليف هو العماد عون، الذي أعطى حركة المقاومة بُعداً لبنانياً ووطنياً، والذي يتعرّض لحرب كونية بسبب تفاهمه مع حزب الله؟!

2015/08/06

سيناريوهات الحل على ضوء التفاؤل النووي


د. ليلى نقولا الرحباني
تزامناً مع توقيع الاتفاق النووي مع إيران، سرت موجة من التفاؤل بانسحاب التفاهم على ملفات المنطقة، ما يؤدي إلى تسويات إقليمية تُخرج سورية من محنتها المتمادية منذ سنوات خمس. ولقد ارتدت موجة التفاؤل هذه طابعاً أكثر جديّة بعد اللقاءات التي حصلت في الدوحة بين وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف، والتصريحات التي أطلقت بعد اللقاءات المنفصلة التي عقدها كل منهما، سواء مع وزراء مجلس التعاون الخليجي، أو مع أقطاب المعارضة السورية، وبروز المبادرة الايرانية المعدّلة.

ومع تأكيد أن الاتفاق النووي بين إيران والدول الست سينسحب إيجاباً على المنطقة، ولصالح شعوبها على المدى الطويل، لكن ما هو واقع هذه السيناريوهات المفترَضة التي يمكن أن تُنتج حلاً للأزمة في سورية؟

السيناريو الأول: أن يكون هناك اتجاه لتسوية إقليمية ما، تبدأ باليمن وتمتد إلى سورية ولبنان، ثم باقي الملفات في المنطقة، ويكون هذا السيناريو على الشكل الآتي:

تُحقق السعودية وحلفاؤها في اليمن مكاسب ميدانية، تسمح بقبولها بحل سياسي تشترك فيه جميع الأطراف الفاعلة في القضية اليمنية، ويكون اعتراف بمصالح السعودية الاستراتيجية ونفوذها في اليمن. في المقابل، يحقق الجيش السوري وحلفاؤه مكاسب ميدانية هامة على الساحة السورية، تؤدي إلى فرض موازين قوى جديدة تفرض نفسها على طاولة المفاوضات المقبلة. وفي هذا السيناريو الافتراضي، يكون شعار المرحلة "القضاء على الإرهاب"، باعتبار أن جميع الدول باتت متضررة منه، فتعترف إيران للسعودية بنفوذها الإقليمي في مناطق لها فيها نفوذ تقليدي، بينما تسلّم السعودية بخسارتها في كل من سورية والعراق لصالح إيران، ويكون تقاسم نفوذ مشترك بين الاثنين في الدول التي للدولتين نفوذ هام؛ كلبنان على سبيل المثال. أما تركيا فستحقق لنفسها القدرة على ضرب حزب العمال الكردستاني، وعدم السماح للأكراد بتشكيل كيان ذي حكم ذاتي في سورية، وتحتفظ لنفسها بنفوذ في شمال العراق، والذي اكتسبته بتحالفها مع الجماعات السُّنية، ومع أكراد البرزاني.

قد يكون هذا السيناريو هو الأقرب إلى التصور الذي تحدّث عنه الرئيس فلاديمير بوتين، والذي قال عنه الوزير وليد المعلم إنه "يحتاج إلى معجزة"، لكن أمام تحقق هذا السيناريو الذي سيؤدي إلى الاستقرار والتسويات في المنطقة طريق طويل وشاق من المفاوضات، ومن المعارك العسكرية، ومن عدم التسليم والرفض، إلى أن يصبح أمراً واقعاً في نهاية المطاف.

السيناريو الثاني: استمرار المعارك على جميع الجبهات، مع ما يعنيه هذا من استنزاف لجميع القوى الإقليمية الموجودة في المنطقة، وصرف طاقاتها وأموالها على سباق التسلح وتجييش المنابر والتحريض المذهبي. وفي هذا السيناريو تستفيد الولايات المتحدة من اللعب على التناقضات، ومن بيع الأسلحة لدول الخليج، ويكون انتهاء هذا السيناريو مرهون بتعب اللاعبين، أو بقدرة أحدهم على هزم الآخر هزيمة كبرى، وهذا أمر مشكوك باحتمال حصوله.

السيناريو الثالث: تسويات موضعية لا تؤدي إلى تسويات شاملة؛ تبدأ باليمن، كونها الأكثر إلحاحاً بالنظر إلى الوضع الإنساني المتردّي، خصوصاً بعدما استطاعت السعودية تحقيق بعض المكاسب الميدانية، ما يجعل نزولها عن الشجرة أكثر إمكانية.

يبدو السيناريو الثالث هو الأكثر ترجيحاً في حال استمرت مرحلة التفاؤل في المنطقة، وفي حال اقتنع السعوديون بمد اليد لملاقاة اليد الإيرانية الممدودة، والتي عبّر عنها الوزير محمد جواد ظريف في مقالته في صحيفة السفير "الجار ثم الدار"، أما في حال استمرار الحكم السعودي برفض التسويات، واشتراط انكسار الآخر ضمن مقولة "قاتل أو مقتول"، فإن المنطقة ستكون محكومة بالسيناريو الثاني إلى ما شاء الله.

ويبقى أن السيناريو الأول، وهو السيناريو الذي يأمل الجميع تحققه، مرهون بعامل الوقت، وبتداخل المصالح وتشابكها وتناقضها، كما بكثرة اللاعبين في الساحات، لذا فإن التفاؤل المبني على أساس تسويات شاملة في المنطقة ما زال مبكراً، وهو تفاؤل محمود ولكنه سابق لأوانه.