2012/06/20

مخطط هدم الدولة.. لصالح من؟

يوماً بعد يوم، تعيش الساحة اللبنانية على وقع أزمات متنقلة، منها المفتعل ومنها الطبيعي نتيجة غياب الدولة، وغياب المسؤولين عن الاهتمام بمسؤولياتهم، ونتيجة إرث من التسيب والفساد والهدر وعدم المساءلة، وغياب حكم القانون عقوداً طويلة.
لكن، ما يحصل اليوم يشير بشكل لا لبس فيه، أن هناك ضرورة ماسّة، لرفع مستوى الإنذار، ليقارب الخط الأحمر المسموح معه ترك البلاد والدولة على غاربها، وترك السفينة تبحر بمفردها بدون قبطان يقودها إلى برّ الأمان في أتون عاصفة إقليمية هوجاء تكاد تقتلع دولاً، وتفتت أخرى، وتشظي بتداعياتها البعض الآخر.
وعلى ما يبدو، أن هناك خطة منهجية لتقويض ما تبقى من هيكل دولة منهوبة منخورة بالفساد، أما ملامح هذه الخطة فتظهر كما الآتي:
أولاً تقويض المؤسسات، وفيها نرى ما يلي:
-       انهيار الثقة بالمؤسسة الأعلى، أي مؤسسة مجلس الوزراء، التي يعطيها دستور ما بعد الطائف الصلاحيات الكاملة وينوط بها مجتمعة إدارة البلاد وتسيير شؤونها، أما انهيار الثقة هذه، فيعود إلى كونها تبدو مؤسسة معطلة مشلولة، لا تستطيع أن تأخذ قراراً حازماً، مناسباً وفي التوقيت المناسب، فإما أن تكون القرارات غير حازمة، مائعة لا لون لها ولا طعم ولا تتصدى للمشكلة وجذورها، وإما أن تستمر المماطلة والتسويف، فيأتي القرار في غير توقيته المناسب، بعد أن تكون الدولة قد تكبدت خسائر كبيرة، أو بعد أن تكون مصداقية الحكومة قد انهارت في هذا الملف وطغت الشياطين على تفاصيله، فأتى مشوهاً، مسخاً لا يحلّ قضية، بل يهرب بها إلى الأمام لتنفجر في وقت لاحق.
-       ويمكن إضافة عامل آخر إلى فقدان الثقة بتلك المؤسسة، ففعلياً وواقعياً، يبدو الرئيس الفعلي لتلك المؤسسة هو سهيل البوجي، علماً أن وجوده غير قانوني منذ العام 2006، ويقوم بدسّ ملفات وتهريب أخرى من جدول أعمال مجلس الوزراء، والتهمة الأكبر تزوير محاضر مجلس الوزراء، التي كلفت الدولة مئات ملايين دولار، في ملفات عدة كالخلوي وغيرها، ولا مَن يستطيع أن يقطع دابر الفساد في تلك المؤسسة، وإلا اتُهم بالمسّ بطائفة بكاملها، في عملية تمسّ بتلك الطائفة العريقة المحترمة، واحترام أبنائها للأصول والدستور والقوانين، بتصويرهم يغطّون على أفعال وارتكابات، وجعل الفاسدين ممثلين وحيدين لهم في الدولة.
-       تشويه صورة القضاء اللبناني، تلك المؤسسة التي حافظت على تماسك، وسمعة مقبولة في ظل انهيار المؤسسات الأخرى، لكن البعض قوضها بعد فضائح كثيرة، طاولت ملفات عديدة، وقد تكون الضربة الكبرى التي تلقتها تلك المؤسسة، إخراج شادي المولوي من السجن، وهو المطلوب بتهم خطيرة أقلّها الاشتراك في تنظيم مسلح لتقويض أمن وسلطة الدولة اللبنانية.
ثانياً: زعزعة الأمن والاستقرار
وفي هذا، ندرج بداية عدم الثقة بالقوى الأمنية، التي ظهرت منذ استئثار تيار المستقبل بالسلطة، وكأنها إقطاعية يحكمها شخص فوق المحاسبة وفوق المساءلة، زد على ذلك، ما يثار همساً وفي الإعلام عن ضلوع تلك المؤسسة في عمليات خرق القانون المفترض بها أن تحفظه وتطبقه، وتواطؤ مع المنظمات الإرهابية التي من المفترض أن تجتثها.
ثم ننتقل إلى محاولة إحراج الجيش اللبناني، ومحاولة افتعال فتن متنقلة لإلهائه وإشغاله، علماً أن تقويض مؤسسة الجيش يبدو أولوية، لمن يسير في مخطط هدم الدولة اللبنانية، لأن تلك المؤسسة، هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على تماسكها وهيبتها ونظافتها في ظل كل التردي الحاصل في المؤسسات الأخرى، وإن انهيار مؤسسة الجيش أو إغراقها بفتن متنقلة، وإظهارها عاجزة عن مسك الملف الأمني، أساسي جداً وضروري لكل المخططات الجهنمية كإغراق لبنان، أو تفتيته، أو تقسيمه، أو جعله ساحة نصرة وجهاد لما يسمى "الثورة السورية".
ثالثاً: تعطيل المرافق الحيوية والحياتية
ونذكر في هذا المجال، على سبيل المثال لا الحصر، تعطيل مطار بيروت الدولي وأزمة الكهرباء.
يكاد لا يمر يوم، إلا ويقوم بعض المواطنين "الغاضبين" بإقفال طريق المطار وتعطيل هذا المرفق الحيوي وتعطيل حركة الركاب والمسافرين، وبات مشهد الإطارات المشتعلة، مشهداً يومياً يقرب إلى المهزلة، فكلما حصل شجار بين رجل وزوجته، "يفش خلقه" بإحراق الدواليب وقطع طرق دولية، مع ما يترتب على ذلك من تشويه لصورة لبنان، وتلويث البيئة وغيرها.
أما  أزمة الكهرباء القديمة المتجددة، فتبدو اليوم مفتعلة افتعالاً، تعيدنا إلى المربع الأساس الذي انطلقنا منه وهو مؤسسة مجلس الوزراء المعطلة، فمن منا ينسى، التصريحات المتكررة لوزير الطاقة الذي قال إن التعطيل والتسويف والمماطلة وبقاء المؤسسة على ما هي عليه، سيجعل الصيف كارثياً؟ علماً أن الحلف الجنبلاطي – الميقاتي - الرئاسي المعروف بتعطيله لأعمال الحكومة ما زال مستمراً بالتعطيل بالرغم من كل الخسائر.
وتطفو اليوم مشكلة "المياومين"، علماً أن إطلاق صفة المياومين عليهم هو خطأ شائع، فهؤلاء بالأساس ليسوا عمالاً في مؤسسة كهرباء لبنان ولا أجراء، بل هم عمال على لائحة متعهدي عمل، وبالتالي إن القانون المقدم ينصفهم، ويعطيهم حقوقاً حرموا منها على مدى عشرين عاماً وأكثر، وقد تكون قصة هؤلاء، كما قصة العمال، الذين حاول الوزير شربل نحاس أن يخدمهم فانقلبوا عليه.
في النهاية، لا يكفي أن نقول إن هناك أيادي خارجية تريد العبث بأمن لبنان وتقويض الدولة ومؤسساتها، وهي موجودة بالفعل، لكن تبقى المسؤولية بأيدي اللبنانيين أنفسهم، الذين ارتضوا أن يكونوا أدوات بيد الخارج، وقبلوا السير بأوهام تحقيق الإمارة، واقتطاع جزء لحكمه، أو تحقيق ما عجزت عن تحقيقه الدول الكبرى في كل من تركيا والأردن من مناطق عازلة للهجوم على سورية، وتبقى المسؤولية الأكبر على ما قيل أنه "أكثرية" تحكم، وتبين أنها تستخدم أدوات خصومها، للف مشنقة على عنقها، ما زالت تضيق يوماً بعد يوم، وقد تؤدي إلى إعدامها في الانتخابات النيابية القادمة إذا لم تنتبه وتنتفض لتفكّ قيودها وتقطع المشنقة قبل فوات الأوان.
ليلى نقولا الرحباني

2012/06/13

هل تحوّل "الربيع العربي" إلى ربيع "إسرائيلي"؟


لا شكّ أن الأحداث التي حصلت في العالم العربي، والتي أعادت خلط الأوراق في المنطقة، ستؤثر بشكل كبير على الصراع العربي - "الإسرائيلي"، لذا تعمل "إسرائيل" اليوم على إعادة تقييم استراتيجياتها في المنطقة للاستفادة مما أسمي زوراً "الربيع العربي"، وهو أبعد ما يكون عن الربيع بجماله وإشراقه ونوره، ويبقى الإرباك الأكيد للخطط "الإسرائيلية" هو استمرار صمود الحلف المقاوم تجاه الريح التي تعصف بالمنطقة، والتي ترمي إلى اقتلاع سورية من الحلف تمهيداً لإضعافه فتفكيكه، وإراحة "إسرائيل"، وحفظ أمنها واستقرارها في منطقة ملتهبة تعيش أزماتها الداخلية، وتغض الطرف عن فلسطين والقضية الفلسطينية.
وبدراسة الحالة "الإسرائيلية" اليوم وتقييمها نجد ما يلي:
أولاً: الساحة الفلسطينية: وفيها ضعف كبير إلى حد التهميش للأطراف الفلسطينية، فسقوط مبارك، وهو ما كان يعتبر الحليف الاستراتيجي الأقوى في ما يسمى "معسكر الاعتدال"، أضعف حركة فتح والسلطة الفلسطينية، وفي المقابل، فإن خروج حماس من سورية، وظهورها بمظهر المنقلب على تاريخها، وعلى دولة ممانعة أعطت القضية الفلسطينية الكثير وقدمت من أجلها التضحيات، قد أضعف حماس وأفقدها مصداقيتها أيضاً، وبضعف الأطراف الفلسطينية، تجد "إسرائيل" نفسها مرتاحة في سياساتها التهويدية والتهجيرية داخل فلسطين.
ثانياً: سورية: بالرغم من التصريحات الإسرائيلية المختلفة حول ضرورة التدخل العسكري الدولي في سورية،  تعيش إسرائيل حالة قلق مما قد يحمله سقوط  النظام السوري من تداعيات وفوضى على الساحة السورية، في ظل غياب بديل واضح للسلطة السورية، غير موجود لا واقعياً ولا في أذهان المخططين الغربيين للثورة السورية، وبالرغم من تسابق "الثوار" على خطب ودّ المجتمع الدولي، ومعه "إسرائيل"، لمساعدتهم للتخلص من النظام، لكن يبدو أنه ليس من أحد قادر على الإمساك بزمام الأمور وتشكيل بديل واعد للنظام القائم.
لذا، تسعى "إسرائيل" جاهدة لأن يكون الحل في سورية بأن يأتي حكم تابع يقيم معها علاقات ودية وطبيعية، وينهي تاريخ من الصراع المستمر، وإن تعذّر ذلك، فتفضل أن تحيّد سورية في الصراع العربي - "الإسرائيلي" بإغراقها بمشاكلها الداخلية والفوضى والإرهاب؛ كما حصل مع العراق.
ثالثاً، وهو الأهم، مصر:
أ- تدرك "إسرائيل" أن "الإسلام السياسي" الواصل إلى الحكم في مصر لن يستطيع فتح جبهات متعددة داخلية وخارجية، فهو سيغرق في مشاكل اجتماعية واقتصادية هائلة، لا طاقة له على حلّها بمفرده، وسيحتاج إلى دعم دولي لتخطيها، لذلك لن يقوم بمسّ الاتفاقيات التي عقدتها السلطات المصرية سابقاً، وسيحافظ على كامب دايفد وغيرها، وسيقدم الكثير من التنازلات.
لكن تبقى بعض الهواجس "الإسرائيلية" بأن تدفع المشاكل الكبيرة في الداخل، وفشل الحكم المصري الجديد في مواجهتها، بأن يقوم بمحاولة الهروب إلى الأمام، فيصوّب على الصراع العربي - "الإسرائيلي"، كما فعل أسلافه، حين تهربوا من استحقاقات الداخل من ديمقراطية وعدالة وتنمية وحقوق إنسان باللجوء إلى شعارات "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".
ب- ترتاح "إسرائيل" للإسلام السياسي الواصل إلى الحكم، والذي يحاول أن يقتدي بالنموذج التركي،  فهي تعلم أن الأتراك وفي خضمّ حملاتهم السياسية "الإعلامية" المناهضة لـ"إسرئيل"، لم يقدموا على إلغاء أي من الاتفاقيات العسكرية أو الاقتصادية معها، ولم يلتحقوا بالالتحاق بالحلف المعادي.
ج- يظهر من حركة "الإخوان" الذي ينافسون للوصول إلى السلطة اليوم، أنهم مستعدون للسير بنفس السياسيات المصرية السابقة مع بعض عمليات الديكور التي تحفظ لهم ماء وجههم، ونذكر في هذا السياق، ما كشفته صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن لقاء سري كان مقرراً عقده في واشنطن هذا الأسبوع بين مسؤولين في الكنيست وممثلين عن وفد برلماني مصري يضم نواباً من حزب "الحرية والعدالة" التابع لـ"الإخوان"، والذي ألغي بعد انكشاف أمره، وأوضحت الصحيفة أن قرار الإلغاء اتخذ بعد "النشر المبكر" عن اللقاء "الذي كان من المفترض أن يبقى سرياً"، واعتبر "الإسرائيليون" أن إلغاء اللقاء جاء "في ضوء حساسية الوضع المصري، خصوصاً في ما يتعلق بنواب البرلمان المنتمين لحركة الإخوان المسلمين".
لا يبدو هذا الأمر مستغرباً، فمنذ وصول "الإخوان" إلى الحكم في مصر، وهم يمارسون سياسة الازدواجية في كل مسيرتهم السياسية والإعلامية، تتجلى في:
-       سياسة إقصائية وتشدد في الداخل، مقابل براغماتية ومرونة في التعامل مع الخارج.
-       الحديث عن تشدد في تطبيق الشريعة في الداخل مقابل حديث عن دولة مدنية تعددية تحترم خصوصيات الجميع في الخارج.
-       خطاب موجّه للداخل عن أهمية فلسطين، وأن "إسرائيل" خط أحمر بالنسبة إلى "الإخوان"، مقابل تصاريح أخرى "مصوّرة ومكتوبة" باللغة الإنكليزية، تتحدث عن حق "إسرائيل" في الوجود والعيش بأمان، بالإضافة إلى اللقاءات السريّة التي تعقد مع الإسرائيليين والتي قد يكون اللقاء الأخير الملغى أحدها وليس يتيماً.
في المحصلة، يكمن التخوف المشروع من بروز استفادة "إسرائيلية" من الحراك العربي الحاصل، والأخطر هو أن ينجح الغرب و"إسرائيل" في تحويل الصراع من صراع وجودي عربي - "إسرائيلي" إلى صراع طائفي  سنّي - شيعي، فيحلّ العامل المذهبي والديني مكان العوامل القومية والوطنية، وتتحول إيران العدو بدل "إسرائيل"، وتعيش المنطقة حروب الآلهة على الأرض، ما يؤدي إلى تفتيتها وتقسيمها دويلات طائفية متناحرة، تبرر وجود دولة يهودية على أرض فلسطين، فتدفع فلسطين والفلسطينيون ثمن "ربيع" لم يبزغ فجره، ولا يبدو أنه سيحلّ في ربوعنا.
ليلى نقولا الرحباني

2012/06/06

أوهام الكونتون المسيحي في "وهّابستان" لبنان

لم يكن الهجوم على الجيش اللبناني، والاتهامات التي سيقت له وليدة ظرف طارئ أو نتيجة لحادث ما حصل صدفة، ولم تكن بالطبع وليده صدفة وأجواء مشحونة في بلد يعيش على وقع الأزمة السورية وتطوراتها وتأزمها، بل لطالما كان الجيش اللبناني دائماً عرضة لهجومات شرسة من ميليشيات تريد إلغاءه وإلغاء دوره، فكلما ظهرت ميليشيا هنا أو هناك، وكلما شعرت بفائض القوة في شارعها، عمدت مسرعة إما إلى الهجوم على الجيش، في محاولة لتقزيم دوره وتعطيل قوته في مناطق نفوذها، أو محاولة استمالته لاستخدامه أداة في ضرب مناوئيها وخصومها السياسيين في المناطق الأخرى.

وهكذا، عانى الجيش اللبناني ما لم تعانيه أي مؤسسة أخرى في الوطن، من نفاق وازدواجية امتهنها فريق 14 شباط بميليشياته المتعددة. ففي نفس الوقت الذي كانت تلك القوى تتغنى بالجيش وبقوته لتصويره قادراً على الدفاع عن لبنان في وجه "إسرائيل" لإحراج المقاومة أمام الرأي العام اللبناني، وللمطالبة بنزع سلاحها، كانت حكومات السنيورة المتعاقبة تضيّق عليه وتحرمه من السلاح والتهجير وزيادة العدد، ويتم إنشاء القوى الأمنية البديلة لاستخدامها أداة بيدها في مواجهة اللبنانيين الآخرين وتنفيذ أجندتها السياسية والأمنية في الوطن.

أما بالنسبة إلى مسيحيي 14 شباط، فالنفاق أكبر؛ تراهم يتحدثون عن مطالبتهم بتسليم سلاح المقاومة إلى الجيش اللبناني مع إبراز ثقتهم بهذا الجيش، وفي الوقت نفسه يُخرجون حقدهم على الجيش بواسطة منتمين سابقين إلى المؤسسة العسكرية، فضّلوا العمل الميليشوي والالتحاق بقطّاع طرق على رصانة وهيبة مؤسسة وطنية جامعة، ليتهموا الجيش بأنه مجموعة مجرمين مقوننين، وكما في الأيام الغابرة، وفي مديح للمؤسسة العسكرية ودعوتها لبسط سلطتها لم تنطلِ على أحد، وحين فشل هؤلاء بإلحاق الجيش بهم وتغيير عقيدته، شنوا عليه حروبهم، ومن ينسى حروب هؤلاء السابقة ضد الجيش اللبناني التي بدأت باغتيال ضباطه، والتضييق على عسكرييه، واستفزازهم على الحواجز، وقتلهم.. ثم التعاون مع الجيش السوري - المتهم من قبلهم الآن - على دكّ مناطق الجيش اللبناني بالمدفعية الثقيلة، ثم قتل ضباطه في عمشيت، بطلقات في رؤوسهم وهم أسرى.

وإذا كان هجوم تيار المستقبل وسلفييه، كخالد الضاهر وغيره، على الجيش اللبناني معروفاً ومفهوم المآرب والغايات، ومنطقياً من وجهة نظر سياسية مكيافيللية، حيث الغاية تبرر الوسيلة، فما الذي غيّر مفهوم دخول مسيحيي 14 شباط على خط الهجوم على الجيش في هذا الظرف بالذات؟
قد يُفهم هجوم تيار المستقبل على الجيش اللبناني في ظل توجه هؤلاء لاقتطاع منطقة لبنانية لتأسيس إمارة والتفرد بها وبأمنها، واستخدامها منصة للهجوم على سورية، وإن يفكر تيار المستقبل استراتيجياً، وبحسب الدور المرسوم له والمطلوب منه أداؤه، فهو يجد أن الجيش اللبناني بات عائقاً أمام الفرز المذهبي، وأمام قدرته على إخراج المارد المذهبي من عقاله، لإشعال فتنة مذهبية سنية - شيعية لن تبقي ولن تذر في الوطن والمنطقة، وهو أصلاً مكلّف بإشعالها، وعليه القيام بتذليل العوائق التي تمنع هذه الفتنة وهذه الفوضى المطلوبة، لذلك، فإن تكفير الجيش اللبناني، من قبل تكفيريين لا يؤمنون بالمشاركة ولا بالديمقراطية، ويقوم فكرهم على الإلغاء والإقصاء والقضاء على كل فكر مختلف، يبدو أمراً طبيعياً إذا ما عرفنا خطة هؤلاء واستراتيجتهم، وطموحهم بإقامة الإمارة الوهابية التي تبدأ من الشمال وتحاول التمدد من هناك لتربط بيروت وصولاً إلى صيدا، حيث تستطيع أن تشكّل تهديداً دائماً للمقاومة في الجنوب يلهيها في الداخل ويحجب أنظارها عن العدو في الناحية الأخرى.
أما تنطح بعض مسيحيي 14 شباط للمساهمة في الهجوم على الجيش اللبناني، فلا يمكن أن يُفهم إلا أن هؤلاء يعيشون أحلاماً بتأسيس كونتون مسيحي يحكمونه، ويعتقدون أن إقامة إمارة سلفية في الشمال، ستجعل من المنطقي تأسيس ذلك الكونتون، وأن التحالف بينهم وبين الوهابيين سيؤدي إلى أن يبارك الملك السعودي لجعجع كونتونه، لكن ما لا يعرفه هؤلاء، أن الإمارة الوهابية التي يُطمح إلى تأسيسها في الشمال، ستحاول الامتداد لربط بيروت وصيدا، ولن تقبل بكونتون مسيحي يشكّل خاصرة رخوة للإمارة، أو يقتطع الإمارة ويُفقد بيروت وصيدا العمق الاستراتيجي المطلوب في المواجهة مع المقاومة في الجنوب والبقاع.
وما لا يدركه هؤلاء أيضاً، أن نار الفتنة المذهبية السنية - الشيعية التي يحاولون إذكاءها، طمعاً منهم بإقامة كونتونهم المسيحي، سوف تحرق المسيحيين قبل غيرهم، وإن ما يحاولون القيام من إضعاف دور الجيش خدمة لحلفائهم الوهابيين، ولئلا يقف عائقاً أمام قدرتهم على تقسيم لبنان، سيترك المسيحيين في مهب الريح، ويكشفهم أمنياً أمام الأخطار التي ستحدق بهم، وسيجعل من هجرتهم الحل الأخير للحفاظ على وجودهم وحياتهم، فقوة الجيش وهيبته هي الضمانة الوحيدة للوجود المسيحي في لبنان.

واقعياً، تعيش المنطقة اليوم أخطر مرحلة في تاريخها الحديث، فإما أن يتم التنبه لما يحاك، أو تدخل المنطقة في فتنة مذهبية قاتلة، وتغرق في فوضى وحروب مذهبية تؤدي إلى تقسيمها، وفي التقسيم لن يكون للمسيحيين مكان هنا، وسيتحولون وقوداً للفتنة، وهدفاً للانتقام.

المسيحيون أمام مرحلة مفصلية في حياتهم ووجودهم في هذا الشرق، فهل يتعظون ويستفيقون لتحمل مسؤولياتهم التاريخية، أو يكون مصيرهم كمصير العراقيين المسيحيين، أو مصير مسيحيي القدس؟ الجواب رهن وعيهم.

ليلى نقولا الرحباني