2024/04/27

"طريق التنمية" خطوة نحو إقامة "القرن التركي"؟

بعد انقطاع دام 13 عاماً، عاد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى زيارة العراق، ووقّع مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني اتفاقية استراتيجية، تشمل عدداً من القضايا التي تهم البلدين، والتي تُعَدّ من المسائل الحيوية في الأمن القومي والتنمية الاقتصادية لكلا البلدين.

 

وبالإضافة إلى "طريق التنمية" الذي تمّ توقيعه، طغت المسائل الشائكة على المحادثات بين البلدين، وأهمها قضية المياه التي تهم العراقيين بصورة أساسية، وتصدير النفط العراقي، وقضية حزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا في "قوائم الإرهاب"، والتي تهم الأتراك لما يَعُدّونه تهديداً لأمنهم القومي.

 

لا شكّ في أن مراقبة الحركة التركية دبلوماسياً وسياسياً، في المنطقة، تشي بأن الأتراك يسيرون في المشروع الذي أعلنه إردوغان في الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية، وهو مشروع القرن التركي.

 

1ما هو مشروع القرن التركي؟

هو مشروع طموح تهدف من خلاله تركيا إلى "إقامة جسر بين الماضي والمستقبل"، كما قال الرئيس إردوغان. وحدد إردوغان هذا المشروع بأنه "خريطة طريق شاملة، من شأنها أن ترفع (تركيا) فوق مستوى الحضارات المعاصرة". وأكد إردوغان أن الغرب كحضارة يتلاشى، وبالتالي فإن تركيا يمكنها استخدام تاريخها وقوتها لتحقيق ما سمّاه "محور تركيا".

 

أما وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، فقال إن "قرن تركيا" هو استراتيجية تواجه فيها تركيا عالماً يتسم بديناميكيات جيوسياسية سريعة التغير مقترنة بتحديات عالمية متزايدة باستمرار. لذا، تسعى تركيا لأن تكون دولة إقليمية قائدة ولأن تستفيد من "تحوّل النظام الإقليمي، وتساهم في إقامة نظام دولي تعددي وأكثر شمولاً".

 

2تنفيذ "القرن التركي" في الشرق الأوسط

من خلال زيارة الرئيس التركي للعراق، يحاول الأتراك العودة إلى تصفير المشكلات في المنطقة، والاستفادة من التحولات فيها لجعل تركيا مركزاً لمشاريع التنمية، ولخطوط أنابيب الغاز إلى أوروبا.

 

لا شكّ في أن الأبرز في الاتفاقيات، التي وُقعت بين كل من تركيا والعراق، هو بدء مشروع "طريق التنمية"، وهو عبارة عن طريق برية وسكة حديد تمتد من العراق إلى تركيا وموانئها، ويبلغ طوله 1200 كيلومتر داخل العراق، ويهدف إلى نقل البضائع بين أوروبا وكل من قطر والإمارات العربية المتحدة.

 

أما الأمر الثاني فهو الاتفاقية الأمنية، التي تشرّع التدخل التركي المستمر منذ زمن في الأراضي العراقية لقتال حزب العمال الكردستاني، الذي أعلنه العراق "منظمة إرهابية"، والذي لطالما قامت تركيا بانتهاك السيادة العراقية فيما تعدّه حقاً لها لحفظ أمنها القومي.

 

هذه المكاسب الاستراتيجية، وحاجة تركيا إلى الانتهاء من التهديد الكردي، دفعت الأتراك إلى التنازل وقبول الحديث عن هواجس العراقيين في موضوع المياه، عبر تشكيل لجان لبحث الأمر، والذي عدّه الرئيس إردوغان مرتبطاً بهدر المياه وعدم ترشيد استخدامها، بينما يرى العراق أن بناء السدود التركية على النهرين المشتركين (دجلة والفرات) أثّر في تدفق المياه إلى العراق، وخصوصاً بعد إنجاز تركيا بناء سد كيبان -وهو أحد السدود الضخمة - وتخزين المياه فيه، الأمر الذي أدى إلى نقص المياه في العراق إلى حد كبير، وبعدها قام الأتراك ببناء سد إليسو، الذي افتُتح عام 2018، وجعل المناطق العراقية تعاني التصحر والجفاف.

 

هذا في زيارة إردوغان للعراق. أما القضية الأخرى، التي تريد تركيا من خلالها تكريس نفوذها في الشرق الأوسط، فهي القضية الفلسطينية، والتي دخلتها تركيا مجدداً من بابها العريض، عبر استقبال إسماعيل هنية في تركيا، وزيارة هاكان فيدان لقطر.

 

تسعى تركيا حالياً لأن تشكّل "دولة ضامنة سياسياً وعسكرياً" لقطاع غزة فيما بعد الحرب. وإن نجحت في ذلك، فهذا يتيح لها الحضور بفعالية في شرقي المتوسط، مع ما يحويه من مكاسب استراتيجية ومتعلقة بتصدير الغاز إلى أوروبا، والذي تطمح تركيا إلى أن تصبح هي الممر والمركز لهذا الغاز.

 

في النتيجة، تنظر أغلبية الأطراف الفعّالة في المنطقة إلى الاستفادة من مشاريع التنمية المتعددة والمتنافسة فيها، والتي تهدف إلى ربط الخليج بأوروبا، والتي كانت الولايات المتحدة تسعى لتمريرها عبر "إسرائيل" وميناء حيفا، بينما تسعى تركيا لتشكيل بديل ملائم وأكثر جدوى ومقبولية من الممر الإسرائيلي نحو أوروبا، الأمر الذي يسمح لها بتطبيق استراتيجية طموحة بعنوان "القرن التركي"، لتصبح دولة قائدة في المنطقة، ومنها تجلس إلى طاولة الكبار في العالم (بحسب التصورات التركية). 

2024/04/20

بين الردّ الإيراني والردّ الإسرائيلي... سقوط "تفوّق" الدعاية الإسرائيلية

رداً على استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق، قامت إيران بردٍ بمسيّرات وصواريخ على "إسرائيل"، أصابت بعضها قاعدتين إسرائيليتين انطلقت منهما الطائرات التي أغارت على القنصلية، بحسب ما أعلن وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان.

 

وبالرغم من ادّعاء الرئيس الأميركي ودعوته الإسرائيليين إلى عدم الردّ لأنّ "العملية الإيرانية فشلت" وبالتالي كان هناك "نجاح إسرائيلي"، لكنّ الإسرائيليين أصرّوا على الردّ معتبرين أنّ عليهم "استعادة الردع" مع إيران.

 

وليل 19 نيسان/أبريل نقلت واشنطن بوست عن مسؤول إسرائيلي أنّ "إسرائيل قامت بالردّ على إيران وضرب أصفهان"، بينما أكد الإيرانيون أن الدفاعات الجوية الإيرانية أسقطت عدة مسيّرات صغيرة بمضادات أرضية على ارتفاع منخفض جداً، في محافظة أصفهان وسط البلاد.

 

بمتابعة ما جرى على وسائل الإعلام وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي، بعد الردّ الإيراني على "إسرائيل" والردّ الإسرائيلي "المفترض" على إيران، والذي وصفه المتطرّف الإسرائيلي إيتمار بن غفير بالـ "مسخرة"، يمكن القول إن الدعاية والبروباغندا التي لطالما اشتهرت بها "إسرائيل"، هي الأخرى قد تراجعت، وسقطت نظرية "التفوّق" التي لطالما اشتهرت بها "إسرائيل" في السابق.

 

1-ما هي الدعاية؟

تعرّف الدعاية على أنّها معلومات يتمّ نشرها للتأثير أو التلاعب بمعتقدات أو مواقف أو أفعال مجموعة من الناس، وغالباً ما تستخدمها الحكومات من ضمن حرب المعلومات التي تستهدف فيها أعداءها وجمهورهم، ولتعزيز سرديتها الخاصة.

 

تتخذ الدعاية أشكالاً عديدة، منها الرسائل المكتوبة أو المقروءة والصور والرموز، وتنشر عبر وسائل مختلفة، مثل الصحف والإذاعة والتلفزيون والإنترنت، والوسيلة التي باتت الأكثر أهمية والأكثر رواجاً هي وسائل التواصل الاجتماعي.

 

ومن المهم الملاحظة أنه من السهل الوقوع في فخ الدعاية من دون علم المتلقّي، علماً أنّ هناك فرقاً كبيراً بين الدعاية والإقناع المشروع، وهو جزء طبيعي من الخطاب الديمقراطي، ويعتمد على الحقائق والأدلة والحجج المنطقية. ففي حين تهدف الدعاية إلى التلاعب بالمشاهد وقناعاته، يهدف الإقناع المشروع إلى إعلام الجمهور وتثقيفه.

 

2-الدعاية الإسرائيلية propaganda

لطالما اشتهرت "إسرائيل" بتفوّقها في مجال الدعاية والحرب النفسية، وذلك عبر الوحدة 8200 والتي تقوم بشنّ حروب إلكترونية إما للتجنيد أو للابتزاز أو لنشر معلومات مضلّلة أو شائعات، وهي معلومات خاطئة أو مضلّلة يتمّ نشرها عمداً لخداع الناس وتوجيه الرأي العام.

 

ولعلّ العامل الأخطر في وسائل الدعاية والتضليل هي تلك التي تستخدم معلومات حقيقية لكن يتمّ تقديمها بطريقة متحيّزة أو مضلّلة، أو يتمّ تمرير معلومة مضلّلة ضمن سلسلة من الحقائق بحيث يصعب تمييزها.

 

ولقد استخدمت الوحدة الإسرائيلية تلك الدعاية في كثير من الأحيان لنشر الكراهية والتعصّب بين العرب، وبين المسيحيين والمسلمين وبين المذاهب الإسلامية. وذلك تطبيقاً للاستراتيجية الإسرائيلية التي اعتبرت أن تعزيز الكراهية بين المسلمين، وتعزيز الصراع السنّي الشيعي هو هدف استراتيجي لـ "إسرائيل"، وكما تمّ الإعلان عن ذلك صراحة في مؤتمرات هرتسيليا 2008-2013.

 

في العام 2008، ناقش مؤتمر هرتسيليا عنوان "الشرخ الشيعي ـــــ السني، جذوره وأبعاده الاستراتيجية"، وخلصت توصيات المؤتمر إلى أنّ "من مصلحة إسرائيل أن تسهم في تذكية ذلك الصّراع".

 

وفي العام 2013، خلصت توصيات المؤتمر إلى "ضرورة تكريس الصراع السني ـــــ الشيعي، من خلال السعي إلى تشكيل محور سنّي من دول المنطقة، أساسه دول الخليج ومصر وتركيا والأردن، ليكون حليفاً لـ "إسرائيل" والولايات المتحدة، في مقابل "محور الشر" الذي تقوده إيران، والذي سيكون، محوراً للشيعة. (بحسب نص توصيات مؤتمر هرتسيليا 2013).

 

وعلى هذا الأساس، يمكن لنا أن نفهم الدور الذي أدّته الدعاية الإسرائيلية بعد الردّ الإيراني على ضرب القنصلية، حيث انطلقت بداية إلى تسخيف الردّ باعتباره "مسرحية"، ثم انتقلت إلى القول إنّ الدول العربية في الخليج ساهمت بإسقاط المسيّرات والصواريخ الإيرانية دفاعاً عن "إسرائيل"، وإن هذا يعني أنّ التحالف الإسرائيلي العربيّ وما كان يسمّى الناتو العربي لمواجهة إيران بات أقرب من أيّ وقت مضى. لاحقاً، تمّ كشف زيف هذه الأخبار، بعدما اعترف الإسرائيليون أنفسهم بحجم الضربة "غير المسبوقة"، واتصال المسؤولين الخليجيّين بالإيرانيين معلنين زيف تلك الادّعاءات.

 

أما ما يُسمّى "الردّ الإسرائيلي على إيران" عبر مسيّرات على أصفهان، فمن الملاحظ مسارعة وسائل الإعلام الغربية ووسائل المعارضة الإيرانية (التي نقلت عمّن أسمتهم شهود عيان) إلى تضخيم الحدث، ويمكن أيضاً ملاحظة أنّ الوسائل والحسابات نفسها على وسائل التواصل التي اعتبرت الردّ الإيراني "مسرحية"، قامت بتضخيم متعمّد وسريع جداً لحجم الردّ الإسرائيلي، ليتبيّن بعدها أنّ تلك المعلومات كانت مضلّلة تستهدف الجمهور الذي تفاعل مع الخبر بطريقة سريعة كما يحصل عادة في أخبار الحروب والتسابق إلى السبق الإخباري أو الصحافي، وسرعان ما تبيّن زيفه.

 

في النتيجة، بات العالم الافتراضي ووسائل التواصل ساحة حقيقية لحرب تحصل بالتوازي مع الحرب العسكرية الدائرة في غزة اليوم، ولكنّ الأكيد أيضاً أن نظرية "التفوّق" الإسرائيلي في التضليل وفرض السرديات بات من الماضي، تماماً كما سقوط نظرية "الجيش الذي لا يُقهر". 

2024/04/15

بعد الردّ الإيراني.. الحذر وإلا حرب كبرى

كما كان متوقعاً، قامت ايران بتنفيذ عملية انتقامية بهجوم واسع النطاق على "اسرائيل" عبر مسيّرات وصواريخ باليستية، قام الاميركيون والبريطانيون والفرنسيون والأردن بمساعدة اسرائيل على اسقاط معظمها، قبل أن تصل أهدافها.

وتعدّ هذه هي المرة الأولى التي يتواجه فيها الطرفان مباشرة خلال الصراع الطويل بينهما، والذي اتخذ شكل "الحروب بالوكالة" وحرب "المناطق الرمادية" التي تعرّف بأنها أنشطة تستهدف العدو من خلال أنشطة غامضة قابلة للانكار، لا يمكن اسنادها الى فاعل محدد، ويتمّ تنفيذها عبر هجمات مختلطة من قبل مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة.

ومن الواضح من خلال ما كشفه وزير الخارجية الايراني حسين أمير عبد اللهيان من أن ايران أرادت أن تنفذ ضربة محدودة وأن الايرانيين أبلغوا دول الجوار بالضربة قبل 72 ساعة من الهجوم. وهذا يتطابق مع ما كشفه الاتراك من أن وزير الخارجية التركية حقان فيدان كان وسيطاً بين طهران وواشنطن خلال الأيام التي سبقت العملية الإيرانية. وذكر مصدر دبلوماسي تركي أن الولايات المتحدة "نقلت إلى إيران من خلالنا أن رد الفعل هذا يجب أن يكون ضمن حدود معينة"، وأن ايران ردّت بأن "تحركها سيكون رداً على هجوم إسرائيل على سفارتها في دمشق وإنها لن تتجاوز ذلك".

عملياً، بعد قصف القنصلية الايرانية في دمشق، تنبهت ايران الى أن الوسائل السابقة للصراع مع "اسرائيل" لم تعد تتميز بنفس قوة الردع التي كانت عليه في السابق، وبالتالي إن سياسة "الصبر الاستراتيجي" الايراني باتت تغري اسرائيل لتوسيع اعتداءاتها على الايرانيين.

ولا شكّ أن عوامل عدة باتت تغري الاسرائيليين بالتوسع في عدوانهم في المنطقة، أبرزها:

1-  تداعيات السابع من أكتوبر التي باتت "اسرائيل" تظهر فيها ضعيفة مشرذمة غير قادرة على تحقيق انتصار عسكري على مجموعات مقاتلة محاصرة في قطاع غزة منذ عقود. لذا هي تحتاج الى شيء دراماتيكي لإظهار القوة والهيبة.

2-  اعتقاد اسرائيلي بأن إيران لن ترد.

الصمت الايراني السابق والردّ على الاعتداءات الاسرائيلية عبر آليات غير مباشرة، والرد بالوكالة، أغرى بالفعل إسرائيل على توسيع استهدافاتها، معتمدة على تاريخ من الصبر الاستراتيجي الإيراني الذي بات يُفهم خطأ أنه ضعف وتردد في خوض غمار الحرب.

3-  تراجع قدرة الاميركيين على تشكيل عامل ضغط على الاسرائيليين حيث تبدو الادارة الاميركية الحالية ضعيفة مترددة أمام نتنياهو.

4-   الصمت الغربي والدعم والتأييد الذي يقدمه الغرب الى اسرائيل في ظل ارتكابها الابادة في غزة، ما أغرى الاسرائيليين بأنهم يستطيعون أن يقوموا بما يشاؤون بدون محاسبة أو إدانة، وانهم مهما فعلوا سيستمر بالغرب في تأييدهم. وهذا ما كان واضحاً بالفعل من خلال عدم إدانة الدول الغربية لضرب القنصلية الايرانية في دمشق، والمواقف الاوروبية التي أدانت ردّ الفعل الايراني والتي اعتبرته "هجوماً غير مبرر".

 

عملياً، لقد دخلت منطقة الشرق الاوسط مرحلة جديدة كلياً بعد الهجوم الايراني المباشر على اسرائيل، وبات على جميع الاطراف أن تحتسب أفعالها وخطواتها بدقة متناهية، فإن أي خطوة غير محسوبة قد تؤدي بالمنطقة الى حرب اقليمية لا أحد يريدها ولا أحد يستطيع ضبطها.


 

غزة ومعركة إصلاح الديمقراطية الأميركية


كأن ما يعانيه الرئيس الأميركي جو بايدن من إحراج انتخابي وسياسي في الولايات المتحدة الأميركية ليس كافياً، ليخرج منافسه الرئيس السابق دونالد ترامب، فيتهمه بالتخلي عن "إسرائيل"، ويقول: "بايدن فقد السيطرة تماماً على الوضع في إسرائيل. لقد تخلى عن إسرائيل… أي شخص يهودي يصوت لديمقراطي أو يصوت لبايدن، يجب أن يتم فحص رأسه".

 

عملياً، فرضت حرب غزة إيقاعها على الانتخابات الأميركية في سابقة لم تعهدها الانتخابات الأميركية من قبل، إذ إنّ الاقتصاد والأمور الداخلية غالباً ما تكون هي المعيار الحاسم في المنافسة الانتخابية، ولا تشكّل السياسة الخارجية الأميركية عاملاً أساسياً في الانتخابات إلا إذا كانت تعني الناخبين الأميركيين مباشرة.

 

في العصر الحديث، شكّلت حرب العراق مادة للتجاذب الانتخابي عام 2008، بسبب رغبة الجمهور الأميركي في عودة الجنود الأميركيين إلى منازلهم، وخصوصاً بعد مقتل الآلاف منهم. وهكذا، طرح المرشح الديمقراطي باراك أوباما برنامج "الأمل" لإعادة الجنود إلى منازلهم وإنهاء الحرب. وبالفعل، قام عام 2011 بإعلان انتهاء العمليات العسكرية في العراق وسحب الجيش الأميركي بعد فشل التوصل إلى اتفاق مع العراقيين على تمديد مهمة القوات.

 

أما اليوم، فتشكّل حرب غزة عاملاً أساسياً في الانتخابات الأميركية، ليس في برامج المرشحين المتنافسين، بل داخل الحزب الديمقراطي نفسه، وتهدد بخسارة محققة لجو بايدن ضد غريمه دونالد ترامب الذي تبدو حظوظه أوفر في ظل تماسك قاعدته الشعبية، وتوافق آراء الجمهوريين بشكل عام مع طروحاته، سواء في القضايا الداخلية أو في دعم "إسرائيل".

 

لا شكّ في أن الديمقراطية الأميركية والنظام الانتخابي الأميركي فريد من نوعه من ناحية قدرة اللوبيات على دعم المرشحين والتأثير في النتائج الانتخابية، كما يتأثر بالمال، إذ تعتبر قدرة المرشحين على جمع المال جزءًا أساسياً من نجاح حملاتهم الانتخابية.

 

وبناءعليه، ما تأثير حرب غزة؟ وكيف ستؤثر في الديمقراطية الأميركية بشكل عام؟

 

تأثير المال واللوبيات

لطالما عُرف النظام الأميركي بسيطرة اللوبيات والمال، إذ يشير العديد من الباحثين والسياسيين الأميركيين إلى أن المال قوّض الديمقراطية الأميركية الحقيقية، وأن اللوبيات باتت تسيطر على القرار الخارجي الأميركي، وخصوصاً اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة (أيباك)، الذي يستطيع أن يقتصّ من معارضيه من النواب بمنع انتخابهم أو التجديد لهم، إضافة إلى قدرته على تحقيق شبه إجماع على تأييد "إسرائيل" في الكونغرس والسياسة والإعلام والجامعات وغيرها.

 

وربما تكون الإبادة التي حصلت في غزة قد أعادت تسليط الضوء وبقوة على تأثير اللوبي اليهودي، وعلت الأصوات المعترضة على تأثيره وقدرته على منع الاعتراض الشعبي من تحقيق أي اختراق على مستوى النواب الذين يخشون على مستقبلهم السياسي، وكشفت كيف يتمّ تقويض الديمقراطية عبر منع الاعتراض على سياسات "إسرائيل"، وخصوصاً بعد طرد مسؤولي الجامعات في بلد هو رمز الحريات والديمقراطية وحرية التعبير.

 

- انفصال النخب عن القواعد الشعبية

كانت انتخابات عام 2016 تاريخية في الولايات المتحدة، إذ يتم اللجوء إليها كمثال عن انفصال النخب عن القواعد الشعبية وعدم الأخذ بما تريده بعين الاعتبار. في ذلك الوقت، أصرّت النخب في الحزب الديمقراطي على ترشيح هيلاري كلينتون، التي كان معظم ناخبي الحزب الديمقراطي لا يؤيدونها ويحمّلونها مسؤولية مقتل السفير الأميركي في ليبيا، وبعضهم يعتبرها "داعية حرب".

 

وبالرغم من الاعتراضات الشعبية داخل الحزب، وقيام مجموعات كبيرة بالدعوة إلى ترشيح بيرني ساندرز مكانها، أصرت النخب في الحزب الديمقراطي على ترشيحها متحدية الأصوات الشعبية الاعتراضية، ما دفع الكثير من ناخبي الحزب إلى الامتناع عن التصويت، وفاز دونالد ترامب.

 

واليوم، تحاول نخب الحزب الديمقراطي تكرار الخطيئة السابقة بالإصرار على ترشيح جو بايدن الذي أظهرت الانتخابات التمهيدية أن نسب "غير الملتزمين" بالتصويت له كبيرة جداً، وأن حظوظه بالفوز ضئيلة.

 

وهكذا، ومع تزايد حجم الاعتراض داخل الحزب الديمقراطي على ترشيح بايدن، لما يعتبرونه مساهمته ودعمه للإبادة في غزة، تحاول الإدارة الأميركية، ومعها النخب في الحزب الديمقراطي، ابتزاز الناخبين الديمقراطيين، عبر دعوتهم إلى التصويت لجو بايدن، والتهويل عليهم بأن امتناعهم سوف يكرر نتائج عام 2016، ويجعل دونالد ترامب يفوز بالانتخابات.

 

ولعل اللافت في هذه الحركة الشعبية الاعتراضية داخل الحزب الديمقراطي أن العديد من هؤلاء يعتبرون أن فوز دونالد ترامب هو أحد أهون الشرور، وأنه ضروري لإعادة الديمقراطية إلى داخل حزبهم، إذ تكون درساً للنخب الحاكمة للعودة للاستماع إلى صوت الناخبين، وهو الأساس في الديمقراطية، حيث يكون الشعب مصدر السلطة، ويتم الأخذ برأيه في نوابه وممثليه في السلطات.

 

في المحصلة، لقد حرّكت حرب غزة المياه الراكدة في الغرب، وجعلت تأييد "إسرائيل" مكلفاً بدل أن يكون ورقة رابحة صافية يلجأ إليها المسؤولون في الغرب لكسب النفوذ والحصول على الدعم المادي وتأييد اللوبيات التي تسيطر على الإعلام والشركات الكبرى الممولة للحملات الانتخابية..

 

وما الإحراج والكلام المزدوج الذي يقوم به الرئيس الأميركي جو بايدن وإدارته حول دعم "إسرائيل" والادعاءات الكلامية بالغضب من نتنياهو وضرورة حماية المدنيين سوى دليل على أن حرب غزة استطاعت فرض نفسها وبقوة في مواجهة سطوة المال واللوبيات.

 

2024/04/06

اسرائيل تتهرب من المسؤولية: الآلة أبادت الفلسطينيين


كشفت عدة تقارير إعلامية تحقيقات استقصائية أدّت إلى كشف جديد، وهو أن "إسرائيل" استخدمت تطبيقاً للذكاء الاصطناعي، مزوَّداً بقاعدة بيانات عن مقاتلي حماس والجهاد الإسلامي، وأن ذلك التطبيق، الذي يُطلَق عليه اسم "لافندر"، أنشأ قاعدة بيانات من آلاف الأسماء، يعتقد أنهم من مقاتلين في مختلف المراتب من السلم العسكري، وحدد 37 ألف هدفاً محتملاً للقتل.

 

ويقول التقرير إن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تلك كانت تحدد الهدف، وتتبعه، وتختار الوقت الذي يتم فيه قتل "عنصر من حماس، بغضّ النظر عن رتبته"، وهو الوقت الذي يوجد فيه في المنزل مع عائلته، أو عبر برنامج يُطلَق عليه عنوان "أين أبي"، إذ لم يكن الجيش الإسرائيلي مهتماً بقتل عناصر حماس والجهاد في المنشآت العسكرية أو في أثناء العمليات، بل كان من الأسهل استهدافهم في منازلهم، وكان هذا النظام مصمّماً لذلك.

 

ويضيف التقرير، الذي نُشر بناءً على شهادات مسؤولين إسرائيليين، أن هذه البرامج سمحت بقتل مئات المدنيين الفلسطينيين كأضرار جانبية لقتل عنصر واحد من حماس، بغض النظر عن رتبته، وأنه في كثير من الاحيان تمّ تدمير بيوت وقتل عائلات بأكملها من دون أن يكون هذا العنصر موجوداً في المنزل.

 

وكشف التقرير أن الهجوم كان يتم عبر استخدام ما يطلق عليه "القنابل الغبية"، أي قنابل غير موجَّهة، تدمر المبنى بكامله على مَن فيه.

 

والسبب يعود، بحسب مصادر إسرائيلية تمت الاستعانة بها في التقرير، إلى أنه "لن نقوم باستخدام قنابل ذكية ضد مقاتل غير مهم، لأنها غالية جداً، ولدينا نقص فيها". وأضافت المصادر: "في مرحلة لاحقة، وسعت الأنظمة عملها، وأصبحت تضيف إلى الأهداف أيضاً أفراد الإغاثة، وضباط الشرطة، وهي أهداف لا يفضَّل قصفها، على رغم أن هؤلاء يساعدون حكومة حماس، لكنهم لا يمثلون خطراً على جنودنا".

 

بالطبع، في هذه التقارير مخالفات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وأهمها مخالفة مبدأي: التمييز بين المدنيين (والأعيان المدنية) والعسكريين، والمشاركة المباشرة في الأعمال العدائية.

 

أ‌- التمييز بين المدنيين والعسكريين

المبدأ الأساسي الذي يمثل حجر الزاوية في القانون الدولي الإنساني هو مبدأ التمييز الذي يجب على جميع أطراف النزاع التزامه في جميع الأوقات، أي "التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية من دون غيرها" (المادة الـ48 من البروتوكول الإضافي الأول).

 

وهذا يعني أنه يجب أن تكون هناك حدود تعريفية واضحة بين "السكان المدنيين" (الذين هم أشخاص محميون، ولا يمكن استهدافهم عمداً مطلقاً إلا إذا غيروا وضعهم إلى مقاتلين أو إذا حملوا السلاح، وذلك بحسب المادة الـ50 (1) البروتوكول الإضافي الأول من اتفاقيات جنيف، وبين "المقاتلين" (الذين يمكن استهدافهم عمداً).

 

ب‌ - المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية

ينص مبدأ التمييز في النزاعات المسلحة غير الدولية على أن كل الأشخاص من غير الأعضاء في القوات المسلحة التابعة للدول، أو من غير العناصر في جماعات مسلحة منظمة تابعة لأحد أطراف النزاع، هم أشخاص مدنيون، وبالتالي يتمتعون بالحماية من الهجمات المباشرة ما لم يقوموا بدور مباشر في العمليات العدائية، وعلى مدى الوقت الذي يقومون خلاله بهذه المشاركة.

 

وهذا يعني أنه حين يتوقف المدنيون عن المشاركة مباشرة في العمليات العدائية، أو حين يتوقف أعضاء في مجموعات مسلحة منظمة منتمية إلى طرف من غير الدول عن القيام بوظيفتهم القتالية، فإنهم عندها يستعيدون الحماية الكاملة الممنوحة للمدنيين ضد الهجمات المباشرة، الأمر الذي يعني أن قتلهم قد يُعَدّ جريمة حرب في حال لم يكن هذا القتل بدافع الضرورة العسكرية.

 

ج - ماذا يعني أن برامج الذكاء الاصطناعي أعطت الأوامر وقامت بتلك العمليات؟

 على الرغم من الضرر الأخلاقي المعنوي الذي يمكن أن تواجهه "إسرائيل"، لكن من الناحية القانونية فإن هذه الادعاءات تسمح بالإفلات من العقاب. وعليه، من مصلحة "إسرائيل" أن تدّعي أن "الآلة" هي من ارتكب الجرائم، فالمسؤولية الجنائية في المحاكم هي مسؤولية جنائية فردية، بحسب القانون الدولي الجنائي.

 

تُرتكب الجرائم الدولية "بواسطة أشخاص، وليس من جانب كيانات مجرّدة، وفقط من خلال معاقبة الأشخاص الذين يقومون بهذه الانتهاكات، يمكن فرض القانون الدولي".

 

هذا الاقتباس، من الحكم الصادر عن محاكم نورمبرغ، يُعَدّ الحجر الأساس للمسؤولية الجنائية الفردية عن الجرائم الدولية المرتكبة، كالإبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، والتي عادت فيما بعد وأكدتها المحاكم الدولية المتعددة، ومنها المحكمة الجنائية الدولية.

 

وعليه، دخل الذكاء الاصطناعي بقوة للحروب، وتطورت وسائل القتال، من دون أن يلحظ القانون الجنائي الدولي تطوراً موازياً يتعلق بآليات المساءلة القانونية بشأن ارتكاب جرائم في تلك الحروب. وبالتالي، تحاول "إسرائيل" أن تستفيد من هذه الفجوة كي يفلت مسؤولوها من العقاب والمساءلة، سواءٌ في الداخل أو الخارج.