2014/03/26

رسائل اقليمية ودولية عبر ريف اللاذقية

د. ليلى نقولا الرحباني

تشي الأخبار المتضاربة حول سير المعارك في ريف اللاذقية، وانتشار صور المسلحين على الانترنت أنه يُراد لهذه المعركة في اللاذقية- مركز الثقل الأساسي للنظام السوري- أن تؤسس لواقع جديد في الحرب السورية، يمتد الى المشهد الاقليمي برمّته، ويوّجه رسائل في اتجاهات عدّة، ويمكن ابراز بعض مؤشراتها:
أولاً: إن الأخبار التي سرت عن تحالف الأضداد في هذا الهجوم، والتنسيق بين المجموعات المسلحة التابعة للسعودية وتلك التابعة لتركيا، يشير بما لا يقبل الشكّ أن القائد الفعلي الذي يحرّك هذا الهجوم هو الأميركي بنفسه لأنه الوحيد القادر على فرض التنسيق بين مجموعات مسلّحة تكفّر بعضها البعض، وقتلت بعضها البعض في معارك عدّة في سوريا.
وقد تكون الأهداف الأميركية من هذا الهجوم متعددة، منها:
أ- توجيه رسالة مباشرة الى الروس في منطقة نفوذهم» الأساسية في سوريا وعلى مقربة من قاعدتهم العسكرية البحرية في طرطوس بأن ما كسبوه بسهولة في قاعدتهم العسكرية البحرية الأخرى في القرم لن يمرّ بسهولة في سوريا.
ب- التعويض عن الخسائر التي منيت بها المجموعات المسلحة على الحدود اللبنانية السورية، ورفع معنوياتهم بعد انتشار تقارير تتحدث عن هجرة معاكسة للمجاهدين القادمين من الخارج.
ج- الحاجة الى انتصار ميداني يوظّف اعلاميًا على أبواب زيارة اوباما الى المنطقة ولقائه الملك السعودي في أواخر الشهر الحالي، في ظل حاجة الأميركيين لإبراز فائض قوة ما في منطقة باتت تتفلت من أيديهم وتنتقد السياسة الأميركية علنًا، ومن هؤلاء بعض الدول الحليفة للأميركيين كأفغانستان على سبيل المثال حيث أعلن الرئيس الأفغاني حامد كرزاي تأييد بلاده لانفصال القرم عن اوكرانيا في تحدٍ واضح للسياسة الأميركية ولحلف الناتو المتواجد في بلاده.
ثانيًا: إن الدخول التركي العلني على خط المعارك الدائرة على حدودهم، وإسقاط الاتراك لطائرة سورية تبيّن أنها كانت ضمن الحدود السورية وليس التركية، كما قيام القوات التركية بقصف مواقع عدّة في الداخل السوري، وتأمين غطاء ناري للمسلحين، ثم توقف التدخل العسكري التركي فجأة في اليوم التالي يشير الى أن تهديدات دولية قد تعرض لها الجانب التركي، وقد تكون قد أتت من الاسطول الروسي بالذات في ظل أنباء عن قيام سفن حربية روسية متموضعة قبالة شاطئ طرطوس بالتحرك نحو الحدود التركية السورية قبالة اللاذقية، وهو ما قد يكون قد أدّى الى إعادة التركي الى صوابه. علمًا أن حزب العدالة والتنمية كان بأمسّ الحاجة الى ذلك التصعيد على الحدود مع سوريا، عشية الانتخابات المحلية لحرف الانظار عن الأوضاع الداخلية والتدهور في التأييد الشعبي الذي يعاني منه لأول مرة منذ عام 2002، بسبب السياسات التي اتبعها أردوغان في الداخل والمشاريع الاقليمية التي دخل فيها وخسر خسارة مدوية.
كما يكتسب الدخول التركي في تلك المعركة طابعًا مذهبيًا وطائفيًا، فالمنطقة التي يحاول أردوغان السيطرة عليها فيها مزيج من العلويين والمسيحيين وخاصة الأرمن الذين تمّ تهجيرهم قسريًا من تركيا الى سوريا ولبنان، بعد المذابح التي قام بها العثمانيون بحق أجدادهم، وقد يكون اردوغان بتعصبه الطائفي قد أراد أن ينتقم من الأرمن القاطنين في تلك المناطق وخاصة في منطقة كسب الحدودية، انتقامًا مزدوجًا؛ الأول لأنه يتهم الأرمن القدامى بالتمرد على أجداده، والثانية للانتقام من الأجيال الأرمنية الجديدة التي شوّهت صورة تركيا في العالم خاصة بعد نجاحها في كسب اعتراف الكثير من البرلمانات الاوروبية والكونغرس الأميركي بالابادة الارمنية،  التي ما تزال حيّة في الوجدان والسلوك الأرمني بالرغم من مرور ما يقارب المئة عام على حدوثها.
في المحصّلة، يبدو أن قدر السوريين أن يدفعوا ضريبة عن العالم أجمع، فالأزمة الاوكرانية والتوتر الأميركي الروسي بات يرخي بظلاله على الحرب في سوريا، فما قبل القرم ليس كما بعدها، والتسوية التي كان يؤمل تحقيقها نتيجة تفاهم روسي أميركي في المنطقة باتت أصعب من ذي قبل، وبالرغم من اعتراف الجميع أن لا حلّ عسكريًا في سوريا، إلا أن الميدان السوري يبقى هو الحَكَم والفيصل الذي سيحدد النتائج ومن يكسب ماذا، ومن يخرج من التسوية ومن يقطف ثمارها.


2014/03/22

قادة عرب لن يتصدوا للارهاب: ابقوا في منازلكم!

د. ليلى نقولا الرحباني

تنعقد القمة العربية هذا العام في الكويت، والعرب في أسوأ فترة في تاريخهم الحديث على الاطلاق، في ظل تفشي الارهاب وغرق معظم الدول العربية التي عرفت تغييرات سياسية في فوضى لم تبقِ من الأمن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي شيئًا، بالاضافة الى الخلافات الخليجية والتي تكاد تودي بمجلس التعاون الخليجي برمّته.
وبالرغم من تعليق البعض الآمال على قدرة الأمير الكويتي على رأب التصدعات في البيت الخليجي الداخلي، إلا أن المشاكل العميقة التي تسود بين الدول العربية يبدو أنها أعجز من أن تحلّ ببيان قمة أو ببعض كلمات منمّقة، وتبدو المشاكل التي قد تفجّر القمة بأكملها على الشكل التالي:
أولاً- محاولة تصفية القضية الفلسطينية من خلال خريطة الطريق الاميركية التي يبدو من خلال ما سُرّب منها أنها ستقضي على حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وستعلن "يهودية" الدولة وتبقي على المستوطنات الاسرائيلية داخل الاراضي الفلسطينية، وستحاول أن تعطي الفلسطينيين "أحياء في القدس" لاعلان عاصمتهم، كما ستبقى الأمن بيد جيش الاحتلال الاسرائيلي في مناطق عدّة منها غور الاردن.
علمًا أن الانقسام العربي حول "الاخوان المسلمين" وتدخّل حركة حماس - الاخوانية- في الشؤون الداخلية للدول العربية، خاصة في سوريا ومصر، قد ينزع الكثير من امكانية الدعم العربي للفلسطينيين، وخاصة في ظل بروز حركة الجهاد الاسلامي كفصيل مقاوم يحاول ان يتصدر المقاومة الفلسطينية بعدما التزمت حماس التهدئة مع اسرائيل، وهذا قد يؤدي الى زيادة الانقسام الفلسطيني الفلسطيني، في ظل الانقسامات الداخلية داخل كل من فتح وحماس، وبين حماس والسلطة الفلسطينية، وحماس والجهاد الاسلامي.
ثانيًا- المأساة السورية التي شارك العرب والخليجيون في تأجيجها واستدامتها، والتغيرات الميدانية لصالح الجيش السوري، وانعقاد القمة في ظل غياب سوريا بعد مقاطعة الدول العربية للرئيس السوري بشار الأسد.
ثالثًا- الارهاب الذي يضرب العراق بقسوة، واعلان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي علنًاعن أسماء الدول الخليجية التي تدعم الارهابيين في بلاده.
رابعًا- محاولة عزل قطر خليجيًا، والانقسام الخليجي الذي يهدد مجلس التعاون الخليجي لأول مرة منذ تأسيسه عام 1980، مع ما يترتب على ذلك من استقطاب في الكثير من المناطق العربية، التي تشهد نفوذًا سعوديًا وقطريًا.
خامسًا- عدم الاستقرار الأمني الذي تعيشه مصر، وخلاف الدول الخليجية على مصر والسياسة الواجب اتباعها تجاه الاخوان المسلمين، والخلاف القطري السعودي حول التغييرات التي حصلت بعد "ثورة 30 يونيو" في مصر، واعلان الاخوان المسلمين "جماعة ارهابية".
سادسًا: الازمات في كل من ليبيا التي تعيش احترابًا أهليًا، ويضربها الارهاب من كل حدب وصوب، واليمن الذي يتجه الى التقسيم.
سابعًا: وقد يكون الأهم على الاطلاق، هو الارهاب الذي يختلف عليه العرب وعلى توصيفه، فنجد أن للسعودية لائحتها للارهاب، ولسوريا لائحتها، وللعراق لائحته، ولمصر لائحتها، ولقطر لائحتها غير المعلنة، ولليبيا لائحتها وهلمّ جرًا.
هل هذا يعني أن القمة لا يمكن أن تخرج بشيء؟
من الطبيعي القول - وبحسب التجارب- أن القمة العربية لن تخرج بشيء، وقد يقتصر بيانها على بعض الانشائيات والدعم الانساني للاجئين السوريين والتعابير الغامضة التي لا تعني شيئًا كعبارات "العمل العربي المشترك" وغيرها.
ولكن، قد يمكن لنا أن نقترح على العرب، فيما لو صفت النوايا، وارادوا فعلاً التأسيس لشيء ما، يخفف على الشعوب العربية الخراب والدماء، هو الانطلاق من القاسم المشترك بين كل هذه اللوائح الارهابية، للاتفاق على بيان تتمّ فيه "إدانة كل الأعمال الارهابية التي تودي بحياة المدنيين الأبرياء وغير المشاركين في الأعمال القتالية، ونبذ كل قتل وإجرام باسم الدين أو على أساس ديني أو عرقي أو طائفي، والتعهد بعدم دعم الارهابيين بأي وسيلة من الوسائل، وعدم تأمين الملاذ لهم، بل واحتواءهم ومكافحتهم بكل الوسائل المتحة حيث يمكن وحيث نستطيع".
وعليه، إن قمة عربية تنعقد في آذار من عام 2014، حيث التهديد الارهابي يطال جميع الدول العربية بدون استثناء، ويهدد الأمن القومي في كل المناطق العربية، وحيث تقتطع القاعدة لها أجزاءً من الأراضي العراقية والسورية وتمارس فيها القتل وقطع الرؤوس ونحر الاعناق وتهدد مستقبل العالم العربي بأكمله.... إن قمة لا تستطيع التصدي لخطر وجودي من هذا النوع، هي قمة بلا جدوى، ومن الأفضل أن لا تنعقد.

2014/03/20

يبرود:إعادة رسم الخريطة الجغرافية للمسلحين

د. ليلى نقولا الرحباني

انتهت المعركة في يبرود بانتصار إضافي للجيش السوري و"حزب الله"، وهي انتصارات تضاف إلى انتصارات سابقة تسجَّل لهذا المحور ضد فصائل المجموعات المسلحة، والتي ستؤدي إلى سقوط منطقة القلمون الاستراتيجية من حسابات الجغرافيا العسكرية للمعارضة السورية المسلحة وداعميها، علماً أن يبرود تأتي سلسلة في حلقات متتالية قلبت موازين القوى العسكرية لصالح النظام السوري وحلفائه، وأهمها غوطة دمشق، والقصير، واليوم يبرود ومحيطها.

ولعل محاولة تجاهل هذا الانتصار كلياً في الإعلام الغربي، والردّ الأميركي بإغلاق السفارة السورية وكل قنصليات الدولة السورية في أميركا، يشي بأن ما حصل قد يكون له قيمة أكبر من كل ما قد يتوقعه المراقبون، فسنوات ثلاث من المعارك واتهام النظام السوري من قبَل الأميركيين لم تدفعهم إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، علماً أن الاتهامات التي تبادلها المقاتلون بالخيانة تشي بأن الصراع الإقليمي بات يفرض نفسه على الساحة السورية بشكل أكبر من قبل، وما كان خافياً أو يحصل همساً بات عملاً منظماً سيكون له تداعياته على الخريطة الجغرافية واللوجستية للمعارضة السورية وتآكلها في العديد من المناطق السورية.

ومع "تنظيف" جميع الجيوب المتبقية في القلمون، أي الحدود الشرقية للبنان مع سورية، وتتابعاً سقوط قلعة الحصن، وإقفال المعبر اللبناني المتبقي عبر الحدود الشمالية في عكار - والتي ترفد محيط قلعة الحصن بمسلحين يقال إن معظمهم لبنانيون أو فلسطينيون مقيمون في لبنان ينتمون إلى جند الشام - سيكون من الصعب على المشروع التكفيري الاستمرار أو التقدم في الميدان السوري  المحاذي للبنان، خصوصاً في المناطق التي لن يجد فيها المسلحون بعد الآن عمقاً استراتيجياً يمدّهم بالسلاح والعتاد والرجال، بينما يبقى لهم قدرة الحصول على الإمداد من المناطق المحاذية لتركيا والأردن والعراق، مع التأكيد على أن اختلاف مصالح الدول الإقليمية وتباين سياساتها سيكون لهما تأثير كبير على مَن يحصّل الدعم اللوجستي في كل منطقة.

وقياساً على الصراع الكبير الذي دخلت فيه المملكة العربية السعودية مع تنظيم "الإخوان المسلمين"، وظهوره إلى العلن؛ بوضع "الإخوان" على لائحة الإرهاب السعودية، فستتوزع خريطة المجموعات المسلحة وقوتها بحسب العمق الجغرافي للإمداد التي تحصل عليه، وهكذا سيكون المشهد التقريبي على النحو الآتي:

- على الحدود السورية التركية ستكون الغلبة والقدرة للجماعات المسلحة التابعة لـ"الإخوان المسلمين"، وستقوم تركيا بالرد على السعودية بالتضييق على "الائتلاف السوري المعارض"، كما على المسلحين المدعومين من السعودية، ومن هنا قد تكون الأخبار التي تتحدث عن قيام الأتراك بضبط شحنات أسلحة وتوقيف مسلحين على الحدود مع سورية عملية انتقامية من السعوديين، وليس تغييراً في السياسات التركية تجاه النظام السوري.

- على الحدود الأردنية، والتي ستشكّل بديلاً تعويضياً عن إغلاق الممر اللبناني المفتوح على مصراعيه، قد تواجه الأردن - كما حصل في السابق - ضغوطاً سعودية لفتح جبهة من الحدود الجنوبية، وتشكيل ضغط على النظام السوري يحرجه في جبهات أخرى، لكن بات واضحاً أن الأردن عاجز عن القيام بذلك، ولن يكون بمنأى عن تداعياته، خصوصاً في ظل استعادة الجيش السوري المبادرة والهجوم، واقتتال الفصائل فيما بينها، لدرجة تُظهر أن الاختلافات فيما بينها أكبر من الاختلافات بينها وبين النظام السوري.

- أما بالنسبة للحدود العراقية - السورية فيسيطر عليها بشكل أساسي تنظيم "داعش"، والذي تبرّأت منه جميع الدول الإقليمية والدولية الداعمة للمجموعات المسلحة في سورية، والذي يقود حربه ضد الجميع في سورية؛ المعارضة والنظام معاً.

وهكذا، تكون الحرب الدائرة في سورية سبباً ونتيجة في آن معاً، في التصدع الإقليمي والدولي، فمحور "داعمي الدولة السورية" يتقدم على حساب محور "داعمي المعارضة السورية"، والذي كان في ما مضى يدّعي أنه متماسك وموحّد الأهداف والرؤى، وإذ بالتطورات الميدانية السورية والتغييرات التي طالت كل الجبهات العربية دفعة واحدة، والضربات التي تلقاها بالتفاهم الأميركي - الإيراني، ومحاولة عزل قطر من قبل السعوديين وحلفائهم الخليجيين، والإرباك التركي في الداخل، وسقوط "الإخوان" في مصر.. كلها تجعل من كل معركة في الداخل السوري بحد ذاتها مشهداً يلف كل هذه السريالية الغريبة، التي ترقص على أجساد السوريين، وتبيح دماءهم في معارك السعي نحو السلطان والنفوذ.

2014/03/15

مستقبل العرب بعد تفكك الخليج

د. ليلى نقولا الرحباني

منذ فشل فكرة اعلان الاتحاد بين دول الخليج التي حاولت المملكة السعودية القيام بها في كانون الأول الماضي، الى محاولة عزل قطر من خلال سحب سفراء كل من السعودية والإمارات والبحرين من الدوحة، تسقط فكرة النظر الى الخليج ككتلة متراصّة أو ككيان سياسي  بسياسات خارجية موحدة.
أعلن عن قيام مجلس التعاون الخليجي عام 1980، أي مباشرة بعد نجاح الثورة الاسلامية في ايران، وكان الهدف المعلن له حماية شعوب دول مجلس التعاون الخليجي من التطورات السياسية والعسكرية التي تحدث في المنطقة، أما غير المعلن فهو الردّ على التحديات التي خلقتها نجاح الثورة الاسلامية وإحتوائها.
ومنذ ذلك الوقت ولغاية التطورات التي حصلت في العالم العربي بعد الانتفاضات، كانت السياسات الخارجية لدول الخليج متناسقة نوعًا ما، تسيطر عليها "الشقيقة الأكبر" السعودية. ولكن ما أن حلّ الخراب في معظم الدول العربية التي حصلت فيها "ثورات وانتفاضات"، حتى بدأ تقاطع المصالح الخليجية يفترق، وظهر الخلاف جليًا بعد التباين الحاصل بين الأخوان المسلمين والوهابيين في ظل أحلام كل من الفريقين بحكم العالم السنّي بمفرده.
واليوم تبدو السعودية الخاسر الأكبر من سياسة المحاور الخليجية، فقد كانت سياستها الخارجية أقوى بقدرتها على التأثير والنفوذ على خمس دول أصغر منها، تدور في فلكها "نظريًا". أما المستفيدان اقليميًا، فهما ايران وتركيا؛ حيث تجد الأخيرة لها في الدعم القطري المستمر للأخوان المسلمين حليفًا خليجيًا ثابتًا خاصة في ظل الاضطرابات التي تحصل في الداخل التركي، والتوتر في العلاقة مع الأميركيين.
أما ايران، فتبدو المستفيد الأكبر على الأطلاق، إذ خففت سياسة المحاور الخليجية من قدرة الخليجيين على احتواء ايران أو عزلها، فسلطنة عمان تتعاون معها وكان لها الباع الأكبر في تأمين "منتدى" للمفاوضات بين الأميركيين والايرانيين، وهي كانت الأجرأ بالمجاهرة برفض قيام اتحاد خليجي يجعل من المملكة العربية السعودية قائدة لمجموعة من ست دول وتكريس هيمنتها على الخليج، هذا بالاضافة الى أن زيارة الرئيس الايراني حسن روحاني الأخيرة الى مسقط، أشار الى أن العلاقات بين الدولتين اللتين تسيطران على مضيق هرمز، واللتين تتشاطران النظرة حول الحل في سوريا، ستكون أعمق وأمتن من ذي قبل، هذا بدوره انفصالاً أكبر لعُمان عن الدول الخليجية العربية، وخاصة المملكة العربية السعودية.
أما العزلة التي يحاول الخليجيون فرضها على قطر فستؤدي حتمًا الى زيادة التقارب بينها وبين ايران كونها النافذة المفتوحة لها خليجيًا، وهو ما سيؤدي الى تغيير سياسة قطر الخارجية تجاه سوريا، وبالتالي تفكيك أكبر للجبهة الخليجية ضد سوريا، ما يسهم في إراحة النظام السوري على أبواب انتخابات رئاسية قادمة، يضاف الى انجازات عسكرية للجيش السوري في يبرود واللاذقية وغيرها من المناطق.
هذا ناهيك عن أن العراق وسوريا باتتا -كدولتين- تجدان في الدعم الايراني ملاذًا من الهجمات الارهابية المدعومة من بعض الدول الخليجية. أما لبنان، وبالرغم من كل المحاولات التي قام بها المستقبل وحلفاؤه لإحتواء حزب الله، ومنها ضمّ رئيس الجمهورية ميشال سليمان الى صفوفهم، إلا أن المعركة حول البيان الوزاري وقدرة المقاومة على فرض وجهة نظرها في النهاية، أثبت بما لا يقبل الشكّ أن المقاومة وحلفاؤها ما زالوا ممسكين بكثير من المفاصل السياسية الأساسية في البلاد، وقبولهم بالتنازلات لصالح حكومة وحدة وطنية لا يعني أنهم فقدوا القرار على السيطرة على النتائج السياسية في البلاد، وهو ما يعزز الموقف الايراني بالتشارك مع السعوديين.
ويبقى للسعودية نفوذها الهام مع مصر كدولة عربية اقليمية وازنة وهامّة، كما يبقى دورها هامًا وتشاركيًا مع ايران في القضية الفلسطينية؛ فللسعودية دور في مساعي التوصل الى اتفاق فلسطيني اسرائيلي لتحقيق التسوية المقترحة أميركيًا، بينما تدعم ايران المقاومة الفلسطينية التي تشهد تراجعًا لدور حركة حماس الأخوانية "الملتزمة بالتهدئة"- كما صرح مسؤولوها في غزة- لصالح حركة الجهاد الاسلامي المدعومة من ايران، والتي قامت بالتصعيد مؤخرًا بقصف المستوطنات الاسرائيلية بالصورايخ.
وهكذا، يبدو أن الصراعات العربية العربية في الخليج، مع ما يدخل اليها من عوامل مستجدة من الانفتاح الايراني الغربي، وعلاقة الأميركيين المستجدة مع ايران، ستكون بلا شكّ لصالح الايرانيين وكل من العراق وسوريا في حربيهما على الارهاب، أما الخلاف المستتر الإخواني الوهابي، والذي برز الى العلن، فقد بات يهدد مجلس التعاون الخليجي بالتفكك والانهيار، لصالح نظام أمني اقليمي كانت قد اقترحته ايران سابقًا، كما سيؤدي في النهاية الى عزل المجموعات الارهابية التي تقاتل في سوريا والعراق، بسبب تبدّل توجهات السياسة الخارجية القطرية، والسياسة السعودية الجديدة بمكافحة الارهاب.

2014/03/13

أين لبنان من تشظيات الخلاف السعودي القطري؟

د. ليلى نقولا الرحباني

يعيش اللبنانيون على وقع الخلاف الحاصل في موضوع البيان الوزاري الذي يبدو أمرًا مفتعلاً أكثر منه طبيعيًا أو حقيقيًا، إذ إن الخلاف لا يمكن أن يكون بين اللبنانيين على مبدأ المقاومة، وحق لبنان في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي وهو أمر تكفله القوانين والمواثيق الدولية وتكفله الشرائع السماوية، وقد أيّده بيان وزراء الخارجية العرب، بالرغم من تباين العرب على كل شيء منها الموقف من اسرائيل، والموقف من حزب الله، والموقف من التطورات في الدول العربية التي شهدت انتفاضات وثورات.
وكان يمكن للبنانيين، استغلال الانفراج الحاصل على صعيد العلاقات مع المملكة العربية السعودية خاصة بعدما دفعت الرياض تيار المستقبل للقبول بالدخول الى الحكومة اللبنانية، والتنازل عن جميع الشروط التي وضعها سابقًا، ومنها خروج حزب الله من سوريا، وبعضهم من زايد فاشترط تسليم حزب الله لسلاحه ووضعه بأمرة الدولة اللبنانية، وبعضها سوّق لشرط تسليم المتهمين الخمسة الذين اتهمتهم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
وقد لا ينفصل الجدل حول البيان الوزاري لحكومة تمام سلام، عن التطورات على الساحة العربية وتبدّل المحاور، وبداية الحملة السعودية على الأرهاب، والتي تجّلت بقرار سعودي بإدراج تنظيمات عدّة ومنها الأخوان المسلمين والنصرة وداعش ضمن التنظيمات الارهابية المحظورة، وأقرنته بمحاولة فرض عزلة خليجية على أمارة قطر من خلال سحب السفراء والضغط على الموظفين الخليجيين للاستقالة من المؤسسات القطرية ومنها قناة الجزيرة. ويظهر أن القيادة القطرية قد قررت الردّ حيث تستطيع، وأرادت أن تفرض نفسها لاعبًا منافسًا للسعودية على الساحة العربية.
ويبدو أن الصراع الإخواني الوهابي، سيتمدد على مساحة العالم العربي، خاصة في البلدان التي تشهد نفوذًا للإثنين فيها، وقلّما نجد دولة عربية تخلو من نفوذ لإحدهما بشكل أو بآخر ولو اختلفت النسب. وقد يكون هذا الصراع، وخشية السعودية من عودة الارهابيين الى أرضها وتقويض استقرارها، بالإضافة الى خشيتها من تحالف اخواني - شيعي يطيح بنفوذها التقليدي في المنطقة، عاملاً مفجّرًا للأوضاع في بعض الأماكن، ومفيدًا لبعض القوى الأخرى، كالرئيس السوري بشار الأسد الذي أدّى صموده وصمود جيشه الى ظهور الخلافات بين حلفاء الأمس الذين تقاطعت مصالحهم ضده، ولكن ما أن فشلت حتى دخلت في حروب الغاء وإقصاء لبعضها البعض.
كل هذا قد يدفع الى إعادة خلط الأوراق في لبنان الذي لطالما دفع أثمانًا نتيجة الصراعات العربية العربية. فما الذي يمكّن توقّعه من الصراع العربي العربي، وتأثيراته على الساحة اللبنانية؟
أولاً: لا شكّ أن الحملة السعودية على الارهاب، ستفتح الباب أمام تيار المستقبل للدخول بقوة على خط احتواء القوى الراديكالية والتكفيرية في بيئته، والتي استفادت من الجو المأزوم بعد إقالة الحريري، والتسهيلات التي أمنّها لها الميقاتي، بالإضافة الى الصراع الدائر على مصراعيه في سوريا والذي لبس لبوسًا مذهبيًا وطائفيًا. وسيحاول تيار المستقبل استغلال هذه الحملة لاسترجاع قاعدته الانتخابية بعدما ظهر أن غياب الحريري عن الساحة، قد جعل تأييدها له يتضاءل لصالح قوى استطاعت اللعب على وتر الغرائز المذهبية، ومنها بعض المحسوبين عليه كاللواء أشرف ريفي وغيره.
ثانيًا: إن محاولة عزل قطر خليجيًا سيدفعها للهروب الى الإمام والانفتاح على النافذة المفتوحة لها اقليميًا، وهي النافذة الايرانية، التي ستشترط لفكّ العزلة القطرية أن يتمّ تغيير سياسة قطر السورية، وبدء تنسيق - ولو غير معلن في البداية- مع القيادة في سوريا.
 وقد تؤدي سياسة العزل الخليجية لقطر الى عودة الى سياسة الغزل القطرية - الشيعية التي سادت الساحة اللبنانية بعد حرب تموز 2006، وهذا قد يدفع قطر الى أن تضغط على المجموعات التابعة لها لعدم شنّ هجمات انتحارية في الداخل اللبناني، وهو ما سيؤدي الى إراحة الوضع الداخلي وتخفيف التشنج المذهبي الذي كانت تسببه تلك الهجمات خاصة بعد صدور تبريرات سياسية لها من هنا وهناك.
بكل الأحوال، ومهما كانت الذرائع الكامنة وراء القرار السعودي بمحاربة الأرهاب، أو جزء منه، فإن هذه الحرب السعودية على المجموعات الارهابية كالنصرة وداعش وغيرها، كما حاجة قطر الى الانفتاح على ايران وحزب الله، ستؤدي الى كشف الغطاء السياسي عن الارهابيين االذين يجدون من يحميهم في كثير من المناطق كعرسال والمخيمات الفلسطينية. وهكذا قد يكون الحصاد اللبناني من الصراعات العربية العربية، ولأول مرة، مفيدًا من الناحية الامنية، شرط تحلي اللبنانيين بالحكمة السياسية لتفادي تشظياته.

2014/03/06

دولة داعش... نموذج اوكراني سوري!!

د. ليلى نقولا الرحباني

لا يكد يمرّ يوم إلا ونقرأ في الصحف العربية والتحليلات السياسية الموالية للغرب حديثاً عن ترابط بين الملف الأوكراني والسوري، للتأكيد على أن ما يربحه بوتين في أوكرانيا سيؤدي إلى تساهله في سوريا، أو أن السيناريو الأوكراني يمكن أن ينسحب على الملف السوري، أي تقسيم سوريا واقتطاع أجزاء منها؛ كما يحصل الآن في أوكرانيا.

إذا سلّمنا جدلاً بأن هذه السيناريوهات محتملة، خصوصاً في ظل تصريح حديث للرئيس الأميركي باراك أوباما بأن روسيا وإيران وحزب الله يخسرون في سوريا، فما هي النتائج التي يمكن أن تؤدي إليها هذه السيناريوهات - المراهنات؟

أولاً- في تساهل بوتين في الملف السوري: إن الحديث عن أن أوراق بوتين في سوريا أقل قدرة مما هي في أوكرانيا، وإنه سيحاول دفع الأمور إلى التهدئة مع الغرب من خلال التنازل لهم في الملف السوري، تدل على قصور في القدرة على تحليل المعطيات الميدانية وشخصية صاحب القرار الذي يتمّ الحديث عنه.

واقعياً، لا المعطيات الميدانية في الداخل السوري تعطي أرجحية لمجموعات مقاتلة مفتتة تتآكلها حروب التكفير بين بعضها البعض، ولا الظروف السورية توحي بأن حلفاء النظام السوري سيتنازلون عن مكاسبهم، بعدما بات الوقت والميدان يلعبان لصالحهم، ولا شخصية بوتين توحي بأنه يخشى التهويل الغربي أو التهديدات التي يطلقها الأميركيون. أما العقوبات الاقتصادية التي يهدد بها الغرب، فيبدو أن بوتين لا يهتم لها، فتراجع الروبل الروسي أمام الدولار واليورو بعد أزمة أوكرانيا أدّى إلى تدهور أسواق المال في أوروبا أيضًا، إذ تستثمر شركات أوروبية بكثافة في روسيا، بفضل معدلات نمو أفضل منها في دولها.

وهكذا، يتوهم من يعتقد أن نجاح بوتين في الدفاع عن المصالح الروسية في الجغرافيا الأوكرانية سيؤدي إلى عقدة ذنب تجاه الغرب، فيعطي في الملف السوري ما لم يستطع الغرب تحقيقه في سنوات ثلاث من القتال في سورية، واستخدام كل أدوات الضغط المختلفة.

ثانياً- في "التبشير" بتقسيم سورية وانفصال بعض المناطق كما حصل في الملف الأوكراني: وهو سيناريو كارثي سيدفع ثمنه الغرب والشرق معاً. إن خريطة المعارك في سورية التي عرضها البرنامج الأميركي العسكري الشهير "Frontline" في منتصف شباط المنصرم، تشير إلى سيطرة النظام على أجزاء كبيرة وشاسعة من سورية، وأن مناطق سيطرة "المعارضة" تبدو كبؤر جغرافية محاصَرة كلياً من الجيش السوري والقوى الموالية له، أما المناطق التي تخرج عن سيطرة النظام ولا تبدو محاصرة منه فهي مناطق الأكراد (المتحالفين مع النظام السوري) ومناطق الدولة الاسلامية "داعش".

ويتحدث التقرير الذي يستند إلى الخريطة عن انقسام المعارضة إلى حوالى 5000 مجموعة بدون تحالفات ثابتة، وأن النظام السوري يسيطر على أجزاء واسعة جداً من الأراضي السورية، ويحاصر المعارضة في كثير من المناطق؛ قاطعاً عنها الإمداد والسلاح. هذا الواقع - حتى لو سلّمنا أن صحته لا توازي 100% من الوقائع الميدانية على الأرض - يؤكد أن مَن يستفيد من التقسيم، طرفان:

- الأكراد الذين سيستعيدون حلم قيام دولة كردية مستقلة، بعدما تحقق لهم الحكم الذاتي في العراق والسيطرة على مناطق كبيرة من سوريا، ما سيدفع إلى تغذية النزعات الانفصالية عن تركيا، وهو ما يهدد الأمن القومي التركي، وهي العضو في حلف "الناتو"، والشريكة الأساسية في مشروع السيطرة الغربية على سوريا.

- "القاعدة" بمسمياتها المختلفة، والتي ستحصل على جزء من الأراضي السورية على الحدود العراقية ومجاورة للمحافظات العراقية التي تتمتع فيها "القاعدة" بنفوذ هام. وهكذا، يكون الغرب وبعض الدول العربية الساعية بقوة إلى "نجاح ما" في الملف السوري، قد صنعت دولة لـ"القاعدة"، التي ستحاول التمدد نحو دول عربية أخرى، منها المملكة العربية السعودية والأردن.

من هنا، وإن كان العرب بشكل عام تحرّكهم سياسات الحقد والتشفي، وقد يخرج منهم مَن يقول "تكفير داعش ولا النظام السوري"، فإن الغرب تحرّكه سياسة المصالح، ولا يبدو أن هناك مصلحة للغرب ولحلفائه في تقسيم سوريا بعد التطورات الميدانية التي حصلت خلال السنتين المنصرمتين، ويبقى أن مَن يجاهر بتفضيل "داعش"، أو يعتقد أن هناك خطة واضحة للغرب والأميركيين وأنهم يعرفون كيف ينهون النزاع السوري لمصلحتهم، فهو يستحق الشفقة فعلاً.

2014/03/02

من اوكرانيا الى الشرق الأوسط: سياسات ارتجالية وعاجزة


د. ليلى نقولا الرحباني
ينتظر الكثير من السياسيين والمحللين في العالم والمنطقة كيف سيتعامل فلاديمير بوتين مع القضية الاوكرانية للقياس على كيفية تعامله مع القضية السورية، خاصة في ظل الهجمة المرتدّة التي انتهجها الغرب في القضيتين في ظل انشغال بوتين بالالعاب الاولمبية الشتوية والتهدئة التي حاول فرضها خلال تلك الالعاب.
ولعل السياسة الغربية في كل من اوكرانيا وسوريا أظهرت بشكل واضح أنها أرادت استغلال الموقف في كل من اوكرانيا وسوريا، ولكن ها هي الالعاب الاولمبية في سوتشي قد انتهت، وتحرر بوتين من سياسة التهدئة وبات بامكانه أن يتوجه بسياسة انتقامية عقابية في القضايا التي يعتبر انه حصل فيها تعدٍ على مصالح روسيا خلال تلك الفترة.
في اوكرانيا، تطورت الامور الميدانية بشكل دراماتيكي ما دفع بالرئيس الاوكراني الى صدام مع المحتجّين، وبالتالي قبول تسوية سرعان ما التف عليها الغرب دافعًا أنصاره الى التهديد بانقلاب عسكري، أدّى الى هروب الرئيس الاوكراني من البلاد وعزله من قبل البرلمان الاوكراني، الذي دفع الأمور الى تحدي الروس بشكل مباشر من خلال الاجتماع يوم الأحد - في استعجال غير مبرر- ليصوّت على قرار يلغي بموجبه وضع اللغة الروسية في أوكرانيا باعتبارها لغة وطنية ثانية في نصف البلاد تقريبًا، كما يمنع بث القنوات غير الناطقة باللغة الاوكرانية، مما يؤشر الى محاولة تضييق على المواطنين الروس الذين يعدّون أغلبية في جنوب وشرق البلاد، وحرمانهم من حقوقهم الثقافية كمجموعات.
أما في سوريا، فقد حاولت الولايات المتحدة الأميركية ومعها الاوروبيين ان يدفعوا بقرار جديد في مجلس الأمن، مستغلّين توقيت انشغال بوتين لتمرير قرار "إنساني" في مجلس الأمن أرادوا منه أن يكون نافذة لتدخل عسكري في سوريا، أو لتمرير السلاح الى المسلحين وفك الحصار عنهم في بعض المناطق المحاصرة، إلا أنهم فشلوا في ذلك، فتمّ اقرار القرار 2139 في مجلس الأمن بدون عقوبات تلقائية أو تدابير تلقائية ضد الحكومة السورية في حال عدم تنفيذه. وبالتزامن، سرت أخبار وتقارير تمّ تسريبها الى الصحافة عن الاستعداد لفتح جبهة جديدة في الجنوب السوري على الحدود المشتركة مع الأردن، لشنّ حرب نفسية على النظام السوري والقول ان موازين القوى الميدانية ما زالت لصالح المعارضة السورية المدعومة من الغرب الذي سيستغل انشغال بوتين بهجوم على دمشق وإطاحة النظام السوري كما أطاح بالرئيس الاوكراني.
لكن، ما لم يحسب له الغرب حساب، هو أنه استطاع أن يربح جولة في اوكرانيا ولكنه لا يستطيع أن يربح الحرب؛ فالتاريخ والجغرافيا والديمغرافيا تجعل من أوكرانيا امتداد طبيعي لروسيا، ويمتلك الروس مفاتيح عدّة للتأثير والضغط على اوكرانيا، وبيدهم القدرة على انتشال اوكرانيا من الهاوية الاقتصادية، أو التسريع في انهيارها كليًا لتصبح دولة مفلسة بكل معنى الكلمة علما أن الاتحاد الاوروبي يبدو عاجزًا أو غير قادر على إنقاذ اوكرانيا إلا بواسطة صندوق النقد الدولي الذي سيدفع السلطات الاوكرانية الى اعتماد سياسات تقشفية مؤلمة في الداخل، قد تدفع الى مزيد من عدم الاستقرار السياسي. بالاضافة الى الاقتصاد، يمتلك الروس الكثير من القدرات السياسية والجغرافية والديمغرافية التي تسمح بالحفاظ على وحدة اوكرانيا أو تفكيكها.
وكما في اوكرانيا، كذلك في باقي بلدان العالم تغلب السمة الارتجالية على سياسات الغرب والأميركيين، فهم يكتفون بما يحصدونه اعلاميًا او بما يستطيعون أن يسببوه من عدم استقرار في المناطق التي يتدخلون فيها، ولكن التجارب أثببت أنهم باتوا أعجز من أن يستطيعوا تقديم حلول متكاملة والسير بالبلدان التي يتدخلون فيها الى تأسيس مؤسسات ديمقراطية فاعلة ومستقرة، فها هو العراق تركه الاحتلال فريسة للارهاب وعدم الاستقرار الأمني والسياسي والفساد، وها هي افغانستان ستُترك لمصيرها يتنازعها الفقر والعوز والارهاب وقد يؤدي الى عودة طالبان الى الحكم، وها هي ليبيا ومصر.... أما في سوريا، فحدث ولا حرج، دخل الغرب والعرب في حرب على سوريا لا يستطيعون الانتصار فيها، ولا يعرفون كيف ينهونها، ومجرد الحديث الغربي بأن السيناريو الاوكراني يمكن أن ينسحب على سوريا، يدل على جهل قائله، وعدم معرفته بخصوصيات منطقة الشرق الأوسط، وتشعبات الارهاب فيها.