2020/11/23

لماذا يُدفع المسيحيون دفعاً الى الانعزال؟


بعد تأخر تشكيل الحكومة اللبنانية، أعلن الرئيس المكلف سعد الحريري نيّته اختيار الوزراء المسيحيين بنفسه، واعتماده مبدأ إعطاء الطوائف الحرية في اختيار وزرائها وحجب هذا الأمر عن المسيحيين وعن رئيس الجمهورية، ما شكّل استياءً لدى المجتمع المسيحي في لبنان، بالرغم من صمت الجهات الكنسية المعنية.

والمؤسف أن السياسات المتبعة داخلياً منذ الطائف ولغاية اليوم، لا تعي خطورة إثارة "القلق والهواجس" لدى المسيحيين، الذين انقسموا خلال تاريخهم في المشرق الى خطوط ثلاث عبر التاريخ، تتجلى في ما يلي:

1- الخط "الانعزالي":

والذي يعتبر نفسه امتداداً للغرب في هذا الشرق، ويخاف من الذوبان في محيط اسلامي طاغٍ، فينادي بالتقوقع والانغلاق وأحياناً التقسيم والفيدرالية، معتبراً أن هذا الأمر قادر على حفظ وجوده كأقلية.

واليوم، يستفيد أنصار هذا الخط من التحريض الطائفي السائد، ومن محاولة سيطرة الحريري على القرار المسيحي، فيعمدون الى تأجيج النفوس وإثارة القلق وتعزيز الهواجس، طارحين تصوراتهم للانقاذ عبر نبش التاريخ والبناء على أوهام "أمجاد تحققت" خلال أزمنة مختلفة ومنها الحرب الأهلية، متناسين أن الواقع والمعطيات على أرض الواقع (في لبنان والمنطقة) لم تعد كما هي، فانتهاء الحرب الأهلية اللبنانية أتى على حساب المسيحيين ودورهم التاريخي في النظام ولا يمكن إعادة عقارب الساعة الى الوراء.

2- الخط "القومي":

 نادى أصحابه بالاندماج الكامل مع المحيط، فرفعوا شعارات قومية وفوق- وطنية من أجل التسلّح بها لحفظ دورهم ووجودهم. استوعب هذا الخط أن العامل الديني لن يكون مساعداً له بسبب وجود أكثري اسلامي، لذا رفع شعارات القومية العربية وشعارات علمانية تجعل المواطنية أساساً مقبولاً لبناء الدولة بدل أن يحوّل العامل الديني المسيحيين الى مواطنين درجة ثانية.

 انحسر هذا الخط بشكل كبير لدى المسيحيين بعد انحسار الموجة القومية والعروبية، وخاصة بعد "عودة المقدس" الى الميدان السياسي وارتفاع حمى الطائفية والمذهبية في المنطقة ككل.

3- الخط "المشرقي":

يعتبر أصحاب هذا الفكر أن وجودهم كأقلية لا يشكّل لهم تهديداً من قبل المسلمين، وأن حفظ دورهم ووجودهم يقضي بالانفتاح على المحيط والالتزام بقضاياه مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والتعددية وحرية المعتقد.

يرفض هذا الجزء اعتباره "بقايا جالية صليبية" في هذا الشرق، ويؤكد دائماً أنه جزء لا يتجزأ من قضايا العالم العربي، وأن مصيره مرتبط بشكل وثيق بمصير المسلمين فيه. يدعو أصحاب هذا الفكر الى تأسيس "دولة مدنية" تقوم على اعتبار الجميع مواطنين يتساوون في الحقوق والواجبات. فالمواطنية - بالنسبة إليهم - هي الحلّ المثالي والناجع لحفظ الجميع، أكثريات وأقليات سياسية ودينية.

من هذه النظرة وهذه المقاربة بالذات، انطلق العماد ميشال عون (كرئيس للتيار الوطني الحر) في خياراته السياسية، فعقد تفاهماته الوطنية، وأطلق شعارات "إعادة تفعيل دور المسيحيين في النظام"، ودعا الى تأسيس الدولة المدنية.

انطلاقاً مما سبق، تبدو المشكلة التي يعانيها المجتمع اللبناني اليوم هي أن الممارسة السياسية - سواء عن قصد أو بدون قصد- تحاول أن تدفع المسيحيين (من الخطين الثاني والثالث) دفعاً الى الخط الأول؛ عبر السياسات الكيدية التي تأخذ طابعاً طائفياً، ومنها - على سبيل المثال لا الحصر- محاولة الحريري التستر على العقبات الحقيقة في تشكيل حكومته عبر تحويلها الى صراع طائفي اسلامي- مسيحي، ومحاولة الثنائي الشيعي تجنيب نفسه فتنة مذهبية (خلال رفضهم مبدأ المداورة) عبر التصويب على الوظائف المسيحية حصراً كقيادة الجيش والمصرف المركزي معتبرين أن التوتر المسيحي الاسلامي أهون من الصراع السنّي الشيعي!!

وهكذا، يعتمد اللبنانيون اليوم سياسات ضيقة الأفق، تقوم على مبدأ الكيدية السياسية والكسب الشخصي على حساب الكسب الوطني الحقيقي الذي يتجلى بوحدة مصير المسيحيين والمسلمين، وايمانهم بأن يداً واحدة لن تصفق وإن رحيل المسيحيين من هذا الشرق خسارة للمسلمين فيه... بدون هذا الايمان، لن تكون قيامة للبنان. 

2020/11/16

كيف أدّت "ثورة المخمل" الى هزيمة أرمينيا؟

 

بعد أكثر من أربعين يوماً من المواجهات الدامية بين أرمينيا وأذربيجان (المدعومة من تركيا و"إسرائيل")، تمّ توقيع اتفاق سلام بين الطرفين رعاه الطرف الروسي، عكس في مضمونه وبنوده الواقع الميداني والهزيمة الأرمنية العسكرية. لقد خسرت أرمينيا جزءاً كبيراً من أراضي إقليم كاراباخ والمدينة الاستراتيجية (شوشي) المطلّة على العاصمة ستيبانكيرت، وتخلّت عن الأراضي الآذرية التي كانت قد سيطرت عليها في التسعينات.

 

وبموجب الإتفاق، سيتمّ نشر قوات حفظ سلام روسية لمدة خمس سنوات، وستؤمّن أرمينيا ممراً داخل أراضيها يصل بين غرب أذربيجان وإقليم ناخيتشيفان الأذري الذي يتمتع بحكم ذاتي ويعيش عزلةً كاملة قرب الحدود التركية.

 

لا شكّ أن الإتفاق كرّس الهزيمة الأرمنية، لكن هذه الهزيمة كانت متوقعةً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار التطوّرات والخيارات التي اتخذتها السلطات الأرمنية الحاكمة بعد ثورة 2018 المعروفة بـ"ثورة المخمل" (قادتها مجموعة من منظمات المجتمع المدني المموّلة من جورج سورس)، والتي لم تأخذ هذه السلطة بعين الاعتبار لا الجغرافيا ولا الجيوبوليتيك، ولم تُقِم وزناً للمخاطر الحقيقية التي تهدّد الأمن القومي الأرمني.

 

في نيسان/ أبريل 2018، اندلعت ثورةٌ ملوّنةٌ في أرمينيا، أدّت إلى وصول السياسيّ المعارض المدعوم من الغرب نيكول باشينيان إلى السلطة الذي وعد بتحقيق طموحات الشعب الأرمني باجتثاث الفساد وتحويل البلاد إلى حكم الشفافية والقانون.

 

وكما في جورجيا وأوكرانيا سابقاً، أرادت أرمينيا الابتعاد عن السياسة السابقة التي تقضي بالبقاء في الفلك الروسي، واختارت التقرّب أكثر من الأميركيين والأوروبيين. وقد أعلن باشينيان أنه يريد اعتماد سياسة خارجية "متعددة التوجهات"، لكنه ارتكب سلسلةً من الأخطاء الفادحة، أوصلت اليوم أرمينيا إلى الهزيمة:

 

1- ضرب القوى الأمنية

مارس باشينيان سياسةً داخليةً اعتمدت على إقصاء المعارضين عبر سياسات "التطهير الإداري"، وعيّن ناشطين من المجتمع المدني المعروفين بالعداء لروسيا، وثبّتهم في مراكز حساسة، ثمّ قام بعمليات تسريح جماعي للضباط الذين تمّ تدريبهم في موسكو، ففقد الجيش الأرمني الاتصال بروسيا، وتمّ تقليص جميع الاتصالات في مجال المخابرات بين البلدين.

 

وفي أيار/ مايو 2020، قام باشينيان بتغييرٍ مفاجئٍ في الهيكلية القيادية الأمنية الأرمينية، فأقال قائد الشرطة ورئيس أركان القوات المسلحة، وأثار تعيين أرغيشتي كياراميان (عمره 29 سنة، لا خبرة أمنية له سابقاً) رئيساً لجهاز الأمن القومي الكثير من الاعتراض داخل أرمينيا، بعدما اعتُبرت هذه الخطوة انتقالية لوضع القوى الأمنية تحت سيطرة مدنية!

 

كان لهذا الأمر تداعياته على المعركة في كاراباخ، فقد فشل الأرمن فشلاً استخبارياً ذريعاً، خاصة وأنهم أغفلوا خطورة التحركات العسكرية واللوجستية التركية والآذرية على حدود كاراباخ، خلال الصيف، وقللوا من أهمية المناوشات المتفرقة التي حصلت على طول خط المواجهة بأكمله تقريباً الخ... ولم يدرك الأرمن هذا الخطأ إلا بعد فوات الأوان، فتمّت إقالة كياراميان في خضم المعركة.

 

2- تغيير العقيدة الأمنية

اعتمد باشينيان على باحثين في مراكز دراسات مموَّلة من الغرب، لصياغة "استراتيجيةٍ جديدةٍ للأمن القومي الأرمني" والتي انطلقت من فكرة أن جهاز الأمن القومي يحتاج الى تطويرٍ وأنه "إرثٌ سوفياتي قليل الفعالية" لأنه يستند الى "نموذجٍ روسي عفا عليه الزمن" وأنه جهازٌ يفشل في "التعرّف على التهديدات الأمنية الحديثة التي تواجه أرمينيا اليوم". واللافت أن أحد أبرز الشخصيات (مدير مركز الدراسات الأمنية) التي تساهم في تطوير تلك الاستراتيجية، كان يعمل سابقاً لحساب القوات الخاصة الأميركية.

 

3- تقليص التعاون مع الروس

بالرغم من بقاء أرمينيا عضواً في "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" التي أُنشئت عام 1992 ومقرّها روسيا، إلا أن باشينيان خفّض مستوى التعاون الاستخباري وتبادل المعلومات الأمنية مع الدول الأعضاء ومنهم روسيا. ومباشرةً بعد تسلّمه منصبه عام 2018، قام باستدعاء رئيس المنظمة (أرمني) وتحويله إلى القضاء بتهمة "تهديد النظام العام سنة 2008" بدون إخطار الدول الأعضاء وبدون إنذار مسبق.

 

ولعلّ الضربة الأكبر للروس كانت في تصويت ممثّل أرمينيا ضد عودة روسيا إلى الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا (PACE)، واستقبال المعارضين الروس كأبطالٍ داخل أرمينيا.

 

من جهتها، قامت حكومة "الثورة" بالتضييق على الشركات الروسية  العاملة في أرمينيا وأهمّها "سكك حديد جنوب القوقاز" والشركة الأرمينية التابعة لـ"غازبروم"، واقتحام مكاتبها بذريعة التهرب الضريبي، ما جعل روسيا تهدّد بتعليق تشغيلها للسكك الحديد، وسحب شركاتها من أرمينيا.

 

وعلى صعيد الرأي العام، فُتحت الشاشات ووسائل التواصل للنُخب التي تدعو الى تقليص العلاقات مع روسيا، والحديث عن "استعمارٍ روسيٍ يحاول خلق تبعيةٍ واستنفاذ الموارد الأرمنية"، وإعادة النظر في قرار أرمينيا السابق بالتحالف مع الروس ورفض الحلف مع الإتحاد الأوروبي، معتبرين أن حرب 2016، كشفت "زيف الصداقة والأمن الذي تحققه روسيا لأرمينيا".

 

4- إثارة الهواجس الإيرانية

بالرغم من أن "إسرائيل" داعمٌ أساسيٌ لأذربيجان في حربها ضد أرمينيا – قدّمت "إسرائيل" الدعم العسكري لأذربيجان عام 2016 - وبالرغم من رفض الكنيست الإسرائيلي الاعتراف بالإبادة الأرمنية، وبالرغم من أن الدولة الصديقة الوحيدة لأرمينيا في محيطها الجغرافي القريب هي إيران، قام باشينيان - وخلافاً لكل المحاذير السابقة التي طبعت السياسة الأرمنية منذ 1992 - بافتتاح سفارة أرمنية في "إسرائيل" عام 2019، ومن ثم سحب السفير الأرمني احتجاجاً على خلفيّة بيع أسلحة إسرائيلية تكنولوجية حديثة لأذربيجان خلال معركة كاراباخ 2020.

 

إذاً هي مجموعة أخطاء استراتيجية، عادةً ما يقوم بها ناشطون في المجتمع المدني ومجموعات مموّلة من الغرب حين يصلون الى السلطة، وقد حصل هذا الأمر في كل من جورجيا وأوكرانيا وأرمينيا. لكن يبدو أن الدرس الذي ينبغي على حلفاء روسيا أخذه اليوم، يتجلى في ما يلي:

 

الالتزامات الروسية تجاه الحلفاء ليست خالية من الشروط ويجب أن تكون متبادلة، أي أنه على الحلفاء أن يبادلوا الدعم الروسي بالولاء وإلا خسروه، وروسيا ستفعل ما هي مُلزمة به رسمياً وما هو مناسب لمصالحها، أما إذا قرر أحد الحلفاء تنويع خياراته الاستراتيجية فيجب أن يتوقع موقفاً مشابهاً من الطرف الروسي، وأن يتحمل تبعة خياراته.

فرنسا ومشروع تهجير مسيحيي المشرق

 

فجأة، وبعد مسار طبعته الإيجابية بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري في ملف تشكيل الحكومة، تراجع الحريري عما أتفق عليه مع الرئيس عون وبات يطالب بأن يسمي الوزراء المسيحيين بنفسه، وينصّب نفسه وصيّاً عليهم.

ولما لم يكن بإمكان الحريري إخضاع الآخرين لشروطه، تم استدعاء الموفد الفرنسي الى لبنان لمساعدة الحريري في الضغط على رئيس الجمهورية والوزير جبران باسيل، مهددًا لبنان بخسارة الدعم الاقتصادي، ومحاولاً التلاعب عبر طرح أسماء "فرنسية" لوزارة الداخلية والطاقة تبيّن أنها نفس الأسماء التي طرحها الحريري.

واللافت، أن الموفد الفرنسي حاول استثمار العقوبات الأميركية على الوزير جبران باسيل، فاتهمه بالعرقلة، وطالبه بالتراجع، بينما أكّد باسيل على أن كل ما يطالب به هو "وحدة المعايير" وأن ما يسري على الطوائف الأخرى يجب أن يسري على المسيحيين، وأن المسيحيين يجب أن يعاملوا على قدم المساواة مع الطوائف الأخرى، فكما يسمي الشيعة وزراءهم، وكما أعطي لجنبلاط أن يسمي الوزير الدرزي، والحريري يسمّي السنّة، يجب أن يُعطى المسيحيون الحق في تسمية وزرائهم انطلاقاً من مبدأ العدالة والمساواة.

والحقيقة، أن الموقف الفرنسي من مسيحيي لبنان ليس جديدًا، فالجميع يذكر زيارة البطريرك الراعي الى فرنسا في أيلول من عام2011، في ظل الإندفاعة الغربية للتغيير في سورية، وحينها نُقل عن ساركوزي دعوته الى هجرة مسيحية من لبنان وسوريا أسوة بالهجرة العراقية التي حصلت بعد احتلال العراق وسريان الفوضى الأمنية فيه. خلال اللقاء تحدث ساركوزي عن قدرة أوروبا على استيعاب مسيحيي لبنان وعددهم مليوناً وثلاثمئة الف - بحسب ساركوزي- ومسيحي سورية وعددهم مليون ونصف مليون سوري. وحجة ساركوزي في ذلك الوقت، أن الشرق سيكون مرتعاً للتطرف الاسلامي بعد الربيع العربي، وفي ظل صراع الحضارات المسيحي - الاسلامي، لا مكان للمسيحيين في المشرق العربي، والافضل أن يأتوا الى الإتحاد الاوروبي المؤلف من 27 دولة، وينخرطون في المجتمعات الاوروبية.

إذًا، هو موقف فرنسي قديم - جديد، حيث لا يعني مسيحيو لبنان شيئًا في ميزان المصالح الغربية في المنطقة. واليوم يبدو الفرنسيون مساهمين في الخطة الأميركية للبنان ولا ينفصلون عنها، تماماً كما كانوا عام 2011 جزءًا من خطة "هيلاري كلينتون" وباراك أوباما لتنصيب الإخوان المسلمين على العالم العربي فتسببوا بإقتتال سنّي - سنّي في المنطقة، وساهموا بإشعال الحرائق المتنقلة في الشرق وانتشار الفوضى والعسكرة وارتفاع منسوب الإرهاب، الأمر الذي ارتدّ سلباً على أمن القارة الأوروبية، وأدّى الى ارتفاع أسهم اليمين فيها.

وإذا كان هنالك من دروس يمكن أخذها من هزيمة الأرمن في كاراباخ الأسبوع الماضي، واتصال رئيس الوزراء الأرميني بالرئيس ماكرون مرات عدّة لمساعدته من دون جدوى، ودروس من الموقف الفرنسي في لبنان الذي يبدو جزءًا من الموقف الأميركي بإقصاء التيار الوطني الحر وحزب الله من الحكومة، فإن الدرس الأول والأخير للأقليات في المنطقة: لا تتكلوا على عامل خارجي، وإن القوة الذاتية وحدها والوحدة الوطنية الداخلية هي من يحمي الأوطان ويحمي الشعوب ويمنع انقراض التنوع الثقافي والحضاري في المشرق العربي.

 

2020/11/09

العقوبات على باسيل ودروس 13 تشرين 1990!


خرج رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في مؤتمر صحفي يوم الأحد شارحاً كل التفاصيل والحيثيات التي سبقت إعلان الأميركيين العقوبات عليه، ومفنداً بشيء من التفصيل المطالب التي طلبها الأميركيون قبل الوصول الى فرض تلك العقوبات.

ولا شكّ أن المظلومية التي يتعرض لها باسيل كان قد تعرّض رئيس الجمهورية العماد ميشال عون للمظلومية أكبر منها، حين كان رئيساً للحكومة الانتقالية بين عامي 1988 - 1990 حين تعرض لضغوط أميركية شديدة، ومطالب تمسّ بسيادة لبنان واستقلاله، مستعملين معه اسلوب العصا والجزرة، أي التهديد بالعقاب الشديد أو الوصول الى رئاسة الجمهورية وكان ردّ "الجنرال" حاسماً برفض الاغراءات "أريد الجمهورية لا رئاسة الجمهورية"... ما دفع الأميركيين الى تهديده بالتصفية.

وما زال العالم يذكر جملة "الجنرال" الشهيرة؛ "يستطيع العالم أن يسحقني ولن يأخذ توقيعي" والتي أكدّت بشكل لا يقبل الشكّ أن كل الضغوط الخارجية لن تثنيه ولن تردعه، وأن مصلحة لبنان واللبنانيين تبقى فوق كل اعتبار.

لم يغفر الأميركيون للعماد ميشال عون واقعة طرد السفير الأميركي من قصر بعبدا، فكلّفه ذلك ضوءًا أخضر أميركياً لعملية عسكرية لاقتلاعه من قصر بعبدا ونفيه الى فرنسا، بعدما كان قد تعرض الى محاولات اغتيال عدّة، منها اطلاق الرصاص عليه من قبل أحد المندسين في التظاهرات أمام قصر بعبدا، وقصف مكتبه في القصر الجمهوري وإصابة مباشرة للكرسي الذي يجلس عليه، والذي شاءت الصدف عدم وجوده هناك في ذلك الوقت.

واليوم، يتعرض جبران باسيل لعقوبات أميركية، بعدما كان قد تعرّض لمحاولات اغتيال سياسي وإعلامي، برزت بشكل واضح وجلّي خلال "ثورة 17 تشرين" 2019، والتي حاولت تكريس باسيل (وحده) مسؤولاً عن كل الفساد المنظم والممنهج منذ التسعينات عبر التصويب عليه بشكل مركّز وأساسي ولو أن الثورة اتخذت شعار "كلن يعني كلن".

لقد كان واضحاً من المؤتمر الصحفي لباسيل والوقائع التي ذكرها، ما هي التنازلات التي قدمها الحريري ليتم قبول عودته الى رئاسة الحكومة، كما كان واضحاً لماذا قام الحريري بمصالحة مع الجميع باستثناء باسيل، كما بات واضحاً جداً ان استقالة الحريري بعد الثورة  لم تكن سوى وصفة لإخراج التيار الوطني الحر وحزب الله من الحكومة، بطلب من الأميركيين، وهو ما كنا قد توقعناه بالتحليل السياسي، وبات اليوم معروفاً بالوقائع.

والآن، ماذا بعد؟

لقد تعلمّ اللبنانيون والتيار الوطني الحر من دروس " 13 تشرين" مع العماد ميشال عون، أن التاريخ يخلّد وقفات العز الوطنية وأنه يدوس المتزلفين وبائعي الوطن. إن التحدّي الذي قام به العماد عون للإرادة الأميركية في وقت مفصلي في تاريخ العلاقات الدولية وفي وقت كانت الولايات المتحدة تتجه للهيمنة على العالم ولأن تصبح صاحبة الكلمة الأوحد في الكون، أثبت صوابيته فيما بعد، رغم أنها كلّفت الرجل هزيمة معركة عسكرية ونفي الى الخارج ومحاولة تشويه صورته واتهامه بملفات مالية خرج منها جميعها منتصراً وثبتت مظلوميته وبراءته.

وعليه، إن المؤتمر الصحفي الذي عقده باسيل كشف الكثير من الوقائع وبقي الكثير غير المعروف، وكشف كيف يمكن للإعلام وحملات التشويه الممنهج أن تغتال أحدهم معنوياً وسياسياً. لكن، في التاريخ اللبناني،  الكثير الكثير من الضحايا ممن قدموا أرواحهم ودماءهم، وممن دفعوا اثماناً أكبر من ذلك، لكي يبقى الأهم: لبنان.


2020/11/08

هل يلتزم بايدن بتطبيق "المانيفستو" اليساري؟

 

 

خلافاً لكل توقعات الرأي التي توقعت فوزاً سهلاً لجو بايدن يقارب الاكتساح، فاز بايدن بانتخابات الرئاسة الأميركية بأرقام متقاربة مع الرئيس دونالد ترامب، وتبين أن ترامب استطاع أن يحتفظ بتأييد الجزب الجمهوري له، ووسّع قاعدته الناخبة عما كانت عليه عام 2016.

 

ومن خلال مراقبة موضوعية للانتخابات، يظهر أن الديمقراطيين تعلموا من دروس انتخابات 2016 التي خسرت فيها هيلاري كلينتون بشكل لم يكن يتصوره أحد. ولعل الدرس الأهم الذي تعلموه هو أن الطبقة الحاكمة الأميركية لا يمكن لها أن تربح انتخابات يكون فيها طرفي اليمين واليسار ضدها، وأن وصول بايدن الى البيت الأبيض يحتاج الى تقديم تنازلات أهمها؛ الاعتراف بالتنوع الذي باتت عليه تركيبة الحزب الديمقراطي، وأن جناح اليسار في الحزب والذي يمثله بارني ساندرز (يطلق عليهم اسم التقدميين في الولايات المتحدة)، بات يشكّل حالة يحسب لها حساب في قواعد الحزب الديمقراطي الناخبة، خاصة بين الشباب.

 

وهكذا، انطلاقاً من هذه القناعة، قام بايدن بالتفاوض مع ساندرز على برنامج عمل للإدارة الأميركية القادمة- أطلق عليه اعلام اليمين اسم "المانيفستو"- تضمن الكثير من الأفكار التقدمية، والتي يمكن اعتبارها "ثورة" في القوانين السياسية الأميركية في حال تطبيقه، وأبرز ما جاء في الاتفاق ما يلي:

 

1- مكافحة أزمة المناخ والعمل على تحقيق العدالة البيئية، ويتضمن الوعد بالعودة الى اتفاقية باريس المناخ، والتعهد بتأمين صناعات بديلة صديقة للبيئة وتوفير بدائل للمتضررين وتوفير فرص عمل منها. كما يتحدث عن العدل والإنصاف، تجاه مجتمعات الأميركيين من أصل أفريقي، والمجتمعات القبلية والمهاجرين والأسر ذات الدخل المنخفض والتي يجب أن تستفيد من اقتصاد الطاقة النظيفة لتحقق الازدهار الاقتصادي.

 

واللافت أنه تضمن عنوان "العمال والناس أهم من الربح"، وتعهد بخلق وظائف مع تأكيد حق الانتساب للنقابات، وأدرجت عبارة الاهتمام بالعمال "مهما كلف الأمر" وتمكينهم وتكريس حقهم في تنظيم نقابة والتفاوض من أجل أجور أعلى، ومزايا وظروف عمل أفضل.

 

2- العدالة الجنائية، وفيها تعهد بإصلاح البوليس والقضاء، وإزالة التمييز العرقي، وإصلاح السجون وإلغاء العمل الجبري والاستغلالي في السجن، الخ..

 

3- الاقتصاد: وفيه تعهد بعقد اجتماعي واقتصادي جديد للشعب الأميركي، حيث العمل والسكن والصحة هي حقوق وليست امتياز. يتعهد الاتفاق بالتخلص من التمييز العرقي، ودعم العائلات العاملة عبر سلسلة من الخدمات (الحضانة، العطل المدفوعة، برامج التغذية الخ..) ودعم العمال عبر تأمين ظروف عمل أفضل، تخفيض الضرائب، وتأمين الضمانات الكافية لتأسيس نقابات تدافع عن حقوق العمال، وتوسيع التقديمات الاجتماعية، ومعاقبة أرباب العمل الذين يجنون الأرباح من تسخير العمال وعدم تسجيلهم أو غير ذلك..

 

4- التعليم: لكل أميركي الحق في التعليم بدون تمييز. ويشير الاتفاق بالتفصيل الى اجراءات تربوية ومالية وضرائبية لمساعدة الاميركيين للوصول الى هذا الحق. والأهم، إقرار برامج إعفاء الطلاب الجامعيين من الديون التعليمية، بحسب الدخل. ولا يغفل أن يدرج بنداً خاصاً بحقوق العمال كما في جميع الأقسام الأخرى.

 

5- الصحة: ويتحدث عن ضرورة ايجاد نظام صحي لجميع الأميركيين، خاصة بعدما أبرزت جائحة كورونا ضرورة وجود هذا النظام، كما تحدث عن الغبن اللاحق بالعاملين في هذا القطاع الذين يعملون بأقل من 15 دولار في الساعة، وبدون تقديمات اجتماعية. ويشير الى ضرورة إزالة التمييز وتحقيق العدالة والاستثمار في تفعيل القطاع، لان الضمان الصحي حق وليس امتياز.

 

6- الهجرة: وفيه تعهد بتصحيح الاجراءات السابقة والأضرار التي سببها دونالد ترامب، وعصرنة نظام منح الجنسية، وإزالة العوائق التمييزية الخ...

 

إذًا، هو برنامج عمل تقدمي ثوري بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية التي تعمل قوانينها لخدمة مصالح الشركات الكبرى وأرباب العمل، وتبتعد عن السياسات الاجتماعية التي اتبعها الاوروبيون. فهل سيطبق بايدن فعلاً هذا البرنامج أم يبقى حبراً على ورق؟ لا شكّ أن الأمر مرتبط بحصول الديمقراطيين على الغالبية في مجلس الشيوخ، بالاضافة الى قوى ومجموعات الضغط التي يمكن أن تعرقل تطبيق بعض المشاريع التي تضر بمصالح النخب التقليدية.

 

2020/11/02

انتخابات الرئاسة الأميركية: العولمة على مفترق طرق

لا شكّ أن نظام العولمة النيوليبرالي كان يعاني الكثير من المشاكل والتحديات قبل مجيء دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة الأميركية. ولقد تعمّقت الأزمة التي يعانيها هذا النظام- الذي وصل إلى أوج قوته في العقدين اللذين تليا انهيار الاتحاد السوفياتي- بعد الأزمة الإقتصادية العالمية التي ضربته بقوة عام 2008، والتي بدأت في الولايات المتحدة وضربت كل الأنظمة الرأسمالية، فكان مجيء ترامب وصعود اليمين في أوروبا هو نتيجة لتلك التحديات وليس سبباً لها.
بعد عام 2008، ضربت الأزمة الإقتصادية بقوة الطبقات المتوسطة في الغرب، ولم تستطع إدارة أوباما والسلطات الحاكمة في أوروبا أن تخفف من وطأة تلك الأزمة، لا بل إن التنافس الإقتصادي والسباق على الأسواق انتقل من الشركات الكبرى إلى الدول الصناعية التي وجدت أن الصين باتت المنافس الأقوى عالمياً، فكانت الإستراتيجية الأميركية لإحتواء الصين، وهو ما سمّاه أوباما "التوجه نحو آسيا".
ولعلّ الأزمات المتتالية من هجرة غير شرعية ومنافسة محمومة في سوق العمل، وانتقال الصناعات الى الشرق الأقصى طمعاً بالربح الأكبر والاستفادة من اليد العاملة الرخيصة، زادت من غضب الفئات الشعبية على السلطات الحاكمة، وبدا أن العولمة باتت في عنق الزجاجة، فبدأ الاستقطاب في الدول الغربية، وتسابقت الطبقات الحاكمة في الغرب على تقديم تصوّراتها لإنقاذ الهيمنة، فبرز جناحين راديكاليين: اليمين الليبرالي واليسار الليبرالي.
في الإنتخابات الأميركية عام 2016، حاربت المؤسسة الأميركية الحاكمة (الاستبلشمنت) كل من اليمين واليسار، فأطاحت ببارني ساندرز لتأتي بهيلاري كلينتون (ممثلة الطبقة الحاكمة)، التي خسرت خسارة مذلّة أمام تيار اليمين الممثّل بدونالد ترامب.
ومع مجيء ترامب، انتعش التيار اليميني في العالم، وارتفعت أسهم اليمين في أوروبا بشكل لم يعرفه منذ الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي أدخل النظام النيوليبرالي في أزمة حقيقة، مما أوجب إجراءات جذرية وإلا فإن أربع سنوات إضافية من حكم ترامب، قد تجعله ينهار كلياً.
وهكذا يبدو عام 2020 مفصلياً في هذا المسار، فلقد ضربت جائحة كورونا العالم، وبالرغم من المشاكل الإقتصادية والصحية التي سببتها وأعداد القتلى التي خلّفتها، فإن الدول النيوليبرالية سوف تستفيد منها في أمرين: الانتخابات الأميركية، وتكريس هزيمة اليمين.
- الإنتخابات الأميركية: يترقب العالم كله نتيجة الإنتخابات الأميركية في 3 تشرين الثاني / نوفمبر. أما بما يخصّ دول الغرب الليبرالي، فإن هزيمة ترامب (التي قد تكون بشكل أساسي بسبب الجائحة) تعني العودة الى السياسة التقليدية للولايات المتحدة الأميركية، كما تعني ضربة كبرى لليمين العالمي الذي دعمه ترامب وأعطاه متنفساً. وبمراجعة سريعة لما فعله ترامب خلال عهده، نجد أنه قوّض المؤسسات التعاونية الغربية، وخرج من الإتفاقيات المتعددة الأطراف، وحاول ضرب وحدة الإتحاد الأوروبي، وأعاد العالم الى عصر الحمائية وفرض الرسوم الجمركية في ضربة لما تحقَّقَ في التسعينات بشأن تأسيس منظمة التجارة العالمية (التجارة الحرّة) الخ...
أبعد ترامب نفسه عن كل القيم النيوليبرالية الأخرى، فشجع بناء الجدار مع المكسيك، وساهم في تأجيج العنصرية ضد السود والمسلمين، وشجّع اليمين الأوروبي على رفض الهجرة، والعودة الى الدولة الوطنية الخ...
وهكذا، يتطلع الغرب النيوليبرالي بقوة الى هزيمة ترامب، لأن فيها ضربة قوية لليمين؛ فبانتهاء الظاهرة الترامبية، سيكون من الأصعب على اليمين في العالم الحفاظ على موقعه المتقدم.
- تأثير الجائحة على اليمين في العالم: لقد أظهرت استطلاعات الرأي في الدول الغربية بعد الموجة الاولى من جائحة كورونا، تراجع أسهم اليمين في تلك الدول، بعدما كان في أوج قوته قبلها. لكن ما أن أُعيد تحرير الإقتصاد - ولو جزئياً- في الصيف، وتراجعت أخبار الإصابات والوفيات، حتى بدأت نسب اليمين ترتفع مجدداً في استطلاعات الرأي.
واليوم، يراهن الغربيون على أن تؤدي الموجة الثانية من الجائحة التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر، إلى تعميق أزمة اليمين وتكريس هزيمته، لا سيما إذا أتت في ظل هزيمة ترامب في الولايات المتحدة. وهكذا تؤدي الانتخابات التي ستجري في العديد من دول العالم بين عامي 2021 - 2022 (منها ألمانيا، فرنسا، البرازيل، السويد، هنغاريا، إيطاليا، الهند...) إلى عودة مظفرة للقوى النيوليبرالية في تلك البلدان، وبالتالي عودة النظام القديم الى عهده وإعادة تكريس العولمة، والتي وصفها هنري كيسنجر ذات مرة، "ما يُسمى بالعولمة هو في الحقيقة إسم آخر للدور المهيمن للولايات المتحدة الأميركية."

حقوق لبنان البحرية: الرئيس عون جاهز للمعركة

في الوقت الذي يخوض الاعلام الاسرائيلي مفاوضات موازية عبر إعلامه ووسائل التواصل لديه، فيها التهديد للبنان، وفيها السقف العالي لإخافة المفاوض اللبناني، لم تتوقف المزايدات الشعبوية منذ تشكيل الوفد اللبناني الى المفاوضات غير المباشرة مع "اسرائيل" لترسيم الحدود البحرية للبنان، والتي تحصل في الناقورة برعاية الأمم المتحدة. مع العلم أن الوفد اللبناني ورئيسه يخوض معركة صعبة، خاصة في ظل الاستياء الاسرائيلي (وضمناً الأميركي) من الخرائط الواضحة والدقيقة والعلمية التي طرحها لبنان والتي تعطيه أكثر بكثير مما كان اتفاق "الاطار" قد حدده.

ولقد بلغ الاستياء الاسرائيلي درجة كبيرة وبشكل واضح، بحيث أطلق الاعلام "الاسرائيلي" على الخريطة التي تقدم بها لبنان للمفاوضات، وصف "الخريطة الاستفزازية"، واعتبر أنها لن تكون مادة للتفاوض وأنها قد تفجّر المفاوضات برمتها.

ولقد أصدرت وزارة الطاقة "الاسرائيلية"، بيانًا اعتبرت فيه أن "جميع حقول الغاز التي هي قيد التطوير قبالة سواحل إسرائيل، ليست محلاً للخلاف مع لبنان، وهي لن تكون بشكل مطلق على طاولة المفاوضات".

الأكيد، أن الضغوط السياسية على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سوف تشتد، خاصة بعدما تبين أن التوجيهات التي أعطاها للمفاوض اللبناني والدعم الذي قدمه له، سيجعله يصرّ على الخرائط الجديدة التي يعرضها الجيش اللبناني والتي تعطي لبنان الحق في التفاوض على أكثر بكثير من مساحة 860 متراً التي حددها "إتفاق الإطار" والتي يريد الأميركي والاسرائيلي - بالأساس- قضم ما يوازي نصفها تقريباً.

 لذا، نتوقع أن يستعيض "الاسرائيلي" عن ضعف موقفه القانوني والحقوقي، باستخدام الضغوط الأميركية والأممية على لبنان لمحاولة ثني لبنان عن المطالبة بالحقوق القصوى التي يحق له الحصول عليها، والتي يستند إليها لبنان إنطلاقاً مما يلي:

أولاً- يصرّ الوفد اللبناني على الركون الى خرائط ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة والثابتة في كل المحافل الدولية، وهي اتفاقية بوليه - نيوكمب 1923 والتي ثبتت في اتفاقية الهدنة 1949، لذا لا يحتاج لبنان الى ترسيم حدوده البرية بل أن يتم تحديدها فقط، وإزالة الاعتداء الاسرائيلي عليها وإعادة النقاط الى أماكنها بعدما تلاعب بها الاسرائيلي وأزاحها.

كما أن اعتماد المفاوض اللبناني على مرجعية القرار 425، يؤكد أن على "الاسرائيلي" الانسحاب من المناطق التي يعتدي عليها ويحتلها برياً بدون أي قيد أو شرط، وإن لبنان لا يحتاج لتفاوض على الحدود الدولية البرية من اجل إزالة الاعتداء الإسرائيلي عنها.

ثانياً- ينطلق لبنان في ترسيم الحدود البحرية من القانون الدولي للبحار عام 1982، والذي يؤكد أن الصخور البحرية غير المأهولة وغير القابلة للسكن لا يحتسب لها أي نطاق بحري اقليمي. ولقد أبرز المفاوض اللبناني خرائط وصوراً جوية ووثائق تؤكد أن صخرة "تخليت" - التي يحاول الاسرائيلي الادعاء بأنها جزيرة وقام بوضع برج عليها للتمويه- هي مجرد صخرة لا تنطبق عليها مواصفات الجزيرة.

وعليه، وبحسب ما ينطلق منه الوفد اللبناني، يحق للبنان مساحة 1700 كلم إضافية وليس فقط 860 كلم، وهذا سيرتب على اللبنانيين الاستعداد لما سيأتي ومن أهمه:

- ضغط سياسي واقتصادي أميركي للتنازل.

- تهويل اسرائيلي بالانسحاب من المفاوضات وتحميل لبنان تبعات ذلك، وقد يتنطح نتنياهو وصقور اليمين للتهديد العسكري.

- ضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية داخلية للتهويل على رئيس الجمهورية للتراجع، والتي ستتخذ عناوين عدّة للتعمية على الهدف الأساسي (اتهامات بالفساد، اتهامات بالعرقلة، دعوات للاستقالة الخ...)

ولكن، لبنان لا يمكن أن يتنازل عن أي شبر من ارضه وحدوده البحرية ولا البرية، كما أن رئيس الجمهورية، الذي قال يوماً "يستطيع العالم أن يسحقني ولن يأخذ توقيعي"، لن يرضخ لأي تهديدات وضغوط خارجية، ولن تثنيه الحملات الداخلية المشبوهة والمدفوعة الثمن التي ستشنّ عليه داخلياً بالتزامن مع الضغوط الخارجية للتنازل عن الحقوق اللبنانية.

حقوق لبنان البحرية: الرئيس عون جاهز للمعركة

 

 

في الوقت الذي يخوض الاعلام الاسرائيلي مفاوضات موازية عبر إعلامه ووسائل التواصل لديه، فيها التهديد للبنان، وفيها السقف العالي لإخافة المفاوض اللبناني، لم تتوقف المزايدات الشعبوية منذ تشكيل الوفد اللبناني الى المفاوضات غير المباشرة مع "اسرائيل" لترسيم الحدود البحرية للبنان، والتي تحصل في الناقورة برعاية الأمم المتحدة. مع العلم أن الوفد اللبناني ورئيسه يخوض معركة صعبة، خاصة في ظل الاستياء الاسرائيلي (وضمناً الأميركي) من الخرائط الواضحة والدقيقة والعلمية التي طرحها لبنان والتي تعطيه أكثر بكثير مما كان اتفاق "الاطار" قد حدده.

 

ولقد بلغ الاستياء الاسرائيلي درجة كبيرة وبشكل واضح، بحيث أطلق الاعلام "الاسرائيلي" على الخريطة التي تقدم بها لبنان للمفاوضات، وصف "الخريطة الاستفزازية"، واعتبر أنها لن تكون مادة للتفاوض وأنها قد تفجّر المفاوضات برمتها.

 

ولقد أصدرت وزارة الطاقة "الاسرائيلية"، بيانًا اعتبرت فيه أن "جميع حقول الغاز التي هي قيد التطوير قبالة سواحل إسرائيل، ليست محلاً للخلاف مع لبنان، وهي لن تكون بشكل مطلق على طاولة المفاوضات".

 

الأكيد، أن الضغوط السياسية على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سوف تشتد، خاصة بعدما تبين أن التوجيهات التي أعطاها للمفاوض اللبناني والدعم الذي قدمه له، سيجعله يصرّ على الخرائط الجديدة التي يعرضها الجيش اللبناني والتي تعطي لبنان الحق في التفاوض على أكثر بكثير من مساحة 860 متراً التي حددها "إتفاق الإطار" والتي يريد الأميركي والاسرائيلي - بالأساس- قضم ما يوازي نصفها تقريباً.

 

 لذا، نتوقع أن يستعيض "الاسرائيلي" عن ضعف موقفه القانوني والحقوقي، باستخدام الضغوط الأميركية والأممية على لبنان لمحاولة ثني لبنان عن المطالبة بالحقوق القصوى التي يحق له الحصول عليها، والتي يستند إليها لبنان إنطلاقاً مما يلي:

 

أولاً- يصرّ الوفد اللبناني على الركون الى خرائط ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة والثابتة في كل المحافل الدولية، وهي اتفاقية بوليه - نيوكمب 1923 والتي ثبتت في اتفاقية الهدنة 1949، لذا لا يحتاج لبنان الى ترسيم حدوده البرية بل أن يتم تحديدها فقط، وإزالة الاعتداء الاسرائيلي عليها وإعادة النقاط الى أماكنها بعدما تلاعب بها الاسرائيلي وأزاحها.

 

كما أن اعتماد المفاوض اللبناني على مرجعية القرار 425، يؤكد أن على "الاسرائيلي" الانسحاب من المناطق التي يعتدي عليها ويحتلها برياً بدون أي قيد أو شرط، وإن لبنان لا يحتاج لتفاوض على الحدود الدولية البرية من اجل إزالة الاعتداء الإسرائيلي عنها.

 

ثانياً- ينطلق لبنان في ترسيم الحدود البحرية من القانون الدولي للبحار عام 1982، والذي يؤكد أن الصخور البحرية غير المأهولة وغير القابلة للسكن لا يحتسب لها أي نطاق بحري اقليمي. ولقد أبرز المفاوض اللبناني خرائط وصوراً جوية ووثائق تؤكد أن صخرة "تخليت" - التي يحاول الاسرائيلي الادعاء بأنها جزيرة وقام بوضع برج عليها للتمويه- هي مجرد صخرة لا تنطبق عليها مواصفات الجزيرة.

 

وعليه، وبحسب ما ينطلق منه الوفد اللبناني، يحق للبنان مساحة 1700 كلم إضافية وليس فقط 860 كلم، وهذا سيرتب على اللبنانيين الاستعداد لما سيأتي ومن أهمه:

 

- ضغط سياسي واقتصادي أميركي للتنازل.

 

- تهويل اسرائيلي بالانسحاب من المفاوضات وتحميل لبنان تبعات ذلك، وقد يتنطح نتنياهو وصقور اليمين للتهديد العسكري.

 

- ضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية داخلية للتهويل على رئيس الجمهورية للتراجع، والتي ستتخذ عناوين عدّة للتعمية على الهدف الأساسي (اتهامات بالفساد، اتهامات بالعرقلة، دعوات للاستقالة الخ...)

 

ولكن، لبنان لا يمكن أن يتنازل عن أي شبر من ارضه وحدوده البحرية ولا البرية، كما أن رئيس الجمهورية، الذي قال يوماً "يستطيع العالم أن يسحقني ولن يأخذ توقيعي"، لن يرضخ لأي تهديدات وضغوط خارجية، ولن تثنيه الحملات الداخلية المشبوهة والمدفوعة الثمن التي ستشنّ عليه داخلياً بالتزامن مع الضغوط الخارجية للتنازل عن الحقوق اللبنانية.