2018/04/09

روسيا والغرب: ماذا بعد طرد الدبلوماسيين؟

باجتماع غير عادي تعقده منظمة حظر الأسلحة الكيمائية هذا الاسبوع بناءً على طلب روسيا، تكون الأزمة المستجدة بين روسيا والغرب التي أعقبت حادثة تسميم الجاسوس الروسي المزدوج سكريبال وابنته في بريطانيا قد انتقلت من الإطار الدبلوماسي السياسي الى الإطار القانوني- الجنائي.
عمليًا هدأت العاصفة الدبلوماسية التي تجلّت في طرد دبلوماسيين روس من بريطانيا والعديد من الدول الأوروبية والغربية المتضامنة معها، بالاضافة الى حلف الناتو والولايات التحدة الأميركية التي شهدت أكبر عدد من الدبلوماسيين المطرودين بالاضافة الى اغلاق القنصلية الروسية في سياتل، وحيث رد الروس بالمثل وطردوا العديد من الدبلوماسيين الغربيين، وأقفلوا القنصلية الأميركية في سان بيترسبورغ.
دبلوماسيًا، وكإجراء سياسي، يحق لبريطانيا وسواها وبموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (18 نيسان 1961) أن تطرد من تشاء من البعثات الدبلوماسية العاملة على أرضها، وأن تعتبر أي دبلوماسي "شخصًا غير مرغوب فيه" personae non gratae ،  وذلك استنادًا الى المادة 9 من الاتفاقية، والتي تنص "للدولة المعتمد لديها في أي وقت وبدون ذكر الأسباب أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس أو أي عضو من طاقم بعثتها الدبلوماسي أصبح شخصا غير مقبول أو أن أي عضو من طاقم بعثتها (من غير الدبلوماسيين) أصبح غير مرغوب فيه...".
إذًا، إن الطرد المتبادل للسفراء لا يعدو كونه إجراء معتمد بين الدول للتعبير عن توتر العلاقة بينهما أو من ضمن الاعتراض الصريح من قبل دولة على تصرف مبعوث دبلوماسي لدولة أخرى ضمن أراضيها، أو لإبداء الإستياء من تدخل دولة أجنبية في شؤونها الداخلية، وهو يبقى ضمن إطار التوتر السياسي المتوقع الذي تشهده العلاقات الروسية الغربية على إثر ضم القرم، والتدخل الروسي في القضية السورية، والذي كلّف الغرب خسارة كبيرة وأبقى الرئيس السوري بشار الأسد في السلطة، وهو الذي توعد المسؤولون الغربيون بإطاحته خلال شهور معدودة.
هذا في السياسة، أما في القانون فقضية تسميم سكريبال وابنته، لا تستطيع أن تأخذ منحى جنائيًا دوليًا، فتُفرض عقوبات على روسيا - كما هددت تيريزا ماي- إلا بعد أن يؤكد التحقيق الذي تجريه منظمة حظر الاسلحة الكيميائية، بأن الروس هم فعلاً من قام بتسميم الجاسوس وبالتالي يتحملون مسؤولية جنائية في القضية.
وبهذا المسار تكون القضية قد دخلت مسارًا مختلفًا، فإن استطاعت المنظمة أن تثبت أن الروس هم من قاموا بتسميم الجاسوس كما يريد البريطانيون ( وهذا أمر صعب إثباته، حتى لو كان الروس يطورون تلك المادة الكيمائية)، فحينها سوف تدخل العلاقة بين الغرب والروس الى مرحلة متقدمة من التوتر غير المسبوق، فتتم دعوة مجلس الأمن ويطالب الغرب بعقوبات أممية على روسيا بسبب عدم امتثالها لشروط حظر الاسلحة الكيمائية، وتُحرج العديد من الدول الاوروبية المترددة، فتضطر كنتيجة للضغط والإحراج الى طرد البعثات الدبلوماسية الروسية، وقد تلجأ تيريزا ماي الى التضييق على المستثمرين الروس المتواجدين في بريطانيا.
لكن، بكل الأحوال، لا يبدو أن مصلحة أيًا من الطرفين أن يزداد التوتر ليصل الى تلك المرحلة من التصعيد الذي سيقابله تصعيد روسي، بل يبدو من الأفضل للجميع إبقاءه ضمن إطار التصعيد السياسي والدبلوماسي الذي سبق أن حصل. إن التضييق على المستثمرين الروس في بريطانيا سوف يدفع هؤلاء الى سحب أموالهم من بريطانيا وهذا سيزيد أزمة السترليني والأزمة الاقتصادية التي ستعانيها بريطانيا بسبب البريكست. هذا بالاضافة الى أن احتكار الروس بيع الغاز الى اوروبا، بالاضافة الى ارتباطهم بالعديد من الاتفاقيات التجارية مع الاتحاد الاوروبي، تجعل الخطوة الاستفزازية مكلفة اقتصاديًا للطرفين الى حد بعيد. هذا ناهيك عن أن الروس تحولوا الى شريك أساسي في الشرق الأوسط، وفي سوريا خاصة، وأي حلّ سياسي أو مشاريع إعادة إعمار مستقبلية، يجب أن تمر بالتشاور مع الروس وبموافقتهم...
انطلاقًا من كل سبق، سيعمد الغرب الى الاستفادة السياسية من قضية سكريبال الى أقصى حد، لكن استكماله بواسطة المسار القانوني الجنائي أمامه صعوبات عدّة، منها اثبات التهمة على طرف ما لمجرد امتلاكه الغاز المستخدم (قال الروس ان بريطانيا والسويد والولايات المتحدة وتشيكيا تطوره)، ومنها الفيتو الروسي الذي يمنع فرض عقوبات أممية، بالاضافة الى الاعتماد المتبادل بين الطرفين والذي يجعل من قطع العلاقات كليًا أمرًا صعبًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق