2018/04/25

ما هي الخطوط الأميركية الحمراء في سوريا؟


لم يكن مُفاجئاً التصريح الذي تحدّث به مصدر عسكري روسي، من أن هناك محاولات لإنشاء حُكمٍ ذاتي في الجنوب السوري، تحاول الولايات المتحدة الدفع باتجاهه، وأن المسلحين يخطّطون لشنّ هجمات على الجيش السوري في المحافظة الجنوبية، وسيتم فبركة هجوم كيماوي هناك لتبرير تدخل غربي لصالح المسلّحين وتمهيداً لتحقيق الانفصال عن الدولة السورية بالقوّة.

بالطبع ليس مُفاجئاً هذا الطرح، إذ تمّت محاولات عدّة لعرض فكرة انفصال الجنوب السوري وإقامة حُكمٍ ذاتي فيه في وقتٍ سابقٍ. في نيسان من عام 2017، كشفت التقارير النقاب عن مشروع أميركي بريطاني لتحقيق انفصال محافظتيّ درعا والسويداء، وأن عشائر أردنية كُلّفت بتسويق هذا المُقترح لدى عشائر سوريا والتي تربطها بها أواصر قُربى وصداقة. يتضمّن المشروع مراحل ثلاث؛ تبدأ بطرد قوات النظام والمسلحين الذين يحملون "أفكاراً غير وطنية" (بحسب التعريف الغربي)، وتأسيس قوات أمن داخلي وشرطة، وقضاء مستقل وبرلمان. أما المرحلة الثانية، فتتم فيها انتخابات برلمانية ورئاسية مباشرة، وتقوم في المرحلة الثالثة والأخيرة سلطات الحُكم الذاتي بالتواصل مع باقي الأطراف السورية لتحقيق انتقال سياسي في سوريا بأكملها.

وفي وقتٍ لاحقٍ من عام 2017، تمّ إعلان "وثيقة حوران" التي وقّعتها شخصيات سورية معارضة وتنصّ على إقامة اقليم يضمّ درعا والسويداء والقنيطرة، وتدعو إلى تطبيق اللامركزية في جنوب سوريا، أو ما أُطلِق عليه "اقليم حوران الجنوبي"، تمهيداً لتطبيق الفيدرالية.

إذاً إن ما حذّر منه لافروف من أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقسيم سوريا، بالإضافة إلى ما أعلنه سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي من أن "موسكو لا تعلم كيف ستتطوّر الأوضاع في سوريا، وهل بالإمكان الحفاظ على وحدة أراضيها"، يشير إلى أن فكرة تقسيم سوريا باقتطاع أجزاء منها وخاصة في الجنوب والشمال ما زالت تراود أذهان العديد من اللاعبين الدوليين والاقليميين وخصوصاً إسرائيل، ويمكن رصد مؤشّرات عدّة تشير إلى تنسيق لا بل عمل جماعي يهدف إلى تقسيم سوريا وذلك تحقيقاً لرغبة إسرائيلية بتشكيل حزامٍ أمني يشبه إلى حدٍ بعيدٍ جيش لحد في جنوب لبنان، وذلك من خلال ما يلي:

- أتت الضربة الثلاثية التي شنّتها كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا على مواقع سوريّة، على مسافة أيام قليلة فقط من ضرب إسرائيل لمطار "تي فور" العسكري السوري، وإصابة إيرانيين فيه. وهذا يعني أن قضية الكيماوي المُفتعلة على عَجَل لتبرير العدوان الغربي، إنما أتت لتخلق نوعاً من عدم الترابط بين الضربتين- على الأقل إعلامياً.

- كان واضحاً منذ البداية أن الغرب حاول جاهداً الضغط على جبهات عدّة عسكرية وإعلامية وسياسية ودبلوماسية في مجلس الأمن، لتأخير سقوط مسلّحي الغوطة الشرقية، ولإبقاء التهديد قائماً على دمشق، مع ما يعني ذلك من قدرة تفاوضية أضعف لدمشق وحلفائها.

- إن إشارة المصدر العسكري الروسي إلى تحضير مسرح العمليات لفبركة جديدة لمسرحية الكيماوي، في الأقاليم الجنوبية بالتزامن مع هجوم المسلحين على قوات الجيش السوري لطردها وتحقيق حُكم انفصالي في تلك الأقاليم، يعني أن العدوان الثلاثي السابق مع التهديدات الحالية إنما هو رسالة عسكرية واضحة لدمشق وحلفائها بأن هناك خطوطاً حمراء جديدة ترسمها واشنطن وتل أبيب، تهدف إلى منع الجيش السوري من التوجّه إلى الحدود السورية الأردنية لتحريرها.

وهكذا تكون واشنطن قد أضافت خطاً أحمر جديداً في الجنوب السوري، يُمنع على الجيش السوري وحلفائه الاقتراب منه، ويضاف إلى الخطين الآخرين التي أعلنتهما في وقت سابق عبر رسائل دموية وعسكرية؛ وهما: الأول "ممنوع على دمشق وحلفائها الاقتراب من قاعدة التنف ومحيطها وقد قامت طائراتها بقصف القوات المّتجهة لمُقاتلة داعش على الحدود العراقية السورية، والثاني ممنوع على القوات السورية اجتياز نهر الفرات، حيث قام الأميركيون بغارات على القوات المتقدّمة لقطع الفرات في منطقة قريبة من دير الزور والتي راح ضحيتها العديد من الروس والقوات الرديفة للجيش السوري".


خطوط حمراء تُفرَض من قِبَل واشنطن ضمن الأراضي السورية، والخط الأخير في الجنوب السوري يبدو خطاً إسرائيلياً واضحاً، وإذا سلّمنا أن العدوان الثلاثي كان مجرد تماهٍ غربي مع مطالب إسرائيلية ورسالة عسكرية غربية تضيف قوة إلى الرسالة الإسرائيلية الدموية في قصف مطار "تي فور"، فهل هذا يعني أن دور التحالف الدولي في سوريا تحوّل في عهد ترامب إلى دورٍ وظيفي لخدمة إسرائيل؟.

2018/04/19

هل ينسحب الأميركيون من سوريا؟


د. ليلى نقولا
تتسارع الأحداث السورية والدولية منذ العدوان الثلاثي على سوريا والضربة الصاروخية التي وجهتها بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الى مواقع بحثية سورية، ردًا على هجوم كيمياوي مزعوم في دوما، وانتصارًا لـ "شرف" المجتمع الدولي كما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وبالرغم من الضربة، فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما زال مصرًا على سحب الجنود الأميركيين من سوريا، ودعا الدول الحليفة الى الحلول مكان الدول القوات الأميركية لتأمين الأمن والاستقرار في المنطقة التي سينسحب منها الأميركيون. دعوة تصدى لها وزير الخارجية السعودي وأعلن أن "التحالف الاسلامي" مستعد لإرسال هذه القوات. وفي العدوان والاعلان عن الإنسحاب تناقض كبير، ففي الأول مزيد من الإنخراط في الحرب السورية وفي الثاني انسحاب منها، فكيف سيكون المشهد في الفترة المقبلة؟.

- واقعيًا، تشبه الدعوة الى الحلفاء لتأمين جنود للحلول مكان الاميركيين، الدعوة التي وحهها أوباما الى الحلفاء لتدريب "جيش سوري" لكي يؤمّن الأراضي التي يتم السيطرة عليها، فتنطحت كل من السعودية وتركيا لهذه المهمة. عجزت السعودية، فقامت تركيا باستضافة معسكرات تدريب أميركية لمعارضة "معتدلة" سرعان ما استسلم عناصرها لجبهة النصرة وسلموها أسلحتهم الأميركية وأنتهت الفكرة بدفع الملايين من الدولارات من جيوب الملكفين الاميركيين بدون نتيجة ميدانية على الأرض.

- إن تنطح السعودية لمهمة إرسال قوات عسكرية الى سوريا، لا يعني أن بإمكانها فعل ذلك، وحتى إن دول التحالف الاسلامي الذي تحدث عنها الجبير لا تبدو قادرة عمليًا، فمصر غارقة في مشاكلها الأمنية الداخلية والارهاب الممارس ضد القوى الأمنية والأقباط هناك. بالاضافة الى الخطر المتأتي من جهات عدّة وأهمها سيناء وليبيا والحدود المتفلتة التي تحتاج الى جهود الجيش المصري لضبطها ومنع انفلات الحدود بما يشكّل خطرًا على الأمن القومي المصري.

أما السعودية فالمرتزقة التي استقدمتها من دول اسلامية فقيرة، وجيشها وقوتها العسكرية والمادية مستنزفة في الحرب اليمنية التي لا تشي بنهاية قريبة، بالاضافة الى الاختراق اليمني للحدود والصواريخ الباليستية التي تصيب عمق الأراضي السعودية وصولاً الى الرياض.

وتبقى قطر التي لا تملك جيشًا كبيرًا، وهي تعيش قلقًا أمنيًا يتجلى بتهديد دول الحصار الدائم لها، ولولا الحماية التركية والتدخل الأميركي لما استطاعت قطر أن تفلت من تدخل عسكري خليجي في إقليمها يطيح بالعائلة الحاكمة وينصّب حاكمًا آخر مكان تميم بن حمد بن خليفة.

- وتبقى تركيا، وهي الطرف الأقدر على القيام بالمهمة وذلك لتواصلها الجغرافي والحدود المشتركة التي تربط الأراضي التركية بالجزء الذي يسيطر عليها الأميركيون في سوريا، بالاضافة الى قدرات الجيش التركي الكبيرة، والنفوذ التركي على مجموعات كبيرة من المسلحين في الداخل السوري والتي يجعلها تسلّم مهمة الأمن في الأرضي التي احتلتها عبر درع الفرات وعملية غصن الزيتون الى قوات محلية سورية، وإبقاء جيشها بعيدًا عن المناطق السورية المأهولة.
ولكن دون مشاركة تركيا في هذه المهمة، عوائق ابرزها أن المكون الكردي الذي يقوم بمهمة الأمن الداخلي في مناطق سيطرة الأميركيين، لن يقبل أن تتسلّم تركيا القواعد العسكرية الأميركية وتسيطر على الاقليم التابع لهم. بالاضافة الى أن دعوة تركيا لتأمين الأمن والاستقرار في منطقة الشمال الشرقي السوري تبدو وكأنها دعوة الذئب لحراسة القطيع، ويعني بشكل أكيد أن الأميركيين قد تخلوا مرة أخرى عن حلفائهم، وتركوا الأكراد لمصيرهم في منطقة مغلقة يحيط بهم دول رافضة لأي فكرة استقلالية أو إنفصالية.

انطلاقًا مما سبق، يمكن القول أن مسألة الانسحاب الأميركي من سوريا وتسليم المنطقة الى أحد الحلفاء تبدو صعبة ومتعذرة واقعيًا. وهنا يكون أمام الأميركيين خيارات عدّة لمسألة انسحابهم فيما لو أصرّ عليها الرئيس ترامب:

- الخيار الأول: التخلي عن الاكراد وتسليم المواقع لتركيا مع ما في ذلك من خلط موازين القوى، وتقوية أردوغان الى حدٍ لا يرغبه الأميركيون والاوروبيون، ولكن قد يضطرون لذلك.

- الخيار الثاني: التفاهم مع روسيا وتسليم المنطقة للجيش السوري باعتباره صاحب السيادة على الأرض، وفي هذا تراجع وخسارة معنوية كبيرة لقوى التحالف الدولي التي لطالما صرّحت برغبتها بالتخلص من الرئيس السوري بشار الأسد.

- الخيار الثالث: سحب القوات الأميركية على أن تقوم قوى التحالف الغربي بتأمين النقص في الجنود، ويبقى الوضع كما هو عليه، وهو أمر صعب أن يقبله الغربيون بسهولة.

- الخيار الرابع: إبقاء القوات الأميركية وإبقاء الحال كما هو، الى أن يحين أوان الحل السياسي السوري، فيكون الوجود العسكري الأميركي ورقة ضغط على طاولة المفاوضات تضمن لهم تحقيق مصالحهم في سوريا، وتجبر القوى المتحاورة والدول الضامنة في أستانة على أخذ المصالح الأميركية بعين الاعتبار في أي حل سياسي سوري مستقبلي.

لا يمكن التكهن بالخيار المتبع، فالرئيس ترامب يصرّ على إبراز صورة عن نفسه "الرجل الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته"، والتناقض الذي شهده السلوك الأميركي بين الدعوة الى الانسحاب من سوريا، والقيام بضربة عسكرية في نفس الوقت، هو خير دليل على ذلك.


العدوان الثلاثي: الأهداف غير المصرّح عنها


أتت الضربة الصاروخية الثلاثية على سوريا والتي قامت بها دول ثلاث من حلف الناتو، مُفاجئة بحجم تواضعها وعدم تأثيرها على القدرات العسكرية والسياسية للجيش السوري، بل كانت مُفاجئة حتى لأقرب المقرّبين من دول العدوان، وخاصة إسرائيل التي أعلنت إن تأثير الضربة كان صفراً.

وكان مُفاجئاً أيضاً أن الرئيس الفرنسي ماكرون المُحرَج في تظاهرات داخلية رافضة لخطته الإصلاحية كان أكثر القادة الغربيين حماساً لها، تليه تيريزا ماي التي خالفت الأعراف المتّبعة في بلادها بالعودة إلى البرلمان قبل اتّخاذ قرار الحرب أو إشراك الجنود البريطانيين في تدخّل عسكري خارجي. بينما كان في أسفل سلّم المُتحمّسين للضربة، الأميركيون الذين انقسموا بين ترامب الراغب بتحقيق شيء ما يُبعد الأضواء عن أزماته الداخلية، ووزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس الذي بدا الأكثر عقلانية، في خضم ضجيج الحملة وقرع طبول الحرب.

يُجمع الباحثون على أن دراسة صُنع القرار في الإدارة الأميركية هي مغامرة صعبة، فهناك العديد من العوامل والظروف الموضوعية والتاريخية والاجتماعية، بالإضافة إلى تعدُّد اللاعبين والقوى في الصوغ والتأثير عليه، مع العلم أن أياً منها ليست له صفة الحسم في كل منها، فما يستطيعه طرف ما في قضية ما، قد لا يجعله المؤثّر الحاسم في كل القضايا.

بشكلٍ عام، تتأّثر عملية صُنع القرار في أية دولة بأمرين: الطرف المُقرِّر، والبيئة أو الظروف الموضوعية والزمانية والمكانية المتعلقة بالقرار، علماً أن الظروف التاريخية السابقة للقرار، والتأثيرات اللاحقة للقرار، تشكّل في ذهن صاحب القرار ومحيطه العديد من الدوافع السيكولوجية والموضوعية لاتخاذ القرار أو عدمه.

وتبدأ عملية صنع القرار عامة في السياسة الخارجية، بدوافع أساسية، أي الحاجة إلى اتخاذ قرار بسبب وجود تغيّرات في البيئة الخارجية، والذي يتأثّر بشكلٍ أساسي وحاسم بتقدير للموقف "Definition of situation"، أي نظرة صاحب القرار ورؤيته للتطوّرات، ووعيه للأخطار.

وانطلاقاً مما سبق، ومن خلال دراسة صنع القرار الأميركي في خيار الضربة أو عدمها، نجد أن وزارة الدفاع الأميركية جنحت إلى اتخاذ صيغة "الخيار العقلاني" (Rational choice)، الذي يؤمّن المصلحة الأميركية، أي دراسة البدائل، واختيار الموقف الأقل كلفة والأكثر ربحاً، وهو ما تجلّى في التحذير من الإنجرار إلى حربٍ مع الروس قد تبدأ في سوريا ولكنها ستنتقل حتماً إلى أماكن أخرى حيث قد يصطدم حلف الناتو بالروس في عديد من الأماكن ومنها أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى إمكانية انخراط عسكري إيراني في المعركة، يغلق مضيق هرمز، ويرفع أسعار النفط العالمية، بالإضافة إلى قدرة إيران على التأثير على الأمن القومي الإسرائيلي.

وبالنظر إلى المكاسب العسكرية التي تُقارب الصفر، وبنك الأهداف المتواضع الذي أشار إليه البنتاغون في الخريطة التي أبرزها لمواقع الضربة، قد تكون الأهداف الحقيقية للضربة الثلاثية على سوريا، مختلفة جداً عما تمّ التصريح به، ويمكن تصوّرها في ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:

- توجيه رسالة تحذير إلى الدول الضامِنة التي اجتمعت في أنقرة، بأن أيّ اتفاق لا يأخذ بعين الاعتبار المصالح الغربية في سوريا قد يؤدّي إلى تصعيدٍ عسكري، وأن الدول الغربية سوف تدافع عن مصالحها حتى لو أضطرت إلى استخدام القوّة.

- دقّ إسفين في التحالف المُتشكّل بعد أستانة، وذلك من خلال إعطاء أردوغان فرصة للابتعاد عن إيران وروسيا من خلال الإيحاء بأن الغربيين لا يفتقرون إلى الوسائل الضرورية التي تتيح لهم اعطائه الكثير من المكاسب. من هنا نفهم تلويح ترامب بالخروح العسكري من سوريا وإشارته الواضحة إلى تكليف القوى الإقليمية الحليفة بالمهمة في سوريا، وهذا ما قد يُغري أردوغان للابتعاد عن روسيا باعتباره الأقدر على تحقيق الهدف الأميركي بالانسحاب.

- إجبار الروس على الاعتراف بمصالح الولايات المتحدة الأميركية خاصة في الأهداف التي حدّدتها سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة نيكي هايلي، من أن بلادها لن تسحب قواتها من سوريا إلا بعد أن تكون أنجزت أهدافها. وحدّدت ثلاثة أهداف أهمها قد يكون على الإطلاق؛ حصول الولايات المتحدة على موقعٍ لمراقبة تصرّفات وأفعال إيران، وهو قد يكون بيت القصيد الأميركي من التصعيد في سوريا والذي جاء مُفاجئاً بعد إبداء الرغبة الأميركية في الانسحاب من سوريا.

إذاً، قد تكون الضربة الثلاثية استهدفت مواقع بحثية سوريّة، ولكنها على ما يبدو، رسالة عسكرية ذات أهداف سياسية موجّهة إلى الروس بالدرجة الأولى، وإلى الضامنين بالدرجة الثانية، من أن الحل السياسي لن يمر في سوريا من دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الغربيين، وإن أي تفكير بغير ذلك سيدفع ثمنه العالم أجمع.

2018/04/11

الصين وأميركا: سباق تسلّح بعنوانٍ تجاري؟


تتّجه كلٌ من الولايات المتحدة والصين للدخول في حربٍ تجارية بعد أن أعلنت الصين عن فرض 25% كرسومٍ جمركية على 106 مُنتَجات من السِلع الأميركية كردٍ على فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوم جمركية على 1300 مُنتَج صيني. ولم يكن الأميركيون يتوقّعون ردّاً قاسياً وسريعاً من قِبَل الصينيين، بل إن معظم الاقتصاديين المُقرّبين من الرئيس الأميركي كانوا يأملون بأن تبقى هذه المعركة في إطار التهديدات وألا تدخل تلك الضرائب الجمركية حيّز التنفيذ، لأنها ستضرّ بالأميركيين بشكلٍ كبير.

لم يكن ما قام به الصينيون مُفاجئاً، فالتصريحات الرسمية للصينيين تعكس بقوّة تبدّل السلوك الصيني الخارجي في العلاقات الدولية منذ عام 2011 ولغاية اليوم، فالسلوك الدبلوماسي المواجه للولايات المتحدة الأميركية والغرب عموماً في مجلس الأمن والذي تجلّى باستخدامِ الفيتو الصيني مراراً في مجلس الأمن، ينتقل اليوم إلى مجالِ التجارةِ العالمية، حيث يُدرِك الصينيون ألا أحد رابح في تلك الحرب التي بدأها ترامب، ولكن الصين "مُصمّمة على القِتال حتى النهاية"، كما صرّح نائب وزير التجارة الصيني.

والواقع، إن السياسة الخارجية لترامب اليوم، تعكس بدقّةٍ ما كان قد أعلن عنه في استراتيجية الأمن القومي الأميركي، من أن الصين وروسيا تشكّلان تهديداً للولايات المتحدة الأميركية، وبالتالي على الولايات المتحدة أن تقوم باستراتيجية احتواء لكلٍ من البلدين. ويبدو أن تدابير "الاحتواء" المُتّبعة في سياق الحرب الجديدة بين كلٍ من الأميركيين من جهة والروس والصينيين من جهة أخرى، تتجلّى في عزلِ كلٍ من روسيا والصين تكنولوجياً ومحاولة فرض عقوبات اقتصادية تؤدّي إلى منعهما من التطوّر التقني والمَعرفي.

في ما خصّ الصين، لقد حذّر العديد من الباحثين والسياسيين والأمنيين في الولايات المتحدة من التطوّر الذي تشهده الصين على الصعيدين العسكري والاقتصادي وبالأخصّ في المجال التكنولوجي، ودعوا الإدارة الأميركية إلى التنبّه إلى أن الصين، ستصل إلى وقتٍ تتفوّق فيه على الولايات المتحدة تكنولوجياً وأنها ستطوِّر جيلاً جديداً من الحواسيب والتكنولوجيا الرقميّة والتي ستجعل التقنية الأميركية المُعتمَدة اليوم، شيئاً من الماضي.

ويستشعر الأميركيون المخاطر من الاستثمارات الصينية في قطاعات التكنولوجيا الأميركية الجديدة في الداخل الأميركي أيضاً، والتي يمكن أن تكون لها تداعيات على الأمن القومي الأميركي، حيث باتت تُنافِس الحكومة الأميركية والجيش الأميركي على الاستثمار والتعاون مع تلك الشركات.

كما حذّرت تقارير مراكز الأبحاث التابعة للاستخبارات الأميركية في وقتٍ سابقٍ، من أن الصين تطوّر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بحيث ستصل في وقتٍ قريبٍ (بمعدّل 5 سنوات) إلى أن تتفوّق على الولايات المتحدة، وستصل إلى مرحلةٍ تشكّل تهديداً للتوازن الاقتصادي والعسكري للقوى العالمية.

ويخشى الأميركيون من الاستثمارات التي يقوم بها الجيش الصيني في مشاريع تكنولوجية بحثيّة مُتعلّقة بتطوير الذكاء الاصطناعي، سيُبدّل بشكلٍ جوهري طبيعة الحروب المقبلة، بحيث لن يستطيع العنصر البشري مواكبة سرعة القرارات التي تُديرها الآلة خلال المعارك.

وقد اعتبرت وزارة الدفاع الأميركية في تقريرٍ لها عام 2017، أن الاستثمار الصيني في التكنولوجيا سيقوّض جهد الجيش الأميركي لضمان استمرار التفوّق النوعي على المُنافسين المُحتمَلين، ومنهم الصين. وأضاف التقرير إن الاستثمارات الصينية المُكثّفة في التقنيات الحسّاسة، مثل أنظمة التوجيه، الذكاء الاصطناعي، وأجهزة استشعار الضوء التي تساعد أنظمة الطيران من دون طيّار، يمكن أن تؤدّي إلى تآكل أو حتى القضاء على تلك الميزة التكنولوجية للجيش الأميركي ما قد يُقلّل من قُدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن الحلفاء بشكلٍ موثوقٍ، خاصة في آسيا.

إذاً، هي في الظاهر حرب تجارية يقول ترامب إنها تهدف إلى حمايةِ السوقِ الأميركي وخلق فُرَص عمل للأميركيين، ولكنها في الواقع، حرب عسكرية تكنولوجية تهدف إلى منع الصين، أو على الأقل، تأخيرها من التفوّق التكنولوجي في المجال العسكري، والذي سينعكس سلباً على القوّة الصلبة الأميركية وأهميتها في عالمِ اليوم، وهو ما سيدفع الأميركيين إلى استثمارِ مزيدٍ من الأموالٍ الحكوميةِ في سباقِ تسلّحٍ مُزدوجٍ: مع روسيا ومع الصين.


2018/04/09

روسيا والغرب: ماذا بعد طرد الدبلوماسيين؟

باجتماع غير عادي تعقده منظمة حظر الأسلحة الكيمائية هذا الاسبوع بناءً على طلب روسيا، تكون الأزمة المستجدة بين روسيا والغرب التي أعقبت حادثة تسميم الجاسوس الروسي المزدوج سكريبال وابنته في بريطانيا قد انتقلت من الإطار الدبلوماسي السياسي الى الإطار القانوني- الجنائي.
عمليًا هدأت العاصفة الدبلوماسية التي تجلّت في طرد دبلوماسيين روس من بريطانيا والعديد من الدول الأوروبية والغربية المتضامنة معها، بالاضافة الى حلف الناتو والولايات التحدة الأميركية التي شهدت أكبر عدد من الدبلوماسيين المطرودين بالاضافة الى اغلاق القنصلية الروسية في سياتل، وحيث رد الروس بالمثل وطردوا العديد من الدبلوماسيين الغربيين، وأقفلوا القنصلية الأميركية في سان بيترسبورغ.
دبلوماسيًا، وكإجراء سياسي، يحق لبريطانيا وسواها وبموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (18 نيسان 1961) أن تطرد من تشاء من البعثات الدبلوماسية العاملة على أرضها، وأن تعتبر أي دبلوماسي "شخصًا غير مرغوب فيه" personae non gratae ،  وذلك استنادًا الى المادة 9 من الاتفاقية، والتي تنص "للدولة المعتمد لديها في أي وقت وبدون ذكر الأسباب أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس أو أي عضو من طاقم بعثتها الدبلوماسي أصبح شخصا غير مقبول أو أن أي عضو من طاقم بعثتها (من غير الدبلوماسيين) أصبح غير مرغوب فيه...".
إذًا، إن الطرد المتبادل للسفراء لا يعدو كونه إجراء معتمد بين الدول للتعبير عن توتر العلاقة بينهما أو من ضمن الاعتراض الصريح من قبل دولة على تصرف مبعوث دبلوماسي لدولة أخرى ضمن أراضيها، أو لإبداء الإستياء من تدخل دولة أجنبية في شؤونها الداخلية، وهو يبقى ضمن إطار التوتر السياسي المتوقع الذي تشهده العلاقات الروسية الغربية على إثر ضم القرم، والتدخل الروسي في القضية السورية، والذي كلّف الغرب خسارة كبيرة وأبقى الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة، وهو الذي توعد المسؤولون الغربيون بإطاحته خلال شهور معدودة.
هذا في السياسة، أما في القانون فقضية تسميم سكريبال وابنته، لا تستطيع أن تأخذ منحى جنائيًا دوليًا، فتُفرض عقوبات على روسيا - كما هددت تيريزا ماي- إلا بعد أن يؤكد التحقيق الذي تجريه منظمة حظر الاسلحة الكيميائية، بأن الروس هم فعلاً من قام بتسميم الجاسوس وبالتالي يتحملون مسؤولية جنائية في القضية.
وبهذا المسار تكون القضية قد دخلت مسارًا مختلفًا، فإن استطاعت المنظمة أن تثبت أن الروس هم من قاموا بتسميم الجاسوس كما يريد البريطانيون ( وهذا أمر صعب إثباته، حتى لو كان الروس يطورون تلك المادة الكيمائية)، فحينها سوف تدخل العلاقة بين الغرب والروس الى مرحلة متقدمة من التوتر غير المسبوق، فتتم دعوة مجلس الأمن ويطالب الغرب بعقوبات أممية على روسيا بسبب عدم امتثالها لشروط حظر الاسلحة الكيمائية، وتُحرج العديد من الدول الاوروبية المترددة، فتضطر كنتيجة للضغط والإحراج الى طرد البعثات الدبلوماسية الروسية، وقد تلجأ تيريزا ماي الى التضييق على المستثمرين الروس المتواجدين في بريطانيا.
لكن، بكل الأحوال، لا يبدو أن مصلحة أيًا من الطرفين أن يزداد التوتر ليصل الى تلك المرحلة من التصعيد الذي سيقابله تصعيد روسي، بل يبدو من الأفضل للجميع إبقاءه ضمن إطار التصعيد السياسي والدبلوماسي الذي سبق أن حصل. إن التضييق على المستثمرين الروس في بريطانيا سوف يدفع هؤلاء الى سحب أموالهم من بريطانيا وهذا سيزيد أزمة السترليني والأزمة الاقتصادية التي ستعانيها بريطانيا بسبب البريكست. هذا بالاضافة الى أن احتكار الروس بيع الغاز الى اوروبا، بالاضافة الى ارتباطهم بالعديد من الاتفاقيات التجارية مع الاتحاد الاوروبي، تجعل الخطوة الاستفزازية مكلفة اقتصاديًا للطرفين الى حد بعيد. هذا ناهيك عن أن الروس تحولوا الى شريك أساسي في الشرق الأوسط، وفي سوريا خاصة، وأي حلّ سياسي أو مشاريع إعادة إعمار مستقبلية، يجب أن تمر بالتشاور مع الروس وبموافقتهم...
انطلاقًا من كل سبق، سيعمد الغرب الى الاستفادة السياسية من قضية سكريبال الى أقصى حد، لكن استكماله بواسطة المسار القانوني الجنائي أمامه صعوبات عدّة، منها اثبات التهمة على طرف ما لمجرد امتلاكه الغاز المستخدم (قال الروس ان بريطانيا والسويد والولايات المتحدة وتشيكيا تطوره)، ومنها الفيتو الروسي الذي يمنع فرض عقوبات أممية، بالاضافة الى الاعتماد المتبادل بين الطرفين والذي يجعل من قطع العلاقات كليًا أمرًا صعبًا.

2018/04/05

اجتماعات أنقرة: حصاد الانتصار في الغوطة؟


د. ليلى نقولا
بعد الاجتماعات بين بوتين وأردوغان، والتي غلب عليها الطابع الاقتصادي وتطوير التعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد والتسلُّح بين موسكو وأنقرة، يجتمع رؤساء كل من روسيا وتركيا وإيران في أنقرة، لبحث تسوية الأزمة السورية، ومسار الحل السياسي الذي يؤكد على وحدة الأراضي السورية، ومحاربة الإرهاب، وفي هذا تأكيد على أن الدول الضامنة لأستانة هي من ستحدد وجهة الحل السياسي المستقبلي، بالتعاون مع الدولة السورية، وإن كانت ستأخذ بعين الاعتبار مصالح الأميركيين، وهذا أكيد.

وتأتي القمم المتتالية بين الرؤساء على وقع انتصارات متتالية للجيش السوري، خصوصاً في الغوطة الشرقية، التي استفاد منها المجتمعون في أنقرة، وأكدوا أن التنسيق بينهم الذي انطلق من أستانة قد أفادهم كما أفاد الدولة السورية التي تتجه إلى تحرير تدريجي للأراضي السورية التي كان يسيطر عليها الإرهابيون.

ومع الحسم في الغوطة، ومسار المفاوضات التي أخرجت المسلحين من هناك، نجد أنه لم تكن دمشق هي المستفيد الوحيد من تحرير الغوطة، بل هناك رابحون وخاسرون، وإن بنسبٍ متفاوتة، وذلك عل الشكل الآتي:

أولاً: الخاسرون:

أ- تبدو الخاسر الأكبر هي السعودية، فمع التسوية التي حصلت في دوما، والاتجاه إلى تسوية مماثلة في القلمون الشرقي، تخسر السعودية أوراق قوة كانت تمتلكها للتأثير على مسار الحل السياسي في سورية. خرج "جيش الإسلام" المدعوم من السعودية من دوما إلى عباءة الأتراك، الذين قرروا وضعهم في جرابلس وذلك لأسباب عدة، قد يكون أبرزها: عدم وجود بيئة حاضنة لهؤلاء، بسبب وجود أكثرية تركمانية في تلك المنطقة، وقربهم من الحدود التركية، مما يجعل السيطرة عليهم أسهل في حال قرروا التمرُّد، بالإضافة إلى زجّهم في معركة منبج في حال قرر الأتراك السيطرة عليها وطرد الأكراد منها.

الخسارة السعودية عبّر عنها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان باعترافه بأن الأسد باقٍ في السلطة، لكنه يتمنى ألا يسقط كلياً في اليد الإيرانية.

ب- قوى التحالف الدولي التي كانت تحاول منع الحسم في الغوطة بأي ثمن، لذا شهدنا محاولات متكررة لتلفيق أدلة استعمال السلاح الكيماوي، بالإضافة إلى تهديد سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة نيكي هايلي، باستخدام القوة لمنع الجيش السوري من تحرير الغوطة في حال لم يقم مجلس الأمن بذلك، والذي قابله ردٌّ روسي عنيف هدّد باستعمال القوة في حال تنفيذ التهديد.

لقد خسر التحالف الدولي حليفاً قوياً في الداخل السوري، إذ لطالما أدّى وجود المسلحين في الغوطة إلى تهديد دمشق بشكل دائم، وقد تمّت محاولات عدّة للوصول إلى دمشق وإسقاطها عسكرياً عبر استخدام الجبهة الجنوبية، لكنها جميعها باءت بالفشل، ومؤخراً كان المسلحون يعوّلون على دعم يأتي من التنف التي يسيطر عليها الأميركيون، لكن الدعم لم يأتِ، والحشود العسكرية والضربات الجوية الأميركية التي هوّل الإعلام بها لم تحصل.

ثانياً: أما الرابحون فيمكن الإشارة إلى:

أ- تركيا التي استفادت من انشغال الجيش السوري وحلفائه في معارك الغوطة لتسيطر على عفرين، وهي التي سهّلت حصول الاتفاقيات مع كل من "أحرار الشام" و"فيلق الرحمن"، الذين تمّ نقلهم إلى إدلب، كما تخلّص الأتراك من منافسة السعودية على رعاية المسلحين في الداخل السوري.

وهكذا، وبعد فشل الجبهة الجنوبية مراراً في تحقيق اختراق عسكري يقلب موازين القوى لصالحهم، لم يبقَ للأميركيين سوى الأتراك والأكراد، لتحقيق مصالحهم في سورية، وبات من الأسهل لأردوغان الضغط على حلفائه في حلف شمال الأطلسي للتخلي عن الورقة الكردية لصالحه.

ب- أما الرابح الأكبر فهو الدولة السورية والشعب السوري، فبتحرير الغوطة تتحرر دمشق من التهديد المباشر والقذائف اليومية، بالإضافة إلى أن درس الغوطة سيكون ماثلاً أمام المسلحين في أنحاء سورية كافة، خصوصاً أولئك المحاصَرين في الداخل؛ أي في القلمون الشرقي والضمير وأرياف حمص  وحماه وغيرها، ناهيك عن أن انهيار جبهات المسلحين الواحدة تلو الأخرى سيسمح للجيش السوري وحلفائه بالتفرُّغ للمعارك الأكبر؛ أي المعارك الحدودية مع الأردن ومع تركيا، والتي سيبدأ معها مسار الحل السياسي الفعلي للأزمة السورية.